← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12006–12045 · переход к 12011.

стр. 12006

النووي (١): والصحيح الذي ذهب إليه الأكثرون أنهم في الجنة. ويستدل له بأشياء منها حديث إبراهيم الخليل حين رآه النبي ﷺ وحوله أولاد الناس، قالوا: يا رسول، وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين" رواه البخاري في "صحيحه" (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣) ولا يتوجه على المولود التكليف، ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ، وهذا متفق عليه. (فقال: اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وحقيقة لفظه: واللَّه أعلم بما كانوا يعملون لو بلغوا أو لم يبلغوا، والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ. ولمسلم زيادة ولفظه: "واللَّه أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم" (٤) ومعناه: واللَّه أعلم بما جبلهم وطبعهم عليه، فمن خلقه اللَّه على جبلة المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه على جبلة الكفار من الفسقة والمخالفة كان من أهل النار، وهذا كما تقدم في غلام الخضر: "طبع يوم طبع كافرًا" (٥). [٤٧١٢] (ثنا عبد الوهاب بن نجدة) الحوطي من جبلة الساحل، وثقه يعقوب بن شيبة (٦) (ثنا بقية) بن الوليد (قال) المصنف (وثنا موسى بن

стр. 12007

مروان الرقي) قال ابن السمعاني: بفتح الراء، وتشديد القاف، نسبة إلى الرقة مدينة على طرف الفرات، والرقة الأولى خربت، والذي تسمى اليوم الرقة كانت تسمى أولًا الرافقة، لها تاريخ، ينمسب إليها كثير من العلماء، منهم أبو مروان الرقي. انتهى (١). وهو صدوق. (وكثير بن عبيد) مصغر (المذحجي) قال ابن السمعاني: بفتح الميم، وسكون الذال -يعني: المعجمة- وكسر الحاء المهملة بعدها جيم، نسبة إلى مذحج قبيل كثير من اليمن (٢). واسم مذحج مالك بن أدد بن زيد، قيل له: مذحج؛ لأنه ولد على أكمة حمراء باليمن، يقال لها: مذحج. فسمي بها، وهو ثقة (قالا: ثنا محمد بن حرب) الأبرش، ولي قضاء دمشق (المعنى، عن محمد بن زياد) الألهاني الحمصي (عن عبد اللَّه بن أبي قيس) ويقال: ابن قيس البصري الحمصي، أخرج له مسلم (٣). (عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول اللَّه، ذراري المؤمنين؟ ) مبتدأ خبره محذوف تقديره: ما حكمهم؟ الذراري واحدها ذرية بوزن فعيلة من الذراع لأن اللَّه أخرج الخلق من صلب آدم ﵇ كالذر حين أشهدهم على أنفسهم. وقيل: مأخوذ من ذرأ اللَّه الخلق: خلقهم. والذرية نسل الثقلين، قال الخليل: سموا ذرية؛ لأن اللَّه ذرأهما على الأرض كما ذرأ الزراع البذر، والذرية أصلها الأبناء وقد تطلق على الآباء، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٤) يعني:

стр. 12008

آباءهم. والمراد هنا البنون والبنات والخناثى والمجانين. (قال) هم (من آبائهم) جار ومجرور. أي: مخلوقين من آبائهم، فيعلم حكمهم من آبائهم، أو هم يعدون من جملة آبائهم، فيلحقون بهم في الإيمان، كما أنهم ملحقون بمنازلهم في الجنة وإن لم يستأهلوها؛ لحديث ابن عباس: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ليرفع ذرية المؤمن حتى يلحقهم به (١) فَإن كانوا دونه في العمل؛ لتقر بهم عينه" ثم قرأ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وأتبعناهم ذرياتهم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتهمْ) (٢) (٣) ليجمع اللَّه لهم أنواع السرور باجتماع أولادهم ونسلهم، وقوله تعالى: ﴿بِإِيمَانٍ﴾ أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجتهم ذرياتهم وإن لم يستأهلوها (٤) تفضلًا عليهم وعلى آبائهم؛ ليتم سرورهم وتكمل نعمتهم. (فقلت: يا رسول اللَّه) يلحقون بآبائهم (بلا عمل؟ ) يستحقونه به (قال:

стр. 12009

اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) لو بلغوا، كما تقدم قريبًا (قلت: يا رسول اللَّه فذراري) مبتدأ مشدد الياء، ويجوز تخفيفها كما في أثافيَّ وأثافي، وكراسيَّ وكراسي (المشركي؟ قال) هم (من آبائهم) كما في الإيمان؛ لرواية علي بن أبي طالب: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، والمشركين وأولادهم في النار" ثم قرأ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وأتبعناهم ذرياتهم) الآية (١). (قلت: بلا عمل) هو نكرة في معرض النفي، فيعم كل عمل. أي: بغير عمل أصلًا لا قليل ولا كثير. (قال: اللَّه أعلم) بما سبق في علمه إذ جبلهم وطبعهم في الأزل، وقد احتج بهذا الحديث من قال: إن أولاد المشركين في النار مع آبائهم. قال القرطبي: ولا حجة فيه، لوجهين: أحدهما: أن المسألة علمية، وهذا خبر واحد، وليس نصًا (٢) في الفرض. وثانيهما: سلمناه، لكنا نقول ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل وعليها خرج الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، إنا نبيت أهل الدار من المشركين وفيهم الذراري. فقال: "هم من آبائهم" يعني: في جواز القتل في حال التبييت وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية، واللَّه أعلم (٣) (بما كانوا عاملين) يحتمل أن يكون قاله قبل أن يعلمه اللَّه أنهم في الجنة مع أولاد المؤمنين. وقيل: (بما كانوا عاملين). أي:

стр. 12010

على [أي] (١) دين يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل، فأما إذ عدم منهم العمل فهم في رحمة اللَّه. [٤٧١٣] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (أبنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن طلحة بن يحيى) بن عبيد اللَّه، أخرج له مسلم (عن) عمته (عائشة بنت طلحة) بن عبيد اللَّه، وأمها أم كلثوم بنت الصديق (عن) خالتها (عائشة أم المؤمنين قالت: أتي النبي ﷺ بصبي من الأنصار) ولفظ مسلم: دعي رسول اللَّه ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار (٢). وفي رواية له: توفي صبي (٣) (أن يصلي عليه) (٤). فيه: أن الصبي يصلى عليه كما يصلى على البالغ. (قالت: ) عائشة (قلت: يا رسول اللَّه، طوبى) اسم الجنة. وقيل: شجرة فيها، وأصلها فعلى من الطيب، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوًا (لهذا) الصبي (لم يعمل شرًّا) قط (ولم يدر) بفتح الياء وسكون الدال (به) أي: لم يعلم به. ولفظ مسلم: طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه (٥). (قال: أو) بإسكان الواو للإضراب عن الأول أو التقسيم. يعني: إما له (طوبى) أو (غير) بالرفع (ذلك) بكسر الكاف؛ لأن المخاطب مؤنث، قبل أن ينكر عليها بأن حكمت له بطوبى، بل أنكر لمبادرتها إلى الجواب

стр. 12011

والجزم بأنه من أهل الجنة دون تعليق بالمشيئة، ولم يرض ذلك منها لما فيه بالحكم من الغيب والقطع بإيمان أبوي الصبي أو أحدهما، إذ هو تبع لهما، ويحتمل أنه قال ذلك قبل أن يعلم حكم أولاد المؤمنين. ومنه إرشاد الأمة إلى التوقف عند الأمور المبهمة والسكوت عنها إلى أن يرد الحكم. (يا عائشة، إن اللَّه تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم) لا يعارض هذا ما تقدم أنه يكتب وهو في بطن أمه شقي أو سعيد؛ لما تقرر من أن قضاء اللَّه وقدره راجع إلى علمه وقدرته، وهما أزليان لا أول لهما، ومقصود هذِه الأحاديث كلها أن قدر اللَّه سابق على حدوث المخلوقات، وأن اللَّه يظهر من ذلك ما شاء لمن شاء متى شاء قبل وجود الأشياء (وخلق النار) ظاهره أنه خلقها والجنة قبل خلق الموجودات (وخلق لها) أي: لأجل دخولهم فيها (أهلًا) معينين عند اللَّه تعالى (وخلقها لهم وهم) هذِه الواو واو الحال. أي: خلقها لهم في حال كونهم في أصلاب آبائهم وآباء آبائهم وإن علوا. [٤٧١٤] (ثنا) عبد اللَّه بن مسلمة (القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدني (عن) عبد الرحمن (الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : كل مولود (فإنه (يولد على الفطرة) وهي لغة: الخلقة، والمراد بقوله تعالى: ﴿فِطرَتَ اللَّهِ﴾ (١) أي: خلقة اللَّه. بدليل

стр. 12012

قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ والمراد به هاهنا ما يراد به في الآية الشريفة، وهي الدين؛ لأنه قد اعتورها البيان من أول الآية، وهي قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ ومن آخرها، وهو ذلك الدين القيم. "الكشاف" ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب بالزموا مقدرًا، ومعناه أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام، لكونه على مقتضى العقل والدين الصحيح حتى لو تركوا وطغيانهم لما اختاروا عليه دينا (١). وقوله: على مقتضى العقل. فيه دسيسة اعتزالية في تحسين العقل. (فأبواه يهودانه وينصرانه) أي: كل مولود تلده أمه سالمًا من اليهودية والنصرانية وليس قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) بيانا (٢) أنه على الإيمان العام، وإنما فيه أنه يولد على تلك الفطرة التي لم يظهر منها إيمان ولا كفر، لكن لما حملهم آباؤهم على دينهم ظهر منهم ما حملوهم عليه من يهودية أو نصرانية، لما أراد اللَّه إمضاء ما علمه وقدره في كل واحد منهم بما أجرى لهم في بدء الأمر من كفر وإيمان، ختم لهم بما سبق عليه الكتاب الأول. (كما تناتج) بفتح التاء والنون المخففة والتاء التي بعد الألف. أي: كما تتوالد. أصله بتاءين ثم حذفت إحداهما تخفيفًا (الإبل من بهيمة جمعاء) بفتح الجيم والمد. أي: مجتمعة الأعضاء سليمة من النقص في الأطراف، سميت بذلك لاجتماع السلامة في الأعضاء. قال الكرماني: لفظ: (كما) إما حال. أي: يهودان المولود بعد أن

стр. 12013

خلق على الفطرة شبيهًا بالبهيمة التي جدعت بعد سلامتها، وإما صفة مصدر محذوف. أي: يغيرانه تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة السليمة (١). (هل تحس) بضم التاء. أي: هل ترى فيها من جدعاء. يعني: أن البهيمة تولد كاملة الأعضاء سليمة من الآفات، فلو تركت على أصل خلقتها لبقيت كاملة الأعضاء سليمة من العيوب، ليس بها جدع ولا غيره، لكن يتصرف فيها بجدع الأنف ووسم الأذن، ونحو ذلك، فتطرأ عليها آلافات والنقائص، فتخرج عن الأصل، وكذلك ولد الآدمي يولد سليم الفطرة، ثم يطرأ عليه النقص كما يطرأ على البهيمة. (قالوا: يا رسول اللَّه، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ ) أي: قبل أن يهود أو يمجس أو ينصر (قال: اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) قيل: على أي دين كان يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل، فأما إذ عدم منهم العمل، فهم في رحمة اللَّه التي ينالها من لا ذنب له، وقيل: يحتمل تفسيره الآية المتقدمة ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد المشركين والمسلمين، فمن مات قبل دخول الحنث ممن أقر بهذا الإقرار من أولاد الناس كلهم، فهو على إقراره المتقدم لا يقضى له بغيره؛ لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه. [٤٧١٥] (ثنا) المصنف (قال: قرئ) بضم القاف (على الحارث بن مسكين) الأموي، وكان فقيهًا على مذهب مالك، حمله المأمون أيام

стр. 12014

المحنة إلى بغداد وسجنه؛ لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل محبوسًا إلى أن ولي المتوكل فأطلقه. قال النسائي: ثقة مأمون (١). (وأنا أسمع) شاهد، فقيل له (أخبرك يوسف بن عمرو) المصري، تلميذ مالك والليث وغيرهما (قال: أنا) عبد اللَّه (ابن وهب قال: [سمعت مالكا) وقد (قيل له: إن أهل الأهواء) جمع هوى، وهو ميل النفس وانحرافها، ثم] (٢) استعمل في الانحراف عن الحق و (أهل الأهواء) المذمومة كالخوارج (يحتجون علينا) أي: على أهل السنة بهذا الحديث المذكور. يعني بأوله: " فأبواه يهودانه وبمجسانه". (قال مالك) بن أنس (احتج عليهم بآخره) بمد الهمزة. أي: بآخر الحديث، حيث (قالوا: أرأيت من يموت وهو صغير) لم يهود ولم يمجس ولم يعمل (قال: اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) حيث لم يعلق الحكم إلا بما سبق في علم اللَّه في الأزل، فهو العالم بما كان وما يكون لو كان كيف كان يكون. [٤٧١٦] (ثنا الحسن بن علي) الخلال (ثنا حجاج بن منهال) الأنماطي شيخ البخاري (قال: سمعت حماد بن سلمة ﵁ يفسر حديث) أبي هريرة (كل مولود) رفع على الحكاية (يولد على الفطرة) إلى آخره (قال: هذا عندنا) تفسيره (حيث أخذ اللَّه عليهم العهد) وهم (في أصلاب آبائهم) كالذر (حيث قال) اللَّه لهم (﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾) فإنه إقرار منهم عام يدخل فيه أولاد المسلمين والمشركين كما تقدم قريبًا.

стр. 12015

[٤٧١٧] (حدثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الحافظ. قال أبو زرعة: كتبت عنه مائة ألف حديث. وعن أبي بكر بن أبي شيبة مائة ألف (١)، وهو شيخ الشيخين (ثنا يحيى بن أبي زائدة، حدثني أبي) (٢) زكريا بن أبي زائدة، صاحب الشعبي (عن عامر) بن شراحيل الشعبي. (قال: قال رسول اللَّه ﷺ ) وهذا مثال للمعضل، فإنه سقط منه راويان من موضع واحد، وهو التابعي والصحابي كما سيأتي في الرواية بعده (الوائدة) بهمزة مكسورة قبل الدال، وهي الأم التي تئد ولدها. أي: تدفنه حيًّا، وكان الرجل إذا ولد له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية أو آن وقت زواجها فيقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، وذلك قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ (٣). وسبب ذلك الخوفُ من لحوق العار بهنَّ أو الخوف من الإملاق، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٤) وكانوا يقولون: إن الملائكة بنات اللَّه، فألحقوا البنات به، فهو أحق بهن، (والموؤودة)

стр. 12016

هي البنت المدفونة حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيوئدها أي: يثقلها حتى تموت، من قولهم: وأد البنت يئدها، وهو مقلوب من أأد يوئد إذا أثقل. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (١) (في النار) هذا الحديث له سبب، وهو أن ابني مليكة الجعفيين، واسم أحدهما سلمة بن يزيد بن مشجعة لما أسلما وفدا على النبي ﷺ وقالا له: إن أمنا وأدت بنتًا لها. فقال رسول اللَّه ﷺ : "الوائدة والموؤودة في النار" (٢) أما الأم فلأنها كانت كافرة وأما البنت فلاحتمال كونها بالغة كافرة أو غير بالغة لكن النبي ﷺ أخبر أنها من أهل النار إما بوحي أو غيره، فلا يجوز الحكم على أطفال الكفار بأن يكونوا من أهل النار بهذا الحديث؛ لأن هذِه واقعة عين في شخص معين، فلا يجوز إجراؤه في جميع الموؤدين، بل حكمهم على المشيئة بما سبق في علم اللَّه تعالى، وقد يحتج بهذا الحديث من يقول: إن أولاد المشركين في النار فيأخذ بعمومه، والصحيح لا حجة فيه لوروده على سبب كما تقدم. (قال يحيى) بن أبي زائدة (قال أبي) زكريا بن أبي زائدة (فحدثني أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الهمداني (أن عامرًا) بن شراحيل الشعبي (حدثه بذلك) ووصله (عن علقمة) بن قيس (عن) عبد اللَّه (ابن مسعود عن النبي ﷺ ) بهذا الحديث.

стр. 12017

[٤٧١٨] (ثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (ثنا حماد) بن سلمة (عن ثابت) البناني (عن أنس) بن مالك ﵁ (أن رجلا) وهو حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي والد عمران بن حصين، وقيل: هو أبو رزين لقيط بن عامر العقيلي. (قال: يا رسول اللَّه، أين أبي؟ قال: أبوك في النار) كان النبي ﷺ نهى أصحابه عن كثرة السؤال، والابتداء بسؤال ما لا حاجة إليه، وما لم يقع؛ لمعان منها: أنه ربما كان في الجواب ما يكرهه السائل ويسوؤه كما في الحديث، ولهذا نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١). (فلما قَفَّى) بفتح الفاء المشددة، أي: ولى بقفاه منصرفًا، قيل: هذا من أعظم حسن خلقه ﷺ الكريم الذي مدحه اللَّه تعالى به، وذلك أنه لما رآه ولى منصرفًا وقد شق ذلك عليه وعظم عليه ما أخبره لاطفه وسلاه تطييبًا لقلبه (وقال: إن أبي وأباك في النار) ولعل هذا قبل أن يحيى اللَّه تعالى والديه ويسلما على يديه على ما خرجه أبو بكر الخطيب وأبو حفص عمر بن الشاهين في "الناسخ والمنسوخ" (٢) بإسناديهما عن

стр. 12018

عائشة قالت: حج رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع. وقال فيه عن والدته: "فسألت اللَّه أن يحييها فأحياها فآمنت به" وذكر السهيلي (١) بإسناده أن اللَّه تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به. وجعله ابن شاهين ناسخًا لما قبله. قال القرطبي: وليس إحياؤهما وإيمانهما به ممتنعا (٢) عقلا ولا شرعًا، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل، وكان عيسى ﵇ يحيى الموتى، وكذلك ﷺ أحيا اللَّه على يديه جماعة من الموتى (٣). [٤٧١٩] (حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : إن الشيطان يجري من) أي: في عروق (ابن آدم) فـ (من) بمعنى (في) كقوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤) وقوله: ﴿يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٥)، ويجوز أن تكون لبيان الجنس وهو الأكثر. (مجرى) اسم مكان من جرى يجري، يعني: أنه يجري في أمكنة (الدم) وقيل: أراد أن كيد الشيطان ووساوسه تجري في عروق ابن آدم مثل مجرى الدم من غير إحساس له بجريان، وذكر الدم لأن الآدمي لا يبقى بدونه فكذلك وساوسه قل أن يسلم منها آدمي، فيجري

стр. 12019

الشيطان في عروق ابن آدم كما يجري الدم فيها، وقد تقدم هذا الحديث مبسوطا في الاعتكاف، وفي رواية: "فضيقوا مسالكه بالصوم" لينقمع الشيطان بسد مسالكه وتضييق مجاريه؛ لئلا يحوم حول القلب ويقرب منه فيفسده، ويقذف في القلوب أنواع الشرور وأسباب المهالك. [٤٧٢٠] (حدثنا أحمد (١) بن سعيد) بن بشر (الهمداني) المصري صدوق (حدثنا) عبد اللَّه (ابن وهب أخبرني) عبد اللَّه (ابن لهيعة) الحضرمي، قاضي مصر (وعمرو (٢) بن الحارث) المصري أحد الأعلام (وسعيد (٣) بن أبي أيوب، عن عطاء بن دينار، عن حكيم بن شريك الهذلي، عن يحيى بن ميمون، عن ربيعة الجرشي) بضم الجيم. (عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ولا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) وقد تقدم (الحديث) إلى آخره في حديث في كتاب القدر قبله من طريق أحمد بن حنبل، عن عبد اللَّه أبو عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي أيوب [إلى آخره (٤)] (٥). * * *

стр. 12020

١٩ - باب فِي الجَهْمِيَّةِ ٤٧٢١ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ هِشامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَزالُ النَّاسُ يَتَساءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هذا: خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمنْتُ باللَّهِ" (١). ٤٧٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا سَلَمَة -يَعْني: ابن الفَضْلِ-، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ -يَعْني: ابن إِسْحاقَ-، قالَ: حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْن مُسْلِمٍ مَوْلَى بَني تَيْمٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ قالَ: "فَإِذا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ ثُمَّ لْيَتْفُلْ عَنْ يَسارِهِ ثَلاثًا وَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيطانِ" (٢). ٤٧٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبّاحِ البَزَّارُ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: كُنْتُ في البَطْحاءِ في عِصابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحابَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْها فَقالَ: "ما تسَمُّونَ هذِهِ". قالُوا: السَّحابَ. قالَ: "والمُزْنَ؟ ". قالُوا: والمُزْنَ. قالَ: "والعَنانَ؟ ". قالُوا: والعَنانَ. قالَ أَبُو داوُدَ: لَمْ أُتْقِنِ العَنانَ جَيِّدًا. قالَ: "هَلْ تَدْرُونَ ما بُعْدُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ". قالُوا: لا نَدْرِي. قالَ: "إِنَّ بُعْدَ ما بَيْنَهُمَا إِمَّا واحِدَةٌ أَوِ اثْنَتَانِ أَوْ ثَلاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، ثمَّ السَّماءُ فَوْقَها كَذَلِكَ". حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَواتٍ: "ثُمَّ فَوْقَ السّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ ما بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَماءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمانِيَةُ أَوْعالٍ بَيْنَ أَظْلافِهِمْ وَرُكبِهِمْ مِثْلُ ما بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَماءٍ ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِمُ العَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ مِثْلُ ما بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَماءٍ ثُمَّ اللَّهُ تَبارَكَ

стр. 12021

وَتَعالَى فَوْقَ ذَلِكَ" (١). ٤٧٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن أَبِي سُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ قالا: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبي قَيْسٍ، عَنْ سِماكٍ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ (٢). ٤٧٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ، عَنْ سِماكٍ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَى هذا الحَدِيثِ الطَّوِيلِ (٣). ٤٧٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْن حَمّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّباطي قالُوا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قالَ أَحْمَدُ: كَتَبْنَاهُ مِنْ نُسْخَتِهِ وهذا لَفْظُهُ قالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قالَ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ جُبَيْرِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْرابِي فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ جَهِدَتِ الأَنْفُسُ وَضَاعَتِ العِيال وَنُهِكَتِ الأَمْوَالُ وَهَلَكَتِ الأَنْعَامُ فاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنا فَإِنّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ وَنَسْتَشْفِعُ باللَّهِ عَلَيْكَ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَيْحَكَ أَتَدْري ما تَقُولُ؟ " وَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَما زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ في وُجُوهِ أَصْحابِهِ، ثُمَّ قالَ: "وَيْحَكَ! إِنَّهُ لا يُسْتَشْفَعُ باللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَيْحَكَ أَتَدْري ما اللَّهُ؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَواتِهِ لَهَكَذا". وقالَ بِأَصابِعِهِ مِثْلَ القبَّةِ عَلَيْهِ: "وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرّاكِبِ". قالَ ابن بَشَّارٍ في حَدِيثِهِ: "إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَمَواتِهِ". وَساقَ الحَدِيثَ. وقالَ عَبْدُ الأَعْلَى وابْنُ المُثَنَّى وابْنُ بَشّارٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ وَجُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. قالَ أَبُو داوُدَ: والحَدِيث بإِسْنادِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الصَّحِيح وافَقَهُ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنْهُمْ يَحْيَى بْن مَعِين وَعَلي بْنُ المَدِيني وَرَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابن إِسْحَاقَ كَمَا قالَ أَحْمَدُ

стр. 12022

أَيْضًا، وَكانَ سَماعُ عَبْدِ الأَعْلَى وابْنِ المُثَنَّى وابْنِ بَشَّارٍ مِنْ نُسْخَةٍ واحِدَةٍ فِيما بَلَغَنَي (١). ٤٧٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قاَلَ: حَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ بْن طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "أُذِنَ لي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ: إِنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ" (٢). ٤٧٢٨ - حَدَّثَنَا عَلي بْنُ نَصْرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسائي -المَعْنَى- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن يَزِيدَ المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ -يَعْني: ابن عِمْرانَ- حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ سُلَيْمُ ابْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ يَقْرَأُ هذِه الآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ إِبْهامَهُ عَلَى أُذُنِهِ والَّتي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ. قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُها وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ قالَ ابن يُونُسَ قالَ المُقْرِئُ يَعْني ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يَعْني: أَنَّ للَّه سَمْعًا وَبَصَرًا. قالَ أَبُو داوُدَ: وهذا رَدٌّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ (٣). * * *

стр. 12023

باب في الجهمية بفتح الجيم نسبة إلى جهم بن صفوان (١)، وله مذهب في الأصول معروف ينتسب إليه خلق كثير. ومن قوله: إن اللَّه تعالى لا يوصف بشيء ولا أنه حي عالم. وزعم أن وصفه بذلك يقتضي التشبيه، واللَّه متعالٍ عن التشبيه. تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. [٤٧٢١] (ثنا هارون بن معروف) الخزاز الضرير شيخ مسلم (ثنا سفيان) بن عيينة (عن هشام) بن عروة القرشي (عن أبيه) عروة بن الزبير، كان صائم الدهر ومات وهو صائم. (عن أبي هريرة ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : لا يزال الناس يتساءلون) أي: يسأل بعضهم بعضا (حتى يقال: ) ولمسلم: "لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: " (٢) وله في رواية: "لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة" (٣) وذكره البخاري في بدء الخلق في صفة إبليس، ولفظه: "هذا اللَّه خلق كل شيء فمن خلق اللَّه؟ ! " (٤). (هذا) اللَّه خلق كل شيء وقد (خلق) بفتح اللام فعل ماضٍ (اللَّه الخلق) يعني: المخلوقات جميعها (فمن خلق اللَّه؟ ! ) زاد مسلم في رواية: قال -يعني: أبا هريرة- فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من

стр. 12024

الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة، هذا اللَّه فمن خلق اللَّه؟ قال: فأخذ حصًى بكفه فرماهم ثم قال: قوموا، صدق لخيلي ﷺ (١). (فمن وجد من ذلك) الوسواس (شيئًا فليقل: آمنت باللَّه) أمر بتذكر الإيمان الشرعي والإعراض عن هذا الخاطر الباطل واشتغال القلب بالإيمان الحقيقي؛ لتمحى تلك الشبهات وتضمحل تلك الترهات، وهذِه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرض الشبهات لها ولا تمكث فيها، فإذا استعملت هذِه الأدوية على نحو ما أمر الشارع به بقيت القلوب على صحتها وانحفظت سلامتها، فأما القلوب التي تمكنت منها أمراض الشبه ولم تقدر على دفع ما حصل بها بهذِه الأدوية المذكورة فلابد من مشافهتها بالدليل العقلي والبرهان القطعي، كما فعل النبي ﷺ [حين] (٢) خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال له: "لا عدوى" فقال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل كالظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟ ! فقال له النبي ﷺ : "فمن أعدى الأول" (٣) فاستأصل (٤) الشبهة من أصلها، وموضع هذا أصول الدين. [٤٧٢٢] (حدثنا محمد بن عمرو) بن زنيج بزاي ونون وجيم، مصغر، الرازي، أخرج له مسلم (ثنا سلمة بن الفضل) الأبرش

стр. 12025

الأنصاري، ذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وأخرج له الترمذي وابن ماجه في التفسير (حدثني محمد بن إسحاق) بن يسار رأى أنسًا ﵁ (عن عتبة بن مسلم) التجيبي (٢) (مولى بني تيم) إمام جامع مصر، ثقة (عن أبي سلمة) عبد اللَّه (بن عبد الرحمن) بن عتبة (٣). (عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: فذكر نحوه) وزاد: (فإذا قالوا ذلك فقولوا) عند الوسوسة: هو (﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾) أي: لا ثاني له، وفي قراءة النبي ﷺ : (اللَّه أحد) بغير: ﴿قُلْ هُوَ﴾ كما في هذا الحديث، ورواية هذا الحديث تدل على هذا ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ هو فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده، والمعنى هو السيد الذي يصمد إليه كل الخلائق في جميع حوائجهم. (﴿لَمْ يَلِدْ﴾) لأنه لا يجانس حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا، ودل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ (٤) (﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾) لأن كل مولود محدث (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾) أي: لم يكافئه أحد، أي: لم يماثله ولم يشابهه (ثم ليتفل) التفل بالمثناة والفاء: نفخ معه أدنى بزاق، وهو أكثر من النفث، وهو عبارة عن كراهية هذا الخاطر ونفور (٥) طبعه

стр. 12026

عنه، كمن وجد ريح جيفة منتنة فكره ريحها وتفل من نتنها، وجاء التفل هنا ثلاثًا أوله البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ (عن يساره) لأنها جهة الشيطان التي يأتي منها، أو لإكرام اليمين (ثلاثًا) أي: يتفل ثلاث مرات ليكون أبلغ؛ ليطرد الشيطان ويعلمه أنه كره وسوسته وليس مطيعًا له (ويستعيذ) باللَّه (من الشيطان) أي: ليلتجئ بصدق النية إلى اللَّه تعالى ليعينه عليه، ويدفع شر وسوسته عنه. [٤٧٢٣] (ثنا محمد بن الصباح) التاجر البزاز، مصنف "السنن" شيخ الشيخين (ثنا الوليد) بن عبد اللَّه (بن أبي ثور) الهمداني الكوفي، لا يحتج بحديثه؛ لأنهم ضعفوه (عن سماك) بن حرب، استشهد به البخاري، في "الجامع" وروى له في "القراءة خلف الإمام" (١) (عن عبد اللَّه بن عميرة) بفتح العين وكسر الميم، الكوفي. قال البخاري: لا يحكم له بسماع من الأحنف (٢). لكن الترمذي حسن حديثه (٣)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، ورواه أبو بكر بن خزيمة في كتاب "التوحيد" (٥) وهو قد التزم أنه لا يذكر فيه إلا ما صح من الأحاديث (٦)، وفي سنده الوليد ابن أبي ثور. قال البخاري: عبد اللَّه بن عميرة لا يعرف له سماع من الأحنف.

стр. 12027

(عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب) بن هاشم عم النبي ﷺ ، وكان أسن منه بسنتين، حضر بدرًا مكرها فأسر ثم أسلم، وقيل: كان يكتم إسلامه. (قال: كنت) جالسًا (في البطحاء) بالمد، وهو موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، وهو الأبطح، وهو بطحاء مكة، وهو المحصب، وهو خيف بني كنانة وأصل البطحاء: المسيل المتسع فيه دقاق الحصا (في عصابة) وهي الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين و (فيهم رسول اللَّه ﷺ ) جالس (فمرت بهم سحابة) ابن ماجه: فمرت به (١) (فنظر إليها) لفظ الترمذي: إذ مرت عليهم سحابة فنظروا إليها فقال: "هل تدرون ما اسم هذِه؟ " (٢). (فقال: ما تسمون هذِه؟ قالوا: السحاب. قال: و) يسمى (المزن. قالوا: والمزن) والمزن جمع، واحده: مزنة، تصغيرها: مزينة، وبها سميت القبيلة، والنسبة إليها مزني بحذف ياء التصغير. وقيل: المزنة السحابة البيضاء، والبرد حب المزن. (قال: والعنان) بفتح العين المهملة، والنون المخففة (قالوا: والعنان) ومنه حديث: "لو بلغت خطيئتك عنان السماء" (٣) مشتق من قولهم: عنَّ لك الشيء: اعترض، وفي هذا فضيلة علم اللغة وتعلم الأسماء الكثيرة

стр. 12028

للشيء الواحد مترادفة أو مع اختلاف المعاني. وفيه تعليم ذلك لمن لم يسأل عنه. (قال) المصنف (لم أتقن) بضم الهمزة، وكسر القاف من الإتقان، يعني: رواية قوله: و (العنان) إتقانا (جيدًا) وقد أتقنها الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة (١) ثم (قال: هل تدرون) كم (بُعد) بضم الموحدة (ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري) في رواية ابن ماجه: قال أبو بكر (٢). (قال: إن بعد ما بينهما) لفظ ابن ماجه: قال: "بينكم وبينها" (٣) (قال: إما) بكسر الهمزة (واحدة أو ثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء) التي (فوقها كذلك حتى عد) هن (سبع سموات) كذلك، وعلى تقدير صحة هذا الحديث فليس هذا القدر الذي ذكره ﷺ للتحديد، وعلى تقدير كونه تحديدًا فإن المشهور الذي رواه الترمذي في تفسير سورة الحديد عن أبي هريرة: بينما نبي اللَّه ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال رسول اللَّه ﷺ : "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "هذا العنان هذا زوايا الأرض يسوقه اللَّه تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" ثم قال: "هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف" ثم قال: "هل تدرون كم بينكم

стр. 12029

وبينها؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "بينكم وبينها خمسمائة سنة" ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك" قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإن بين كل سماءين خمسمائة سنة" حتى عدَّ سبع سموات بين كل سماءين كما بين السماء والأرض (١). وعلى تقدير صحة الحديثين فيمكن أن يكون مسير الخمسمائة بطيئا ومسيرة الثلاث والسبعين سريعًا بأن يكون الخمسمائة بسير الإبل، والثلاث وسبعون بسير أجاويد الخيل، ونحو ذلك، ويحتمل غير ذلك، وقيل: ليس هذا القدر المذكور في الحديث تحديدا بل تقريبًا (ثم فوق) السماء (السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل) بالرفع، وللترمذي: "كما" (٢) (بين سماء إلى سماء) والظاهر أن هذا بحر ماء، ويحتمل أن يكون من برد أو غيره. (ثم فوق ذلك ثمانية أوعال) والأوعال بالعين المهملة تيوس الجبال، واحدها وعِل بكسر العين، وهو العنز الوحشي. وفي الحديث: "في الوعل شاة" (٣) يعني: إذا قتله المحرم، وهذِه الثمانية أوعال هي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (٤) قيل: ثمانية أوعال، أي: ملائكة على صورة الأوعال.

стр. 12030

(بين أظلافهم) أي: بين ظِلف أحدهم بكسر الظاء المعجمة، وسكون اللام، وهو للبقر والغنم والظباء، بمنزلة الحافر للدابة (وركبهم مثل) بالرفع مبتدأ مؤخر (ما بين سماء إلى سماء، [ثم على ظهورهم) (١) أي: الأوعال (العرش) عرش الرحمن، وهذا الحديث رواه أبو بكر ابن خزيمة (٢)، وهو ملتزم ألا يذكر إلا ما صح من الأحاديث (٣). وأوله رواية ابن ماجه: "العرش بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم اللَّه فوق ذلك ﵎" (٤). (بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء] (٥) ثم اللَّه تعالى) أي: حكمه وعظمته وقدرته فوق ذلك العرش، لا بحسب المكان تعالى اللَّه عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا. [٤٧٢٤] (ثنا أحمد بن أبي سريج) بالسين المهملة وبعد الياء جيم، وهو ابن الصباح شيخ البخاري (أنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن سعد) الدشتكي الرازي صدوق (ومحمد بن سعيد قالا: أبنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك) بن حرب (بإسناده ومعناه) المذكورين. [٤٧٢٥] (ثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي) عبد اللَّه السلمي (٦) (ثنا

стр. 12031

إبراهيم بن طهمان، عن سماك بإسناده ومعناه) في (هذا الحديث الطويل) المذكور. [٤٧٢٦] (ثنا عبد الأعلى بن حماد) الباهلي مولاهم النرسي، شيخ الشيخين (ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، وأحمد بن سعيد الرباطي) المروزي (قالوا: ثنا وهب (١) بن جرير) بفتح الجيم، الأزدي الحافظ (قال أحمد) بن سعيد (كتبناه من نسخته وهذا لفظه قال: حدثني أبي) (٢) جرير بن حازم الأزدي، رأى جنازة أبي الطفيل (قال: سمعت محمد بن إسحاق) بن يسار صاحب "المغازي" (يحدث عن يعقوب بن عتبة) بن المغيرة بن الأخنس، الثقفي، ثقة، من العلماء (عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم) مقبول، وليس له في الكتب الستة غير هذا الحديث (عن أبيه) (٣) محمد النوفلي، عاش إلى سنة مائة (عن جده) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل أحد أشراف قريش وحكمائها، كان يؤخذ عنه النسب وأخذه عن أبي بكر، أسلم بعد الحديبية. (قال: أتى رسول اللَّه ﷺ أعرابي فقال: يا رسول اللَّه جُهدت) بضم الجيم، وكسر الهاء، مبني للمجهول (الأنفس) أي: حصل لها المشقة الشديدة، يقال: جهد الرجل إذا وجد مشقة وجهد الناس فهم مجهودون، إذا أجدبوا، وفي حديث الدعاء: "أعوذ بك من جهد البلاء" (٤) أي: الحالة الشاقة (وضاعت) بفتح الضاد المعجمة أي:

стр. 12032

تلِفت من الجوع، وفي رواية: جاعت (العيال، ونهكت) بضم النون، وكسر الهاء، أي: نقصت (الأموال) من الجدب (وهلكت) بفتح اللام (الأنعام) وهي الإبل والبقر والغنم، وأصلها الإبل لنعومة جسمها، (فاستسق اللَّه تعالى لنا) والاستسقاء طلب السقيا والسقي من السماء (فإنا نستشفع بك على اللَّه) والاستشفاع طلب الشفاعة، أي: نطلب الشفاعة بك لحرمتك على اللَّه تعالى ([ونستشفع] (١) باللَّه عليك) فتكون (على) بمعنى (إلى) أي: نجعلك شفيعنا إلى اللَّه تعالى؛ ليحصل مقصودنا، وينجح أملنا. (قال رسول اللَّه ﷺ : ويحك) بالنصب، كلمة ترحم (أتدري ما تقول؟ ! ) استفهام إنكار عليه لكثرة مبالغة في وصفه (وسبح رسول اللَّه ﷺ ) أي: قال: سبحان اللَّه سبحان اللَّه (فما زال يسبح اللَّه تعالى) أي: يكرر التسبيح (حتى عرف) بضم العين، وكسر الراء، مبني للمجهول، (ذلك) الذي كرهه منهم (في وجوه أصحابه) أي: ما زال يكرر التسبيح حتى عرف التغير في وجوه أصحابه كأنهم توسموا منه أنه غضب من هذا السؤال فخافوا من غضب رسول اللَّه ﷺ ، حتى رق لهم وأشفق عليهم، فقطع التسبيح وبين عظمة الرب سبحانه (ثم قال) للأعرابي (ويحك إنه لا يستشفع) بضم أوله، وفتح ثالثه (باللَّه تعالى على أحد من خلقه) فإنه أعظم من ذلك؛ بل يستشفع بخلقه عليه؛ لأن الشافع في الغالب دون المشفوع إليه، والشفاعة فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة هي سؤال الشافع المشفوع إليه في تجاوزه وصفحه عن

стр. 12033

صاحب الجريمة (شأن اللَّه تعالى) أي: أمر اللَّه وخطبه (أعظم من ذلك) وأجل قدرًا (ويحك أتدري ما اللَّه؟ ! ) قال الخطابي (١): معنى قوله: (أتدري ما اللَّه)؟ ! معناه: أتدري ما عظمة اللَّه وجلاله؟ ! وأشار إلى أن ظاهر الحديث فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن اللَّه وعن صفاته منتفية، وإنما هو كلام تقرير أريد به تقرير عظمة اللَّه، وجلاله منزه عن الكيفية ثم قال: (إن عرشه) تعالى (على سماواته) أي: العرش فوق السماوات (لَهكذا) بفتح اللام، التي هي جواب القسم محذوف (وقال) أي: أشار ﷺ (بأصابعه) الخمس فجعلها (مثل) بالنصب (القبة). قال البيهقي: التشبيه بالقبة إنما وقع للعرش المظلة عليه (٢). أي: العرش مظلل على سطح السماوات كالقبة المظلة على السقف من البيت ونحوه، ولا يجوز إعادة الضمير في (عليه) على اللَّه تعالى كما يزعم المبطلون (وأنه) أي: أن العرش (ليئط به أطيط الرحل) وهو في الأصل قتب البعير، أي: للعرش صوت مثل صوت قتب البعير (بالراكب) الثقيل عليه من عظم مهابة اللَّه وجلاله، ومنه الحديث الآخر: "العرش على منكب إسرافيل وإنه ليئط أطيط الرحل الجديد" (٣) يعني: كور الناقة، والعادة أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله، وفي الحديث: "أطت السماء وحق لها أن تئط" (٤) يعني: أن ما في السماء من الملائكة قد أثقلها

стр. 12034

حتى أطت، وهذا مثل وإنذار بكثرة الملائكة وهو تقرير أريد به تقرير عظمة اللَّه (١) تعالى. قال أبو بكر ابن فورك: ذلك يرجع إلى العرش، وليس فيه ما يدل على أن اللَّه تعالى مماس (٢) له مماسة الراكب للرحل، بل فائدته أنه يسمع للعرش أطيط وصوت كأطيط الرحل إذا ركب عليه، ويحتمل تأويلا آخر أيضًا، وهو أن يقول: معناه أطيط الملائكة ضجيجهم بالتسبيح حول العرش. والمراد به الطائفون، وهذا سائغ كما قال: استبَّ بعدك يا كليب المجلس (٣) والمراد أهل المجلس، وكذلك تقول: بنو فلان هم الطريق. والمراد به الواطئون الطريق (٤). (قال محمد بن بشار في حديثه) الذي رواه (إن اللَّه تعالى فوق عرشه) إن (فوق) بمعنى (على) عند كافة العرب، وفي كتاب اللَّه قال اللَّه تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٥) قال ابن عباس: إن اللَّه لما كان موصوفًا علي

стр. 12035

متعال علو المرتبة في القدرة حسن أن يقال [له: (من] (١) فوقهم)؛ ليدل على أنه في أعلى مراتب القادرين فمن قال: إن اللَّه فوق العرش كفوقية المخلوقين فقد الحد، وخص العرش بالذكر دون غيره؛ لأنه أعظم المخلوقات (وعرشه فوق سماواته) كما تقدم (وساق الحديث) المذكور. (وقال عبد الأعلى) بن حماد (وابن المثنى) (٢) ومحمد (ابن بشار، عن يعقوب بن عتبة، وجبير بن محمد بن جبير) بن مطعم (عن أبيه، عن جده) جبير بن مطعم (والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو) الرباطي (الصحيح) إن شاء اللَّه، قاله المصنف، وروى ابن خزيمة هذا الحديث في "التوحيد" عن جبير بن مطعم (٣)، قال: و (وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني، ورواه جماعة عن) محمد (ابن إسحاق كما قال) أحمد بن سعيد (أيضًا). (قال) المصنف (وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة) كتبوها كلهم (فيما بلغني) عنهم. [٤٧٢٧] (ثنا أحمد بن حفص) قاضي نيسابور شيخ البخاري وغيره (حدثني أبي) حفص بن عبد اللَّه بن راشد السلمي، قاضي نيسابور أخرج له البخاري (حدثني إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، عن رسول اللَّه ﷺ : أذن) بضم الهمزة وكسر الذال (لي أن أحدث) أمتي.

стр. 12036

فيه أن علم الغيب مختص باللَّه تعالى، عنده علمه فلا يحيط به ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بإذنه [فكما أنه لا يحيط بشيء منه أحد إلا بإذنه، ذلك لا يحدث به للمخلوقين إلا بإذنه] (١) فلولا أن اللَّه أذن للنبي ﷺ أن يحدث عن هذا الملك إلا بعدما أذن اللَّه له في ذلك بوحي أو غيره (عن ملك) بفتح اللام (من ملائكة اللَّه) تعالى الكرام (من) الثمانية الذين هم (حملة العرش) على صورة الأوعال (إن ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقه) وهو مجمع العضد (مسيرة) الفرس الجواد (سبعمائة عام) فما ظنك بطوله وعظم جثته. قال الزمخشري عن حملة العرش: يروى: ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم مطرقون مسبحون (٢). * * *

стр. 12037

٢٠ - باب فِي الرُّؤْيَةِ ٤٧٢٩ - حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ أَبي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُلُوسًا فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ هذا، لا تُضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا". ثُمَّ قَرَأَ هذِه الآيَةَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١). ٤٧٣٠ - حَدَّثَنَا إِسْحاقُ بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَة يُحَدِّثُ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ ناسٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ قالَ: "هَلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ في الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ في سَحابَةٍ". قالُوا: لا. قالَ: "هَلْ تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ في سَحابَةٍ". قالُوا: لا. قالَ: "والَّذي نَفْسي بيَدِهِ لا تُضارُّونَ في رُؤْيَتِهِ إِلَّا كَمَا تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ أَحَدِهِما" (٢). ٤٧٣١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، ح وَحَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ -المَعْنَى-، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطاءٍ، عَنْ وَكِيعٍ قَالَ مُوسَى: ابن عُدُسٍ، عَنْ أَبي رَزِينٍ قالَ مُوسَى العُقَيْلي: قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَكُلُّنا يَرى رَبَّهُ قالَ ابن مُعاذٍ: مُخْلِيًا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ؟ وَما آيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ قالَ: "يَا أَبا رَزِينٍ أَلَيْسَ كلُّكُمْ يَرى القَمَرَ؟ ". قالَ ابن مُعاذٍ: "لَيْلَةَ البَدْرِ مُخْلِيًا بِهِ". ثُمَّ اتَّفَقا. قُلْت: بَلَى. قالَ: "فَاللَّه أَعْظَمُ". قالَ ابن مُعاذٍ: قالَ: "فَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فاللَّه

стр. 12038

أَجَلُّ وَأَعْظَمُ" (١). * * * باب في الرؤية [٤٧٢٩] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، ووكيع (٢)، وأبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (عن إسماعيل بن أبي (٣) خالد) سعد الأحمسي الكوفي (عن قيس بن أبي حازم) تابعي كبير فاتته الصحبة بليال (عن جرير بن عبد اللَّه) البجلي ﵁ (قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ جلوسًا فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة) لفظ البخاري: كنا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القبلة ليلة البدر (٤). (فقال) أما (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا) القمر (لا تضامون) يروى بضم التاء وخفة الميم من الضيم، وهو التعب والظلم، أي: لا يظلم بعضكم بعضًا، ولا يتعبه بالزحام عند النظر إليه، ويروى بفتح التاء، وتشديد الميم، أصله: تتضاممون فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا، أي: لا يضامم بعضكم بعضا بالزحام كما يفعله الناس من المزاحمة عند طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل إدراكه (في رؤيته) المراد تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي تعالى اللَّه تعالى عن ذلك.

стр. 12039

(فإن استطعتم أن لا تغلبوا) بلفظ المجهول (على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) وهاتان الصلاتان هما الصبح والعصر، وخصهما النبي ﷺ بالذكر؛ لأن الصبح يغلب فيها النوم، والعصر يشتغل الناس عنها بالمعاملات والحرف، ومثله حديث: "من صلى البردين دخل الجنة" (١) وفي الحديث أن رؤية اللَّه ممكنة وأنها سترى في الآخرة للمؤمنين كما هو مذهب الجماعة، ومعنى الحديث أنكم ترونه رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة ولا خفاء كما ترون القمر كذلك، وفيه زيادة شرف الصلاتين لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ومن حافظ على هاتين الصلاتين مع ما فيهما من التثاقل بلذة النوم والتشاغل بإتمام الوظائف، فلأن يحافظ على غيرهما بطريق الأولى (فافعلوا) فإن قيل: ما المراد بفعل الأمر ولا يصح أن يراد افعلوا الاستطاعة، وافعلوا عدم المغلوبية فالجواب أن عدم المغلوبية كناية عن الإتيان بالصلاة، فإنه لازم الإتيان بها فكأنه قال: ائتوا بالصلاة فاعلين لها. (ثم قرأ هذِه الآية فسبح) كذا هنا وفي "الصحيح" بالفاء (٢)، والتلاوة: ﴿وَسَبِّحْ﴾ بالواو، لا بالفاء (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) فيه وجهان أحدهما ليس تسبيحنا تسبيحًا، بل تستحق بحمدك وجلالك هذا التسبيح. والثاني: إنا نسبحك بحمدك فلولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نستطع هذا التسبيح، كما قال داود: يا رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك؟ ! فأوحى اللَّه إليه: الآن

стр. 12040

شكرتني؛ إذ عرفت أن كل ذلك مني. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ وهي صلاة الصبح ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وهي صلاة العصر. وفي قوله: إن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة يرد على من قال: المراد بالتسبيح قول: سبحان اللَّه؛ لأنه الحقيقة. [٤٧٣٠] (حدثنا إسحاق بن إسماعيل) الطالقاني، ثقة (عن سفيان) بن عيينة (عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان (أنه سمعه يحدث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ناس: يا رسول اللَّه أنرى) لفظ مسلم: هل نرى (١) (ربنا يوم القيامة؟ قال) نعم. (هل تضارون) روي بتشديد الراء وتخفيفها، والتاء مضمومة فيهما، ومعنى المشدد: هل تضاررون غيركم في حال الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون في أول ليلة من الشهر (في رؤية الشمس في الظهيرة) أي: في وقت شدة حرها ووهجها (ليست في سحابة؟ ! ) تسترها وتستر من حرها (قالوا: لا. قال: هل تضارون في [رؤية] (٢) القمر) ومعنى التخفيف: هل يلحقكم في رؤيته ضير؟ وهو الضرر (ليلة البدر) أي: ليلة كماله، وهو مصدر بدر إلى الشيء في الأصل، و (ليس فيه سحابة؟ ! ) لفظ مسلم: "ليس فيها" (٣) أي: في تلك الليلة. (قالوا: لا. قال: والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته) أي: في

стр. 12041

رؤية اللَّه تعالى (إلا كما تضارون في رؤية أحدهما) معناه: تشبيه الرؤية في الرؤية في الوضوح، وزوال الشك والمشقة والاختلاف، لا المرئي في المرئي، وأجمع أهل السنة على أن المؤمنين يرون اللَّه في الآخرة (١). [٤٧٣١] (ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة (وثنا عبيد اللَّه) بالتصغير (ابن معاذ) بن معاذ (ثنا أبي) معاذ العنبري (ثنا شعبة المعنى، عن يعلى بن عطاء) الطائفي، أخرج له مسلم (٢) (عن وكيع بن عدس) بمهملات وضم الأولى والثانية. (قال موسى) بن إسماعيل في روايته عن وكيع (ابن حدس) بمهملات وضم أوله وثانيه، وقد يفتح ثانيه، ويقال بالعين بدل الحاء، وهو الأشهر، وهو أبو مصعب العقيلي بفتح العين الطائفي مقبول تابعي، لكن جل روايته عن كبار التابعين. (عن أبي رزين) بفتح الراء واسمه لقيط بن عامر، ويقال: لقيط بن صبرة. قال ابن عبد البر: فمن قال: لقيط بن صبرة. نسبه إلى جده، وهو لقيط بن عامر بن صبرة (قال موسى) بن إسماعيل في روايته عن أبي رزين: (العقيلي) بضم العين نسبة إلى عقيل قبيلة معروفة، فإنه لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر ابن عقيل. (قال: قلت: يا رسول اللَّه، أَكُلُّنا يرى ربه؟ ) يوم القيامة (قال) عبيد اللَّه (ابن معاذ) في روايته (مخليا) (٣) بضم الميم، وسكون الخاء المعجمة،

стр. 12042

وكسر اللام، يقال: خلوت به ومعه وإليه، واختليت به إذا انفردت (به) أي: يراه كلهم. (يوم القيامة) منفردًا لنفسه، كقوله "لا تضارون في رؤيته" (١) (وما آية) بمد الهمزة، أي: ما علامة (ذلك في خلقه؟ ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام، فيحتمل أن تكون (في) بمعنى اللام، كقوله ﷺ : "إن امرأة دخلت النار في هرة" (٢) والتقدير واللَّه أعلم: وما العلامة لخلقه التي يعرفونه بها، وفي "صحيح مسلم": "فيأتيهم اللَّه في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم. فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء عرفناه، فيأتيهم اللَّه في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا" (٣). قال العلماء: معناه: يتجلى اللَّه لهم على الصفة التي يعرفونه بها، وإنما يعرفونه بصفة، وإن لم تكن تقدمت لهم رؤية له سبحانه؛ لأنهم يرونه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، وقد علموا أنه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته فيعلمون أنه ربهم (٤). كما روي أن موسى لما كلمه ربه عرف ذلك؛ لأنه سمع كلامه بجميع أعضائه وحواسه من جميع جهاته؛ لا أنه سمع كلامه من جهة واحدة كالآدميين.

стр. 12043

(قال: يا أبا رزين، أليس كلكم يرى القمر) عيانا دون شك ولا ريب ويعرف أنه القمر (قال) عبيد اللَّه (ابن معاذ ليلة البدر مخليا) تقدم (به، ثم اتفق) يعني: حمادًا وعبيد اللَّه بن معاذ (قلت: بلى. قال: فاللَّه تعالى أعظم. قال ابن معاذ: قال: فإنما هو) يعني واللَّه أعلم-: الرائي للَّه تعالى (خلق) بفتح الخاء، وسكون اللام، وتنوين آخره (من) بعض (خلق) بفتح الخاء وسكون اللام، وجر آخره (اللَّه) أي: إن من رأى اللَّه من جملة مخلوقات اللَّه الذين خلقهم لا يكون لهم علامة على معرفته؛ لأنهم مخلوقون، والعلامة مخلوقة. والمخلوق لا يعرف أنه الخالق لتضاد ما بينهما. (فاللَّه أجل وأعظم) من ذلك، بل إنما تتصور معرفته سبحانه بأنه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، قال فإنما هو كما تقدم، ويحتمل غير ذلك من التأويلات التي اختص اللَّه بها أو يطلع عليها بعض أصفيائه الراسخين في العلم، واللَّه أعلم بالمراد، والتسليم في معرفة المتشابهات أسلم كما هي طريقة السلف، وأهل الاقتداء من الخلف، وإنما ذكرت ما ذكرته على سبيل التقريب والاحتمال، فإني لم أر من تكلم فيه، فليعم القارئ المعذرة ويستر العورة ويسامح في الجرأة في الكلام بما لا يعلم. [٤٧٢٨] (١) (ثنا علي بن نصر) الجهضمي شيخ مسلم (ومحمد بن يونس النسائي) وثقه المصنف وغيره (المعنى ثنا) أبو عبد الرحمن (عبد اللَّه بن يزيد) القصير مولى عمر بن الخطاب (المقرئ) وكان يقول: أنا بين التسعين إلى المائة، أقرأت القرآن بالبصرة ستا وثلاثين سنة، وهاهنا بمكة خمسًا وثلاثين سنة، وكان أخذ القراءة عن نافع بن أبي

стр. 12044

نعيم، وله اختيار القراءة (١) (ثنا حرملة بن عمران) التجيبي، أخرج له مسلم (قال: حدثني أبو يونس سليم) مصغر (ابن جبير مولى أبي هريرة) الدوسي المصري، روى له البخاري في "الأدب" ومسلم وغيره. (قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقرأ هذِه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾) وهي شاملة لكل أمانة، وأمهاتها في الأحكام: الوديعة واللقطة والرهن والعارية (﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾) يعني: أربابها، فالسمع أمانة والبصر أمانة واللسان أمانة إلى غير ذلك (إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾) و (رأيت رسول اللَّه ﷺ ) يقرأ هذِه الآية و (يضع إبهامه على أذنه) اليمنى (و) السبابة التي (تليها على عينه) اليمنى، قال الخطابي: وضعه أصبعيه على أذنيه وعينه عند قراءته: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ معناه: إثبات صفة السمع والبصر للَّه تعالى لا إثبات الأذن والعين؛ لأنهما جارحتان واللَّه تعالى منزه عن الجارحة، فهو موصوف بصفاته العليا، منفي عنه ما لا يليق به من صفات الآدميين ونعوتهم، ليس بذي جوارح ولا بذي أجزاء وأبعاض ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير (٢). (قال أبو هريرة ﵁: رأيت رسول اللَّه ﷺ يقرؤها ويضع أصبعه) يعني: الإبهام والتي تليها، ولو قرئ: أصبعيه. -على التثنية كما تقدم- لكان له وجه، وكذا هو في بعض النسخ المعتمدة. قلت: وفي وضعه أصبعيه على أذنه وعينه عند قراءته الآية -وأولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ

стр. 12045

تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ - معنى آخر: وهو أنه أشار بالآية إلى أن الأذن أمانة والعين أمانة، وقد أمر اللَّه أن تؤدى الأمانات فيهما، وفي بقية الأعضاء، وقال ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسوول عن رعيته" (١) فجميع ذلك أمانة ومسؤول عن أمانته، فكل آدمي عليه أن يؤدي حق أمانتي العين والأذن الذي اؤتمن عليهما. (قال) محمد (ابن يونس: قال) أبو عبد الرحمن (المقرئ: [يعني: أن اللَّه سميع بصير، يعني: أن للَّه سمعا وبصرًا. قال أبو داود] (٢): وهذا) الحديث (رد على الجهمية) في مذهبهم أن اللَّه لا يوصف بالسمع ولا بالبصر، ولا بأنه حي ولا عالم ولا شيء من ذلك، يزعم أن وصفه بذلك ووصف غيره به يقتضي التشبيه بينهما تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. * * *
следующие страницы →