← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

٣١ - باب فِي قِتالِ الخَوارِجِ ٤٧٦٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ: أَنَّ عَلِيًّا ذَكَرَ أَهْلَ النَّهْرَوانِ فَقالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُودَنُ اليَدِ، أَوْ مُخْدَجُ اليَدِ، أَوْ مَثْدُونُ اليَدِ لَوْلا أَنْ تَبْطَرُوا لَنَبَّأْتُكمْ ما وَعَدَ اللَّه الذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذا مِنْهُز قالَ: إي وَرَبِّ الكَعْبَةِ (١). ٤٧٦٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابن أَبي نُعْمٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْري قالَ: بَعَثَ عَلي ﵇ إِلَى النَّبي ﷺ بِذُهَيْبَةٍ في تُرْبَتِها فَقَسَّمَها بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حابِسٍ الحَنْظَلي، ثُمَّ المُجاشِعي وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزاري، وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ الطّائي، ثُمَّ أَحَدِ بَني نَبْهانَ، وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ العامِري، ثُمَّ أَحَدِ بَني كِلابٍ، قالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ والأَنْصارُ، وقالَتْ: يُعْطي صَنادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنا. فَقالَ: "إِنَّما أَتَأَلَّفُهُمْ". قالَ: فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غائِرُ العَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ ناتِئُ الجَبِينِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ قالَ: اتَّقِ اللَّهَ يا مُحَمَّدُ. فَقالَ: "مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذا عَصَيْتُهُ أَيَأْمَنُني اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلا تَأْمَنُوني؟ ! ". قالَ: فَسَأَلَ رَجُلٌ قَتْلَهُ أَحْسِبُهُ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ قالَ: فَمَنَعَهُ. قالَ: فَلَمَّا وَلَّى قالَ: "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هذا، أَوْ في عَقِبِ هذا قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ مُرُوقَ السَّهْم مِنَ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثانِ، لَئِنْ أَنا أَدْرَكْتُهُمْ قَتَلْتهُمْ قَتْلَ عادٍ" (٢). ٤٧٦٥ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ الأَنْطاكي، حَدَّثَنا الوَلِيدُ وَمُبَشِّرٌ -يَعْني: ابن إِسْماعِيلَ الحَلَبي-، عَنْ أَبي عَمْرٍو قالَ: -يَعْني: الوَليدَ- حَدَّثَنا أَبُو عَمْرٍو، قالَ: حَدَّثَني قَتادَةُ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْري وَأَنَسِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ:

стр. 12112

"سَيَكُونُ في أُمَّتي اخْتِلافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ القِيلَ وَيُسِيئُونَ الفِعْلَ وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ هُمْ شَرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ طُوبَى لِمَنْ قتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ في شَيء مَنْ قاتَلَهُمْ كانَ أَوْلَى باللَّهِ مِنْهُمْ". قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما سِيماهُمْ؟ قالَ: "التَّحْلِيقُ" (١). ٤٧٦٦ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلي، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحْوَهُ قالَ: "سِيماهُمُ التَّحْلِيقُ والتَّسْبِيدُ، فَإذا رَأَيْتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ". قالَ أَبُو داوُدَ: التَّسْبِيدُ اسْتِئْصالُ الشَّعْرِ (٢). ٤٧٦٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قالَ: قالَ عَليٌّ: إِذا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا فَلأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّماءِ أَحَبُّ إِلَي مِنْ أَنْ أَكذِبَ عَلَيْهِ، وإذا حَدَّثْتُكُمْ فِيما بَيْني وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّما الحَرْبُ خُدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَأْتي في آخِرِ الزَّمانِ قَوْمٌ حُدَثاءُ الأَسْنانِ، سُفَهاءُ الأَحْلامِ يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ البَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يُجاوِزُ إِيمانُهُمْ حَناجِرَهُمْ، فَأَيْنَما لَقِيتُمُوهُمْ فاقْتُلُوهُمْ، فَإنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ" (٣). ٤٧٦٨ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلي، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبي سُلَيْمانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قالَ: أَخْبَرَني زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الجُهَنِيُّ: أنَّهُ كانَ في الجَيشِ الذِينَ كانُوا مَعَ عَلي ﵇ الذِينَ سارُوا إِلَى الخَوارِجِ، فَقالَ عَلي ﵇: أَيُّها النّاسُ إِنّي

стр. 12113

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتي يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَيْسَتْ قِراءَتُكُمْ إِلَى قِراءَتِهِمْ شَيْئًا، وَلا صَلاتُكُمْ إِلَى صَلاتِهِمْ شَيْئًا، وَلا صِيامُكُمْ إِلَى صِيامِهِمْ شَيْئًا، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لا تُجاوِزُ صَلاتُهُمْ تَراقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الجَيْشُ الذِينَ يُصِيبُونَهُمْ ما قُضي لَهُمْ عَلَى لِسان نَبِيِّهِمْ ﷺ لَنَكَلُوا عَلَى العَمَلِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ وَلَيْسَتْ لَهُ ذِراعٌ عَلَى عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدي عَلَيْهِ شَعَراتٌ بِيضٌ". أَفتَذْهَبُونَ إِلَى مُعاوِيةَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَتَتْرُكُونَ هؤلاء يَخْلُفُونَكُمْ في ذَرارِيِّكُمْ وَأَمْوالِكُمْ؟ واللَّه إِنّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هؤلاء القَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الحَرامَ، وَأَغارُوا في سَرْحِ النّاسِ فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. قالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَني زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا مَنْزِلًا حَتَّى مَرَّ بِنا عَلَى قَنْطَرَةٍ قالَ: فَلَمّا التَقَيْنا وَعَلَى الخَوارِجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرّاسِبي فَقالَ لَهُمْ: ألقُوا الرِّماحَ وَسُلُّوا السُّيُوفَ مِنْ جُفُونِها فَإِنّي أَخافُ أَنْ يُناشِدُوكُمْ كَما ناشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُوراءَ قالَ: فَوَحَّشُوا بِرِماحِهِمْ واسْتَلُّوا السُّيوفَ وَشَجَرَهُمُ النّاسُ بِرِماحِهِمْ، قالَ: وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ. قالَ: وَما أُصِيبَ مِنَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلا رَجُلانِ فَقالَ عَلي ﵇: التَمِسُوا فِيهِمُ المُخْدَجَ فَلَمْ يَجِدُوا قالَ: فَقامَ عَلي ﵁ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى ناسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَقالَ: أَخْرِجُوهُمْ فَوَجَدُوهُ مِمّا يَلي الأَرْضَ، فَكَبَّرَ وقالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. فَقامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْماني فَقالَ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، واللَّه الذي لا إله إِلا هُوَ لَقَدْ سَمِعْتَ هذا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إي واللَّه الذي لا إله إِلا هُوَ حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلاثًا وَهُوَ يَحْلِفُ (١). ٤٧٦٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ قالَ: حَدَّثَنا أَبُو الوَضِيءِ قالَ: قالَ عَلي ﵇: اطْلُبُوا المُخْدَجَ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ فاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ تَحْتِ القَتْلَى في طِينٍ قالَ أَبُو الوَضَيءِ: فَكَأنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَبَشي عَلَيْهِ قُرَيْطَقٌ لَهُ إِحْدى يَدَيْنِ مِثْلُ ثَدى المرْأَةِ عَلَيْها شُعَيْراتٌ مِثْلُ شُعَيْراتِ التي تَكونُ عَلَى ذَنَبِ

стр. 12114

اليَرْبُوعِ (١). ٤٧٧٠ - حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا شَبابَةُ بْنُ سَوّارٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبي مَرْيَمَ قالَ: إِنْ كانَ ذَلِكَ المُخْدَجَ لَمَعَنا يَوْمَئِذٍ في المَسْجِدِ نُجالِسُهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وَكانَ فَقِيرًا وَرَأَيْتُهُ مَعَ المَساكِينِ يَشْهَدُ طَعامَ عَلي ﵇ مَعَ النّاسِ وَقَدْ كَسَوْتُهُ بُرْنُسًا لي. قالَ أَبُو مَريمَ: وَكانَ المُخْدَجُ يُسَمَّى نافِعًا ذا الثُّدَيَّةِ وَكانَ في يَدِهِ مِثْلُ ثَدي المَرْأَةِ عَلَى رَأْسِهِ حَلَمَةٌ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدى عَلَيْهِ شُعَيْراتٌ مِثْلُ سِبالَةِ السِّنَّوْرِ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ عِنْدَ النّاسِ اسْمُهُ حَرْقُوسُ (٢). * * * باب في قتال الخوارج [٤٧٦٣] (حدثنا محمد بن عبيد) بن حساب الغبري، أخرج له مسلم (ومحمد بن عيسى المعنى قالا: حدثنا حماد) بن زيد (عن أيوب، [عن محمد] (٣) عن عبيدة) بفتح العين (٤) المهملة، وهو السلماني (أن عليا ﵁ ذكر أهل النهروان) بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء المهملة وكسرها، كذا ضبطه أبو عبيد البكري قال: وبضم الراء أيضًا. قال: ويقال: إنها بضم النون والراء معًا، أربع لغات، والهاء فيهن ساكنة (٥). وهي بليدة من نواحي بغداد بالقرب منها، أي: حين ذكر الخوارج وأوقع بهم ما أوقع في الوقعة المعروفة.

стр. 12115

(فقال) لما قتل الخوارج من الحرورية: انظروا، فإن (فيهم رجل مودن) بضم الميم وسكون الواو وفتح الدال المهملة، ويقال بالهمز وتركه. أي: ناقص (اليد) من قولهم: ودنت الشيء وأودنته إذا نقصته، ويقال أيضًا: ودين اليد ومثدون اليد ومخدوج اليد، ومثدون اليد معناه: صغير اليد مجتمعها كثندوة الثدي بالمهملة (أو مخدج) بضم الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح الدال (اليد) أي: ناقصها (أو مثدون) وأصلها: مثنود فقدمت الدال على النون كما قالوا: جبذ وجذب، وغاب في الأرض وغبا، أي: ناقص اليد، وهذِه الألفاظ الثلاثة شك من الراوي، والذي يجمع صفات هذِه اليد ما جاء في حديث زيد بن وهب الذي قال فيه: "وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضد ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض" (١). قال القرطبي: وهذِه الرواية هي أحسن الروايات وأكملها وأبينها (٢). وفي رواية مسلم أن الحرورية لما خرجت قالوا: لا حكم إلا للَّه. قال علي: كلمة حق أريد بها باطل. إني لأعرف صفتهم، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منه، وأشار إلى حلقه، من أبغض خلق اللَّه إلى رسول اللَّه ﷺ ، منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي قال: انظروا. فنظروا فلم يجدوا شيئًا. فقال: ارجعوا فواللَّه ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثًا، ثم وجدوه في خربة، فأتوا به

стр. 12116

فوضعوه بين يديه (١). (لولا أن تبطروا) بسكون الموحدة وفتح الطاء المهملة، إليه (لنبأتكم) بفتح النون وتشديد الموحدة. أي: أخبرتكم (ما وعد اللَّه الذين يقتلونهم) بالتحتانية، وهذا الوعد وصل إلينا (على لسان محمد ﷺ )، ولمسلم: "فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجر". انتهى (٢). وهذا تصريح بوجوب قتال الخوارج والبغاة. قال القاضي: أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأي الجماعة وشقوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم، قال اللَّه تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣). (قال) عبيدة السلماني (قلت) لعلي ﵁ (أنت سمعت هذا منه؟ ) أي: من النبي ﷺ (قال: إي ورب الكعبة) إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة. كذا مكرر في مسلم (٤). [٤٧٦٤] (حدثنا محمد بن كثير) العبدي (ثنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن أبيه) سعيد بن مسروق الثوري الكوفي (عن) عبد الرحمن (ابن أبي (٥) نعم) بضم النون، البجلي الزاهد (عن أبي سعيد) سعد (٦) بن مالك

стр. 12117

(الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁) زاد مسلم: وهو باليمن (١). من الخمس (إلى النبي ﷺ بذهيبة) على التصغير، كذا في البخاري ومسلم (٢). قال النووي: أكثر نسخ مسلم: بذهبة بفتح الذال، وكذا نقله القاضي (٣). وهو تأنيث الذهب، كأنه ذهب به إلى معنى القطعة. (في تربتها) زاد مسلم: في أديم مقروظ (٤). أي: جلد مدبوغ (فقسمها بين أربعة) رجال (بين الأقرع بن حابس) بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع (الحنظلي، ثم المجاشعي) التميمي، وفد بعد الفتح في وفد بني تميم، قال ابن دريد: اسمه فراس، لقب بالأقرع لقرع برأسه (٥). وكان أحد الأشراف وأحد المؤلفة (وبين عيينة بن بدر) وفي بعض نسخ مسلم وغيره: عيينة بن حصن، وكلاهما صحيح، فحصن أبوه وبدر جد أبيه، فينسب تارة إلى أبيه وتارة إلى جد أبيه لشهرته، ولهذا نسبه إليه الشاعر: فما كان بدر ولا حابس فهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن زيد بن عمرو (الفزاري) بفتح الفاء وتخفيف الزاي، نسبة إلى فزارة بن ذبيان قبيلة من قيس عيلان (وبين زيد الخيل) كذا للبخاري ومسلم (٦)، وفي رواية لمسلم: زيد الخير (٧).

стр. 12118

وكلاهما صحيح، فإنه كان يقال في الجاهلية: زيد الخيل، فسماه رسول اللَّه ﷺ : زيد الخير (الطائي ثم أحد بني نبهان) فهو نبهاني، وهو زيد بن مهلهل بن زيد، أثنى عليه النبي ﷺ وأقطعه أرضين -بفتح النون غير منصرف- وكان شاعرًا خطيبًا بليغًا، مات آخر خلافة عمر (وبين علقمة ابن علاثة) بضم العين المهملة وبالثاء المثلثة [بن عوف] (١) (العامري [ثم] (٢) أحد بني كلاب) الكلابي، ارتد وانهزم، ثم أسلم وحسن إسلامه، واستعمله عمر على حوران فمات بها. (قال: فغضبت قريش والأنصار وقالت (٣): يعطي صناديد أهل نجد) أي: سادتها، واحدهم صنديد بكسر الصاد (ويدعنا) وفي رواية لمسلم: فقال رجل من أصحابه: كنا أحق بهذا من هؤلاء (٤) (فقال) رسول اللَّه ﷺ (إنما أتألفهم) ولفظ مسلم: "إنما فعلت ذلك لأتألفهم (٥) " (٦). (قال: فأقبل رجل غائر العينين) أي: عيناه داخلتان في رأسه لاصقتان (٧) بقعر الحدق (مشرف) أي (٨): مرتفع (الوجنتين) الوجنة يقال فيها: أجنة وهي [ما نتأ من] (٩) لحم الخد (ناتئ) بهمزة آخره

стр. 12119

(الجبين) هو جانب الجبهة، ولكل إنسان جبينان يكتنفان الجبهة (كث اللحية) بكسر اللام: كثيفها قصير شعرها (محلوق) الرأس، كذا في الصحيحين (١)، استدل به بعضهم على كراهة حلق الرأس، ولا كراهة، لأن حلق الرأس علامة تكون بحرام وتكون بمباح. (قال: اتق اللَّه يا محمد) وقائل هذا عبد اللَّه ذو الخويصرة مصغر الخاصرة التميمي، يقال: اسمه حرقوص (فقال) رسول اللَّه ﷺ (من يطع اللَّه إذا عصيته؟ ) الظاهر أن (من) استفهامية أشربت (٢) معنى النفي، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) والمعنى: ما يغفر أحد إلا اللَّه، ومعنى الحديث: ما يطيع اللَّه أحد إن عصيته (أيأمنني اللَّه تعالى على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ ! ) أنتم عليهم. أي: يجعلني اللَّه أمينًا على أهل الأرض ولا تجعلوني؟ ! ويحتمل أن يراد: أيجعلني اللَّه أمينًا على وحيه ولا تجعلوني أمينًا على دنياكم؟ ! (قال: فسأل رجل) زاد في الصحيحين: من القوم (٤). ولفظ مسلم: فاستأذن رجل من القوم في قتله، يرون أنه خالد (٥). (قتله) أي: يأذن له في أن يقتله (أحسبه خالد بن الوليد) [فإن قلت] (٦) ذكر البخاري في باب من ترك قتال الخوارج للتألف، وأن لا ينفر الناس

стр. 12120

عنه، أنه عمر بن الخطاب (١). قلت: لا تنافي بينهما لاحتمال وقوعه منهما (قال) بأن يكون كل منهما قال وأجيب بغير ما أجيب به الآخر (فمنعه) وللبخاري في باب بعث علي إلى اليمن، قال خالد بن الوليد: ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا لعله أن يكون يصلي" فقال خالد: فكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال: "إني لم أومر (٢) أن أنقب قلوب الرجال ولا أشق بطونهم" (٣). (قال: فلما ولى) مدبرًا (قال: إن) فيه حذف تقديره أنه يخرج (من ضئضئ) بكسر الضادين المعجمتين وسكون الهمزة الأولى (هذا) أي: من أصله، يقال: هو من ضئضئ صدق. أي: من أصل صدق. قال ابن فارس: الضئضئ: كثرة النسل وبركته، ذكره في باب الضاد المعجمة (٤). قال الصفاقسي: وروي بالصاد غير معجمة (أو) قال: (في عقب) بفتح المهملة وكسر القاف وتخفف بالسكون، وهو الولد وولد الولد وإن سفل ([هذا] (٥) قومًا (٦) يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) الحناجر: الحلوق، جمع حنجر، وهي الحلاقيم أيضًا. والمعنى أنهم

стр. 12121

لا يفهمونه ولا يعرفون معناه، فيعملون به ويرفع إلى اللَّه تعالى فيما يرفع من العمل الصالح، وقيل: معناه لم يتمكن في قلوبهم شيء من الإيمان واليقين به، وإنما يحفظونه بالألسن، فنسبه إلى ما يقاربه، وهي الحنجرة مجازًا (يمرقون من الإسلام) أي: يخرجون من دين الإسلام. ولفظ "الصحيح": "يخرجون من الدين" (١) وبهذا اللفظ سمي الخوارج مارقة؛ لأنهم مرقوا من الدين وفارقوا جماعته وخرجوا على خيار المسلمين ببدعتهم (مروق السهم من الرمية) والرمية بمعنى المرمية، فعيلة بمعنى مفعولة (يقتلون أهل الإسلام ويدعون) أي: يتركون قتل (أهل الأوثان). واللَّه (لئن أنا) واللَّه (أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) فإن قيل: لم منع خالدًا من قتله، وقد أدركه وأوجب قتلهم؟ فالجواب أنه إنما منعه لعلمه بأن اللَّه سبحانه يستمضي قضاءه حتى يخرج من نسله من يستحق القتل لسوء فعله، فيكون أدل على الحكمة وأبلغ في المصلحة. وأجاب الكرماني بأنه إنما أراد إدراك طائفتهم وزمان كثرتهم وخروجهم على الناس بالسيف، وإنما أنذر رسول اللَّه ﷺ أن سيكون ذلك، وقد كان كما قال وأولهم في زمن علي ﵁ (٢). [٤٧٦٥] (ثنا نصر بن عاصم الأنطاكي) لين الحديث (ثنا الوليد) بن يزيد (٣) (ومبشر يعني: ابن إسماعيل الحلبي) ثقة (عن أبي عمرو) عبد

стр. 12122

الرحمن ابن عمرو الأوزاعي (قال -يعني: الوليد-) بن يزيد (ثنا أبو عمرو) عبد الرحمن الأوزاعي (قال: حدثني قتادة) بن دعامة. (عن أبي سعيد الخدري ﵁) ولم يدركه ولا سمع منه (و) سمع من (أنس بن مالك، عن رسول اللَّه ﷺ قال: سيكون في أمتي اختلاف) بينهم (وفرقة) من معجزات النبوة إذ أخبر بما سيقع، وقد وقع كما أخبر و (قوم) منهم (يحسنون القيل) القول (ويسيؤون الفعل) أي: يحسنون في أقوالهم فهي مستقيمة في الظاهر ويسيؤون في أفعالهم، فهي غير مستقيمة، ولا مرضية (ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) التراقي جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة (١) النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، وزنها فعلوة (٢) بالفتح، والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها اللَّه ولا يقبلها، فكأنها لم تجاوز حلوقهم، وهي بمعنى: "لا يجاوز حناجرهم" كما تقدم. (يمرقون من الدين مروق) أي: كمروق السهم، فحذف حرف التشبيه (السهم من الرمية) بتشديد الياء وهو الصيد المرمي، وقد تقدم (لا يرجعون) إلى الدين (حتى يرتد) أي: يرد السهم (على فوقه) بضم الفاء وسكون الواو وبالقاف، والفوق هو الحد الذي في السهم يجعل فيه الوتر، وقد يعبر به عن السهم. قيل: المعنى أنهم لا يرجعون إلى الدين حتى يرد السهم إلى مكانه بنفسه دون فاعل، وهذا مستحيل، فهو كقولهم في التوبة النصوح. أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا

стр. 12123

يعود اللبن إلى الضرع، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (١) ويكون من باب الاستعارة. ويحتمل أن يكون ارتداد السهم إلى فوقه كناية عن القتال. والمعنى أنهم لا يردون إلى الدين إلا بالقتال بالسهام، فإن الدين لم يقم إلا بالسيف والسهام وما في معناهما، وهؤلاء (هم شر الخلق) أو من شر الخلق. والخلق: الناس (والخليقة) البهائم. وقيل: الخلق والخليقة بمعنىى واحد، ويريد بهما جميع الخلائق. (طوبى) قيل: هي شجرة في الجنة، وأصلها فعلى بكسر الفاء، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوًا (لمن قتلهم وقتلوه) الواو بمعنى (أو) التقدير: طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، فمن قتلهم فقد أتى بفرض الكفاية في قتلهم، ومن قتلوه مات شهيدًا (يدعون إلى كتاب اللَّه) وهو القرآن، أو دين الإسلام (وليسوا منه في شيء) أي: ليسوا على شيء مما يدعون (٢) إليه، فهو نظير قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى حكاية عن شعيب في قوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٤) قال ابن عباس: معناه: ما أريد أن أفعل ما أنهاكم عنه (٥). فكلا الحالين مذموم أن يأمر بشيء ولا يفعله، أو ينهى عن

стр. 12124

شيء ويفعله (من قاتلهم (١) كان أولى باللَّه) أي: أحق برضى اللَّه والقرب منه (منهم) فيه: الحث على قتالهم ومدافعتهم كما تقدم (قالوا: يا رسول اللَّه، ما سيماهم؟ ) أي: علامتهم. وفيها ثلاث لغات: القصر، وهو الأفصح، وبه جاء القرآن، والمد، والثالثة السيمياء بزيادة ياء مع المد لا غير. (قال) سيماهم (التحليق) استدل به بعض الناس على كراهة حلق الرأس، ومعلوم أنه ليس بحرام، لما روى المصنف بإسناد على شرط البخاري ومسلم أن النبي ﷺ رأى صبيًّا قد حلق بعض رأسه فقال: "احلقوه كله أو اتركوه كله" (٢) وهذا صريح في إباحة حلق الرأس لا يحتمل تأويلًا. قال أصحابنا (٣): حلق الرأس جائز بكل حال، لكن إن شق عليه تعهده بالدهن والتسريح استحب حلقه، وإن لم يشق استحب تركه، وقد كره مالك الحلاق في غير إحرام ولا حاجة ضرورية. [٤٧٦٦] (حدثنا الحسن بن علي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن قتادة، عن أنس) بن مالك ﵁ (أن رسول اللَّه ﷺ ) فذكر (نحوه) و (قال) في هذِه الرواية (سيماهم التحليق والتسبيد) قيل: هما بمعنًى واحد، وهو استئصال الرأس بالحلق، والأولى أن يكون لكل منهما معنًى غير الآخر فيستمر الأول على ما هو ظاهر فيه، وهو الحلق والتسبيد، على أن المراد به ترك التدهن [وغسل الرأس، ومنه حديث

стр. 12125

ابن عباس أنه قدم مسبدا رأسه، يريد ترك التدهن] (١) والغسل، والمراد أنهم جعلوا التحليق وترك التدهن والغسل؛ علامة لهم على رفضهم زينة الدنيا وشعارًا ليعرفوا به، كما يفعل كثير من رهبان النصارى يفحصون عن أوساط رؤوسهم جهلًا منهم بما يزهد فيه وما لا يزهد، وهذا ابتداع منهم في دين اللَّه تعالى. (والتسبيد استئصال الشعر) (٢) هذِه في رواية (إذا رأيتموهم فأنيموهم) أي: اجعلوهم كالنيام على الأرض بالقتل بالسيف ونحوه، يقال: نامت الشاة وغيرها إذا ماتت. وأنمتها: قتلتها حتى تموت، ومنه حديث غزوة الفتح: فما أشرف لهم أحد إلا أناموه (٣). أي: قتلوه. [٤٧٦٧] (حدثنا محمد بن كثير) العبدي (حدثنا سفيان، ثنا الأعمش، عن خيثمة) بفتح المعجمة وإسكان التحتانية وفتح المثلثة، ابن عبد الرحمن الجعفي، ورث مائتي ألف فأنفقها على أهل العلم (عن سويد بن غفلة) بالمعجمة والفاء المفتوحتين، ابن عوسجة الجعفي، ولد عام الفيل، قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول اللَّه ﷺ ، شهد فتح اليرموك وخطبة عمر بالجابية. (قال: قال علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول اللَّه ﷺ حديثًا) واحدًا (فلأن) بفتح اللام والهمزة بعدها (أخر من السماء) إلى الأرض (أحب إليَّ من أن أكذب عليه) فيه كثرة تحذرهم في الألفاظ النبوية (وإذا حدثتكم فيما

стр. 12126

بيني وبينكم فإنما الحرب خدعة) بتثليث الخاء المعجمة، والفتح لغة النبي ﷺ . أي: ذات خداع، وأنا أجتهد فيها برأي. قال القاضي: فيه جواز التورية والتعريض في الحرب، فتأول الحديث على هذا، وفيه إباحة الكذب في الحرب، وإن كان الاقتصار على التعريض أفضل من التصريح بالكذب، فلا يصرح بالكذب ما دام يجد مندوحة عنه بالتعريض عنه وغيره (١). (سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء) لفظ مسلم: "أحداث" (٢) (الأسنان) أي: صغارها، ويعبر بالسن عن العمر (سفهاء الأحلام) أي: ضعفاء العقول (يقولون من قول خير البرية) قال بعض علمائنا: يعني بذلك ما صدر عنهم من قولهم: لا حكم إلا للَّه. وذلك عند التحكيم، ولما سمعهم علي ﵁ قال: كلمة حق أريد بها باطل (٣). والمراد أنهم يقولون من قول خير الخليقة محمد ﷺ فيما قاله من القرآن ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٤) والمراد بها الإنكار على علي في حكمه (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) أي: كما ينفذ سهمك في الرمية التي ترمي إليها من الصيد وغيره (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) هو كناية عن عدم انتفاعهم بإيمانهم (فأينما ثقفتموهم (٥) فاقتلوهم) هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج والبغاة،

стр. 12127

لكن بعد إنذارهم والإعذار إليهم، ولا يتبع مدبرهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا تباح أموالهم (فإن) في (قتلهم أجر لمن قتلهم) ولمسلم زيادة: "في" (١). وفيه: الحث على قتل الخوارج، وأن الثواب فيه (يوم القيامة) يثقل به ميزانهم في الآخرة. [٤٧٦٨] (حدثنا الحسن بن علي، ثنا عبد الرزاق، عن عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة الفزاري الكوفي، أخرج له مسلم في مواضع (عن سلمة بن كهيل قال: أخبرني زيد بن وهب الجهني) هاجر ففاتته رؤية النبي ﷺ بأيام (أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ الذين ساروا إلى) قتال (الخوارج) الذين خرجوا على علي ﵁. (فقال علي ﵁: ) في خطبته بعد حمد اللَّه والثناء عليه (أيها الناس، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: يخرج) عليكم (قوم من أمتي يقرؤون القرآن) رطبًا لينًا (ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئًا). لفظ مسلم: "بشيء" (٢). (ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئًا، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئًا) أي: لم تأتوا بقراءة مثل قراءتهم، ولا صلاة مثل صلاتهم، ولا صيام مثل صيامهم فيما يظهر للناس. (يقرؤون القرآن ويحسبون أنه لهم) أي: يحسبون أنه حجة وشاهد لهم يوم القيامة (وهو) حجة وشاهد (عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم) تقدم (يمرقون) أي: يخرجون (من الإسلام كما يمرق) بضم الراء (السهم من

стр. 12128

الرمية) و (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم) أي: يقاتلونهم (ما قضي لهم) بضم القاف وكسر الضاد. أي: ما حكم لهم به وأُمضي (١) من الثواب عند اللَّه تعالى (على لسان نبيهم) محمد ( ﷺ لنكلوا) بفتح النون والكاف المخففة. أي: لامتنعوا (عن العمل) في المستقبل وتركوه، ومنه النكول في اليمين وهو الامتناع منها وترك الإقدام عليها. ولفظ رواية مسلم: "لاتكلوا" (٢) بالمثناة فوق المشددة بدل النون. أي: لو علموا الثواب الحاصل لهم في قتالهم لاتكلوا على ثواب ذلك العمل، واعتمدوا عليه في النجاة من النار والفوز بالجنة، وإن كانت الأعمال لا تحصل ذلك، كما قال ﷺ : "لن ينجي أحدًا منكم عمله" (٣) لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم الخوارج، عظيم قدره، جسيم ثوابه، بحيث لو اطلع عليه صاحبه لاعتمد عليه وظن أنه هو الذي ينجيه. (وآية ذلك) أي: علامة هذا الجيش المذكور (أن فيهم رجلًا له عضد) وهو ما بين المنكب والمرفق (وليست له ذراع، على رأس عضده) كذا لمسلم (٤) (مثل حلمة) بفتح الحاء واللام معًا، وهو البارز على (الثدي) يلتقمه الرضيع منه، وقال الأزهري: هو الهيئة الشاخصة من ثدي الرجل (عليه شعرات) قليلة (بيض، أفتذهبون) رواية مسلم:

стр. 12129

"فتذهبون" (١) بحذف همزة الاستفهام (إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء) الجيش (يخلفونكم في ذراريكم) بتشديد الياء وتخفيفها، والأصل التشديد، وهو جمع ذرية، وهو النسل والعقب (وأموالكم؟ واللَّه إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم) المذكورين (٢) (فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا) أي: نهبوا ودهموا (في سرح) بمهملات (الناس) والسرح هي الإبل والمواشي التي تسرح للرعي بالغداة (فسيروا) إليهم (على اسم اللَّه) فيه دليل على جواز أن يقال: سافروا على اسم اللَّه. وافعلوا كذا على اسم اللَّه. خلافًا لمن منع (٣) ذلك وجعله مكروهًا مستدلا بأن اللَّه تعالى علا على كل شيء ولا يعلو عليه شيء. ويدل على الجواز ما في "صحيح البخاري": "امضوا على اسم اللَّه" (٤) وكذا قوله ﵇: "اذبحوا على اسم اللَّه" (٥) وقد منع بعض العلماء أن يكون الاستعلاء لا حقيقة (٦) ولا مجازا، نحو: اعتمدت على اللَّه، وتوكلت على اللَّه. قال: بل هي بمعنى الإضافة والإسناد (٧). أي: أضفت توكلي وأسندته إلى اللَّه، لأن اسم اللَّه لا يستعلى عليه، بل

стр. 12130

يعلو كل شيء. (قال سلمة بن كهيل) عالم أهل الكوفة (فنزلني) بتشديد الزاي (زيد ابن وهب) الجهني (منزلًا منزلًا) كذا صوابه مرتين بتكرير (منزلًا) لأن معناه: أخبرني بالمنازل التي نزلها علي ﵁ مع جيشه منزلًا منزلًا بالتفصيل، فهو منصوب على الحال، وكذا جاء مرتين في كتاب النسائي (١)، وفي "الجمع بين الصحيحين" للحميدي (٢)، وهو كما تقول العرب: علمته الحساب بابًا بابًا. فلا يكتفى في هذا النوع بذكر مرة واحدة؛ لأنه لا يفيد ذلك المعنى وإن كان ورد في مسلم مرة واحدة (٣) (حتى مر بنا على قنطرة) بفتح القاف الديزجان كما جاء مبينًا في رواية النسائي (٤)، وهناك كان القتال، وخطبهم علي ﵁ ([قال] (٥) فلما التقينا) نحن وإياهم (وعلى) جيش (الخوارج) زاد مسلم: يومئذ (٦) (عبد اللَّه بن وهب) رئيس الخوارج، وصل يوم النهروان سنة ست وثلاثين، والنهروان بالعراق كانت الوقعة فيه بين علي والخوارج (الراسبي) نسبة إلى راسب بالراء والسين المهملتين وباء موحدة ابن جدعان بن مالك بن نصر بن الأزد (فقال لهم) زعيم الخوارج (ألقوا) بفتح الهمزة وضم القاف (الرماح وسلوا السيوف) (٧) وكان في هذا

стр. 12131

الرأي فتح للمسلمين وصيانة لدمائهم، وتمكين من الخوارج بحيث تمكن منهم فطُعنوا، ولم يكن لهم بما يطعنون أحدًا فقتل الخوارج عن بكرة أبيهم (من جفونها) جمع جفن بفتح الجيم، وهو غماد السيف. أي: قرابه. (فإني أخاف أن يناشدوكم) اللَّه تعالى (كما ناشدوكم يوم حروراء) بفتح الحاء المهملة وضم الراء يمد ويقصر، وهي قرية على ميلين من الكوفة، وإليها نسبت الحرورية الذين خرجوا على علي بن أبي طالب (قال: فوحشوا) بفتح الواو والحاء المهملة المشددة، ثم شين معجمة (برماحهم) أي: رموها على بعد وصيروها كالوحش بعيدة منهم، ومنه حديث: كان لرسول اللَّه ﷺ خاتم من ذهب فوحش فوحشوا الناس بخواتيمهم (١). (واستلوا السيوف) من جفونها (وشجرهم) بفتح الشين المعجمة والجيم المخففة (الناس برماحهم) أي: مدوها إليهم حين داخلوهم وطاعنوهم بها (قال: وقتلوا) مبني للمفعول. أي: قتل الخوارج على بكرة أبيهم بتدبير زعيمهم، فنعوذ باللَّه من تدبير يعود إلى تدمير (بعضهم) بالرفع أي: بعض القتلى (على بعض) مطروح. (قال: وما أصيب من الناس) أي: من المسلمين (يومئذ إلا رجلان) لا غير من جماعة علي ﵁ (فقال علي ﵁: التمسوا فيهم المخدج) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال. أي: ناقص اليد، كما تقدم (فلم يجدوا) توضحه رواية مسلم بلفظ: فالتمسوه فلم يجدوه (٢).

стр. 12132

(قال: فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناسًا قد قتل بعضهم على بعض فقال: أخرجوهم) أي: أخرجوا بعضهم من بعض وفرقوا بينهم، فأخرجوا بعضهم عن بعض (فوجدوه) مطروحًا (مما يلي الأرض فكبر) أي: قال: اللَّه أكبر (وقال: صدق اللَّه تعالى) في وحيه (وبلغ رسوله ﷺ ) الرسالة إلى الأمة (فقام إليه عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة، ابن عمرو، وقيل: عبيدة بن قيس الكوفي الذي أسلم في حياة النبي ﷺ وقبل وفاته بسنتين (السلماني) بإسكان اللام نسبة إلى سلمان جد قبيلة معروفة وهم بطن من مراد. (فقال: يا أمير المؤمنين آللَّه) بمد همزة الاستفهام أو الهمزة المنزلة من باء الجر على اللغة الفصحى الذي عليها أكثر القراء، ويجوز القصر مع التسهيل، وقرئ بهما في السبع، في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (١) وغيرها (الذي لا إله إلا هو، لقد سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ قال: إي) بكسر الهمزة بمعنى نعم (واللَّه الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف) له، وهذا التحليف هو لتأكيد الكلام وزيادة الطمأنينة في قلب المستحلف والسامعين، لا ليدفع به شكا (٢) عن نفسه. [٤٧٦٩] (ثنا محمد بن عبيد) مصغر ابن حساب بفتح الحاء وتخفيف السين المهملة الغبري بضم المعجمة وتخفيف الموحدة البصري، شيخ مسلم (ثنا حماد بن زيد عن جميل) بفتح الجيم وكسر الميم (بن مرة)

стр. 12133

بضم (١) الميم الشيباني البصري، وثقه النسائي (٢). (ثنا أبو الوضيء) بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة وهمزة آخره، واسمه عباد بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابن نسيب بضم النون وفتح المهملة وسكون ياء التصغير، ثم باء موحدة، ويقال: اسمه عبد اللَّه، وهو تابعي (قال: قال علي ﵁: اطلبوا المخدج) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة كما تقدم (فذكر الحديث) كما تقدم. قال (واستخرجوه من تحت القتلى) مطروحا (٣) (في الطين قال أبو الوضيء) بتخفيف الضاد المعجمة، واسمه عباد كما تقدم (فكأني) الآن (انظر إليه حبشي عليه قريطق) تصغير قرطق بفتح القاف والطاء المهملة، وهو القباء، وهو معرب كرته، وقد تضم طاؤه، وإبدال القاف من الهاء في الأسماء المعربة كثير كالباشق والمستق (له إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعيرات مثل الشعيرات التي تكون على ذنب اليربوع) حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدًّا، له ذنب كذنب الفأر يرفعه صعدا، يشبه النوارة، لونه كلون الغزال، والياء في أوله زائدة؛ لأنه ليس في كلامهم فعلول. قيل: سمي يربوعًا، لأن له أربعة أجحرة، وهي النافقاء والقاصعاء والراهطاء والداماء، ولعله يريد أجحرته المشهورة وإلا فقد حكى بعضهم فيها الحاثياء والعافقاء واللغز. [٤٧٧٠] (حدثنا بشر) بكسر الموحدة (ابن خالد) العسكري، شيخ

стр. 12134

الشيخين (ثنا شبابة) (١) بفتح الشين المعجمة وتخفيف الباءين الموحدتين (ابن سوار) بفتح السين المهملة وتشديد الواو الفزاري، مولاهم (عن نعيم) بضم النون (بن حكيم) بفتح الحاء المدائني، ثقة (عن أبي مريم) قيس الثقفي المدائني، وقد سمع من علي ﵁. (قال: إن كان ذلك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد) ونحن (نجالسه بالليل والنهار، وكان فقيرًا) من المال (ورأيته مع المساكين يشهد) أي: يحضر (طعام علي ﵁ مع الناس، وقد كسوته برنسًا) بضم الموحدة والنون، كل ثوب له رأس ملتزق به، دراعة كانت أو جبة أو غير ذلك، كان يلبسه العباد وأهل الخير (لي، قال أبو مريم: وكان المخدج يسمى) قال أبو داود: اسمه عند الناس حرقوص (نافعًا ذا الثدية) بضم المثلثة تصغير ثندوة، بحذف الزائد، وهو النون (وكان في يده مثل ثدي المرأة على رأسه حلمة) بفتح الحاء واللام ([مثل حلمةٍ] (٢) الثدي) و (عليه شعيرات مثل سبالة) بكسر السين، والسبال هو طرف الشارب مما يلي اللحية، والهاء لتأنيث اللفظة. قال الجوهري: السبلة: الشارب. الجمع السبال (٣). قال الأزهري (٤): السبلة هي الشعرات التي تحت اللحي الأسفل، والسبلة عند العرب مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر (السنور) بكسر السين المهملة وفتح النون المشددة هو الهر والأنثى سنورة. * * *

стр. 12135

٣٢ - باب فِي قِتالِ اللُّصُوصِ ٤٧٧١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ، قالَ: حَدَّثَني عَمّي إِبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ أُرِيدَ مالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١). ٤٧٧٢ - حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا أَبُو داوُدَ الطَّيالِسي وَسُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ -يَعْني أَبا أَيُّوبَ الهاشِمي- عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ أَوْ دُونَ دَمِهِ أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (٢). * * * باب قتال اللصوص [٤٧٧١] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى) بن سعيد (عن سفيان) الثوري (حدثني عبد اللَّه بن حسن) بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ثقة (حدثني عمي إبراهيم بن محمد بن طلحة) بن عبيد اللَّه، أخرج له مسلم (عن عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص ﵄. (عن النبي ﷺ قال: من أريد) أخذ (ماله) ظلما. أي: (بغير حق فقاتل) من أراد أخذ ماله (فقتل) في مدافعته عن المال، قليلًا كان أو كثيرًا (فهو شهيد) فيه: حجة لجواز القتال عن المال والمدافعة عن

стр. 12136

أخذه وإتلافه، فإن قاتل فقتل فهو شهيد في الدار الآخرة لا في أحكام الدنيا، وإن قتل الصائل على ماله في المدافعة فلا قصاص ولا ضمان. وقد استدل به الرافعي وغيره على أنه يجوز للمقاتل دفعًا عن المال أن يصلي صلاة شدة الخوف لذلك، إن كان المال حيوانًا، بلا خلاف، وكذا إن كان غير حيوان على الأصح، لأن الذب بالقتال عن المال كالذب عن النفس؛ لهذا الحديث. قال: والثاني: لا يجوز له صلاة الخوف؛ لأن الأصل المحافظة على أركان الصلاة وشرائطها، بخلاف غير المال؛ لأنه أعظم حرمة. ويدخل في الحديث اللص الذي يدخل عليه ليلًا لأخذ ماله والمتعرض له في السفر جهرة لأخذ ماله. [٤٧٧٢] (ثنا هارون بن عبد اللَّه) بن مروان البغدادي شيخ مسلم (ثنا أبو داود) سليمان بن داود (الطيالسي، وسليمان بن داود يعني: أبا أيوب الهاشمي، عن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم، أخرج له مسلم، روى عنه البغداديون (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر) العنسي (عن طلحة بن عبد اللَّه ابن عوف) قاضي المدينة ليزيد، أخرج له البخاري (عن سعيد بن زيد) بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة ﵃. (عن النبي ﷺ قال: من قتل دون) أي: من قاتل الصائل على ماله، حيوانًا كان أو غيره فقتل في المدافعة عن (ماله) ظلما (فهو شهيد) في حكم الآخرة لا في الدنيا. أي: له ثواب شهيد عند اللَّه تعالى كما في الشهيد في سبيل اللَّه، مع ما بين الثوابين من التفاوت، وذكره البخاري

стр. 12137

في كتاب المظالم، وبوب عليه: باب من قاتل دون ماله (١). ليدل على أن للإنسان أن يدفع من قصد ماله ظلمًا. (ومن قتل دون أهله) فيه: دليل على أن من قصد زوجته أو ابنته ونحوهما، وجب عليه الدفع بما أمكنه، لأنه لا مجال للإباحة فيه، وشرط في "التهذيب" أن لا يخاف على نفسه (٢)، وهل للآحاد شهر السلاح في ذلك؟ فيه خلاف، قال الرافعي: ولم يقصد الصائل البضع وقصد أن ينال مما دونه دفع أيضًا، وإن أبى الدفع عليه كان مهدرًا، صرح به القاضي الروياني وغيره، وقال: لو وجده ينال من جاريته ما دون الفرج فله دفعه، وإن أتى على نفسه (٣). انتهى. ولفظ الحديث يدخل فيه الزوجة والبنت والجارية، ويعم البضع فما دونه، فلو قاتل في دفع ذلك فقتل فهو شهيد إن شاء اللَّه تعالى. (أو) قتل (دون دمه) أي: قتل في الدفع عن نفسه فهو شهيد (أو) قتل (دون دينه) أي: قتل في نصرة دين اللَّه تعالى والذب عنه، وفي قتال المرتدين عن الدين (فهو شهيد) عند اللَّه. وهذا آخر كتاب السنة وأول كتاب الأدب * * *

стр. 12138

كتاب الأدب

стр. 12139

٤٢ - الأدب ١ - باب فِي الحِلْمِ وأَخْلاقِ النَّبي ﷺ - ٤٧٧٣ - حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ خالِدٍ الشَّعِيري، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ -يَعْني: ابن عَمّارٍ-، قالَ: حَدَّثَني إِسْحاقُ -يَعْني: ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي طَلْحَةَ- قالَ: قالَ أَنَسٌ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فَأَرْسَلَني يَوْمًا لحِاجَةٍ فَقُلْتُ واللَّه لا أَذْهَبُ. وَفي نَفْسي أَنْ أَذْهَبَ لما أَمَرَني بِهِ نَبي اللَّهِ ﷺ . قالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ في السُّوقِ فَإِذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قابِضٌ بِقَفاي مِنْ وَرائي فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقالَ: "يا أُنَيْسُ اذْهَبْ حَيْثُ أَمَرْتُكَ". قُلْتُ: نَعَمْ أَنا أَذْهَبُ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ أَنَسٌ: واللَّه لَقَدْ خَدَمْتُهُ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ ما عَلِمْتُ قالَ لِشَيء صَنَعْتُ لِمَ فَعَلْتَ كَذا وَكَذا. وَلا لِشَيء تَرَكْتُ هَلَّا فَعَلْتَ كَذا وَكَذا (١). ٤٧٧٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ -يَعْني: ابن المُغِيرة- عَنْ

стр. 12140

ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: خَدَمْتُ النَّبي ﷺ عَشْرَ سِنِينَ بِالمَدِينَةِ وَأَنا غُلامٌ لَيْسَ كُلُّ أَمْري كَما يَشْتَهي صاحِبي أَنْ أَكُونَ عَلَيْهِ ما قالَ لي فِيها: أُفٍّ قَطُّ وَما قالَ لي: لِمَ فَعَلْتَ هذا أَوْ أَلا فَعَلْتَ هذا (١). ٤٧٧٥ - حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا أَبُو عامِرٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ هِلالٍ سَمِعَ أَباهُ يُحَدِّثُ قالَ: قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُحَدِّثُنا: كانَ النَّبي ﷺ يَجلِسُ مَعَنا في المَجْلِسِ يُحَدِّثُنا فَإذا قامَ قُمْنا قِيامًا حَتَّى نَراهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْواجِهِ فَحَدَّثَنا يَوْمًا فَقُمْنا حِينَ قامَ فَنَظَرْنا إِلَى أَعْرابي قَدْ أَدْرَكَهُ فَجَبَذَهُ بِرِدائِهِ فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَكانَ رِداءً خَشِنًا فالتَفَتَ فَقالَ لَهُ الأَعْرابي: احْمِلْ لي عَلَى بَعِيري هَذَيْنِ فَإِنَّكَ لا تَحْمِل لي مِنْ مالِكَ وَلا مِنْ مالِ أَبِيكَ. فَقالَ النَّبي ﷺ : "لا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَني مِنْ جَبْذَتِكَ التي جَبَذْتَني". فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الأَعْرابي واللَّه لا أَقِيدُكَها. فَذَكَرَ الحَدِيثَ قالَ: ثُمَّ دَعا رَجُلًا فَقالَ لَهُ: "احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هَذَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا وَعَلَى الآخَرِ تَمْرًا". ثُمَّ التَفَتَ إِلَيْنا فَقالَ: "انْصَرِفُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالَى" (٢). * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب في الحلم وأخلاق النبي ﷺ [٤٧٧٣] (ثنا مخلد بن خالد الشعيري) العسقلاني نزيل طرسوس، شيخ مسلم (ثنا عمر بن يونس) اليمامي (ثنا عكرمة بن عمار) اليمامي

стр. 12141

الحنفي (١)، أخرج له مسلم. (حدثني إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (قال: قال) عمي (أنس) بن مالك ﵁ (كان رسول اللَّه ﷺ من (٢) أحسن الناس خلقا) بضم الخاء واللام، لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، فما من خلق حسن إلا وقد حاز فيه النهاية وأدرك فيه الغاية، وحسن الترمذي: "أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله" (٣). وروى محمد بن نصر المروزي قوله ﷺ : "حسن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت" (٤) وروى الإمام أحمد: "أحسن الناس إسلامًا أحسنهم خلقًا" (٥) وللطبراني: "إن أحبكم إليَّ أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون اكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون" (٦) قال في "النهاية": حقيقته من التوطئة، وهو التمهيد والتذليل، فراش وطيء: لا يؤذي جنب النائم. والأكناف: الجوانب. أراد الذين أجانبهم وطئة يتمكن فيها من صاحبهم ولا يتأذى (٧).

стр. 12142

(فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت) له (واللَّه لا أذهب) إليها (وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي اللَّه ﷺ ) هذا صدر من أنس في صغره وعدم كمال تمييزه، إذ لا يصدر مثله ممن كمل تمييزه، وذلك أنه حلف باللَّه على الامتناع من فعل ما يأمره به رسول اللَّه ﷺ مشافهة وهو عازم على فعله، فجمع بين مخالفة رسول اللَّه ﷺ وبين الإخبار بامتناعه والحلف باللَّه على نفي ذلك مع العزم على أنه يفعله. قال القرطبي: وفيه ما فيه، ومع ذلك فلم يلتفت النبي ﷺ لشيء من ذلك ولا عرج عليه ولا أدبه، بل داعبه ولم يغضب، بل أخذ بقفاه وهو يضحك رفقًا به واستلطافًا له (١). (قال: فخرجت حتى أمر) بالنصب، ويجوز الرفع كما في قراءة نافع في قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٢) والتقدير: فخرجت حتى مررت (على صبيان) لم يزل الجنس يميل إلى الجنس، فالصغير يحب رؤية الصغار والمرور بهم ويتقصد ذلك بالطبع الجبلي (وهم يلعبون) فاللعب من شأن الصبيان ومن في معناهم من النساء والرجال الضعفاء العقول، الذين يذهبون أعمارهم النفيسة في الباطل الذي لا طائل تحته، لكن في اللعب للصبيان ترويح لأذهانهم في تعليم القرآن ونحوه ونشاط لأبدانهم. (في السوق) سمي سوقًا، لقيام الناس فيه غالبًا على سوقهم. وقيل: لأن المبيعات تساق إليه، والأسواق محل الغفلة واللهو واللعب إلا لمن

стр. 12143

أيقظ اللَّه قلبه من سنة الغفلة، فبدنه في السوق وقلبه مع اللَّه لا يغفل مع من غفل. (فإذا رسول اللَّه ﷺ ) وهو (قابض بقفاي) بفتح الياء مقصور، كقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ (١) (من ورائي) بالمد وسكون الياء، (فنظرت إليه) حين التفت، (وهو يضحك) تبسمًا (فقال: يا أنيس، ) تصغير أنس (اذهب) إلى (حيث أمرتك، قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول اللَّه) إلى حيث أمرتني. ولفظ مسلم: فقال: "يا أنيس ذهبت حيث أمرتك؟ " قال: قلت: نعم (٢). وفي الحديث فوائد وآداب كثيرة، منها: استعمال المجاز في قوله: (فأرسلني) والمراد: فأمرني أن أذهب له رسولًا في حاجة أرادها. وفيه جواز استخدام الصغير اليتيم لمن يقوم بمصالحه وتعليمه فيما لا يشق عليه. وفيه أن من أرسله شيخه أو معلمه في حاجة فيكتمها ولا يذكرها للناس، إلا إذا كان في إظهارها مصلحة بلا ضرر؛ ولهذا قال: (في حاجة) بالإبهام ولم يصرح بها. وفي قوله: (أرسلني يومًا) إشارة إلى أن استخدام اليتيم يكون في النهار دون الليل؛ لما في مشي الصبي في الليل من المفاسد. وفيه: صحة يمين الصبي وانعقادها، وفيه جواز مخالفة الخادم لمخدومه في الظاهر، وعدمه في الباطن امتثال أمره، وذلك استخراجًا لإظهار حكم المخدوم للناس وبيانه في كظم غيظه، ولولا إظهار هذِه

стр. 12144

المخالفة لما ظهرت محاسن أخلاقه ﷺ ؛ حيث لم يغضب لمخالفته، بل أظهر له التبسم بالضحك ملاطفة له. وفيه جواز مرور الصبي على صبيان يلعبون، وإن كان له مندوحة عن ذلك. وفيه قبض الصغير من ورائه [. . .] (١) عليه؛ ليجتمع عقله وفهمه الذي بسبب ترويه بلعب الصبيان ويضبط ما يقال له. وفيه التبسم والبشر في وجه الصغير؛ ملاطفة له، وإظهارًا لعدم غضبه عليه في مخالفته، وفيه تصغير اسم المنادى إذا لم يتأذ بذلك، كقوله ﷺ لعثمان: "يا عثيم" (٢) وللمقدام ابن معدي كرب: "أفلحت يا قديم" (٣)، وفيه جواب من قال له: أفعل كذا؟ بنعم، أو بسمع وطاعة. (قال أنس) لبيان ما جمع في رسول اللَّه ﷺ من الخلق الكريم والحلم العظيم ولين الجانب في المخاطبة (واللَّه لقد خدمته سبع سنين أو تسع [سنين]) (٤) السبع لم يجزم بها الراوي، بل أتى بعدها بـ (أو) التي للشك، وأما التسع فهي مشكوك بها في هذِه الرواية، لكن في رواية مسلم الجزم [بالتسع (٥) وكذا في الرواية الآتية، وفي مسلم الجزم] (٦) بالعشر (٧)، وسيأتي الجمع بينهما (ما علمت) فيه حذف الضمير،

стр. 12145

والتقدير: ما علمته. كما في مسلم (قال لشيء صنعت: ) أي: صنعته (لم فعلت كذا وكذا؟ ولا) علمته قال (لشيء تركت: هلا فعلت كذا وكذا) فيه منقبة لأنس ﵁ حين لم يقع منه في هذِه المدة الكبيرة ما لا يجوز فعله، إذ لو فعل شيئًا من ذلك لما أقره رسول اللَّه ﷺ ، فإنه لا يقر على باطل. [٤٧٧٤] (حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي (ثنا سليمان يعني: ابن المغيرة) القيسي أبو سعيد البصري، وثق. (عن ثابت) (١) بن أسلم البناني كان رأسًا في العلم والعمل، لم يكن في زمانه أعبد منه. (عن أنس ﵁ قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين) وفي "صحيح مسلم": تسع سنين، بالجزم، وأكثر الروايات: عشر، ووجه الجمع بين الروايتين أنها تسع سنين وأشهر، فإن النبى ﷺ أقام بالمدينة عشر سنين تحديدًا، لا تزيد ولا تنقص، وخدمه أنس في أثناء السنة الأولى. ففي رواية التسع لم يحسب الكسر، بل اعتبر السنين الكوامل. وفي رواية الكسر حسبها سنة عاشرة، وكلاهما صحيح. وفي هذا الحديث بيان كمال خلقه ﷺ وحسن عشرته وحلمه وصفحه. (بالمدينة) والعشر تحديد. وقد روى الزهري عن أنس: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة (٢). وتوفي من النهار في مثله من اليوم الذي قدم فيه، يوم الاثنين. (وأنا غلام، ليس كل أمري) يقع (كما يشتهي صاحبي) -يعني: النبي

стр. 12146

- ﷺ ، فإن الآراء قد تختلف (أن أكون (١) عليه) في صحبة، بل يقع مني ما لا يشتهي صاحبي من النقص في حقه، لكنه غير محرم ولا مكروه، وهذا توطئة لبيان كمال خلق النبي ﷺ وحسن عشرته وصفحه عما يقع منه و (ما قال لي [فيها]) (٢) كلمة (أف) فيها لغات: بالكسر مع التنوين وعدمه وقرئ بهما في السبع (٣)، وأصل الأُفُّ والتُّفُّ وسخ الأظفار، وتستعمل هذِه الكلمة في كل ما يستقذر. قال الهروي: يقال لكل ما يتضجر منه ويستثقل: أفٍّ له (٤). وفي لفظة (قط) لغات، أفصحها ضم الطاء المشددة، وهي توكيد نفي الماضي. (وما قال لي: لِمَ فعلت هذا؟ ) قط (أم ألَّا) بالتشديد بمعني هلا (فعلت هذا) كذا، والمراد أنه لم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وهذا من آداب الصحبة، وهو ترك العتاب على ما وقع من صديقه. [٤٧٧٥] (ثنا هارون بن عبد اللَّه) بن مروان البغدادي البزاز، شيخ مسلم (ثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي بفتح المهملة والقاف، ثقة (ثنا محمد بن هلال) بن أبي هلال مولى بني كعب، ثقة، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥). (أنه سمع أباه) هلال بن أبي هلال المدني، وثق. (قال: قال أبو هريرة وهو يحدث: كان النبي ﷺ يجلس معنا في

стр. 12147

المجلس) في المسجد وغيره و (يحدثنا فإذا قام) من مجلسه (قمنا) كلنا لقيامه (قيامًا) فلم نزل ننظره (حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه). فيه أن من حق الكبير مع أصحابه إذا قام من مجلسه أن يقوم معه من كان جالسًا معه، كما أن من حقه إذا جاء أن يقوم له من كان جالسًا إكرامًا، فالإكرام بالقيام للكبير عند مفارقته وعند مجيئه، فليس أحدهما بأحق من الآخر. ومن حقوق الكبير إذا فارق من كان معه أن ينظر إليه وهو ماشٍ إلى أن يغيب عنه؛ لاحتمال أن تطرأ له حاجة أو يحدث له حادث فيبادر إليه. وفيه أن القيام لقيامه عام في كل الأوقات، لأن لفظة (كان) في الحديث تدل على الدوام. (فحدثنا يومًا) من الأيام (فقمنا) له (حين قام) من المجلس (فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه) أي: قد (١) قصده فوصل إليه (فجبذه) مقلوب من جذب، أي: يده (بردائه) إليه، يقال: جذبه وجبذه على القلب، أي: جره بردائه إليه من خلفه (فحمر) بتشديد الميم، أي: احمرت رقبته من شدة جبذته. (قال أبو هريرة: وكان رداء خشنًا) وفي رواية للنسائي: قمنا معه حتى لما بلغ وسط المسجد أدركه رجل. . إلى آخره (٢). (فالتفت فقال له الأعرابي: احمل لي) من مال اللَّه تعالى (على بعيريَّ) بتشديد الياء آخره للتثنية بفتح الهمزة، من أحمله الحمل إذا أعانه عليه.

стр. 12148

وفي [رواية] (١): حملني بالتشديد، وفي رواية: أحملنى. في رواية: تحملني. (هذين فإنك لا تحمل لي) عليهما (من مالك ولا من مال أبيك) ولا جدك، بل من الخمس الذي تصرف منه لمصالح المسلمين (٢). وقد بوب البخاري على ما في معنى هذا الحديث وأمثاله: باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه (٣)، وفي جبذه (٤) الرداء الخشن حتى أثر في رقبة النبي ﷺ دليل على مشروعية صبر السلاطين والعلماء لجهال السؤال، واستعمال الحلم لهم والصبر على أذاهم في المال والنفس ونحوهما. (فقال النبي ﷺ : لا) أعطيك (وأستغفر) بهمزة قطع (اللَّه) لعله استغفر من رده السائل، وهو القائل: "لا تردوا السائل ولو بظلف محرق" (٥) رواه (. . .) (٦) ويحتمل أنه استغفر خوفًا على السائل أن تعاجله العقوبة (لا) أحمل لك (وأستغفر اللَّه لا وأستغفر اللَّه) كرر ذلك ثلاثًا تأكيدًا للكلام وردعًا للسائل. (لا أحمل لك) على بعيريك (حتى تقيدني) بضم التاء وكسر القاف،

стр. 12149

أي: تعطيني القصاص من جبذتك (١) الرداء في رقبتي، ولعل المراد القصاص منه، وإن كان جذب الرقبة لا قصاص فيه، أن يتذكر قبيح ما وقع منه ويتوب منه ويعتذر، فإن إثمه عظيم بالنسبة إلى منسب النبوة والرسالة (من [جبذتك التي جبذتني] (٢) الآن (فكل) مرة من (ذلك يقول له الأعرابي: واللَّه لا أقيدكها) بضم الهمزة (فذكر الحديث) المذكور، وزاد النسائي: فقال ذلك ثلاث مرات، وكل ذلك يقول: لا واللَّه لا أقيدك، فلما سمعنا قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعًا، فالتفت إلينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "عزمت على من سمع كلامي أن لا يبرح مقامه حتى آذن له" (٣). (قال: دعا) رسول اللَّه ﷺ (رجلًا فقال احمل (٤) له على بعيريه هذين) احمل (على بعير) منهما (شعيرًا و) احمل (على) البعير (الآخر تمرًا) فيه دفع السيئة بالحسنة، كقوله: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" (٥) وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦) وفيه إعطاء من يتألف قلبه من المسلمين وغيرهم، والعفو عن مرتكب كبيرة لا حدَّ فيها لجهله، وكمال خلقه ﷺ .

стр. 12150

(ثم التفت إلينا فقال: انصرفوا) هذا أمر بعد الحظر المذكور في رواية النسائي: "عزمت على من سمع كلامي أن لا يبرح من مقامه" والمشهور عند الأصوليين أن الحظر بعد الإباحة للإباحة، كما في قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١). (على بركة اللَّه تعالى) تقدم أن الاستعلاء هنا ليس هو على حقيقته، وأن المراد انصرفوا مصاحبين البَركة الشاملة. * * *
следующие страницы →