← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 11971–12010 · переход к 11976.

стр. 11971

الخطاب ﵁ قال: بينا (١) نحن عند رسول اللَّه ﷺ ) بينا هذِه هي (بين) الظرفية زيد عليها الألف؛ لتكفها عن عمل الخفض (إذ طلع علينا رجل) إذ هذِه للمفاجأة، كما أن (إذا) في قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٢) للمفاجأة (شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) فيه لبس البياض لمن لحيته سوداء، كما يلبس السواد من لحيته بيضاء، فإن الشيء يستملح مع ضده. وفيه دليل على استحباب تحسين الثياب وحسن الهيئة والنظافة؛ للدخول على العلماء والفضلاء والملوك، فإن جبريل أتى في صورة آدمي ليعلم الناس بكلامه ولبسه وهيئته، (لا يرى عليه) قال النووي: ضبطناه بالياء المثناة تحت المضمومة (٣). يعني: ورفع (أثر السفر) وضبطه أبو حازم العبدري بالنون المفتوحة يعني: ونصب (أثر) وكذا هو في "مسند أبي يعلى الموصلي" (٤) وكلاهما صحيح (ولا نعرفه) بالنون المفتوحة أوله، وهذا يرجح رواية النون في (نرى) (حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه) وروى النسائي هذا الحديث، وزاد فيه زيادة حسنة فقال: كان رسول اللَّه ﷺ بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم (٥) هو حتى يسأل، فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه، وإنا لجلوس عنده ورسول اللَّه ﷺ في مجلسه إذ

стр. 11972

أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا حتى سلم من طرف السماط (١)، فقال: السلام عليكم يا محمد. فرد ﵇، فقال: أدنو يا محمد؟ . قال: "ادن" فما زال (٢) يقول: أدنو مرارًا ويقول: "ادن" حتى وضع يده على ركبتي النبي ﷺ (٣). وذكر نحو ما يأتي. وفيه من الفقه في قوله: (السلام عليكم) فعم، ثم قال: (يا محمد) فخص. وفيه الاستئذان في القرب من الإمام مرارًا وإن كان الإمام في موضع مأذون فيه، وفيه جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد إذا دعت إلى ذلك ضرورة تعليم، وقد بين فيه أن جبريل وضع يديه على ركبتي النبي ﷺ ، فارتفع الإجمال الذي في قوله: (ووضع كفيه على فخذيه) وإنما فعل جبريل ذلك -واللَّه أعلم- ليبين جواز هذا للسائل وتنبيهًا على ما ينبغي للسائل من قوة النفس عند السؤال، وعدم المبالاة بما يقطع عليه خاطره، وعلى ما ينبغي للمسؤول من الصفح عن السائل وإن تعدى بترك الإذن وبيان الإجمال بما ورد في "السنن" من الروايات أولى من غيره، فإن النووي بين إجمال الحديث بأن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه وجلس على هيئة المتعلم (٤). ولو راجع النووي النسائي لما فسر الحديث بغير الرواية الواردة في "السنن".

стр. 11973

(وقال: يا محمد) على ما يناديه الأعراب من البادية، ولعل هذا قبل نزول الآية في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١) (أخبرني عن الإسلام قال رسول اللَّه ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه) لفظ ابن ماجه: "الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت" (٢). (وتقيم) بالنصب (الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل، إنما هذا كلام خبير بالمسؤول عنه، ولم يكن في ذلك الوقت يعلم هذا غير النبي ﷺ (ثم قال: أخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله) قال البغوي: جعل النبي ﷺ الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد (٣) (واليوم الآخر) الإيمان باليوم الآخر هو التصديق بيوم القيامة وما اشتملت عليه من الإعادة بعد الموت والنشر والحشر والميزان والصراط والجنة والنار (وتؤمن بالقدر) أي: تصدق (٤) بسابق القضاء والقدر (خيره وشره). قال الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر

стр. 11974

إجبار اللَّه العبد وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم اللَّه سبحانه عما يكون من اكتساب العباد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها (١). (قال: صدقت) زاد ابن ماجه: فعجبنا منه يسأله ويصدقه (٢). (قال: فأخبرني عن الإحسان) الألف واللام فيه للعهد الذي ذكر في كتاب اللَّه تعالى كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ لأن الإحسان لما تكرر في القرآن وعظم ثوابه سأل عنه جبريل؛ ليعلم الناس حيث لم يعرفوه. (قال: أن تعبد اللَّه تعالى كأنك تراه) هذا من جوامع كلمه ﷺ ؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به، ومقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه في إتمام الخشوع وغيره، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص احترامًا لهم، فكيف بمن لا يزال اللَّه مطلعًا عليه في سره وعلانيته؟ ! (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذِه مرتبة دون ما قبلها، وهو أن يغلب على المتعبد أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له في جميع حركاته على ظاهره وباطنه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ (٣) وهاتان الحالتان ثمرة معرفة اللَّه تعالى

стр. 11975

وخشيته، ولذلك فسر الإحسان في رواية أبي هريرة: "أن تخشى اللَّه كأنك تراه" (١) فعبر عن المسبب باسم السبب. (قال: فأخبرني عن الساعة) أي: عن يوم القيامة (قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) فيه: أنه ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. وأن ذلك لا ينقصه أن يستبدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه. وفي قوله: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) زيادة فائدة ليست في: لا أدري، فإن التقدير لا يعلم بها السائل ولا المسؤول بخلاف: لا أدري، فإن فيه نفي علم المسؤول دون السائل (قال: فأخبرني عن أماراتها) بفتح الهمزة، والأمارة بإثبات الهاء وحذفها هي: العلامة (قال: أن تلد الأمة ربتها) فالأمة السرية، وكثرة السراري من علامة الساعة. وفي رواية لمسلم: "ربها" (٢) ومعنى: ربها: سيدها، وربتها: مالكتها. قال أكثر العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن من الأسياد، فإن الولد من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين إما بتصريف اللَّه له بالإذن، وإما بما يعلمه من قرينة الحال أو عرف الاستعمال، وقيل: معناه أن الإماء يلدن الملوك، فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول إبراهيم الحربي. وقيل: معناه: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك فيتداول

стр. 11976

الإملاك المستولدة، فربما يشتريها ابنها أو ابنتها ولا يشعر بذلك (١)، فيصير ولدها ربها (٢). وعلى هذا فالذي يكون من العلامات غلبة الجهل بتحريم أمهات الأولاد والاستهانة بالأحكام الشرعية، وعلى هذا قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور، ويصح أن يحمل ذلك على بيعهن في حال حملهن، وهو محرم بالإجماع. وقيل: معنى الحديث أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب (٣)، ويكثر ذلك إذا تميز الولد بمال كثير اكتسبه (٤) وهي فقيرة، أو تعلم علمًا كثيرًا، أو تولى منصب حكم، والأم ليست بتلك الصفة ولا من أهله، ويشهد لهذا المعنى قوله في حديث أبي هريرة: "المرأة". مكان (الأمة)، وقوله ﵇: "حتى يكون الولد غيظا" (٥). (وأن ترى الحفاة) جمع حاف، وهو الذي لا يلبس في رجليه شيئًا (العراة) جمع عار، وهو الذي لا يلبس على جسده شيئًا (العالة)

стр. 11977

بتخفيف اللام، جمع عائل، وهو الفقير (١)، والعيلة الفقر، وهذِه الأوصاف هي الغالبة على أهل البادية. ومقصود الحديث الإخبار عن تبدل الحال وتغيره كما سيأتي (رعاء) بكسر الراء وبالمد جمع راع، ويقال فيهم: رعاة، بضم الراء، وزيادة الهاء بلا مد (الشاء) جمع شاة، وهو من الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء، كشجر جمع شجرة، وإنما خص رعاء الشاء بالذكر؛ لأنهم أهل البادية كما تقدم، والمراد أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهوا، و (يتطاولون في) ارتفاع (البنيان) وحسن نقشه وتنميقه وتزيينه (٢). ومقصود الحديث أن أضعف أهل البادية وهم رعاة الشاة ينقلب بهم الحال إلى أن يصيروا ملوكًا مع ضعفهم. ويؤيد هذا حديث: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع" (٣) وقد شوهد هذا عيانًا وصدق إخباره ﷺ ، وفيه دليل على كراهية ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء وتشييده، وفي الحديث: "يوجر ابن آدم في كل شيء إلا ما يضعه في هذا التراب" (٤). (ثم انطلق، فلبثت) كذا في الأصول بزيادة تاء المتكلم. وفي مسلم:

стр. 11978

فلبث. بحذفها (ثلاثا) أي: ثلاث ليال. وفي "شرح السنة" للبغوي: بعد ثالثة (١). وهذا بيان لما أجمل في رواية مسلم وغيره: فلبث مليًّا. لكن ظاهر هذا مخالف لرواية مسلم وغيره: ثم أدبر الرجل فقال رسول اللَّه ﷺ : "ردوا عليَّ الرجل" فأخذوا يردوه (٢)، فلم يروا شيئًا، فقال النبي ﷺ : "هذا جبريل" (٣) فيحتمل الجمع بينهما أن عمر لم يحضر قول النبي ﷺ لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، وأخبر عمر بعد ثلاث (٤). (ثم قال: يا عمر، تدري من السائل؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) يعني: قواعد دينكم. وفيه أن الإسلام والإيمان والإحسان تسمى كلها دينًا. [٤٦٩٦] (ثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عثمان بن غياث) الراسبي البصري أخرج له الشيخان (حدثني عبد اللَّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن) الحميري (قالا: لقينا) في المسجد (عبد اللَّه بن عمر ﵄ فذكرنا له القدر وما يقولون) هؤلاء القدرية (فيه، فذكر نحوه) أي: نحو ما تقدم في الحديث، و (زاد) في هذِه الرواية (قال) يحيى بن يعمر (وسأله رجل من مزينة) قبيلة معروفة، ومزينة بنت كلب بن وبرة بن تغلب أم عثمان، وأوس،

стр. 11979

وهي قبيلة كبيرة منها عبد اللَّه بن مغفل -فاعل ومفعول-، المزني، ومغفل والنعمان وسويد بنو مقرن المزني (أو) من قبيلة (جهينة) قبيلة من قضاعة (فقال: يا رسول اللَّه ﷺ : فيم) أي: في أي شيء (نعمل؟ ! ) لفظ مسلم: فيم العمل اليوم (١)؟ ! . وفي رواية: أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه (٢)؟ ! . ومقتضى هذا السؤال أن جميع ما يقع ويصدر من أعمال الآدميين من أمر الدنيا والآخرة، وما يترتب عليه الثواب (أفي شيء قد خلا أو) قال: قد (مضى أو) في (شيء يستأنف الأن؟ ! ) يعني: هل سبق في علم اللَّه تعالى بوقوعه ومضى، وخلا ونفذت مشيئته، أو ليست كذلك بل أفعالنا مستأنفة صادرة عنا بقدرتنا ومشيئتنا، والثواب والعقاب مرتب عليها بحسبها، وهذا المذهب الثاني هو مذهب القدرية، وقد أبطل النبي ﷺ هذا المذهب حيث (قال) بل (في شيء قد خلا) فيما سبق من علم اللَّه تعالى (ومضى) في أزل الآزال وجرت به المقادير، وجفت به أقلام الكتبة في اللوح المحفوظ فقال (فقال الرجل: أو) قال (بعض القوم) الحاضرين (ففيم العمل؟ ) يا رسول اللَّه (قال: إن) من شؤونهم أنهم (من أهل الجنة) في الآخرة، فإنهم (ييسرون) أي: يهيئ اللَّه لهم (لعمل أهل الجنة) وهي أفعال الخير (وإن أهل النار) الذين سبق في علم اللَّه أنهم من أهلها (ييسرون لعمل أهل النار) فطوبى لمن قضى اللَّه له بالخير ويسره [عليه، وويل لمن قضى عليه بالشر

стр. 11980

ويسره] (١) له، فغيب اللَّه عنا المقادير ومكننا من الفعل والترك دفعًا للمقادير، وخاطبنا بالأمر والنهي خطاب المستقلين ولم يجعل التمسك بسابق القدر حجة للمقصرين، ولا عذرا (٢) للمعتذرين. [٤٦٩٧] (ثنا محمود بن خالد) السلمي الدمشقي، ثبت (ثنا) محمد ابن يوسف (الفريابي) (٣) بكسر الفاء وسكون الراء، وفرياب، ويقال: فارياب: مدينة بالترك (عن سفيان) الثوري (ثنا علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن يحيى بن يعمر بهذا الحديث) المذكور، (يزيد) في بعض هذِه الرواية (وينقص) منها (قالس) الرجل الداخل (فما الإسلام؟ ) الألف واللام للعهد الذكري المتكرر في كتاب اللَّه. (قال: إقام الصلاة، وإيتاء الزكلاة، وحج البيت، وصوم (٤) رمضان، والاغتسال من الجنابة) فيه: أن الإسلام لا يختص بالأركان الخمسة، بل منه أداء الخمس من المغنم، ومنه الاغتسال من الجنابة. يعني: والحيض والنفاس، وكذا سائر الطاعات؛ لكونها من كمال الإسلام. (قال: ) المصنف (علقمة) بن مرثد (مرجئ) [بضم الميم] (٥) أي: ممن يذهب إلى الإرجاء، فهو من المرجئة، وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج به. [٤٦٩٨] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير) بفتح الجيم (عن أبي

стр. 11981

فروة) الأكبر، واسمه عروة بن الحارث (الهمداني) بسكون الميم، أخرج له الشيخان (عن أبي زرعة) قيل: اسمه هرم. وقيل: عبد اللَّه. وقيل: عبد الرحمن (بن عمرو بن جرير) بفتح الجيم، ابن عبد اللَّه البجلي. (عن أبي ذر) جندب الغفاري (وأبي هريرة ﵄ قالا: كان رسول اللَّه ﷺ يجلس بين ظهراني) بفتح الظاء والراء، وسكون الياء قال الأصمعي وغيره: يقال: جلس بين ظهريهم وظهرانيهم، بفتح النون، معناه: جلس بينهم. وقال غيره: العرب تضع الاثنين موضع الجمع كما هنا. (أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم) أي بالرفع متعلق عن العمل (هو) رسول اللَّه ﷺ (حتى يسأل) عنه (فطلبنا إلى رسول اللَّه ﷺ ) أي: أسعفناه بما يحتاج إليه، وهو (أن نجعل له مجلسًا) يجلس عليه كي (يعرفه الغريب إذا أتاه) ليسأله (قال: فبنينا له دكانًا) وهي الدكة المبنية للجلوس، والنون مختلف فيها، فمنهم من يجعلها أصلًا، ومنهم من يجعلها زائدة، وذكره الجوهري وغيره في (دكن) يدل على أن نونه أصلية، فقال: الدكان واحد الدكاكين، وهي الحوانيت، فارسي معرب (١). (فجلس عليه) فيه: تمييز الأمير والمدرس والمفتي بشيء يعرف به إذا جلس عليه إذا احتيج إلى ذلك (وكنا نجلس بجنبتيه) بفتح الجيم والنون [الموحدة، أي: إلى جانبيه، وجنبة الوادي جانبه، وفي الحديث: "وعلى جنبتي الصراط" (٢)] (٣) (وذكر نحو هذا الخبر المذكور، فأقبل رجل، فذكر هيئته) أي: هيئة الرجل الداخل،

стр. 11982

ولفظ النسائي: إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لم يمسها دنس (١). (حتى سلم من طرف السماط) بكسر السين المهملة الجماعة من الناس والنخل، والمراد به في هذا الحديث الجماعة الذين كانوا جلوسًا على جانبيه (فقال: السلام عليكم يا محمد) فيه من الفقه ابتداء الداخل بالسلام على جميع من دخل عليه وإقباله على رأس القوم، فإنه قال: (السلام عليكم) فعم، ثم قال: (يا محمد) فخص (قال: فرد عليه النبي ﷺ ) السلام. فيه أن من خص في سلام الجماعة واحدًا تعين عليه الرد، وفيه: أن من سلم على جماعة فالكبير فيهم أولى بالرد من غيره، وتقدمت زيادة النسائي. [٤٦٩٩] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (ثنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن أبي سنان) سعيد بن سنان الشيباني الكوفي، نزيل الري، وثقه الدارقطني (٢)، ومن قبله ابن معين (٣)، روى أبو داود الطيالسي عنه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: يا رسول اللَّه، الرجل يعمل عملًا يسره، فإن أطلع عليه أعجبه. قال: "له أجران: أجر السر، وأجر العلانية" (٤). وروي عن أبي حصين، عن

стр. 11983

شقيق، عن حذيفة قال: كنا نؤمر بالسواك إذا قمنا من الليل (١). وقال ابن عدي: له أفراد (٢). (عن وهب بن خالد الحمصي) الحميري، ثقة. (عن) عبد اللَّه بن فيروز (ابن الديلمي) المقدسي، ثقة. (قال: أتيت أبي بن كعب) بن قيس، أبو المنذر، أقرأ الأمة (فقلت له) قد (وقع في نفسي شيء من) هذا (القدر) زاد ابن ماجه: فخشيت أن يفسد علي ديني وأمري (٣) (فحدثني) من ذلك (بشيء لعل اللَّه أن) ينفعني به و (يذهبه من قلبي. فقال: لو أن اللَّه عذب) جميع (أهل سمواته وأهل أرضه) لكان قد (عذبهم وهو غير ظالم لهم) قد يحتج بهذا المذهب أهل السنة في أن للَّه تعذيب المطيع؛ لأن في السماوات ملائكة مطيعين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤)، وفي الأرض أولياء مقربون، فلو عذب ملائكته وأولياءه لكان غير ظالم؛ لأنه تصرف في ملكه. وأنكر المعتزلة ذلك بناء على أصلهم في التقبيح العقلي؛ لئلا يظلمهم. والظلم على اللَّه محال، ويرد عليهم الحديث، وأنه متصرف في ملكه وخلقه عنه، والمستحيل في ملكه يستحيل وصفه بالظلم سبحانه، ولأن الظلم إنما صار ظلما؛ لأنه منهي عنه، ولا يتصور في أفعاله تعالى ما ينهى عنه. (ولو رحمهم) أي: رحم أهل السماوات والأرض لـ (كانت رحمته

стр. 11984

إياهم) لهم (خيرًا لهم من أعمالهم) أما كون رحمة اللَّه خيرًا من أعمال طائعي الملائكة والأولياء، فلأن أعمال تعبداتهم التي يفعلونها لا تفي بالنعم المؤثرة عليهم من ربهم ناجزًا (١) بل لا تفي بأقلها، وما كان من النعم رحمة من اللَّه، فهو خير من النعم التي هي ثواب أعمالهم، فمن أضل سبيلًا ممن يوجب على اللَّه ثواب أعمال العباد، وهي عوض بما ينجز من النعم، وأما كون رحمة اللَّه خيرا من أعمال العصاة أولي (٢) من ذلك، بل ترك العقوبة خير لهم من أعمال معاصيهم (ولو أنفقت مثل) جبل (أحد ذهبًا في سبيل اللَّه ما قبله اللَّه منك حتى تؤمن بالقدر) خيره وشره، تقدم في الحديث قبله. (وتعلم أن ما أصابك) في دين أو دنيا من خير أو شر أو فرح أو سرور أو سبب من أسباب ذلك (لم يكن ليخطئك) شيء منه؛ لأنه سبق حكمه في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف عام، فهو كائن لا محالة. (وما أخطأك) من رزق أو غيره (لم يكن) في سابق علم اللَّه المكنون قبل خلق الخلق (ليصيبك) منه شيء، يقال: أن لا شيئا تفعل غيره أو حصل له سواه أخطأ، ويكمل هذا المعنى: لا يؤمن أحدكم أو لا يكمل إيمانه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ومن فهم سر هذا الحديث لم يحزن لمصيبة جاءته أو مكروه أصابه ولا يفرح بمال أصابه أو عز حصل له؛ لأن عدم وقوع ذلك كان ممتنعًا، فالممتنع لا ينبغي أن يحزن على فواته، والواجب

стр. 11985

لا يفرح بحصوله الحزن عليه ولا الفرح به، اللهم إلا أن يتعلق بالحزن والفرح سبب شرعي فيفرح لما يصيبه من عبادة ويحزن، فإنه كان من عبادة كان معتادًا لها (ولو مت على غير هذا) العلم الواجب اعتقاده (لدخلت النار) أجارنا اللَّه تعالى منها. (قال) عبد اللَّه بن الديلمي (ثم أتيت عبد اللَّه بن مسعود) فسألته (فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان) فسألته (فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت) فسألته (فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك) فيه: أن ما كان من واجبات الاعتقاد، فينبغي تكرر البحث فيه والسؤال عنه؛ لتزول عنه ظلمة الشكوك، ويستضيء له نور اليقين الذي هو الدين كله. [٤٧١٠] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد (١) اللَّه) بن يزيد (أبو عبد الرحمن) المقرئ. (حدثني سعيد بن أبي أيوب) مقلاص، الخزاعيُّ مولاهم (حدثني عطاء بن دينار) الهذلي، وثقه المصنف (عن حكيم بن شريك) المصري، وثق (عن يحيى بن ميمون الحضرمي) قاضي مصر، صالح (عن ربيعة بن الغاز) الجرشي، وقيل: ربيعة بن عمرو، مختلف في صحبته، وهو جد هشام بن الغاز، وكان يفتي الناس زمن معاوية، وقتل بمرج راهط. (عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا تجالسوا أهل القدر) هذا الحديث رواه الحاكم (٢) وجعله شاهدًا لحديث: "القدرية مجوس هذِه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم" (٣) (ولا تفاتحوهم) أي: لا تحاكموهم. وقيل: لا تبدؤوهم

стр. 11986

بالمجادلة والمناظرة في الاعتقاديات؛ لئلا يقع أحدكم في شك، فإن لهم قدرة على المجادلة بغير الحق، والأول أظهر، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ﴾ (١) أي: لا ترفعوا الأمر إلى حاكمهم، وقيل: لا تبدؤوهم بالسلام. قال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك. أي: أحاكمك (٢). [٤٧٠٠] (ثنا جعفر بن مسافر الهذلي) التنيسي، صدوق (ثنا يحيى بن حسان) التنيسي، أخرج له الشيخان (ثنا الوليد بن رباح) قال الذهبي وغيره: هذا الاسم مقلوب، والصواب: رباح بن الوليد الذماري، وهو صدوق (عن إبراهيم بن أبي عبلة) العقيلي المقدسي، أخرج له الشيخان. (عن أبي حفصة) ويقال: أبي حفص. الحبشي الشامي، اسمه حبيش ابن شريح. (قال: قال عبادة بن الصامت ﵁ لابنه: يا بني إنك لن تجد حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) تقدم في الحديث قبله: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أول ما خلق اللَّه تعالى القلم" وهو الذي يكتب به الذكر، وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض، يقال: لما خلق اللَّه القلم -وهو أول ما خلقه- نظر إليه فانشق نصفين.

стр. 11987

(قال له: اكتب. قال: رب، وما أكتب؟ ) ظاهره أن هذا القلم ليس هو جمادًا (١) كسائر الأقلام، بل فيه حياة وعقل ولسان يتكلم به (قال: اكتب مقادير كل شيء) لفظ الترمذي. قال: "اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد" (٢). قال ابن عباس: كتب كل ما يكون قبل أن يكون، وكل ما هو كائن (حتى تقوم الساعة) يعني كتب كل ما يكون إلى يوم القيامة. أي: جرى على اللوح المحفوظ بذلك. (يا بني، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: من مات على غير) (٣) اعتقاد (هذا) الذي ذكرته (فليس مني) أي: ليس على ملتي؛ لما روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس قال رسول اللَّه ﷺ : "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية" (٤). [٤٧٠١] (ثنا مسدد، ثنا سفيان، وحدثنا أحمد بن صالح المعنى قالا (٥): ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار) أنه (سمع طاوسًا يقول: سمعت أبا هريرة يخبر عن النبي ﷺ قال: احتج آدم وموسى) ﵉ زاد مسلم: "عند ربهما" (٦) وظاهر هذا اللقاء وهذِه

стр. 11988

المحاجة أنهما التقيا بأشخاصهما، وهذا كما تقرر في الأنبياء من إحيائهم بعد الموت كالشهداء، بل هم أولى بذلك، ويجوز أن يكون ذلك لقاء أرواح، وقد قال بكل قول من هذين طائفة من علمائنا، وروى بعضهم هذا الحديث، وزاد فيه أن هذا اللقاء كان بعد أن سأل موسى "فقال: يا رب، أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة. فأراه اللَّه إياه، فقال له: أنت آدم؟ فقال: نعم. . " وذكر الحديث (١). (فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا) وقد (خنتنا) في أكلك من الشجرة التي نهيت عن أكلها، وحصلت الخيانة لأولاده؛ لأن الضرر وصل إلى أولاده بحرمانهم سكن الجنة، وفي بعض النسخ: خيبتنا. وهي رواية مسلم (٢). أي: أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان والخسران، وقد خاب يخيب. ومعناه: كنت سبب خيبتنا. (وأخرجتنا من الجنة) بأكلك من الشجرة (فقال آدم: أنت موسى) الذي (اصطفاك اللَّه) أي: اختارك على أهل زمانك (بكلامه) والمراد تخصيص اللَّه موسى بكلامه له من غير واسطة، وذلك أن من أخذ العلم عن العالم المعظم من غير واسطة أجل رتبة ممن أخذه عن واحد عنه. وفي هذا دليل على فضيلة علو الإسناد في الحديث بقلة الوسائط، فإن أقرب الأسانيد إلى النبي ﷺ أعز رتبة وأجل منزلة من البعيد (وخط لك التوراة بيده) في اليد المذهبان المذكوران في مواضع: أحدهما: الإيمان بها ولا يتعرض لتأويلها مع أن ظاهرها غير

стр. 11989

مراد؛ لأن اللَّه منزه عن الجارحة. والثاني: تأويلها على القدرة كما تقدم (١). أ (تلومني على أمر قدره اللَّه تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة) المراد بالتقدير هنا الكتابة في اللوح المحفوظ أو في صحف التوراة وألواحها. أي: كتبه عليَّ قبل خلقي بأربعين سنة، ولا يصح أن يراد به حقيقة القدر، فإن علم اللَّه وما قدره على عباده وأراده من خلقه أزلي لا أول له ويستحيل تقديره بالزمان، إذ الحق سبحانه بصفاته القديمة موجود ولا زمان ولا مكان، وهذِه (الأربعين) تقديرية، فإن الزمان

стр. 11990

الذي يعبر عنه بالسنين والأيام إنما هو راجع إلى أعداد حركات الأفلاك وسير الشمس والقمر في المنازل والبروج السماوية. (فحج آدم) بالرفع موسى ﵉ أي: غلبه بالحجة؛ لأنه أعتذر بما سبق له من القدر عما صدر منه من المخالفة، وقبل عذره، وقامت بذلك حجته، لكن لو صح هذا للزم عليه أن يحتج به كل من عصى، يعتذر بذلك فبقي عذره وبقيت حجته، فحينئذ يكون للعصاة على اللَّه الحجة، وهو مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (١) وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقيل: إنما غلبه آدم بالحجة؛ لأن آدم أب وموسى ابن [ولا يجوز] (٢) لوم الابن أباه وعتبه وهو بعيد. وقيل: إنما كان ذلك لأن موسى كان قد علم من التوراة أن اللَّه تعالى قد جعل تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة وسكناه الأرض ونشر نسله فيها؛ ليكلفهم ويمتحنهم ويريد على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي، وهذا إبداء حكمة تلك الأكلة. وقيل: إنما توجهت حجته عليه لأنه قد علم من التوراة بأن اللَّه تاب عليه واجتباه وأسقط عنه اللوم والعتب، فلوم موسى وعتبه له مع علمه بأن اللَّه قدر المعصية وقضى بالتوبة وبإسقاط اللوم والمعاتبة حتى صارت المعصية كأن لم تكن وقع في غير محله، فكان هذا من موسى نسبة جفاء مع أبيه في حال صفاء، كما قال بعض أهل الإشارات: ذكر

стр. 11991

الجفاء في حالة الصفاء جفاء. وهذا أشبه الوجوه. (قال أحمد بن صالح) شيخ المصنف (عن عمرو) بن دينار (عن طاوس) بأنه (سمع أبا هريرة ﵁). [٤٧٠٢] (ثنا أحمد بن صالح، ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب، أخبرني هشام ابن سعد) القرشي المدني مولًى لآل أبي لهب بن عبد المطلب، أخرج له مسلم في مواضع (عن زيد بن أسلم) مولى عمر بن الخطاب (عن أبيه) أسلم بن (١) خالد، مولى عمر بن الخطاب، كان من سبي عين التمر، ابتاعه عمر بن الخطاب بمكة. (أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن موسى ﵇ قال: يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا و) أخرج (نفسه) بالنصب (من الجنة) المراد بهذِه الجنة جنة الخلد وجنة الفردوس التي هي دار الجزاء في الآخرة، وهي موجودة من قبل آدم. هذا مذهب أهل الحق. (فأراه اللَّه تعالى) إياه (آدم ﵇ فقال) له (أنت أبونا آدم؟ ! ) فيه: تسمية جد الجد أبًا مجازًا (فقال له آدم: نعم) أنا أبوكم (قال أنت الذي نفخ اللَّه فيك من روحه) يحتمل أن تكون (من) زائدة على المذهب الكوفي و (نفخ) بمعنى: خلق. أي: خلق فيك روحه، وأضاف الروح إليه تخصيصًا وتشريفًا كما قال: ﴿بَيْتِيَ﴾ ويحتمل تأويلًا آخر والتسليم للمتشابهات أسلم وهي طريقة السلف الصالح (وعلمك الأسماء كلها) أي: علمه أسماء الأشياء جميعها جليلها وحقيرها، حتى القصعة والقصيعة، فهو أول من تكلم باللغات، وأول من تكلم بالعربية من الملائكة جبريل،

стр. 11992

ومن أولاد إبراهيم إسماعيل ﵇، تكلم بها وهو ابن عشر سنين. (وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ ! ) مستقبلين وجهك بالسجود، فإن السجود لا يكون إلا للَّه تعالى، وإنما أمروا بالسجود له معاقبة لهم على قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (١). (قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا و) أخرجت (نفسك من الجنة؟ ) أي: كنت السبب في إخراجنا وإخراجك من الجنة التي هي دار النعيم المقيم. (فقال له آدم: ومن) هو (أنت؟ قال: أنا موسى) بن عمران (قال: أنت نبي بني إسرائيل) وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، سمي بذلك لأنه أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى اللَّه، فمعنى إسرائيل: سر إلى اللَّه (الذي كلمك اللَّه تعالى من وراء حجاب) يريد أنه كلمه بكلام يسمعه من حيث لا يراه كما يرى سائر المتكلمين وليس ثم حجاب يفصل موضعًا من موضع، فيدل ذلك على تحديد المحجوب، فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب حيث لم ير المتكلم. و(لم يجعل بينك وبينه رسولًا من خلقه؟ ) أي: لم يكلمك برسالة ملك من الملائكة بينك وبينه (٢) كما في غيرك (قال: نعم. قال: أفما وجدت) هذا استفهام تقرير (أن ذلك) الذي ذكرته (كان) مقدرًا علي (في كتاب اللَّه) يعني: التوراة (قبل أن أخلق؟ ! ) وكان موسى قد علم من التوراة أن اللَّه قد جعل تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة وسكناه

стр. 11993

الأرض (قال: نعم) وجدت ذلك. (قال: فلم (١) تلومني في شيء سبق من اللَّه تعالى فيه القضاء) والتقدير (قبلي) (٢). أي: قبل أن أوجد أو يوجد أحد من خلق اللَّه (قال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: فحج آدم موسى فحج آدم موسى ﵉ فيه: إعادة الكلام؛ ليكون أبلغ في الإعلام. [٤٧٠٣] (ثنا) عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب (القعنبي، عن مالك، عن زيد بن (٣) أبي أنيسة) الرهاوي، شيخ الجزيرة (أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار) وهو مسلم بن أبي مريم المدني، أخرج له الشيخان (٤) (أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذِه الآية: (﴿وَ﴾) أذكر (﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾) ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من ﴿بَنِي آدَمَ﴾ المعنى: (٥) ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال سعيد بن جبير: لما خلق اللَّه آدم مسح ظهره فأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة.

стр. 11994

(قال) المصنف (قرأ) عبد اللَّه (القعنبي) هذِه (الآية) وقال (فقال عمر) ابن الخطاب (سمعت رسول اللَّه ﷺ سئل عنها) أي: عن هذِه الآية (فقال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه تعالى خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه) في اليمين المذهبان المتقدمان في اليد (فاستخرج منه) أي: من صلبه بدليل قوله تعالى ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ (١) (ذرية) قال مقاتل: إن اللَّه مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون. (فقال: خلقت هؤلاء للجنة) أي: ليكونوا من أهل الجنة (وبعمل أهل الجنة يعملون) أي: ييسرون لعمل أهل الجنة (ثم مسح) صفحة (ظهره) اليسرى (فاستخرج منه ذرية) سوداء كهيئة الذر (فقال: خلقت هؤلاء للنار) ولا أبالي (وبعمل أهل النار) وهي المعاصي (يعملون) لا يجدون عنه محيصًا. (فقال رجل: يا رسول اللَّه، ففيم العمل؟ ) هذا السؤال هو الذي تضمنه قوله: أفلا نمكث على كتاب ربنا وندع العمل؟ (فقال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه تعالى إذا خلق العبد) السعيد (للجنة) كما سبق في أم الكتاب (استعمله) أي: هيأ له أفعال الخير وخلق له قدرة على الطاعة، فيعمل (بعمل أهل الجنة حتى يموت) وهو (على عمل من أعمال أهل الجنة) فيه: أنه ليس للجنة عمل واحد لا يدخلها إلا من عمل به، بل لها أعمال متعددة من صلاة، وصوم، وحج، وجهاد، وغير ذلك، لكن الظاهر أن للجنة أبوابًا (٢) مشتركة وأبوابا (٣) مختصة

стр. 11995

بأعمال منها: باب يقال له: الريان لا يدخل منه (١) إلا الصائمون، وباب لا يدخل منه إلا التائبون ونحو ذلك (فيدخل به (٢) الجنة) برحمته لا بعمله (وإذا خلق) اللَّه (العبد) الشقي (للنار استعمله) في دنياه (بعمل أهل النار) لا يتعدى ما كتب له (حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار) وللنار أعمال كثيرة كما للجنة، ولها أبواب مختصة ومشتركة كما للجنة (فيدخله) بضم الياء ونصب اللام. أي: يدخله بعمله (النار) جزاء له. [٤٧٠٤] (ثنا محمد بن المصفى) بن بهلول القرشي الحمصي. قال أبو حاتم: صدوق (٣). وقال النسائي: صالح (٤). (ثنا بقية) بن الوليد (حدثني عمر بن حفص (٥) القرشي، حدثني زيد بن أبي أنيسة) تقدم، وما بعده (عن عبد الحميد بن عبد الرحمن) بن زيد بن الخطاب (عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة) الأزدي. قال الحافظ ابن حجر: مقبول. من كبار التابعين (٦). انتهى. وقد وصلت هذِه الرواية الانقطاع الذي في الإسناد الذي قبله بين مسلم بن يسار وبين عمر بن الخطاب، فإنه لم يسمع منه شيئًا (قال: كنت عند عمر بن الخطاب ﵁ بهذا الحديث). قال المصنف: (وحديث مالك أتم) من حديث عمر بن جعثم.

стр. 11996

[٤٧٠٥] (ثنا) عبد اللَّه (القعنبي، ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي، نزل فيهم بالبصرة، أحد السادة، ومناقبه جمة (عن رقبة) بقاف وموحدة مفتوحتين (ابن مصقلة) العبدي الكوفي، أخرج له الشيخان (عن أبي إسحاق) (١) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الهمداني. (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا) قال القاضي عياض: هذا حجة بينة لأهل السنة لصحة مذهبهم في الطبع والرين والأكنة والأغشية والحجب، وأشباه هذِه الألفاظ الواردة في الشرع على أفعال اللَّه بقلوب (٢) أهل الكفر والضلال، ومعنى ذلك عندهم خلق اللَّه تعالى ضد الإيمان وضد الهدى، هذا على أصل أهل السنة أن العبد لا قدرة له إلا ما أراده اللَّه تعالى، خلافًا للمعتزلة والقدرية القائلين بأن للعبد فعلًا من قبل نفسه وقدرة على الهدى والضلال، والخير والشر (٣). وقد يحتج بهذا من يقول: أطفال الكفار في النار، والثاني: يتوقف عن الكلام فيه، والصحيح أنهم في الجنة، ويقولون في جواب هذا الحديث: معناه: علم اللَّه لو بلغ لكان كافرًا. (ولو عاش لأرهق أبويه) أي: لو عاش حتى أدرك أبويه لأرهقهما (طغيانًا وكفرًا) أي: حملهما عليهما وألحقهما بهما، والمراد بالطغيان هنا الزيادة في الضلال، وهذا الحديث من دلائل أهل الحق في أن اللَّه

стр. 11997

تعالى عالم بما كان [وبما يكون] (١) وبما لا يكون لو كان كيف كان يكون. [٤٧٠٦] (ثنا محمود بن خالد) بن يزيد الدمشقي السلمي. قال أبو حاتم: ثقة رضا (٢). (ثنا) محمد بن يوسف (الفريابي) بكسر الفاء (عن إسرائيل، ثنا أبو إسحاق) السبيعي (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ثنا أبي بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾) وكان الولد (طبع يوم طبع) أي: خلق يوم خلق. وفي الحديث: "كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب" (٣) والطباع ما ركب في الإنسان من جميع الأخلاق التي لا يكاد يزاولها من الشر والخير والكفر وغيره (كافرًا) فلو عاش لحمل أبويه على الطغيان وغيره بالعقوق وسوء صنيعه. [٤٧٠٧] (ثنا محمد بن مهران) بكسر الميم (الرازي) أبو جعفر شيخ الشيخين (ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو) بن دينار (عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب ﵃، عن رسول اللَّه ﷺ قال: أبصر الخضر غلاما يلعب مع الصبيان فتناول رأسه فقطعه) (٤) ظاهره أنه

стр. 11998

اقتلعه من جسده بغير حديدة ولا آلة (فقال موسى ﵇: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) قرئ: ﴿زَكِيَّةً﴾ و (زاكية)، وهي الطاهرة من الذنوب؛ لأنه لم يبلغ الحنث أو لأنه لم يره أذنب (الآية) إلى آخرها. [٤٧٠٨] (ثنا حفص بن عمر النمري) بفتح الميم، الحوضي (ثنا شعبة، وثنا محمد بن كثير) العبدي (ثنا سفيان) الثوري (المعنى واحد، والإخبار) بكسر الهمزة (في حديث سفيان عن الأعمش، قال: ثنا زيد ابن وهب) الجهني، هاجر ففاتته رؤية رسول اللَّه ﷺ بأيام (ثنا عبد اللَّه ابن مسعود ﵁، ثنا رسول اللَّه ﷺ وهو الصادق) في قوله (المصدوق) فيما يأتي به من الوحي الكريم. (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا) يعني: أن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثا متفرقا، فيجمعه اللَّه في محل الولادة من الرحم في مدة أربعين يومًا، وقد جاء في حديث ابن مسعود تفسير (يجمع في بطن أمه) أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد اللَّه أن يخلق منها بشرًا طارت في بشر المرأة تحت كل ذي ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين يومًا، ثم تصير دمًا في الرحم، فذلك جمعها بعد التفرق. (ثم يكون علقة مثل ذلك) والعلق: الدم الجامد (ثم يكون مضغة) وهو قدر ما يمضغه الماضغ من لحم أو غيره (مثل ذلك) أي: يجتمع حتى يصير مضغة في قدر أربعين يومًا (ثم يبعث) اللَّه (إليه ملك) بفتح اللام، وهو الموكل بالرحم، كما في حديث أنس أن اللَّه قد وكل بالرحم ملكًا (١). (فيؤمر بأربع كلمات) ظاهره أن الملك يؤمر بأن

стр. 11999

يكتب الأربع كلمات، ثم الأربع التي يكتبها. (فيكتب) بفتح التحتانية وضمها مبني للفاعل أو المفعول (رزقه وأجله وعمله) هذِه ثلاثة (ثم يكتب) بفتح التحتانية وضمها مبني للفاعل أو المفعول (شقي أو سعيد) وكتابة هذِه الأربع لا تكون إلا بعد أن يسأل الملك عن ذلك، فيقول: يا رب ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمر؟ وهل شقي أو سعيد؟ وقد روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة [عن داود] (١)، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود، وعن ابن عمر أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، فقال: أي رب أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض تموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد قصة هذِه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب، فتلحق فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء (٢) أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها. (ثم ينفخ فيه الروح) بعد أن تتشكل المضغة بشكل ابن آدم وتتصور بصورته كما قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (٣) فنفخ الروح هو المعني بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) ظاهر الحديث أن عمله هذا يكون صحيحًا يقرب صاحبه إلى الجنة بسبب العمل (حتى يشرف) عليها و (ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد) بكسر القاف. أي؟ قدر (ذراع فيسبق عليه) القدر الذي في (الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) فالأعمال بالسوابق لكن السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة.

стр. 12000

قال القرطبي: هذا العامل المذكور لم يكن عمله صحيحًا في نفسه، وإنما كان رياءً وسمعة، ولهذا جاء في رواية البخاري في غزوة خيبر (١): إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار (٢). (حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع أو قيد ذراع) المراد بالذراع التمثيل للقرب من موته ودخول عقبيه إلى تلك الدار، والمراد أن هذا الحديث قد يقع في النادر من الناس لا أنه الغالب فيهم، ومن لطف اللَّه [أن] (٣) انقلاب الناس من الشر إلى الخير كثير، ومن الخير إلى الشر في غاية الندور، ويستفاد من هذا الحديث الاجتهاد في الإخلاص والتحرز من الرياء، وترك العجب بالأعمال، والركون إليها خوفًا من سوء الخاتمة. (فيسبق عليه الكتاب) من اللوح المحفوظ (فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) أي: فيموت وهو على عمل أهل النار فيدخلها بعمله الذي ختم له به. [٤٧٠٩] (ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن يزيد) بن أبي يزيد الضبعي (الرشك) بكسر الراء هو بالفارسية ومعناه القسام، كان يقسم الدور، ومسح مكة قبل أيام الموسم فبلغ كذا، ومسح أيام الموسم فإذا قد زاد كذا (٤) (أبنا مطرف، عن عمران بن حصين ﵄ قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ يا رسول اللَّه) وفي بعض النسخ بحذف: (يا رسول اللَّه)

стр. 12001

(أعلم) بفتح همزة الاستفهام، وضم العين، وكسر اللام، مبني للمجهول؛ لكونه معلومًا للسامع، وفيه حذف تقديره: أعلم اللَّه تعالى من هو من (أهل الجنة) ممن هو (من النار؟ قال: نعم) ولفظ مسلم كلفظ المصنف (١)، ولفظ البخاري: قال رجل: يا رسول اللَّه، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ وبوب عليه باب جف القلم على علم اللَّه وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٢) وقال أبو هريرة: قال لي النبي ﷺ : "جف القلم بما أنت لاق" وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٣) أي: سبقت لهم السعادة (٤). وفي هذا الحديث وما معه من النصوص إدحاض حجة القدرية أنه قد سبق علم اللَّه تعالى بكل ما يعمله الآدميون من أهل الجنة الذين تمسكوا بالطاعة، ومن أهل النار الذين تمسكوا بالكفر والمعصية، وأخبر اللَّه أنه قد فرغ من الحكم على كل نفس، وكتب القلم كل ما يصير إليه العبد من خير أو شر في أم الكتاب، وجف مداده على المقدور من علم اللَّه، فمنهم من هداه اللَّه على علم به، ومنهم من أضله على علم به، وعرف كل ما يصير إليه أمره، وبين اللَّه ذلك في كتابه حيث يقول: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٥) فعرفنا أنه كان بنا عالمًا حين خلق آدم من طينة الأرض المختلفة كما تقدم، وأحاط علمًا بما يقع من تلك الطينة لكل شخص من أشخاص أولاده إلى يوم

стр. 12002

القيامة. (قال: ففيم) ولفظ البخاري: فلم (١). ولمسلم قال: قيل: ففيم (٢) (يعمل العاملون؟ ) أي: لأي شيء يعمل العاملون؛ ولأي شيء يجتهد المجتهدون؟ ولم لا يدعون العمل ويتكلون على ما سبق لهم؟ فرد النبي ﷺ عليهم هذا و (قال: ) بل يعمل (كل) أحد، فكل امرئ (ميسر لما خلق له) من خير أو شر. قال المهلب: فيه حجة لأهل السنة على المجبرة من أهل القدر، وذلك قوله: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" من عمله الخير أو الشر (٣). * * *

стр. 12003

١٨ - باب في ذَراري المُشْرِكِينَ ٤٧١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ سُئِلَ عَنْ أَوْلادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ" (١). ٤٧١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهّابِ بْن نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة ح وَحَدَّثَنا مُوسَى بْن مَرْوانَ الرَّقِّيُّ وَكَثِيرُ بْن عُبَيْدٍ المَذْحِجيُّ قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَرْبٍ -المَعْنَى-، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي قَيْسٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَراري المُؤْمِنِينَ فَقالَ: "هُمْ مِنْ آبائِهِمْ". فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟ قالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ". قلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَذَراري المُشْرِكِينَ؟ قالَ: "مِنْ آبائِهِمْ". قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟ قالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ" (٢). ٤٧١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيانُ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قالَتْ: أُتِيَ النَّبي ﷺ بِصَبي مِنَ الأَنْصارِ يُصَلّي عَلَيْهِ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لهَذَا لَمْ يَعْمَلْ شَرًّا وَلَمْ يَدْرِ بِهِ. فَقالَ: "أَوَغَيْرَ ذَلِكِ يا عائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وَخَلَقَ لَها أَهْلًا، وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ في أَصْلابِ آبائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَها أَهْلَا، وَخَلَقَها لَهُمْ وَهُمْ في أَصْلابِ آبائِهِمْ" (٣). ٤٧١٤ - حَدَّثَنَا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ

стр. 12004

وَيُنَصِّرانِهِ، كَما تَناتَجُ الإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعاءَ؟ ". قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ" (١). ٤٧١٥ - قالَ أَبُو داوُدَ: قرِئَ عَلَى الحارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنا أَسْمَعُ أَخْبَرَكَ يُوسُفُ ابْن عَمْرٍ وأَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قالَ: سَمِعْتُ مالِكًا قِيلَ لَهُ إِنَّ أَهْلَ الأَهْوَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنا بِهَذا الحَدِيثِ. قالَ مالِكٌ: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ. قالُوا: أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ" (٢). ٤٧١٦ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلي، حَدَّثَنَا حَجّاجٍ بْن المِنْهَالِ، قالَ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ يفَسِّرث حَدِيثَ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ". قالَ: هذا عِنْدَنا حَيْثُ أَخَذَ اللَّه عَلَيْهِمْ العَهْدَ في أَصْلابِ آبائِهِمْ حَيْث قالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٣). ٤٧١٧ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْن مُوسَى الرَّازيّ، حَدَّثَنَا ابن أَبي زائِدَةَ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الوائِدَةُ والمَوْؤُودَةُ في النّارِ". قالَ يَحْيَى ابْنُ زَكَرِيّا: قالَ أَبي: فَحَدَّثَني أَبُو إِسْحاقَ أَنَّ عامِرًا حَدَّثَهُ بِذَلِكَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبي ﷺ (٤). ٤٧١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبي قالَ: "أَبُوكَ في النّارِ". فَلَمّا قَفَّى قالَ: "إِنَّ أَبي وَأَباكَ في النَّارِ" (٥). ٤٧١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطانَ يَجْري مِنِ ابن آدَمَ مَجْرى

стр. 12005

الدَّمِ" (١). ٤٧٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن سَعِيدٍ الهَمْداني، أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِي ابن لَهِيعَةَ وَعَمْرُو بْنُ الحارِثِ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكٍ الهُذَلِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ رَبِيعَةَ الجُرَشي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا تُجالِسُوا أَهْلَ القَدَرِ وَلا تُفاتِحُوهُمُ الحَدِيثَ" (٢). * * * باب في ذراري المشركين [٤٧١١] (ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه (عن أبي بشر) جعفر بن إياس اليشكري (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سئل عن أولاد) وللصحيحين وللمصنف في رواية: عن ذراري (٣) (المشركين) ولمسلم: عن أطفال المشركين، عمن يموت منهم صغيرًا (٤). وفي أطفال المشركين ثلاثة أقوال، فقال الأكثرون: هم في النار تبعًا لآبائهم، حكاه النووي (٥)، وتوقف قوم. قال القرطبي: ذهب قوم -أحسبهم من غير أهل السنة- أنهم يكونون في برزخ (٦). قال

стр. 12006

النووي (١): والصحيح الذي ذهب إليه الأكثرون أنهم في الجنة. ويستدل له بأشياء منها حديث إبراهيم الخليل حين رآه النبي ﷺ وحوله أولاد الناس، قالوا: يا رسول، وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين" رواه البخاري في "صحيحه" (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣) ولا يتوجه على المولود التكليف، ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ، وهذا متفق عليه. (فقال: اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وحقيقة لفظه: واللَّه أعلم بما كانوا يعملون لو بلغوا أو لم يبلغوا، والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ. ولمسلم زيادة ولفظه: "واللَّه أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم" (٤) ومعناه: واللَّه أعلم بما جبلهم وطبعهم عليه، فمن خلقه اللَّه على جبلة المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه على جبلة الكفار من الفسقة والمخالفة كان من أهل النار، وهذا كما تقدم في غلام الخضر: "طبع يوم طبع كافرًا" (٥). [٤٧١٢] (ثنا عبد الوهاب بن نجدة) الحوطي من جبلة الساحل، وثقه يعقوب بن شيبة (٦) (ثنا بقية) بن الوليد (قال) المصنف (وثنا موسى بن

стр. 12007

مروان الرقي) قال ابن السمعاني: بفتح الراء، وتشديد القاف، نسبة إلى الرقة مدينة على طرف الفرات، والرقة الأولى خربت، والذي تسمى اليوم الرقة كانت تسمى أولًا الرافقة، لها تاريخ، ينمسب إليها كثير من العلماء، منهم أبو مروان الرقي. انتهى (١). وهو صدوق. (وكثير بن عبيد) مصغر (المذحجي) قال ابن السمعاني: بفتح الميم، وسكون الذال -يعني: المعجمة- وكسر الحاء المهملة بعدها جيم، نسبة إلى مذحج قبيل كثير من اليمن (٢). واسم مذحج مالك بن أدد بن زيد، قيل له: مذحج؛ لأنه ولد على أكمة حمراء باليمن، يقال لها: مذحج. فسمي بها، وهو ثقة (قالا: ثنا محمد بن حرب) الأبرش، ولي قضاء دمشق (المعنى، عن محمد بن زياد) الألهاني الحمصي (عن عبد اللَّه بن أبي قيس) ويقال: ابن قيس البصري الحمصي، أخرج له مسلم (٣). (عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول اللَّه، ذراري المؤمنين؟ ) مبتدأ خبره محذوف تقديره: ما حكمهم؟ الذراري واحدها ذرية بوزن فعيلة من الذراع لأن اللَّه أخرج الخلق من صلب آدم ﵇ كالذر حين أشهدهم على أنفسهم. وقيل: مأخوذ من ذرأ اللَّه الخلق: خلقهم. والذرية نسل الثقلين، قال الخليل: سموا ذرية؛ لأن اللَّه ذرأهما على الأرض كما ذرأ الزراع البذر، والذرية أصلها الأبناء وقد تطلق على الآباء، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٤) يعني:

стр. 12008

آباءهم. والمراد هنا البنون والبنات والخناثى والمجانين. (قال) هم (من آبائهم) جار ومجرور. أي: مخلوقين من آبائهم، فيعلم حكمهم من آبائهم، أو هم يعدون من جملة آبائهم، فيلحقون بهم في الإيمان، كما أنهم ملحقون بمنازلهم في الجنة وإن لم يستأهلوها؛ لحديث ابن عباس: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ليرفع ذرية المؤمن حتى يلحقهم به (١) فَإن كانوا دونه في العمل؛ لتقر بهم عينه" ثم قرأ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وأتبعناهم ذرياتهم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتهمْ) (٢) (٣) ليجمع اللَّه لهم أنواع السرور باجتماع أولادهم ونسلهم، وقوله تعالى: ﴿بِإِيمَانٍ﴾ أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجتهم ذرياتهم وإن لم يستأهلوها (٤) تفضلًا عليهم وعلى آبائهم؛ ليتم سرورهم وتكمل نعمتهم. (فقلت: يا رسول اللَّه) يلحقون بآبائهم (بلا عمل؟ ) يستحقونه به (قال:

стр. 12009

اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) لو بلغوا، كما تقدم قريبًا (قلت: يا رسول اللَّه فذراري) مبتدأ مشدد الياء، ويجوز تخفيفها كما في أثافيَّ وأثافي، وكراسيَّ وكراسي (المشركي؟ قال) هم (من آبائهم) كما في الإيمان؛ لرواية علي بن أبي طالب: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، والمشركين وأولادهم في النار" ثم قرأ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وأتبعناهم ذرياتهم) الآية (١). (قلت: بلا عمل) هو نكرة في معرض النفي، فيعم كل عمل. أي: بغير عمل أصلًا لا قليل ولا كثير. (قال: اللَّه أعلم) بما سبق في علمه إذ جبلهم وطبعهم في الأزل، وقد احتج بهذا الحديث من قال: إن أولاد المشركين في النار مع آبائهم. قال القرطبي: ولا حجة فيه، لوجهين: أحدهما: أن المسألة علمية، وهذا خبر واحد، وليس نصًا (٢) في الفرض. وثانيهما: سلمناه، لكنا نقول ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل وعليها خرج الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، إنا نبيت أهل الدار من المشركين وفيهم الذراري. فقال: "هم من آبائهم" يعني: في جواز القتل في حال التبييت وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية، واللَّه أعلم (٣) (بما كانوا عاملين) يحتمل أن يكون قاله قبل أن يعلمه اللَّه أنهم في الجنة مع أولاد المؤمنين. وقيل: (بما كانوا عاملين). أي:

стр. 12010

على [أي] (١) دين يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل، فأما إذ عدم منهم العمل فهم في رحمة اللَّه. [٤٧١٣] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (أبنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن طلحة بن يحيى) بن عبيد اللَّه، أخرج له مسلم (عن) عمته (عائشة بنت طلحة) بن عبيد اللَّه، وأمها أم كلثوم بنت الصديق (عن) خالتها (عائشة أم المؤمنين قالت: أتي النبي ﷺ بصبي من الأنصار) ولفظ مسلم: دعي رسول اللَّه ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار (٢). وفي رواية له: توفي صبي (٣) (أن يصلي عليه) (٤). فيه: أن الصبي يصلى عليه كما يصلى على البالغ. (قالت: ) عائشة (قلت: يا رسول اللَّه، طوبى) اسم الجنة. وقيل: شجرة فيها، وأصلها فعلى من الطيب، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوًا (لهذا) الصبي (لم يعمل شرًّا) قط (ولم يدر) بفتح الياء وسكون الدال (به) أي: لم يعلم به. ولفظ مسلم: طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه (٥). (قال: أو) بإسكان الواو للإضراب عن الأول أو التقسيم. يعني: إما له (طوبى) أو (غير) بالرفع (ذلك) بكسر الكاف؛ لأن المخاطب مؤنث، قبل أن ينكر عليها بأن حكمت له بطوبى، بل أنكر لمبادرتها إلى الجواب
следующие страницы →