← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.

стр. 12076

[٤٧٤٨] (ثنا عاصم بن النضر) البصري الأحول شيخ مسلم (ثنا المعتمر) بن سليمان (قال: سمعت أبي) سليمان بن طرخان التيمي من كبار التابعين (ثنا قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما عُرج) بضم العين، وكسر الراء مبني للمجهول. (بنبي اللَّه ﷺ ) وفي بعض النسخ: عرج. بفتح العين والراء مبني للفاعل، وحذف الداخلة على (نبي اللَّه) (في الجنة أو كما قال). هذا مما ينبغي للمحدث إذا توقف في لفظ مرويه أن يقول آخره: أو كما قال، أو نحو ذلك وشبهه، وهذا التوقف الذي حصل للراوي في هذا يزيله رواية الترمذي، فإن فيه: عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بينا أنا أسير في الجنة إذ" (١) (عرض له) فيها (نهر) بفتح الهاء عظيم (حافتاه الياقوت) الأحمر، وللبخاري: "شاطئاه در مجوف" (٢) وله: "لما عرج بني إلى السماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللولؤ المجوف" (٣). وللترمذي: "حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت" (٤) (المجيَّب) بضم الميم، وفتح الجيم، وتشديد الياء آخر الحروف، بعدها باء موحدة، كذا ضبطه المنذري، وقال: معناه: المقور. من قولهم: جيب مجيَّب ومجوَّب، أي: مقور، وذكر الخطابي أنه

стр. 12077

المجيب بفتح الميم وكسر الجيم وسكون الياء، آخر الحروف، وهو الأجوف، وأصله من جبيت الشيء إذا قطعته، وانقلاب الياء عن الواو كثير في كلامهم (١). وقال المنذري: الذي جاء في البخاري: "اللولؤ المجوف" (٢) وهو معروف، قال: وفي "سنن أبي داود": المجيب (أو قال: المجوف) على الشك، والذي في "معالم السنن": المجيب أو المجوب بالباء فيهما على الشك، وقال: معناه: الأجوف (٣) (فضرب الملك) بفتح اللام، يحتمل أن يكون هذا الضرب بأمر من اللَّه تعالى أو من النبي ﷺ ؛ لأن الملائكة لا تفعل شيئا إلا بأمر (الذي معه) الظاهر أنه جبريل (يده) في طينه أو طيبه، (فاستخرج) منه (مسكا) أذفر (فقال محمد ﷺ للملك الذي معه: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك اللَّه) وأنعم عليك لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ (٤). [٤٧٤٩] (ثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الفراء (٥) لم يسمع بغير البصرة (ثنا عبد السلام بن أبي حازم) شداد البصري، كنيته (أبو طالوت) العبدي، وثقه ابن معين وغيره (٦) (قال: شهدت أبا برزة) نضلة

стр. 12078

ابن عبيد بن الحارث الأسلمي، نزل البصرة، وله بها دار، مات بعد ولاية ابن زياد، وقد (دخل على عبيد اللَّه بن زياد) عامل الكوفة والبصرة بعد أبيه زياد المعروف بابن سمية (١) قال عبد السلام (فحدثني فلان) باسمه، قال شيخنا ابن حجر: هو عمه، ولم أقف على اسمه. انتهى (٢)، وقد (سماه مسلم) بن إبراهيم الفراء للمصنف فنسيه (وكان في السماط) بكسر السين المهملة، وأصله الجماعة من الناس والنخل المصفوفون، والمراد به في الحديث -واللَّه أعلم- الجماعة الذين كانوا صفين عن جانبي عبيد اللَّه بن زياد، ثم سمي المستطيل (٣) الذي يؤكل عليه سماطا؛ لأن الآكلين يكونون عليه صفين. (فلما رآه عبيد اللَّه) بن زياد (قال) عنه (إن محمديكم) (٤) أي: صاحب محمدكم رواية (هذا الدحداح هذا الدحداح) بمهملات، والدحداح: القصير السمين، نظيره ما قال الحجاج عامل الكوفة والبصرة لزيد بن أرقم بن زيد الأنصاري الخزرجي، وكان من أكابر الصحابة: إن محمديكم هذا الدحداح. وفي صفة أبرهة صاحب الفيل: كان قصيرًا دحداحًا (٥). (ففهمها الشيخ) المحمدي (فقال) واللَّه (ما كنت أحسب أني أُبقى) بضم الهمزة وتشديد القاف المفتوحة. أي: ما كنت أحسب أني أعيش إلى أن أبقى. رواية الطبراني عن أبي مسلم الكجي، عن

стр. 12079

مسلم بن إبراهيم بلفظ: ما كنت أحب (في) زمن (قوم يعيروني بصحبة محمد ﷺ فقال له عبيد اللَّه) بن زياد لما رآه تغير من قوله وغضب. (إن صحبة محمد ﷺ لك زين) لمن قاربها وظفر بسعادتها (غير شين) أي: عيب، وقد شانه يشينه إذا عابه. (قال) عبيد اللَّه بن زياد (إنما بعثت إليك لأسألك عن) حديث (الحوض) الذي من الكوثر، هل (سمعت رسول اللَّه ﷺ يذكر فيه شيئا) حتى أرويه عنك (فقال أبو برزة) الأسلمي (نعم) سمعته (لا مرة ولا ثنتين) رواية: ولا مرتين (ولا ثلاثا ولا أربعا ولا خمسًا) بل أكثر من ذلك (فمن كذب به) أي: بوجود الحوض (فلا سقاه اللَّه تعالى منه) يوم القيامة، فيه جواز الدعاء على من كذب بشيء مما ثبت في السنة ومن نسي عوقب بعدم الانتفاع به (ثم خرج مغضبًا) بفتح الضاد، وفيه مفارقة من وقعت منه معصية وترك الجلوس معه تأديبًا له وزجرًا له إذا لم يخف من وقوع فتنة، وهذا الحديث ثلاثي الإسناد، وليس في أبي داود ثلاثي سواه. * * *

стр. 12080

٢٧ - باب فِي المَسْأَلَةِ في القَبْرِ وَعذابِ القَبْرِ ٤٧٥٠ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسي، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِب أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ المُسْلِمَ إِذا سُئِلَ في القَبْرِ فَشَهِدَ أَنْ لا إله إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (١). ٤٧٥١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الأَنْباري، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ عَطَاءٍ الخَفّافُ أَبُو نَصْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: إِنَّ نَبي اللَّهِ ﷺ دَخَلَ نَخْلًا لِبَني النَّجّارِ فَسَمِعَ صَوْتًا فَفَزِعَ فَقالَ: "مَنْ أَصْحابُ هذِه القُبُورِ؟ ". قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ناسٌ ماتُوا في الجاهِلِيَّةِ. فَقالَ: "تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِنْ عَذابِ النّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجّالِ". قالُوا: وَمِمَّ ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: "إِنَّ المُؤْمِنَ إِذا وُضِعَ في قَبْرِهِ أَتاهُ مَلَكٌ فَيَقُولُ لَهُ: ما كُنْتَ تَعْبُدُ فَإِنِ اللَّهُ هَداهُ قالَ: كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ. فَيُقالُ لَهُ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَما يُسْأَلُ عَنْ شَيء غَيْرَها فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى بَيْتٍ كانَ لَهُ في النّارِ فَيُقالُ لَهُ: هذا بَيْتُكَ كانَ لَكَ في النّارِ ولكنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ فَأَبْدَلَكَ بِهِ بَيْتًا في الجَنَّةِ فَيَقُولُ: دَعُوني حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِّرَ أَهْلَي. فَيُقالُ لَهُ: اسْكُنْ. وَإِنَّ الكافِرَ إِذا وُضِعَ في قَبْرِهِ أَتاهُ مَلَكٌ فيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ لَهُ: ما كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرَي. فَيُقالُ لَهُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ. فَيُقالُ لَهُ: فَما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ أَقُولُ ما يَقُولُ النّاسُ. فَيَضْرِبُهُ بِمِطْراقٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ فيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها الخَلْقُ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ" (٢). ٤٧٥٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بِمِثْلِ هذا الإِسْنادِ نَحْوَهُ،

стр. 12081

قالَ: "إِنَّ العَبْدَ إِذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيَقُولانِ لَهُ". فَذَكَرَ قَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ الأَوَّلِ، قالَ فِيهِ: "وَأَمّا الكافِرُ والمُنافِقُ فَيَقُولانِ لَهُ". زادَ: "المُنافِقُ". وقالَ: "يَسْمَعُها مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ" (١). ٤٧٥٣ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، ح وَحَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّري، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ -وهذا لَفْظُ هَنّادٍ- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ المِنْهالِ، عَنْ زاذانَ، عَنِ البَراءِ ابْنِ عازِبٍ قالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ فانْتَهَيْنا إِلَى القَبْرِ وَلَمّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رِسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنا حَوْلَهُ كَأَنَّما عَلَى رُءُوسِنا الطَّيْرُ وَفي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ في الأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: "اسْتَعِيذُوا باللَّهِ مِنْ عَذابِ القَبْرِ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا -زادَ في حَدِيثِ جَرِيرٍ ها هُنا- وقالَ: "وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقالُ لَهُ: يا هذا مَنْ رَبُّكَ؟ وَما دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ ". قالَ هَنّادٌ قالَ: "وَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ فَيَقُولان لَهُ: مَنْ رَبُّكَ فيَقُولُ: رَبّي اللَّهُ. فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ فَيَقُولُ: دِيني الإِسْلامُ. فَيَقُولانِ لَهُ: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فِيكُمْ قالَ: فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَيَقُولان: وَما يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتابَ اللَّهِ فَآمنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ". زادَ في حَدِيثِ جَرِير: "فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ". الآيَةَ. ثُمَّ اتَّفَقا قالَ: "فَيُنادي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ وافْتَحُوا لَهُ بابًا إِلَى الجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الجَنَّةِ". قالَ: "فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِها وَطِيبِها". قالَ: "وَيُفْتَحُ لَهُ فِيها مَدَّ بَصَرِهِ". قالَ: "وَإِنَّ الكافِرَ". فَذَكَرَ مَوْتَهُ قالَ: "وَتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ فَيَقُولانِ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ هاهْ لا أَدْرَي. فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُّكَ؟ فَيَقُول: هاهْ هاهْ لا أَدْرَي. فَيَقُولانِ: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فِيكمْ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أَدْرَي. فَيُنادي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أَنْ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ

стр. 12082

مِنَ النّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النّارِ وافْتَحُوا لَهُ بابًا إِلَى النّارِ". قالَ: "فيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّها وَسَمُومِها". قالَ: "وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ". زادَ في حَدِيثِ جَرِير قالَ: "ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِها جَبَلٌ لَصارَ تُرابًا". قالَ: "فيَضْرُبهُ بِها ضَرْبَةً يَسْمَعُها ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرابًا". قالَ: "ثُمَّ تُعادُ فِيهِ الرُّوحُ" (١). ٤٧٥٤ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْن السَّري، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنا المِنْهالُ، عَنْ أَبي عُمَرَ: زاذانَ قالَ: سَمِعْتُ البَراءَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ (٢). * * * باب في المسألة في القبر وعذاب القبر [٤٧٥٠] (ثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي، ثنا شعبة، عن علقمة (٣) بن مرثد) الحضرمي الكوفي (عن سعد (٤) بن عبيدة) بالتصغير السلمي الكوفي (عن البراء بن عازب ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: إن المسلم إذا سئل في القبر) لفظ البخاري: "إذا أقعد المؤمن في قبره أُتي" (٥) بضم الهمزة، وكسر التاء يعني: أتاه الملكان منكر ونكير فيسألانه، والسؤال وجوابه لا يصحان إلا لحي، فيجب اعتقاد

стр. 12083

الحياة في تلك الأجساد وسماعهم الكلام، والكلام في جواب السؤال، ولا يمتنع من ذلك كون الميت تفرقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع، أو حيتان البحر، ونحو ذلك، فكما أن اللَّه يعيده للحشر، وهو قادر على ذلك، فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء إذا أكلته السباع. فإن قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يسأل ويقعد ويضرب بمطارق ولا يظهر له أثر؟ فالجواب: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذة وآلاما لا [نحس نحن شيئا] (١) منها (فشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه) أو ما في معناه نحو: اللَّه ربي ومحمد ﷺ نبيي (فذلك قول اللَّه : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾) أي: يلقن اللَّه المؤمن عند السؤال في قبره كلمة الحق الثابتة عليه. [٤٧٥١] (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري) بتقديم النون على الباء (ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف) البصري (أبو نصر) العجلي نزل بغداد، أخرج له مسلم (عن سعيد) بن أبي عروبة. (عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: إن نبي اللَّه ﷺ دخل نخلا لبني النجار) رواية أحمد في ثلاثياته: دخل حائطًا من حيطان المدينة لبني النجار (٢). وأفاد أن النخل كانت في المدينة قبيلة من الخزرج وفيها بطون وأفخاذ قيل له: النجار؛ لأنه اختتن به؛ وقيل: لأنه ضرب رجلا بقدوم فنسب إليه.

стр. 12084

(فسمع صوتًا) زاد أحمد: من قبر (١). مزعجًا (ففزع) من شدته، لفظ أحمد: فسأله عنه: متى دفن؟ (٢). (فقال: من أصحاب هذِه القبور؟ ) الظاهرة بينا ونحوه، (فقالوا: يا رسول اللَّه) هم (ناس ماتوا في) أيام (الجاهلية) ودفنوا في هذِه القبور. (فقال: تعوذوا باللَّه من عذاب القبر) (٣) يشبه أنه أمرهم بالاستعاذة من النار لما أطلعه اللَّه على أصحاب القبور، يعذبون بالنار. أجارنا اللَّه منها. لفظ رواية أحمد: قالوا: يا رسول اللَّه دفن هذا في الجاهلية. فأعجبه ذلك، وقال: "لولا أن لا تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم عذاب القبر" (٤) انتهى. قوله: فأعجبه ذلك. أي: لكون من سمع صوته ليس من المسلمين، ولهذا سأل عن أصحابها ليعلم أعمالهم التي استحقوا بها النار، فيحذر من الوقوع فيه. (ومن فتنة الدجال) ووجه المناسبة لما تقدم أنه لما أمر بالتعوذ من النار استطرد منه إلى التعوذ من فتنة الدجال في الواديين الذين يخرجان معه أحدهما جنة والآخر نار فناره جنة وجنته نار، ومن فتنته كما ذكر القرطبي وغيره أن معه ملكين (٥) يشبهان نبيين من الأنبياء لو شئت سميتهما بأسمائهما فيقول الدجال: ألست بربكم؟ ألست أحيي وأميت؟ ! فيقول أحد الملكين: كذبت. فلا يسمعه أحد من الناس.

стр. 12085

فيقول الآخر: صدقت. فيسمعه الناس، فيظنون أنه صدق الدجال، فذلك فتنته (١) (قالوا: ومم ذلك يا رسول اللَّه؟ ) أي: لأي شيء أمرتنا بالاستعاذة، فأرادوا أن يفهموا المعنى الذي أمروا منه بالتعوذ (قال: إن الميت (٢) إذا وضع في قبره) وتولى عنه أصحابه (أتاه ملك) بفتح اللام، وسيأتي في الحديث بعده: "يأتيه ملكان" فأفرد هنا لكونه المتكلم دون غيره، وثنى في الحديث الذي بعده لكونهما اثنين (٣)، وإن كان المتكلم واحدًا (فيقول له: ما كنت تعبد؟ ) فيه: أن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيوا فيها، ويسألون عمن كانوا يعبدون، وأن الإيمان بهذا واجب (فإن) بكسر النون من الشرطية لالتقاء الساكنين (اللَّه) فيه حذف، تقديره: فإن يكن اللَّه تعالى قد (هداه) الصراط المستقيم وثبته بالقول الثابت (قال) إني (كنت أعبد اللَّه) أي: وأعرفه وأؤمن به، فمن لوازم العبادة تقدم المعرفة؛ لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة (فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ) يعني بالرجل: النبي ﷺ ، وإنما يقوله بهذِه العبارة التي ليس فيها تعظيم للنبي ﷺ امتحانًا للمسؤول، لئلا يتفكر تعظيمه عن عبارة السائل. (فيقول: هو عبد اللَّه ورسوله) فيه: أن الشهادة بالوحدانية لا بد معها من الشهادة بالرسالة، وقد يؤخذ منه أنه لو قيل للكافر: ما تقول في محمد ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أنه رسول اللَّه. وقام الضمير

стр. 12086

مقام التصريح بمحمد ﷺ . (فما يسأل) الميت (عن شيء غيرها) بالجر، لكن في رواية البراء بن عازب الآتية (١) فيقول: -يعني الملك- "وما يدريك؟ فيقول: جاءنا بالبينات من ربنا فآمنت وصدقت" (فينطلق) بفتح الياء وكسر اللام (به) الملك (إلى بيت كان له في النار فيقال له) لعل القائل هذا غير الملك الذي سأل (هذا بيتك) الذي (كان لك) أضيف إليه البيت مجازًا وإن لم يكن دخله (في النار) قد (ولكن) بتشديد النون وتخفيفها (اللَّه) تعالى (عصمك) أي: منعك من دخوله (ورحمك) بفضله (فأبدلك) هذِه الفاء السببية، أي: فبسبب رحمته لك وفضله عليك أبدلك (به بيتا في الجنة) فائدة القول له تعريف قدر نعمة اللَّه عليه العظيمة فيما صرف عنه من عذاب جهنم وفيما أوصل إليه من كرامة الجنة، وناهيك بها كرامة (فيقول) لهم (دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي) فيه: أن لذة الآدمي بما أنعم عليه لا تكمل إلا إذا علم أقاربه بذلك؛ ليدخل السرور عليهم كما دخل عليه، فيكون سرورهم به زيادة في سروره، ويحتمل أن يقال: إنما طلب بشارة أهله ليقتدوا به في إيمانه وعبادته، ويكون علمهم بحاله سببًا لاكتساب مثل عمله لأنفسهم، والوجهان محتملان في قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) مَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ (٢). (فيقال له: اسكن) في بيتك، فإن الرجوع إليهم مستحيل (وإن الكافر) أو المنافق (إذا وضع في قبره أتاه ملك) قال القرطبي: لا يعارض ما في

стр. 12087

هذِه الرواية من سؤال ملك، وما في الرواية الآتية من سؤال ملكين، بل الكل صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص، فرب شخص يأتيانه جميعًا ويسألانه في حال واحد عند انصراف الناس؛ ليكون السؤال عليه أهون والفتنة في حقه أشد وأعظم، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام واجترح من سيئ الأعمال، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه. قال: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن الملكين يأتيان جميعا، ويكون السائل آخرهما في الإتيان، فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل دون غيره، كما تقدم (١). (فينتهره) أي: يستقبله بما يكره (فيقول له: ما كنت تعبد؟ ) في حياتك (فيقول: لا أدري) وللترمذي من رواية أبي هريرة: وإن كان منافقًا قال (٢): سمعت الناس يقولون قولًا فقلت مثله: لا أدري (٣). (فيقال له: لا دريت ولا تليت) قال في "النهاية": هكذا يرويه المحدثون، والصواب: ولا ائتليت (٤). أي: ولا استطعت أن تدري. يقال: ما آلوه. أي: ما أستطيعه، وهو افتعلت منه، وقيل: معناه: ولا قرأت. أي: لا تلوت، هكذا أصله بالواو، وإنما قلبت بالإتباع ما دريت ليزدوج الكلام مع دريت، وقد جاء من حديث البراء: "لا دريت ولا تلوت" على الأصل على ما رواه الإمام أحمد بن حنبل (٥).

стр. 12088

أي: لم تدر ولم تتل القرآن، فلم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك. قال الأزهري ويروى: "ولا أتليت". يدعو عليه أن لا تتلو إبله. أي: لا يكون لها أولاد تتلوها (١). (فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ) تقدم (فيقول: كنت أقول) فيه مثل (ما يقول الناس. فيضربه) الملك. وفيه دليل على إبطال التقليد في أمر التوحيد وما يتبعه من الشريعة للآباء وغيرهم من الناس وترك اتباع الرسل فيما جاؤوا به كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع الرسل في الدين (بمطراق) بكسر الميم لغة في المطرق الذي يضرب به، وجمعه مطارق، وفي الصحيحين: "ويضرب بمطارق" (٢) (من حديد بين أذنيه) لكونه من أعظم المقاتل، ولأن ذلك في الرأس الذي هو محل العقل الذي يعقل به عند بعضهم، ومحل السمع الذي يسمع به، والبصر الذي يبصر به، واللسان الذي ينطق به، فلما كان محل المخالفة كانت العقوبة به دون غيره. وزاد البخاري: "ضربة" (٣) يعني: واحدة (فيصيح صيحة يسمعها الخلق) بالنصب، كلهم، لفظ البخاري: "يسمعها من يليه" (٤) (غير الثقلين) وهما الجن والإنس، فكل نفيس خطير ثقل، فسماهما ثقلين إعظامًا لقدرهما. [٤٧٥٢] (ثنا محمد بن سليمان) الأنباري (ثنا عبد الوهاب) الخفاف (بمثل هذا الإسناد نحوه) و (قال) فيه (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه

стр. 12089

أصحابه [إنه] (١) ليسمع قرع نعالهم) فيه حجة لمن يقول: إن الميت يسمع كلام الأحياء كما يسمع قرع النعال. قال الطبري: وليس في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢) حجة على دفع ما صحت به الأحاديث التي في هذا، ولا في قوله ﵇ في أهل القليب: "ما أنتم بأسمع منهم" (٣)؛ لأن في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ و ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (٤) محتملان من التأويل، منها أن التقدير أن اللَّه لا يسمع الموتى بطاقتك وقدرتك، أو كان خالق السمع عندي، ولكن اللَّه هو الذي يسمعهم إذا شاء. والثاني: أن يكون المعنى: فإنك لا تسمع الموتى إسماعًا ينتفعون به، قد انقطعت عنهم الأعمال، وخرجوا من دار العمل إلى دار الجزاء، فلا ينفعهم دعاؤك إياهم إلى الإيمان باللَّه (فيأتيه ملكان فيقولان له. فذكر قريبًا من حديث الأول) فيه أن اللَّه يرد الحياة إلى المكلف، ويجعل له من العقل كما كان ليعقل ما يسأل عنه فيجيب عنه، ولقد قال عمر بن الخطاب: لما أخبر النبي ﷺ بسؤال الملكين: أيرجع إلي عقلي؟ قال: "نعم" قال: إذًا أكفيكهما (٥)، واللَّه لئن

стр. 12090

سألاني لأسألهما، فأقول لهما: أنا ربي اللَّه، فمن ربكما أنتما (١)؟ وخرج الحكيم الترمذي بمعناه، و (قال فيه: فأما الكافر والمنافق) فسوى بينهما في الضرب بالمطراق (فيقولان له) ما كنت تقول في هذا الرجل؟ و (زاد) ذكر (المنافق وقال) في هذِه الرواية (يسمعها من يليه غير) بالنصب (الثقلين) لفظ البخاري: "يسمعها من يليه إلا الثقلين" (٢) يعني: الجن والإنس، سميا به لثقلهما على الأرض. [٤٧٥٣] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، ح. وحدثنا هناد بن السري، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (وهذا لفظ هناد) بن السري (عن الأعمش، عن المنهال) بن عمرو الأسدي، أخرج له البخاري حديثًا واحدًا (٣) (عن زاذان) بالزاي والذال المعجمتين الكندي، أخرج له مسلم. (عن البراء بن عازب ﵄ قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر) الذي يدفن فيه (ولما (٤) يلحد) فهي هنا من حروف الجزم، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ

стр. 12091

جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (١) ومعنى: (لما (٢) يلحد): لم يجعل فيه اللحد، وهو الذي يعمل في جانب القبر من جهة اليمين، ليوضع فيه الميت؛ لأنه [قد أميل به] (٣) عن وسط القبر إلى جانبه. (فجلس رسول اللَّه ﷺ وجلسنا حوله) ظرف، الجهات المحيطة به يمينًا وشمالًا (كأنما على رؤوسنا الطير) وصفهم بالسكون والوقار، تقول: لم يكن فيهم طيش ولا خفة. وذلك لأن الطير لا يكاد يقع إلا على شيء ساكن. قال الجوهري: كأن على رؤوسهم إذا سكنوا من هيبته، وأصله أن الغراب يقع على رأس البعير فيلقط من الحلمة، فلا يحرك البعير رأسه، لئلا ينفر عنه الغراب. انتهى (٤). ويحتمل أن يكون شبههم بمن قعد على رأسه طائر، فهو يبالغ في السكون، لئلا يتحرك فينفر عنه الطائر. (وفي يده عود ينكت) بالمثناة آخره (به الأرض) أي: يضرب بطرفه الأرض، ليؤثر فيه، وهو فعل المفكر في أمر عظيم يحدث نفسه به، وناهيك بذكر الموت وعظم خطره والتفكر فيه (فرفع رأسه) وفي رواية: فجعل يرفع بصره وينظر إلى السماء ويخفض بصره وينظر إلى الأرض، ثم قال: "أعوذ باللَّه من عذاب القبر" (٥) (ثم قال: استعيذوا

стр. 12092

باللَّه من عذاب القبر) قاله (مرتين أو ثلاثًا) و (أو) هنا للشك من الراوي. وفيه إثبات عذاب القبر وفتنته ووجوب الإيمان به، خلافًا للمعتزلة في إنكارهم ذلك، وفيه تكرير الاستعاذة والدعاء بما يخاف منه. (زاد) ابن أبي شيبة (في حديث جرير هاهنا: وقال: إنه ليسمع خفق نعالهم) كذا رواية البخاري في الحديث قبله، والخفق: الضرب، ولا يستعمل الخفق إلا في الضرب بالشيء العريض، ومنه سميت الدرة مخفقة. يعني: سمع صوت ضربها للأرض (إذا ولوا مدبرين) عنه بعد دفنه (حين يقال له) وفي بعض النسخ: حتى يقال له (يا هذا) الرجل، وأما المرأة فالظاهر أنه يقال لها: يا هذِه (من ربك؟ ) الذي تعبده (وما دينك؟ ) الذي كنت عليه وتعتقده (ومن نبيك؟ ) الذي كنت تتمسك بشريعته. (قال هناد) بن السري (قال (١): ويأتيه ملكان) وللترمذي: ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: منكر. والآخر: نكير (٢) (فيجلسانه) هذا مما أنكرته الملحدة ومن تمذهب من الإسلاميين بمذهب الفلاسفة، وقالوا: هذا يخالف مقتضى العقول، ومن افترسته السباع ونهشته الطيور وتفرقت أجزاؤه في بطون الحيتان ومدارج الرياح، كيف تجتمع أجزاؤه ويتصور جلوسه وسؤاله؟ وجوابهم من أوجه:

стр. 12093

أحدها: ما ذكره القاضي أستاذ الأمة، وهو أن المدفونين في القبور يسألون، والذين دفنوا على وجه الأرض، وأن اللَّه يحجب الملكين عما يجري عليهم كما حجبهم عن رؤية الملائكة ورؤية الأنبياء ﵈، ومن أنكر ذلك فلينكر نزول جبريل على الأنبياء، وقد قال تعالى في وصف الشيطان: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١). وقال أبو المعالي: المرضي عندنا أن الجلوس والسؤال يقع على أجزاء يحلمها اللَّه من القلب أو غيره فيحييها ويوجه السؤال عليها، وذلك غير مستحيل عقلًا، وليس هذا بأبعد من الذر الذي أخرجه اللَّه من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ . (فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي اللَّه. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام) الذي رضيه اللَّه لنا دينًا (فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث) أي: بعثه اللَّه (فيكم؟ ) رسولًا (فيقول: هو رسول اللَّه) وإنما كان السؤال عن هذِه الثلاث دون غيرها، لأن من أتى بهذِه الثلاث ورضي بها فقد ذاق طعم الإيمان؛ وتحقق كمال إيمانه، فإن ارتكب المعاصي الكبائر لم يقدح في إيمانه؛ لأن فيها معرفة اللَّه ومعرفة رسوله ومعرفة منة الإسلام، وقد جمع ﷺ هذِه الثلاث في رواية مسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا" (٢). (فيقولان) له (ما يدريك؟ ) أنه رسول اللَّه (فيقول: قرأت كتاب اللَّه

стр. 12094

تعالى فآمنت به) قيل: المعنى: قرأت كتاب اللَّه فوجدت فيه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فعرفت اللَّه، ووجدت أن الدين عند اللَّه الإسلام، فرضيت به، ووجدت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٢) فشهدت برسالته إلى غير ذلك من الآيات، فكأنه آمن بالثلاثة قبل قراءة القرآن إيمانًا اعتقاديًّا مجملًا، فلما قرأ القرآن استدل به على ما تقدم به إيمانه، فوجد حلاوته، وازداد يقينه، فإن قيل: هذا الحديث يدل على أن الرجل يعرف صدق الرسول بالقرآن، وهو لا يستقيم؛ لأنه ما لم يعرف صدق الرسول لا يعلم أن القرآن كلام اللَّه. وأجيب: أن القرآن أعظم المعجزات فصدق الرسول ﵇ منه (وصدقت) من لم يفرق بينهما، وجعل الإيمان هو التصديق جعله مما كرر معناه لاختلاف لفظه تأكيدًا واتباعًا للمعنى، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (٣) وقوله: ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ (٤). (زاد في حديث جرير) بن عبد اللَّه (فذلك) الإشارة إلى جريان لسانه بالصدق؛ لأن اللَّه تعالى أخبر أنه يثبت المؤمنين بكلمتي الشهادة في الدنيا وفي القبر (قول اللَّه : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾) الذي تثبت به الحجة والبرهان في قلب صاحبه فاعتقده، واطمأنت إليه نفسه (الآية) إلى آخرها (ثم اتفقا) يعني: أبا معاوية وجريرًا (قال: فينادي

стр. 12095

مناد من) جهة (السماء) ينادي عن اللَّه تعالى (أن صدق عبدي) (أن) هنا تفسيرية بمعنى قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ (١) (أن) تكون مصدرية تقدر هي وما بعدها بالمصدر المجرور. أي: بحرف الجر المحذوف الداخل عليها، ويكون حرف الجر وما بعده علة لما بعده، وحرف الجر اللام. أي: لأن صدق عبدي [والتقدير: لأجل صدق عبدي] (٢) فيما قاله بلسانه وعقد عليه قلبه. (فأفرشوه) بألف القطع، وكسر الراء، الأصل: أفرشوا له. فحذف حرف الجر. أي: أعجلوا فراشًا من فرش (الجنة) ولو كان من الثلاثي لكان من حقه أن يروى بألف الوصل. قال النووي: لم نجد الرواية إلا بالقطع (وافتحوا له بابًا إلى الجنة) ليرى منزلته فيها (وألبسوه) بفتح الهمزة، وكسر الباء، من ألبسه [إذا كساه] (٣) لباسًا من لباس الجنة (قال: فيأتيه من روحها) بفتح الراء، هو نسيم الريح (وطيبها) أي: طيب رائحتها العطرة (ويفتح) بضم أوله، وفتح المثناة الفوقانية ثالثه، وفي بعض النسخ: (ويفسح) بالسين المهملة بدل التاء، وهو أظهر من جهة المعنى (له فيها) فيه حذف تقديره: يفتح باب إلى الجنة، وينظر في الجنة (مد بصره) الأصوب أن (مد) منصوب على المصدر أي: فسحًا قدر مد بصره. المد: القدر. يريد أنه يفسح له في الجنة قدر ما ينتهي إليه نظره، وهو تمثيل لسعة ما

стр. 12096

ينظر في الجنة من أنهارها وأشجارها وثمارها وقصورها وغرفها، وغير ذلك (قال: وإن الكافر. فذكر) كذلك (موته، وتعاد روحه في جسده) يجوز في (تعاد) المثناة فوق وتحت، وهو الصريح في أن روح الكافر إذا خرجت عند موته عادت إلى جسده، ولكن من قعود، وقد روى الحافظ أبو نعيم عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "فإذا جاء ملك الموت فقبض روحه، فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده" (١)، "يأتيه ملكان أسودان أزرقان" كما للترمذي (٢) (فيجلسانه، فيقولان) له: (من ربك؟ فيقول: هاه هاه) بالقصر وسكون الهاء فيهما، وهي كلمة لا معنى لها، ولكنها كلمة تقال عند تحير المتكلم، وعجزه عن الجواب، وندامته على ما سلف (لا أدري) من ربي (فيقولان له) و (ما دينك؟ ) الذي كنت عليه (فيقول: هاه هاه لا أدري) ما أقول؛ لعظم حيرته وشدة دهشته. (فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ) تقدم (فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن) تفسيرية أو مصدرية كما تقدم (كذب) أي: جحد بما علم؛ لأنهم يعلمون أن ربهم اللَّه، ولم يقل: عبدي كما تقدم في المؤمن؛ لأن الوصف بالعبودية وإضافتها إلى اللَّه نوع تشريف يختص بالمؤمن دون الكافر. (فأفرشوه) بهمزة قطع كما تقدم. أي: فراشًا (من النار، وألبسوه) لباسًا (من النار وافتحوا له) من قبره (بابًا إلى النار. قال: فيأتيه من

стр. 12097

حرها) أي: حر لهبها (وسمومها) بفتح السين بوزن رسول هو ريح حرها، ويقال للريح التي تهب بالنهار حارة: سموم. وبالليل: حرور. (قال: ويضيق) بضم أوله، وفتح ثالثه المشدد (عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه) أي: يتحول كل ضلع عن موضعه الذي كان عليه، وينتقل عنه بشدة العصرة. و(زاد في حديث جرير) بن عبد الحميد (قال: ثم يقيض) بضم أوله، وفتح القاف، وتشديد الياء المفتوحة. أي: يقدر (له) ويسبب، وأصل الكلمة من القيض، وهو القشر الأعلى من البيض، فقوله: قيض اللَّه لي فلانًا. أي: أباحه لي وسخره حتى استولى عليه استيلاء القيض على البيض (أعمى أبكم) ولفظ أبي داود الطيالسي: "أصم أبكم" (١). والمراد أنه يقدر له ويوكل بعقوبته من هو أعمى لا عين له حتى يرى عجزه وضعفه وجريان دمعه، و (أصم) لا يسمع صوته وبكاءه فيرحمه ويعطف عليه، و (أبكم): أي: أخرس لا يفهم كلامه. (معه مرزبة) بتخفيف الباء لا غير، والمحدثون يشددونها، والصواب التخفيف، وإنما تشدد الباء إذا أبدلت الهمزة من الميم، فقيل: إرزبة، وهي مدقة تدق بها الحنطة، ومطرقة للحدادين كبيرة (من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابًا) أو قال: "صار رميمًا" كما للطيالسي (٢) (فيضربه ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين) وللطيالسي: "يسمعها الخلائق إلا الثقلين" (٣).

стр. 12098

قال أبو محمد عبد الحق: حدثني الفقيه أبو الحكم بن برجان من أهل العلم والعمل ﵀ أنهم دفنوا ميتًا بقريتهم من شرق إشبيلية، فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحية يتحدثون ودابة ترعى قريبًا منهم، فإذا الدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر فجعلت أذنها عليه، كأنها تسمع، ثم ولت فارة ثم عادت إلى القبر، فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع، ثم ولت فارة كذلك، فعلت مرة بعد أخرى، فذكرت الحديث (١). وقوله: "إنهم ليعذبون عذابًا تسمعه البهائم" (٢) (فيصير ترابًا، قال: ثم تعاد فيه الروح) ثم يضرب بالمرزبة ضربة أخرى هكذا. [٤٧٥٤] (ثنا هناد بن السري، ثنا عبد اللَّه بن نمير، ثنا الأعمش، حدثنا المنهال، عن أبي عمر زاذان) الكندي (قال: سمعت البراء) بن عازب (عن النبي ﷺ فذكر نحوه) كما تقدم. * * *

стр. 12099

٢٨ - باب فِي ذِكْرِ المِيزانِ ٤٧٥٥ - حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَنَّ إِسْماعِيلَ بْنَ إِبْراهِيمَ حَدَّثَهُمْ قالَ: أَخْبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ عائِشَةَ: أنَّها ذَكَرَتِ النّارَ فَبَكَتْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ما يُبْكِيكِ؟ ". قالَتْ: ذَكَرْتُ النّارَ فَبَكَيْتُ فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمّا في ثَلاثَةِ مَواطِنَ فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ المِيزانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزانُهُ أَوْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الكِتابِ حِينَ يُقالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كتابُهُ أَفي يَمِينِهِ أَمْ في شِمالِهِ أَمْ مِنْ وَراءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّراطِ إِذا وُضِعَ بَينَ ظَهْري جَهَنَّمَ". قالَ يَعْقُوبُ: عَنْ يُونُسَ وهذا لَفْظُ حَدِيثِهِ (١). * * * باب في الميزان [٤٧٥٥] (ثنا يعقوب (٢) بن إبراهيم) الدورقي (وحميد بن مسعدة أن إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية الإمام (حدثهم: أنا يونس، عن الحسن) البصري. (عن عائشة أنها ذكرت) يومًا (النار فبكت) من حرها (فقال رسول اللَّه ﷺ : ما يبكيك؟ ) أي: ما سبب بكائك؟ وفيه تفقد الأولاد والزوجات، والسؤال عن أحوالهم العارضة ليشير عليهم بما فيه مصلحتهم، وتعليمهم

стр. 12100

ما يحتاجون (قالت: ذكرت النار) وشدة رؤيتها عند العرض عليها (فبكيت) فيه شدة خوف الصحابة ﵃ مع عظم منزلتهم، وناهيك بعائشة ومنزلتها عند النبي ﷺ . (فهل تذكرون أهاليكم) يحتمل أن تريد بالأهل نفسها، والتقدير: هل تذكرني في (يوم القيامة؟ ) كما في حديث أم سلمة: "ليس بك على أهلك هوان" (١) أراد بالأهل نفسه ﷺ ، وفي التعبير بالأهل إشارة إلى طلبها ذكرها بالشفاعة لها يوم القيامة لكونها زوجته في الدنيا، وللزوجة حق على زوجها، وفيه أيضًا طلب ذكر بقية أهله يوم القيامة، وهن ضراتها، وهذا من كمال فتوتها. (فقال رسول اللَّه ﷺ : أما) بتشديد الميم (في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا) لعظم هولها وشدة روعها إلا النبي ﷺ ، فإنه وافق في هذِه المواطن للرواية التي ذكرها رزين العبدري عن عائشة قالت: قلت: يا رسول اللَّه، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قالت أو قيل له: فأين نجدك؟ قال: "لا أخطئ ثلاثة مواطن: عند الميزان، وعند الصراط، وعند الحوض" (٢) (عند الميزان) إذا وضع ووزنت الأعمال (حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل، وعند الكتاب حين) هذِه الرواية المشهورة، وفي بعضها: "حتى" (يقال له: ﴿هَاؤُمُ﴾) أي: تعالوا (﴿اقْرَءُوا﴾) وأهل اللغة يقولون في تفسيرها: ها هاؤم اقرؤوا (﴿كِتَابِيَهْ﴾) وهذِه الهاء هاء الوقف (حتى يعلم أين يقع كتابه أ) يقع (في يمينه؟ ) فيكون من

стр. 12101

أصحاب اليمين (أم) يقع (في شماله؟ ) فيكون من أصحاب الشمال (أم) يؤتى كتابه (من وراء ظهره؟ ) قال ابن السائب: يلوي يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه. وقيل: ينزع من صدره إلى خلف ظهره، ثم يعطى كتابه، وظاهر هذا أن كل من أوتي كتابه بشماله فهو من وراء ظهره، وظاهر الحديث أن من يؤتى كتابه بشماله على قسمين: أحدهما: كتابه بشماله لا من وراء ظهره. والثاني: بشماله من رواء ظهره. (و) الموطن الثالث (عند الصراط إذا وضع) الصراط (بين ظهري) (١) بفتح الظاء والراء (جهنم) أي: على ظهور جهنم كالجسر، والعرب تضع الاثنين موضع الجمع (قال يعقوب) بن إبراهيم شيخ المصنف (عن) شيخه (يونس) بن عبيد العبدي البصري (وهذا لفظ حديثه) دون حميد. * * *

стр. 12102

٢٩ - باب فِي الدَّجّالِ ٤٧٥٦ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُراقَةَ، عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبي بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ الدَّجّالَ قَوْمَهُ وإنّي أُنْذِرُكمُوهُ". فَوَصَفَهُ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: "لَعَلَّهُ سَيُدْرِكُهُ مَنْ قَدْ رَآني وَسَمِعَ كَلامي". قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ قُلُوبُنا يَوْمَئِذٍ أَمِثْلُها اليَوْمَ قالَ: "أَوْ خَيْرٌ" (١). ٤٧٥٧ - حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: قامَ النَّبيُّ ﷺ في النّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِما هُوَ أَهْلُهُ فَذَكَرَ الدَّجّالَ فَقالَ: "إِنّي لأُنْذِرُكُمُوهُ وَما مِنْ نَبي إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ وَلَكِنّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبي لِقَوْمِهِ: إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ" (٢). * * * باب في الدجال قيل: سمي دجالًا؛ لأنه يغطي الحق بسحره كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجال، وهو الكساء، وقد تقدم غير هذا. [٤٧٥٦] (ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة (عن خالد الحذاء، عن عبد اللَّه بن شقيق) العقيلي، أخرج له مسلم (عن عبد اللَّه ابن سراقة) الأزدي الدمشقي (٣)، قيل: هو ابن المعتمر العدوي

стр. 12103

الصحابي، وذكر البخاري أن الأزدي لا يعرف له سماع من أبي عبيدة (١) (عن أبي عبيدة) عامر بن عبد اللَّه (بن الجراح) أمين الأمة. وفي لفظ: عن عبد اللَّه بن سراقة قال: خطبنا أبو عبيدة بن الجراح. (قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إنه لم يكن نبي) من الأنبياء (بعد نوح ﵇ إلا وقد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه) أي: أخوفكم فتنته، فاستعيذوا باللَّه من فتنته (فوصفه لنا رسول اللَّه ﷺ وقال: لعله سيدركه من قد رآني وسمع) بواو الجمع، ولفظ الترمذي: أو سمع (٢) (كلامي) وهذا إن صح محمول على رؤية الخضر ﵇ المعمر مع أن لفظة (لعل) ليست لليقين بل هي للممكن، وهي هنا للإشفاق من المكروه، كقولك: لعل الرقيب حاصل. وأحسن ما قيل فيه أن معنى (سمع كلامي) أي: وصل إليه الأحاديث المروية عني وإن كان بعد طول زمان، واللَّه أعلم. (قالوا: يا رسول اللَّه، كيف قلوبنا يومئذ؟ ) يشبه أن يكون المعنى: هل هي باقية على إيماننا اليوم أم يضعف إيمانها بمشاهدة ما يأتي به في الفتن؟ فلهذا قال (أمثلها اليوم؟ ) في بقاء إيمانها (قال) بل مثلها (أو خير) (٣) مما هي اليوم وأقوى إيمانا. [٤٧٥٧] (ثنا مخلد بن خالد) الشعيري، شيخ مسلم (حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه) عبد اللَّه بن عمر

стр. 12104

رضي اللَّه عنهما (قال: قام النبي ﷺ في الناس) خطيبًا (فأثنى على اللَّه) تعالى بما هو أهله) فيه: استحباب البداءة بالحمد للَّه والثناء عليه لكل خطيب ومدرس وخاطب ونحو ذلك (فذكر الدجال، فقال: إني لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه) وإنما كان هذا من الأنبياء لما علموا من عظيم فتنته وشدة محنته؛ لأنهم لما لم يعين واحد منهم وقت خروجه توقع كل منهم خروجه في زمن أمته، فبالغ في التحذير، واللَّه (لقد أنذره نوح) وما بعده من الأنبياء (قومه) وفائدة هذا الإنذار الإيمان بوجوده والعزم على معاداته ومخالفته وإظهار تكذيبه وصدق الالتجاء إلى اللَّه تعالى في التعوذ من فتنته، وهذا على مذهب أهل السنة خلافًا لمن أنكره من الخوارج وأبي علي الجبائي وبعض المعتزلة، وإن اشتد وزعم أن ما عنده مخارق ليست صحيحة، ولو كانت صحيحة لم يكن فرق (١) بين النبي والمتنبي، وهذا هذيان منه لا يلتفت إليه، وهذا إنما يلزم لو ادعى النبوة، إنما يدعي الإلهية. (ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله) لم يصرح به (نبي لقومه: إنه أعور) هذا تشبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصًا في ذاته بعور ونحوه، وهو عاجز عن إزالة نقصه لم يصلح أن يكون إلها لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزًا عن إزالة نقصه كان أعجز عن إزالة نقص غيره (وإن اللَّه ليس بأعور) لينزه الإله عن النقص العاجز. * * *

стр. 12105

٣٠ - باب في قَتْلِ الخَوارِجِ ٤٧٥٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن يُونُسَ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ وَمَنْدَلٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبي جَهْمٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ وَهْبانَ، عَنْ أَبي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ فارَقَ الجَماعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ" (١). ٤٧٥٩ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلي، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا مطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ أَبي الجَهْمِ عَنْ خالِدِ بْنِ وَهْبانَ، عَنْ أَبي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَئِمَّةٌ مِنْ بَعْدي يَسْتَأْثِرُونَ بهذا الفَيء". قُلْتُ: إِذًا والَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ أَضَعُ سَيْفي عَلَى عاتِقي ثمَّ أَضْرِبُ بِهِ حَتَّى أَلْقاكَ أَوْ أَلْحَقَكَ. قالَ: "أَوَلا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ تَصْبِرُ حَتَّى تَلْقانِي" (٢). ٤٧٦٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ المُعَلَّى بْنِ زِيادٍ وَهِشامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبي ﷺ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ تَعْرِفُون مِنْهُمْ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ أَنْكَرَ". قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ هِشامٌ: "بِلِسانِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ ولكن مَنْ رَضي وَتابَعَ". فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَقْتُلُهُمْ؟ قالَ ابن داوُدَ: "أَفَلا نُقاتِلُهُمْ". قالَ: "لا ما صَلَّوْا" (٣). ٤٧٦١ - حَدَّثَنا ابن بَشَّارٍ، حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ هِشامٍ، قالَ: حَدَّثَني أَبى، عَنْ قَتادَةَ

стр. 12106

قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ العَنَزيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ بِمَعْناهُ قالَ: "فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ". قالَ قَتادَةُ: يَعْني مَنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ وَمَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ (١). ٤٧٦٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ زِيادِ بْنِ عَلاقَةَ، عَنْ عَرْفَجَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "سَتَكُونُ في أُمَّتي هَناتٌ وَهَناتٌ وَهَناتٌ فَمَنْ أَرادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ المُسْلِمِينَ وَهُمْ جَمِيعٌ فاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كائِنًا مَنْ كانَ" (٢). * * * باب في الخوارج [٤٧٥٨] (ثنا أحمد) (٣) بن عبد اللَّه (بن يونس) اليربوعي (ثنا زهير، وأبو بكر (٤) بن عياش) بالمثناة والمهملة (٥)، وهو ابن سالم الأسدي (ومندل) بفتح الميم، ابن علي العنزي الكوفي، واسمه عمرو، سكت عليه المصنف والمنذري (عن مطرف، عن أبي جهم) سليمان بن جهم مولى البراء بن عازب [وثق (عن خالد بن وهبان) ابن خالة أبي ذر (عن أبي ذر) جندب بن جنادة] (٦) ﵁. (قال رسول اللَّه ﷺ : من فارق الجماعة) أي: جماعة المسلمين (شبرًا

стр. 12107

فقد خلع) نزع (ربقة) بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها قاف (الإسلام من عنقه) والربقة في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعار خلعها من ترك السنة واتباع البدعة ومفارقة جماعة المسلمين، وكنى بالربقة عما يشد المسلم به نفسه من عرى الإسلام. أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه. وتجمع الربقة على ربق، ككسرة وكسر. ويقال للحبل الذي فيه الربقة: ربق، جمعه رباق وأرباق. [٤٧٥٩] (ثنا عبد اللَّه بن محمد النفيلي، ثنا زهير، ثنا مطرف بن طريف، عن أبي الجهم) سليمان (عن خالد بن وهبان، عن أبي ذر) جندب ﵁ (قال رسول اللَّه ﷺ : كيف) تكونون (أنتم وأئمة) بالرفع (من بعدي يستأثرون بهذا الفيء؟ ) الذي حصل من الكفار بلا قتال من دونكم، فلا يجعلون لكم في الفيء نصيبًا. وفيه أن الطاعة للأمراء واجبة وإن استأثروا بالأموال دون الناس ظلما، بل وعلى أشد من ذلك، فإنه ﷺ قال لحذيفة: "فاسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك" (١). (قلت: إذن) يا رسول اللَّه (والذي بعثك بالحق) (٢) نبيًّا (أضع سيفي على عاتقي) للقتال به (ثم أضرب به حتى ألقاك) إذا قتلت على الحوض يوم العطش الأكبر (أو ألحقك) بالنصب، إذا مت، فلما كان المقتول شهيدًا تصل روحه إلى الجنة، والاجتماع بالنبي ﷺ عبر باللقي بعد

стр. 12108

(حتى) فقال: ثم أضرب بالسيف حتى أقتل فألقاك، ولما كان الذي يقاتل فلم يقتل شهيدًا حتى يموت عبر باللحاق؛ لتأخر روحه عن وصول الجنة والاجتماع بالنبي ﷺ . (قال: أولا) بفتح الواو للعطف بعد همزة الاستفهام (أدلك على) ما هو (خير) لك (من ذلك؛ تصبر) على جور الظلمة الذين يستأثرون بالدنيا (حتى تلقاني) فجعل الصبر في زمان الفتن على جور الحكام بمنزلة الشهيد يلقاه عند موته. [٤٧٦٠] (ثنا مسدد وسليمان بن داود) العتكي، أخرج له الشيخان (المعنى قالا: ثنا حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد) القردوسي أخرج له مسلم (وهشام بن حسان، عن الحسن) البصري (عن ضبة) بفتح الضاد المعجمة والباء الموحدة المشددة (بن محصن) بكسر الميم (العنزي) بفتح العين المهملة والنون، أخرج له الشيخان. (عن أم سلمة) هند (زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ستكون عليكم أئمة) ولمسلم: "يستعمل عليكم أمراء" (١) (تعرفون منهم) أي: تعرفون منهم أشياء من المعروف الذي يؤمر به (وتنكرون) منهم أشياء تعرفون أنه من المنكر المنهي عنه (فمن أنكر) عليهم (قال هشام) بن حسان (بلسانه) لعجزه عن الإنكار بيده (فقد برئ) أي: تبرأ من فعل المنكر وفاعله (ومن) أنكر عليهم (كره بقلبه) لعجزه عن الإنكار باليد واللسان (فقد سلم) من إثمه وعقوبته ومن مؤاخذة اللَّه تعالى على

стр. 12109

الإقرار على المنكر (ولكن) والعقوبة على (من) رأى المنكر ولم ينكره بيده ولا لسانه ولا قلبه و (رضي) بالمنكر (وتابع) على فعله، فهو المؤاخذ والمعاقب عليه، وإن لم يفعل ولا أمر به. وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت عليه، بل يأثم بالرضا بفعله، أو بأن لا يكرهه بقلبه بالمتابعة عليه. (قيل: يا رسول اللَّه، أفلا نقتلهم؟ ) لفظ مسلم: قالوا: يا رسول اللَّه، ألا نقاتلهم (١)؟ وكذا (قال) سليمان (ابن داود: أفلا نقاتلهم؟ ) على فعل ذلك (قال: لا ما صلوا) الصلوات الخمس. أي: ما أقاموا فيكم الصلاة المعهودة بحدودها وأحكامها وأظهروا فعلها. وقيل: معناه: ما داموا على كلمة الإسلام، كما عبر بالمصلين عن المسلمين في قوله ﵇: "نهيت عن قتل المصلين" (٢) أي: المسلمين. والأول أظهر. [٤٧٦١] (ثنا) محمد (ابن بشار) الملقب بندار (ثنا معاذ بن هشام) الدستوائي (قال: حدثني أبي) هشام الدستوائي (عن قتادة، ثنا الحسن) البصري (عن ضبة بن محصن العنزي) تقدم. (عن أم سلمة، عن النبي ﷺ بمعناه) و (قال) فيه (فمن كره) المنكر بقلبه لعجزه عن إزالته بيده ولسانه (فقد برئ) من إثم المؤاخذة به (ومن أنكر) على فاعله (فقد سلم) من العقوبة والمؤاخذة (قال قتادة) أحد الرواة، وهم أعرف بمعاني ما رووه (يعني: من أنكر) فعله (بقلبه،

стр. 12110

ومن كره) ذلك (بقلبه) فقد برئ. [٤٧٦٢] (ثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد (عن شعبة، عن زياد بن علاقة) بكسر المهملة وبالقاف الثعلبي بالمثلثة (عن عرفجة) بن شريح، ويقال: صريح بضم الصاد وفتح الراء الأشجعي، وبعد ياء التصغير حاء مهملة. (قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: سيكون في أمتي هنات وهنات وهنات) أي: شرور وتضاد، يقال: في فلان هنات. أي: خصال شر، ولا تقال في الخير. و (هنات) بفتح الهاء والنون المخففة جمع هنة هي كناية عن نكرة بمعنى شيء، ويطلق على كل شيء، والمراد بها هنا أنه ستكون أمور منكرة وتحدث أمور عظيمة، وهذا من معجزات النبوة، فإنه قد ظهر ووجد كما أخبر، (فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع) أي: مجتمعة على إمام واحد (فاضربوه بالسيف كائن (١) من كان) أي: لا يحترم فاعل ذلك لشرفه ونسبه ولا يهاب لكثرة عشيرته ونسبه، بل يبادر بقتله قبل استحكام فساده وظهور شره، ففيه الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد أن يفرق كلمة المسلمين، ونحو ذلك، وينهى عن ذلك أولًا، فإن لم ينته قوتل، فإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدرًا. * * *

стр. 12111

٣١ - باب فِي قِتالِ الخَوارِجِ ٤٧٦٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ: أَنَّ عَلِيًّا ذَكَرَ أَهْلَ النَّهْرَوانِ فَقالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُودَنُ اليَدِ، أَوْ مُخْدَجُ اليَدِ، أَوْ مَثْدُونُ اليَدِ لَوْلا أَنْ تَبْطَرُوا لَنَبَّأْتُكمْ ما وَعَدَ اللَّه الذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذا مِنْهُز قالَ: إي وَرَبِّ الكَعْبَةِ (١). ٤٧٦٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابن أَبي نُعْمٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْري قالَ: بَعَثَ عَلي ﵇ إِلَى النَّبي ﷺ بِذُهَيْبَةٍ في تُرْبَتِها فَقَسَّمَها بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حابِسٍ الحَنْظَلي، ثُمَّ المُجاشِعي وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزاري، وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ الطّائي، ثُمَّ أَحَدِ بَني نَبْهانَ، وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ العامِري، ثُمَّ أَحَدِ بَني كِلابٍ، قالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ والأَنْصارُ، وقالَتْ: يُعْطي صَنادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنا. فَقالَ: "إِنَّما أَتَأَلَّفُهُمْ". قالَ: فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غائِرُ العَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ ناتِئُ الجَبِينِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ قالَ: اتَّقِ اللَّهَ يا مُحَمَّدُ. فَقالَ: "مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذا عَصَيْتُهُ أَيَأْمَنُني اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلا تَأْمَنُوني؟ ! ". قالَ: فَسَأَلَ رَجُلٌ قَتْلَهُ أَحْسِبُهُ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ قالَ: فَمَنَعَهُ. قالَ: فَلَمَّا وَلَّى قالَ: "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هذا، أَوْ في عَقِبِ هذا قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ مُرُوقَ السَّهْم مِنَ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثانِ، لَئِنْ أَنا أَدْرَكْتُهُمْ قَتَلْتهُمْ قَتْلَ عادٍ" (٢). ٤٧٦٥ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ الأَنْطاكي، حَدَّثَنا الوَلِيدُ وَمُبَشِّرٌ -يَعْني: ابن إِسْماعِيلَ الحَلَبي-، عَنْ أَبي عَمْرٍو قالَ: -يَعْني: الوَليدَ- حَدَّثَنا أَبُو عَمْرٍو، قالَ: حَدَّثَني قَتادَةُ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْري وَأَنَسِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ:

стр. 12112

"سَيَكُونُ في أُمَّتي اخْتِلافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ القِيلَ وَيُسِيئُونَ الفِعْلَ وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ هُمْ شَرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ طُوبَى لِمَنْ قتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ في شَيء مَنْ قاتَلَهُمْ كانَ أَوْلَى باللَّهِ مِنْهُمْ". قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما سِيماهُمْ؟ قالَ: "التَّحْلِيقُ" (١). ٤٧٦٦ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلي، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحْوَهُ قالَ: "سِيماهُمُ التَّحْلِيقُ والتَّسْبِيدُ، فَإذا رَأَيْتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ". قالَ أَبُو داوُدَ: التَّسْبِيدُ اسْتِئْصالُ الشَّعْرِ (٢). ٤٧٦٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قالَ: قالَ عَليٌّ: إِذا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا فَلأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّماءِ أَحَبُّ إِلَي مِنْ أَنْ أَكذِبَ عَلَيْهِ، وإذا حَدَّثْتُكُمْ فِيما بَيْني وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّما الحَرْبُ خُدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَأْتي في آخِرِ الزَّمانِ قَوْمٌ حُدَثاءُ الأَسْنانِ، سُفَهاءُ الأَحْلامِ يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ البَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يُجاوِزُ إِيمانُهُمْ حَناجِرَهُمْ، فَأَيْنَما لَقِيتُمُوهُمْ فاقْتُلُوهُمْ، فَإنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ" (٣). ٤٧٦٨ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلي، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبي سُلَيْمانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قالَ: أَخْبَرَني زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الجُهَنِيُّ: أنَّهُ كانَ في الجَيشِ الذِينَ كانُوا مَعَ عَلي ﵇ الذِينَ سارُوا إِلَى الخَوارِجِ، فَقالَ عَلي ﵇: أَيُّها النّاسُ إِنّي

стр. 12113

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتي يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَيْسَتْ قِراءَتُكُمْ إِلَى قِراءَتِهِمْ شَيْئًا، وَلا صَلاتُكُمْ إِلَى صَلاتِهِمْ شَيْئًا، وَلا صِيامُكُمْ إِلَى صِيامِهِمْ شَيْئًا، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لا تُجاوِزُ صَلاتُهُمْ تَراقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الجَيْشُ الذِينَ يُصِيبُونَهُمْ ما قُضي لَهُمْ عَلَى لِسان نَبِيِّهِمْ ﷺ لَنَكَلُوا عَلَى العَمَلِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ وَلَيْسَتْ لَهُ ذِراعٌ عَلَى عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدي عَلَيْهِ شَعَراتٌ بِيضٌ". أَفتَذْهَبُونَ إِلَى مُعاوِيةَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَتَتْرُكُونَ هؤلاء يَخْلُفُونَكُمْ في ذَرارِيِّكُمْ وَأَمْوالِكُمْ؟ واللَّه إِنّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هؤلاء القَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الحَرامَ، وَأَغارُوا في سَرْحِ النّاسِ فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. قالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَني زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا مَنْزِلًا حَتَّى مَرَّ بِنا عَلَى قَنْطَرَةٍ قالَ: فَلَمّا التَقَيْنا وَعَلَى الخَوارِجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرّاسِبي فَقالَ لَهُمْ: ألقُوا الرِّماحَ وَسُلُّوا السُّيُوفَ مِنْ جُفُونِها فَإِنّي أَخافُ أَنْ يُناشِدُوكُمْ كَما ناشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُوراءَ قالَ: فَوَحَّشُوا بِرِماحِهِمْ واسْتَلُّوا السُّيوفَ وَشَجَرَهُمُ النّاسُ بِرِماحِهِمْ، قالَ: وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ. قالَ: وَما أُصِيبَ مِنَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلا رَجُلانِ فَقالَ عَلي ﵇: التَمِسُوا فِيهِمُ المُخْدَجَ فَلَمْ يَجِدُوا قالَ: فَقامَ عَلي ﵁ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى ناسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَقالَ: أَخْرِجُوهُمْ فَوَجَدُوهُ مِمّا يَلي الأَرْضَ، فَكَبَّرَ وقالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. فَقامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْماني فَقالَ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، واللَّه الذي لا إله إِلا هُوَ لَقَدْ سَمِعْتَ هذا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إي واللَّه الذي لا إله إِلا هُوَ حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلاثًا وَهُوَ يَحْلِفُ (١). ٤٧٦٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ قالَ: حَدَّثَنا أَبُو الوَضِيءِ قالَ: قالَ عَلي ﵇: اطْلُبُوا المُخْدَجَ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ فاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ تَحْتِ القَتْلَى في طِينٍ قالَ أَبُو الوَضَيءِ: فَكَأنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَبَشي عَلَيْهِ قُرَيْطَقٌ لَهُ إِحْدى يَدَيْنِ مِثْلُ ثَدى المرْأَةِ عَلَيْها شُعَيْراتٌ مِثْلُ شُعَيْراتِ التي تَكونُ عَلَى ذَنَبِ

стр. 12114

اليَرْبُوعِ (١). ٤٧٧٠ - حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا شَبابَةُ بْنُ سَوّارٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبي مَرْيَمَ قالَ: إِنْ كانَ ذَلِكَ المُخْدَجَ لَمَعَنا يَوْمَئِذٍ في المَسْجِدِ نُجالِسُهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وَكانَ فَقِيرًا وَرَأَيْتُهُ مَعَ المَساكِينِ يَشْهَدُ طَعامَ عَلي ﵇ مَعَ النّاسِ وَقَدْ كَسَوْتُهُ بُرْنُسًا لي. قالَ أَبُو مَريمَ: وَكانَ المُخْدَجُ يُسَمَّى نافِعًا ذا الثُّدَيَّةِ وَكانَ في يَدِهِ مِثْلُ ثَدي المَرْأَةِ عَلَى رَأْسِهِ حَلَمَةٌ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدى عَلَيْهِ شُعَيْراتٌ مِثْلُ سِبالَةِ السِّنَّوْرِ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ عِنْدَ النّاسِ اسْمُهُ حَرْقُوسُ (٢). * * * باب في قتال الخوارج [٤٧٦٣] (حدثنا محمد بن عبيد) بن حساب الغبري، أخرج له مسلم (ومحمد بن عيسى المعنى قالا: حدثنا حماد) بن زيد (عن أيوب، [عن محمد] (٣) عن عبيدة) بفتح العين (٤) المهملة، وهو السلماني (أن عليا ﵁ ذكر أهل النهروان) بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء المهملة وكسرها، كذا ضبطه أبو عبيد البكري قال: وبضم الراء أيضًا. قال: ويقال: إنها بضم النون والراء معًا، أربع لغات، والهاء فيهن ساكنة (٥). وهي بليدة من نواحي بغداد بالقرب منها، أي: حين ذكر الخوارج وأوقع بهم ما أوقع في الوقعة المعروفة.

стр. 12115

(فقال) لما قتل الخوارج من الحرورية: انظروا، فإن (فيهم رجل مودن) بضم الميم وسكون الواو وفتح الدال المهملة، ويقال بالهمز وتركه. أي: ناقص (اليد) من قولهم: ودنت الشيء وأودنته إذا نقصته، ويقال أيضًا: ودين اليد ومثدون اليد ومخدوج اليد، ومثدون اليد معناه: صغير اليد مجتمعها كثندوة الثدي بالمهملة (أو مخدج) بضم الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح الدال (اليد) أي: ناقصها (أو مثدون) وأصلها: مثنود فقدمت الدال على النون كما قالوا: جبذ وجذب، وغاب في الأرض وغبا، أي: ناقص اليد، وهذِه الألفاظ الثلاثة شك من الراوي، والذي يجمع صفات هذِه اليد ما جاء في حديث زيد بن وهب الذي قال فيه: "وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضد ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض" (١). قال القرطبي: وهذِه الرواية هي أحسن الروايات وأكملها وأبينها (٢). وفي رواية مسلم أن الحرورية لما خرجت قالوا: لا حكم إلا للَّه. قال علي: كلمة حق أريد بها باطل. إني لأعرف صفتهم، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منه، وأشار إلى حلقه، من أبغض خلق اللَّه إلى رسول اللَّه ﷺ ، منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي قال: انظروا. فنظروا فلم يجدوا شيئًا. فقال: ارجعوا فواللَّه ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثًا، ثم وجدوه في خربة، فأتوا به
следующие страницы →