← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12146–12185 · переход к 12151.

стр. 12146

- ﷺ ، فإن الآراء قد تختلف (أن أكون (١) عليه) في صحبة، بل يقع مني ما لا يشتهي صاحبي من النقص في حقه، لكنه غير محرم ولا مكروه، وهذا توطئة لبيان كمال خلق النبي ﷺ وحسن عشرته وصفحه عما يقع منه و (ما قال لي [فيها]) (٢) كلمة (أف) فيها لغات: بالكسر مع التنوين وعدمه وقرئ بهما في السبع (٣)، وأصل الأُفُّ والتُّفُّ وسخ الأظفار، وتستعمل هذِه الكلمة في كل ما يستقذر. قال الهروي: يقال لكل ما يتضجر منه ويستثقل: أفٍّ له (٤). وفي لفظة (قط) لغات، أفصحها ضم الطاء المشددة، وهي توكيد نفي الماضي. (وما قال لي: لِمَ فعلت هذا؟ ) قط (أم ألَّا) بالتشديد بمعني هلا (فعلت هذا) كذا، والمراد أنه لم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وهذا من آداب الصحبة، وهو ترك العتاب على ما وقع من صديقه. [٤٧٧٥] (ثنا هارون بن عبد اللَّه) بن مروان البغدادي البزاز، شيخ مسلم (ثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي بفتح المهملة والقاف، ثقة (ثنا محمد بن هلال) بن أبي هلال مولى بني كعب، ثقة، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥). (أنه سمع أباه) هلال بن أبي هلال المدني، وثق. (قال: قال أبو هريرة وهو يحدث: كان النبي ﷺ يجلس معنا في

стр. 12147

المجلس) في المسجد وغيره و (يحدثنا فإذا قام) من مجلسه (قمنا) كلنا لقيامه (قيامًا) فلم نزل ننظره (حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه). فيه أن من حق الكبير مع أصحابه إذا قام من مجلسه أن يقوم معه من كان جالسًا معه، كما أن من حقه إذا جاء أن يقوم له من كان جالسًا إكرامًا، فالإكرام بالقيام للكبير عند مفارقته وعند مجيئه، فليس أحدهما بأحق من الآخر. ومن حقوق الكبير إذا فارق من كان معه أن ينظر إليه وهو ماشٍ إلى أن يغيب عنه؛ لاحتمال أن تطرأ له حاجة أو يحدث له حادث فيبادر إليه. وفيه أن القيام لقيامه عام في كل الأوقات، لأن لفظة (كان) في الحديث تدل على الدوام. (فحدثنا يومًا) من الأيام (فقمنا) له (حين قام) من المجلس (فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه) أي: قد (١) قصده فوصل إليه (فجبذه) مقلوب من جذب، أي: يده (بردائه) إليه، يقال: جذبه وجبذه على القلب، أي: جره بردائه إليه من خلفه (فحمر) بتشديد الميم، أي: احمرت رقبته من شدة جبذته. (قال أبو هريرة: وكان رداء خشنًا) وفي رواية للنسائي: قمنا معه حتى لما بلغ وسط المسجد أدركه رجل. . إلى آخره (٢). (فالتفت فقال له الأعرابي: احمل لي) من مال اللَّه تعالى (على بعيريَّ) بتشديد الياء آخره للتثنية بفتح الهمزة، من أحمله الحمل إذا أعانه عليه.

стр. 12148

وفي [رواية] (١): حملني بالتشديد، وفي رواية: أحملنى. في رواية: تحملني. (هذين فإنك لا تحمل لي) عليهما (من مالك ولا من مال أبيك) ولا جدك، بل من الخمس الذي تصرف منه لمصالح المسلمين (٢). وقد بوب البخاري على ما في معنى هذا الحديث وأمثاله: باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه (٣)، وفي جبذه (٤) الرداء الخشن حتى أثر في رقبة النبي ﷺ دليل على مشروعية صبر السلاطين والعلماء لجهال السؤال، واستعمال الحلم لهم والصبر على أذاهم في المال والنفس ونحوهما. (فقال النبي ﷺ : لا) أعطيك (وأستغفر) بهمزة قطع (اللَّه) لعله استغفر من رده السائل، وهو القائل: "لا تردوا السائل ولو بظلف محرق" (٥) رواه (. . .) (٦) ويحتمل أنه استغفر خوفًا على السائل أن تعاجله العقوبة (لا) أحمل لك (وأستغفر اللَّه لا وأستغفر اللَّه) كرر ذلك ثلاثًا تأكيدًا للكلام وردعًا للسائل. (لا أحمل لك) على بعيريك (حتى تقيدني) بضم التاء وكسر القاف،

стр. 12149

أي: تعطيني القصاص من جبذتك (١) الرداء في رقبتي، ولعل المراد القصاص منه، وإن كان جذب الرقبة لا قصاص فيه، أن يتذكر قبيح ما وقع منه ويتوب منه ويعتذر، فإن إثمه عظيم بالنسبة إلى منسب النبوة والرسالة (من [جبذتك التي جبذتني] (٢) الآن (فكل) مرة من (ذلك يقول له الأعرابي: واللَّه لا أقيدكها) بضم الهمزة (فذكر الحديث) المذكور، وزاد النسائي: فقال ذلك ثلاث مرات، وكل ذلك يقول: لا واللَّه لا أقيدك، فلما سمعنا قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعًا، فالتفت إلينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "عزمت على من سمع كلامي أن لا يبرح مقامه حتى آذن له" (٣). (قال: دعا) رسول اللَّه ﷺ (رجلًا فقال احمل (٤) له على بعيريه هذين) احمل (على بعير) منهما (شعيرًا و) احمل (على) البعير (الآخر تمرًا) فيه دفع السيئة بالحسنة، كقوله: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" (٥) وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦) وفيه إعطاء من يتألف قلبه من المسلمين وغيرهم، والعفو عن مرتكب كبيرة لا حدَّ فيها لجهله، وكمال خلقه ﷺ .

стр. 12150

(ثم التفت إلينا فقال: انصرفوا) هذا أمر بعد الحظر المذكور في رواية النسائي: "عزمت على من سمع كلامي أن لا يبرح من مقامه" والمشهور عند الأصوليين أن الحظر بعد الإباحة للإباحة، كما في قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١). (على بركة اللَّه تعالى) تقدم أن الاستعلاء هنا ليس هو على حقيقته، وأن المراد انصرفوا مصاحبين البَركة الشاملة. * * *

стр. 12151

٢ - باب فِي الوَقارِ ٤٧٧٦ - حَدَّثَنا النُّفَيْلي، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا قابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيانَ أَنَّ أَباهُ حَدَّثَهُ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أَنَّ نَبي اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ الهَدى الصّالِحَ والسَّمْتَ الصّالِحَ والاقْتِصادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" (١). * * * باب في الوقار بفتح الواو، وهو الحلم والرزانة، ومنه الحديث: "ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه" (٢) أي: تمكن فيه وثبت. [٤٧٧٦] (حدثنا) عبد اللَّه بن محمد (النفيلي، ثنا زهير، ثنا قابوس بن أبي ظبيان) بفتح الظاء المعجمة، ويجوز الكسر، وسكون الموحدة، وتخفيف المثناة تحت. قال شيخنا ابن حجر: فيه لين (٣). (أن أباه) (٤) حصين، بضم الحاء وفتح الصاد، مصغر، بن جندب بن الحارث الجنبي بضم الجيم وسكون النون ثم موحدة، وجنب بطن من مذحج.

стр. 12152

(حدثه قال عبد اللَّه بن عباس ﵄: إن نبي اللَّه ﷺ قال: إن الهدي) بفتح الهاء، مثل الفلس هو السيرة والهيئة والطريقة (الصالح) في الدين، وكذا في الجمال (والسمت) بفتح السين، وهو حسن الهيئة والمنظر (الصالح) في الدين والجمال (والاقتصاد) الاعتدال في الأمور من الأقوال والأعمال. (جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة) قال في "النهاية": معنى الحديث أن هذِه الخلال من شمائل الأنبياء ومن جملة خصالهم فاقتدوا بهم، وإنها جزء معلوم (١) من أجزاء أفعالهم، وليس المعنى أن النبوة تتجزأ، ولا أن من جمع هذِه الخلال كان فيه جزء من النبوة، فإن النبوة غير مكتسبة ولا مجتلبة بالأسباب، وإنما هي كرامة من اللَّه تعالى، ويجوز أن يكون أراد بالنبوة ما جاءت به النبوة ودعت إليه الأنبياء (٢). رواية الترمذي: "من أربعة (٣) وعشرين جزءًا" (٤). قال في "شرح السنة" ما معناه: يجوز أن يكون أحدهما باعتبار توفر الخصال، والآخر عند عدم توفرها، وتخصيص هذا العدد مما يستأثر النبي ﷺ بمعرفته، انتهى (٥). وأن هذِه الخصال -كما مر- خمسة وعشرون جزءًا مما جاءت به النبوات، وأن من جمع هذِه الخصال تلقته الناس بالتعظيم، وألبسه اللَّه

стр. 12153

لباس التقوى الذي أُلْبِسَهُ أنبياؤه. وتخصيص هذا العدد مما أستأثر النبي ﷺ بمعرفته، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه، وهذا العدد قيل: إنه مدة الوحي إلى النبي ﷺ ، فإنه نُبِّئ على رأس الأربعين، ومات وعمره خمس وستون سنة على قول. * * *

стр. 12154

٣ - باب مَنْ كَظَمَ غَيْظًا ٤٧٧٧ - حَدَّثَنا ابن السَّرْحِ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ -يَعْني: ابن أَبي أَيُّوبَ-، عَنْ أَبي مَرْحُومٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَنْ كظَمَ غَيْظًا -وَهُوَ قادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ- دَعاهُ اللَّهُ عَلَى رُؤوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الحُورِ ما شاءَ". قالَ أَبُو داوُدَ: اسْمُ أَبي مَرْحُومٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْمُونٍ (١). ٤٧٧٨ - حَدَّثَنا عُقْبَة بْن مُكْرَمٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْني: ابن مَهْدي-، عَنْ بِشْرٍ -يَعْني: ابن مَنْصُورٍ-، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْناءِ أَصْحابِ النَّبي ﷺ عَنْ أَبِيهِ قالَ - قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَهُ قالَ: "مَلأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمانًا". لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ: "دَعاهُ اللَّهُ". زادَ: "وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمالٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ". قالَ بِشْرٌ: أَحْسِبُهُ قالَ: "تَواضُعًا كَساهُ اللَّهُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ وَمَنْ زَوَّجَ للَّه تَعالَى تَوَّجَهُ اللَّهُ تاجَ المُلْكِ" (٢). ٤٧٧٩ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ التَّيْمي، عَنِ الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ما تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ". قالُوا: الذي لا يَصْرَعُة الرِّجال. قالَ: "لا وَلَكِنَّهُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ" (٣). * * *

стр. 12155

باب من كظم غيظا [٤٧٧٧] (ثنا) أحمد بن عمرو (ابن السرح، ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب، عن سعيد (١) بن أبي أيوب) مقلاص الخزاعي المصري (عن أبي مرحوم) عبد الرحيم بن ميمون الليثي مولاهم المصري، فيه لين (عن سهل بن معاذ) الجهني، ضعف (عن أبيه) معاذ بن أنس الجهني الصحابي ﵁ (أن رسول اللَّه ﷺ قال: من كظم غيظًا) أي: تجرعه، واحتمل سببه، وصبر عليه (وهو قادر على أن ينفذه) بضم الياء، وسكون النون، وكسر الفاء، من أنفذ حكمه إذا أمضاه، وفي حديث بر الوالدين: "الاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما" (٢) أي: إمضاء وصيتهما بعد موتهما، والمراد أن من أمسك عن إمضاء غيظه وهو قادر على إمضائه وإيقاع ما يشفي غيظه بعدوه. وقال ابن عرفة: الكاظم: الممسك على ما في قلبه عن إمضائه. (دعاه اللَّه على رؤوس الخلائق يوم القيامة) أي: ناداه مناد من قبل اللَّه تعالى على رؤوس الخلائق مرتفعًا بالدخول إلى الجنة (حتى يخيره [اللَّه] (٣) في الجنة (من) أنواع (الحور العين ما شاء) منها حين تعرض عليه. [(قال أبو داود: اسم أبي مرحوم: عبد الرحمن بن ميمون)] (٤).

стр. 12156

[٤٧٧٨] (ثنا عقبة بن مكرم) بضم الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء العمي، بفتح المهملة، وتشديد الميم البصري، شيخ مسلم (ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن بشر) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة، السليمي العابد الثقة، كان يصلي كل يوم خمسمائة ركعة (عن محمد ابن عجلان) المدني، أخرج له مسلم في مواضع. (عن سويد بن وهب) ليس له في الكتب الستة غير هذا الحديث (عن رجل من أبناء أصحاب النبي ﷺ ) هو مجهول (عن أبيه) الصحابي ولا يضر جهله؛ لأن الصحابة ﵃ كلهم عدول، ورواه البيهقي من طريق زياد بن فائد، عن سهل بن معاذ يريد ذه (نحوه) أي: بنحو ما تقدم. و(قال: ) في هذِه الرواية (ملأه اللَّه) تعالى، أي: ملأ قلبه، ويحتمل الامتلاء حقيقة في جميع جسمه (أمنًا) أي: أمانًا من مخاوف الدنيا والآخرة (وإيمانًا) ومحل الإيمان القلب، ويحتمل أن يراد بالإيمان الأعمال الصالحة الناشئة عن كمال الإيمان (لم يذكر) في هذِه الرواية (قصة: دعاه اللَّه تعالى) إلى آخره. و(زاد) في هذِه الرواية (ومن ترك لبس ثوب جمال) يشمل القميص وما فوقه والعمامة والنعل ونحو ذلك (وهو يقدر عليه) أي: وهو قادر على لبسه والتجمل (قال بشر) بن منصور (أحسبه قال: تواضعًا) للَّه تعالى (١) (كساه اللَّه) يوم القيامة (حلة الكرامة) أي: ألبسه من ملابس من أكرمه اللَّه في الجنة مما اختصه به من ملابس التعظيم. (ومن زوج) أخاه المسلم كريمته لاحتياجه إلى الزواج، وليعفه

стр. 12157

ويصون فرجه وبصره عن الحرام وتنكسر شهوته الجالبة لكل مفسدة (للَّه) أي: لأجل ثواب اللَّه، ولا يحصل كمال هذا الثواب إلا بأن يساعده على مؤن الزواج وما يحتاج إليه. (توجه اللَّه) تعالى في الجنة (تاج الملك) أي: ألبسه تاج الملوك الذي يصنع من الذهب، ويرصع (١) باللآلئ والجواهر النفيسة. [٤٧٧٩] (ثنا أبو بكر [بن أبي شيبة] (٢)، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن) سليمان (الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث (٣) بن سويد) التيمي (عن (٤) عبد اللَّه) بن مسعود ﵁. (قال رسول اللَّه ﷺ ، ما تعدون الصرعة) بضم الصاد، وفتح الراء (فيكم؟ ) وهو الذي يصرع الناس كثيرًا، وبالسكون هو الذي يصرعه الناس كثيرًا، وكذلك سُخَرَة وسُخْرَة. (قالوا: الذي لا يصرعه الرجال) أي: لا يصرعه أحد من الرجال. (قال: لا ولكنه الذي) ولمسلم: "ليس بذلك ولكنه الذي" وفي لفظ: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي" (٥) (يملك نفسه عند الغضب) أي: الشديد كل الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب ويقهرها، فإنه إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه، وشر خصومه، وهي النفس، ولذلك

стр. 12158

قال: "أعدى عدوٍّ لك نفسك التي بين جنبيك" (١). وهذا من الألفاظ التي نقلها عن وضعها اللغوي لضرب من التوسع والمجاز، وهو من فصيح الكلام؛ لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، وقد ثارت عليه شهوة الغضب فقهرها بحلمه و [صرعها بثباته] (٢) كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه. * * *

стр. 12159

٤ - باب ما يُقالُ عِنْدَ الغضَبِ ٤٧٨٠ - حَدَّثَنا يُوسُفُ بْن مُوسَى، حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي لَيْلَى، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبي ﷺ فَغَضِبَ أَحَدُهُما غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى خُيِّلَ إِلَى أَنَّ أَنْفَهُ يَتَمَزَّعُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ فَقالَ النَّبي ﷺ : "إِنّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُهُ مِنَ الغَضَبِ". فَقالَ: ما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: "يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ". قالَ: فَجَعَلَ مُعاذٌ يَأْمُرُهُ فَأَبَى وَمَحِكَ وَجَعَلَ يَزْدادُ غَضَبًا (١). ٤٧٨١ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَدي بْنِ ثابِتٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدَ قالَ: اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبي ﷺ جعَلَ أَحَدُهُما تَحْمَرُّ عَيْناهُ وَتَنْتَفِخ أَوْداجُهُ فَقالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "إِنّي لأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قالَها هذا لَذَهَبَ عَنْهُ الذي يَجِدُ أَعُوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ". فَقالَ الرَّجُلُ: هَلْ تَرى بي مِنْ جُنُونٍ (٢). ٤٧٨٢ - حَدَّثَناِ أَحْمَدُ بْن حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا أَبو مُعاوِيَةَ، حَدَّثَنا داوُدُ بْن أَبي هِنْدٍ، عَنْ أَبي حَرْبِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبي ذَرٍّ قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَنا: "إِذا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الغَضَبُ، وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ" (٣).

стр. 12160

٤٧٨٣ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْن بَقِيَّةَ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ داوُدَ، عَنْ بَكْرٍ أَنَّ النَّبي ﷺ بَعَثَ أَبا ذَرٍّ بهذا الحَدِيثِ. قالَ أَبُو داوُدَ: وهذا أَصَحُّ الحَدِيثَيْنِ (١). ٤٧٨٤ - حَدَّثَنا بَكْز بْنُ خَلَفٍ والحَسَن بْن عَلي -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ ابْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا أَبُو وائِلٍ القاصُّ، قالَ: دَخَلْنا عَلَى عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّعْدي فَكَلَّمَهُ رَجُلٌ فَأَغْضَبَهُ فَقامَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ جَدّي عَطِيَّةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطانِ وَإِنَّ الشَّيْطانَ خُلِقَ مِنَ النّارِ، وَإِنَّما تُطْفَأُ النّارُ بِالماءِ فَإِذا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ" (٢). * * * [٤٧٨٠] (حدثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي، نجراني، وحدث (عن جرير (٣) بن عبد الحميد) الضبي القاضي (عن عبد الملك بن عمير) الكوفي، رأى عليًّا (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري، عالم الكوفة. (عن معاذ بن جبل ﵁ قال: استب رجلان عند النبي ﷺ ) أي: تسابا، وسب كل واحد منهما الآخر، والسب: الشتم (فغضب أحدهما غضبًا شديدًا) ولفظ الترمذي: حتى عرف الغضب في وجه

стр. 12161

أحدهما. وقال في آخر الحديث: هذا حديث مرسل، وعبد الرحمن (١) بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل؛ مات معاذ في خلافة عمر بن الخطاب. وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام ابن ست سنين. قال: وأبو ليلى اسمه يسار (٢) (حتى خُيِّل) بضم الخاء المعجمة، مبني للمفعول من الوهم والظن (إليَّ أن أنفه يتمزع) بفتح الميم والزاي المشددة والعين المهملة، أي: يتشقق ويتقطع غضبًا. (من شدة غضبه) والمزعة بفتح الميم: القطعة من اللحم وغيره، وذكر أبو عبيد أن الصواب يتزمع بفتح الزاء، والميم المشددة، وهو الذي تراه كأنه يرعد من الغضب، والمشهور في الرواية، كما قال الأزهري وغيره: يتمزع كما تقدم، من قولهم: مزعت الشيء إذا قسمته (٣)، وفيه حديث جابر: فقال لهم: "تمزعوا" أي: تقاسموه وفرقوه بينكم. (فقال النبي ﷺ : إني) واللَّه (لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجده) (من الغضب) الشديد (فقال: ما هي) الكلمة (يا رسول اللَّه؟ قال) هي أن (يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم) أي: إني أستجير بك، وألتجئ إليك من الشيطان الرجيم أن تنجيني (٤) منه، فإنه استولى علي وتمكن مني حيث اشتد غضبي.

стр. 12162

وفي الحديث دليل على أن الشيطان له تأثير في تهييج الغضب وزيادته حتى يحمله على البطش بالمغضوب عليه أو إتلافه، فإذا تعوذ الغضبان باللَّه من الشيطان الرجيم وصح قصده بذلك، وعلم اللَّه صدق نيته، فهو أكرم من أن يخذل من استجار به. (قال) الراوي (فجعل معاذ) بن جبل (يأمره) بذلك (فأبى) أن يستعيذ من الشيطان؛ لعدم توفيقه (ومحك) بفتح الميم والحاء المهملة والكاف، ومضارعه يمحك بفتح الحاء كذا في "ديوان الأدب" والمحك: اللجاج (١). وقد محك يمحك وأمحكه غيره، ومنه حديث علي ﵁: لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم. (وجعل يزداد غضبًا) لجهله فهم معنى الاستعاذة، وفائدة التلفظ بها، فامتنع منه؛ لأنه من جفاة الأعراب الذين قلوبهم من الفقه والفهم خراب، ولهذا جاء في رواية الصحيحين والرواية الآتية. فقال الرجل: أمجنونًا تراني؟ (٢) ظنًّا منه أن الذي يحتاج إلى التعوذ إنما هو المجنون. [٤٧٨١] (ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم (عن الأعمش، عن عدي بن ثابت) الأنصاري (عن سليمان بن صرد) بن الجون الخزاعي، كان اسمه في الجاهلية يسارًا، فسماه النبي ﷺ سليمان، وكان خيِّرا، عابدًا. (قال: استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما) يغضب و (تحمر عيناه) لفظ البخاري: احمر وجهه (٣). وسبب احمرار العينين والوجه

стр. 12163

أن الغضب هو غليان دم القلب، لإرادة الانتقام ممن أغضبه، فإذا غلى الدم ظهر أثر حمرته في الوجه والعينين وظاهر البدن (وتنتفخ أوداجه) هو من إطلاق صيغة الجمع على الاثنين مجازًا؛ لأنه ليس للإنسان غير ودجين فقط، وهما عرقان يحيطان بالحلقوم أو بالمريء. (فقال رسول اللَّه ﷺ : إني لأعرف كلمة لو قالها هذا لذهب عنه الذي يجد)؛ لأن الشيطان هو الذي يزين للناس الغضب ويحثهم على سرعة الانتقام، فالاستعاذة باللَّه مع صدق الالتجاء من أقوى السلاح على رفع كيده (أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم) تقدم (فقال الرجل) و (هل ترى بي من جنون؟ ! ) ظنا منه أنه لا يستعاذ إلا من الجنون، لأنه جاهل لم يفقه في دين اللَّه، وهو من جفاة الأعراب المنافقين الذين لم يخلص إيمانهم. [٤٧٨٢] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم (ثنا داود (١) بن أبي هند) دينار البصري، رأى أنسًا، وله نحو مائتي حديث، وكان صائم الدهر (عن أبي حرب) ذكره ابن عبد البر فيمن لم يذكر له اسم سوى كنيته (٢) (ابن) أبي (الأسود) ظالم الديلي أخرج له مسلم (عن أبي ذر) جندب بن جنادة ﵁. (قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال لنا: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس) لأن القائم متهيئ للحركة بالبطش ممن أغضبه، والقاعد دونه في هذا المعنى (فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) لأن المضطجع

стр. 12164

أقل حركة من الجالس. ويشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أمره بالقعود والاضطجاع؛ لئلا يبدو منه في حال قيامه وقعوده بادرة بالانتقام من عدوِّه، فيندم عليها فيما بعد، واللَّه أعلم. [٤٧٨٣] (ثنا وهب بن بقية) الواسطي، شيخ مسلم (عن خالد) بن عبد اللَّه الواسطي اشترى نفسه من اللَّه ثلاث مرات، بوزنه فضة (عن داود) بن أبي هند روى (عن بكر) بن عبد اللَّه المزني أبي عبد اللَّه البصري، تابعي، ثقة ثبت جليل (أن النبي ﷺ بعث أبا ذر ﵁ بهذا الحديث) المذكور. (قال [أبو داود]) (١) المصنف (وهذا) السند (أصح الحديثين) يريد المرسل أصح من غيره. وقال غيره: إنما يروي أبو حرب بن أبي الأسود، عن عمه، عن أبي ذر، ولا يحفظ سماعه من أبي ذر (٢). [٤٧٨٤] (ثنا بكر بن خلف) البصري ختن أبي عبد الرحمن المقرئ، قال أبو حاتم: ثقة (٣). وابن معين: صدوق (٤). (والحسن بن علي، المعنى، قالا: ثنا إبراهيم بن خالد) الصنعاني المؤذن، ثقة (ثنا أبو وائل) عبد اللَّه بن بجير بفتح الموحدة، وكسر الجيم، المرادي الصنعاني، وثق (القاص) بتشديد الصاد المهملة، نسبة إلى القصص والمواعظ.

стр. 12165

(قال: دخلنا على عروة بن محمد بن) عطية (السعدي) والي اليمن، عامل عمر بن عبد العزيز عليها، وعزل، فخرج وما معه إلا مصحفه ورمحه وسيفه، وهو مقبول (فكلمه رجل) في أمر (فأغضبه، فقام فتوضأ [ثم رجع وقد توضأ]) (١) وضوءه للصلاة (فقال: حدثني أبي) محمد (عن جدي عطية) بن سعد، ويقال: عطية بن عروة السعدي سعد بن بكر بن هوازن، نزل الشام، وكان مولده بالبلقاء، وهو صحابي، قدم على رسول اللَّه ﷺ في أناس من بني سعد بن بكر، وكان أصغر القوم، فخلفوه في رحالهم، ثم أتوا رسول اللَّه ﷺ فقضى حوائجهم، ثم قال: "هل بقي منكم أحد؟ " قالوا: يا رسول اللَّه، غلام منا خلفناه في رحالنا، فأمرهم أن يبعثوا به إليه، فأتوه فقالوا: أجب رسول اللَّه ﷺ . فأتاه، فلما رآه قال له: "ما أغناك اللَّه فلا تسأل الناس، فإن اليد العليا هي المنطية وإن اليد السفلى هي المنطاة، وإن مال اللَّه لمسوول ومنطى" قال عطية: فكلمني رسول اللَّه ﷺ بلغتي (٢). انتهى. وكان يكلم كل أحد بلغته. ([قال: قال رسول اللَّه: ] (٣) إن الغضب من الشيطان) وروي في غير هذا الحديث الأمر بالاغتسال مكان الوضوء، فيحمل أمر الاغتسال على الحالة الشديدة التي يكون الغضب فيها أقوى وأغلب من حالة

стр. 12166

من أمره بالوضوء، فالأقوى للإثم الأكمل، والوضوء للأضعف، ويشبه أن يكون أمر الاغتسال من كان عليه حدث أكبر، كالجنابة ونحوها، وأمر الوضوء من به حدث أصغر، ويحتمل غير ذلك، وإنما كان الغضب من الشيطان؛ لأنه السبب المحرك له بوسوسته في القلب. (وإن الشيطان خلق) مبني للمفعول (من النار) لأنه من الجان الذين قال اللَّه فيهم: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ (١) وكانوا سكان الأرض قبل آدم ﵇، وكان إبليس أعبدهم، فلما عصى اللَّه تعالى في ترك السجود لآدم لعنه اللَّه وجعله شيطانًا (وإنما تطفأ) بهمزة آخره (النار) أي: تخمد (بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) وضوءه للصلاة، وإن كان على وضوء. ويشبه أن يحصل له فضيلة تجديد الوضوء الذي رواه الترمذي مرفوعًا: "من توضأ على طهر كتب اللَّه له عشر حسنات" (٢) وخرجه ابن السكن في "صحاحه" لكن يفرق بينهما بأن تجديد الوضوء إنما يشرع من صلى بالأول فرضًا أو نفلًا، ووضوء الغضبان يجدده وإن لم يكن صلى به، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء عند فقد الماء عند الغضب، أو في التجديد؟ لم أجده مسطورًا. * * *

стр. 12167

٥ - باب فِي العَفْو والتَّجاوُزِ في الأَمْرِ ٤٧٨٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْن مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ أَنَّها قالَتْ: ما خيِّرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ في أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتارَ أَيْسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كانَ إِثْمًا كانَ أَبْعَدَ النّاسِ مِنْهُ، وَما انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعالَى فَيَنْتَقِمَ للَّه بِها (١). ٤٧٨٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْن زُرَيْعٍ، حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵍ قالَتْ: ما ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خادِمًا وَلا امْرَأَةٍ قَطُّ (٢). ٤٧٨٧ - حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْن إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفاوي، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْني: ابن الزُّبَيْرِ- في قَوْلِهِ (خُذِ العَفْوَ) قالَ: أُمِرَ نَبي اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْخذَ العَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ النّاسِ (٣). * * * باب التجاوز في الأمر [٤٧٨٥] (حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي. (عن مالك، عن) محمد (ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما خير رسول اللَّه ﷺ في) لفظ الصحيحين: بين (٤) (أمرين) يجوز له فعل كل واحد منهما، أو عرضت

стр. 12168

له حاجتان (إلا اختار) أي: مال إلى (أيسرهما) أي: أهونهما، وترك الأثقل أخذًا بالسهولة لنفسه، وتعليمًا لأمته، ففي هذا استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق (ما لم يكن إثمًا) فإن كان في المخير فيه إثم لفعل حرام أو مكروه فإنه لا يميل إليه ولا يفعله أصلًا (فإن كان) المخير فيه (إثما كان ﷺ أبعد الناس) أي: أشدهم بعدًا (منه) من ذلك الإثم، وترك ما فيه إثم (١) وأخذ بالآخر، وإن كان أثقل من الآخر وأكثر مؤنة وكلفة عليه. قال عياض: يحتمل أن يكون تخييره ﷺ هنا من اللَّه تعالى، فيخيره فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتل وأخذ الجزية، أو في حق أمته من المجاهدة في العبادة والاقتصار، فكان يختار الأيسر في كل هذا. قال: وأما قولها: (ما لم يكن إثمًا) فيتصور إذا خيره الكفار والمنافقون، فأما إذا كان التخيير من اللَّه تعالى أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعًا (٢). (وما انتقم رسول اللَّه ﷺ لنفسه) أي: ما عاقب أحدًا على مكروه أتاه من قبله، بل كان يصبر على جهل من جهل عليه، ويحتمل جفاءه، ويصفح عمن آذاه في خاصة نفسه، كصفحه عمن قال: أعدل فإن هذِه قسمة ما أريد بها وجه اللَّه وما عدلت منذ اليوم. وكصفحه عن الأعرابي الذي جبذ رداءه كما تقدم.

стр. 12169

(إلا أن تنتهك حرمة اللَّه (١) تعالى) أي: ترتكب محارم اللَّه في شرعه ويبالغ في خرقها وإتيانها (فينتقم) أي: يعاقب فاعلها انتصارًا (للَّه بها) أي: بسببها، والاستثناء فيه منقطع، يعني: إذا انتهكت حرمة اللَّه انتصر للَّه وانتقم ممن ارتكب ذلك، فإن قيل: فأذاه ﷺ هو انتهاك حرمة من حرم اللَّه، فكيف ترك الانتقام ممن آذاه استئلافًا وتركًا من ينفر في دينه كما قال ﵇: "لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (٢). وقد قال مالك: كان رسول اللَّه ﷺ يعفو عمن شتمه. وإذا تقرر هذا فالمراد بانتهاك حرمه التي لا ترجع بحق النبي ﷺ بل بحرمة اللَّه وحرمة محارمه، فإنه كان يقيم حدود اللَّه على من انتهك شيئًا منها فلا يعفو عنها، كما قال في حديث السارقة: "ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" قال القرطبي: لكن ينبغي أن يفهم أن صفحه عمن آذاه كان مخصوصًا به وبزمانه، وأما بعده فلا يعفى عنه (٣). وقال عياض: أجمع العلماء على أن من سب النبي ﷺ كفر، واختلفوا هل حكمه حكم المرتد فيستتاب، أو حكم الزنديق لا يستتاب؟ وهل قتله للكفر أو للجهر؟ وجمهورهم على أن حكمه حكم الزنديق لا تقبل توبته، وهو مشهور مذهب مالك وقول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: هي كفر ورِدة، وتقبل توبته إذا تاب (٤).

стр. 12170

[٤٧٨٦] (ثنا مسدد، ثنا يزيد (١) بن زريع) البصري. (حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول اللَّه ﷺ خادمًا) ولمسلم زيادة على هذا في أول الحديث ولفظه: "ما ضرب رسول اللَّه ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا" (٢) وهو نكرة في معرض النفي؛ فتعم كل ذي روح من ابن آدم (٣) ودابة وهرة ونحو ذلك. قال النووي: فيه أن من ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان مباحًا للأدب فتركه أفضل (٤)، انتهى. أما ضرب الزوجة فهو مباح في حق نفسه كنشوز المرأة ونحوه. أما ضربها لحق اللَّه تعالى كترك الصلاة وشرب الخمر ونحو ذلك فليس له ذلك بل هو للإمام، وأما ضرب السيد فله التعزير به من مملوكه في حق نفسه، وكذا في حق اللَّه تعالى؛ لأن ملكه وسلطنته فوق سلطنة الزوج على زوجته (ولا) ضرب النبي ﷺ بيده (امرأة قط) لا لحق نفسه ولا لحق اللَّه تعالى، ولأزواجه أكرم على اللَّه من أن يصدر منهن ما يوجب حقًّا للَّه تعالى. [٤٧٨٧] (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي. (ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي) بضم الطاء المهملة وتخفيف الفاء نسبة إلى طفاوة موضع بالبصرة، وكان من أكابر أئمة البصرة،

стр. 12171

قال ابن السمعاني: كان ثقة (١). وقال شيخنا ابن حجر: صدوق يهم (٢). (عن هشام بن عروة) الأسدي المدني (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ابن العزى. (عن عبد اللَّه يعني: ابن الزبير) ﵄. (في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾) (٣) وهو ضد الجهل، وهو السهل المتيسر. (قال) ابن الزبير (أمر) بضم الهمزة، مبني للمفعول (نبي اللَّه ﷺ ) في هذِه الآية (أن يأخذ) ولفظ البخاري: أمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ أن يأخذ (٤) ([العفو من أخلاق الناس) والمعنى: أن اللَّه أمر نبيه أن يقبل الميسور السهل من أفعال] (٥) الناس وأخلاقهم ما سهل وتيسر من أمورهم من غير كلفة ولا مشقة، ولا يكلفهم الجهد الذي يشق عليهم كي لا ينفروا، فهو كقوله ﷺ : "يسروا ولا تعسروا" (٦) فمن أخذ من أموال الناس وطلب منهم ما يشق تولد منهم بسبب ذلك البغضاء والشحناء. وقيل في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: خذ الفضل وما سهل وتيسر ولم يشق على القلب إخراجه من صدقاتهم؛ لتنفقها في مصارفها، وذلك قبل نزول آية الزكاة، فلما نزلت أمر أن يأخذها منهم طوعًا أو كرها، ومنه

стр. 12172

قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (١) وقول الشاعر: خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنظري في صورتي حين أغضب (٢) * * *

стр. 12173

٦ - باب فِي حُسْنِ العِشْرَةِ ٤٧٨٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الحَمِيدِ -يَعْني: الحِمّاني- حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كانَ النَّبي ﷺ إِذا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيء لَمْ يَقُلْ: ما بالُ فُلانٍ يَقُولُ؟ ! ولكن يَقُولُ: "ما بالُ أَقْوامٍ يَقُولُونَ كَذا وَكَذا؟ ! " (١). ٤٧٨٩ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْن عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ بْن زَيْدٍ، حَدَّثَنا سَلْمٌ العَلَوي، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيهِ أَثرُ صُفْرَه -وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَلَّما يُواجِهُ رَجُلًا في وَجْهِهِ بِشَيء يَكْرَهُهُ- فَلَمّا خَرَجَ قالَ: "لَوْ أَمَرْتُمْ هذا أَنْ يَغْسِلَ ذا عَنْهُ". قالَ أَبُو داوُدَ: سَلْمٌ لَيْسَ هُوَ عَلَوِيٍّا، كانَ يُبْصِرُ في النُّجُومِ، وَشَهِدَ عِنْدَ عَدي بْنِ أَرْطاةَ عَلَى رُؤْيَةِ الهِلالِ فَلَمْ يُجِزْ شَهادَتَهُ (٢). ٤٧٩٠ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَلي، قالَ: أَخْبَرَني أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الحَجّاجِ بْنِ فُرافِصَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح وَحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن المُتَوَكِّلِ العَسْقَلاني، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا بِشْرُ بْن رافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَفَعاهُ جَمِيعًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، والفاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ" (٣).

стр. 12174

٤٧٩١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ ابن المُنْكَدِرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَت: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبي ﷺ فَقالَ: "بِئْسَ ابن العَشِيرَةِ". أَوْ: "بِئْسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ". ثُمَّ قالَ: "ائْذَنُوا لَهُ". فَلَمّا دَخَلَ أَلانَ لَهُ القَوْلَ فَقالَتْ عائِشَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ أَلنْتَ لَهُ القَوْلَ وَقَدْ قُلْتَ لَهُ ما قُلْتَ. قالَ: "إِنَّ شَرَّ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ مَنْ وَدَعَهُ -أَوْ تَرَكَهُ- النّاسُ لاتّقاءِ فُحْشِهِ" (١). ٤٧٩٢ - حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبي ﷺ فَقالَ النَّبي ﷺ : "بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ". فَلَمّا دَخَلَ انْبَسَطَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَلَّمَهُ فَلَمّا خَرَجَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا اسْتَأْذَنَ قُلْتَ: "بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ". فَلَمّا دَخَلَ انْبَسَطْتَ إِلَيْهِ. فَقالَ: "يا عائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحِشَ المُتَفَحِّشَ" (٢). ٤٧٩٣ - حَدَّثَنا عَبّاسٌ العَنْبَري، حَدَّثَنا أَسْوَدُ بْنُ عامِرٍ، حَدَّثَنا شَرِيكٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عائِشَةَ في هذِه القِصَّةِ قالَتْ: فَقالَ تَعْني النَّبي ﷺ : "يا عائِشَةُ إِنَّ مِنْ شِرارِ النّاسِ الذِينَ يُكْرَمُونَ اتِّقاءَ أَلْسِنَتِهِمْ" (٣). ٤٧٩٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنا أَبُو قَطَنٍ، أَخْبَرَنا مُبارَكٌ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: ما رَأَيْتُ رَجُلًا التَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُنَحّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكونَ الرَّجُلُ هُوَ الذي يُنَحّي رَأْسَهُ وَما رَأَيتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ

стр. 12175

الذي يَدَعُ يَدَهُ (١). * * * باب في حسن العشرة [٤٧٨٨] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبد الحميد) بن عبد الرحمن (الحِمَّاني) بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وفي آخرها نون، كذا ضبطه ابن السمعاني (٢)، وقال: نسبة إلى حمان قبيلة من تميم نزلوا الكوفة، وضبطه مغلطاي وغيره بالضم، كما رأيته بخطه (حدثنا الأعمش، عن مسلم) (٣) بن صبيح أبي الضحى البطين. (عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيء) بالرفع فاعل، الذي يكرهه (لم يقل: ما بال فلان) الفلاني بعينه (يقول) كذا وكذا ومعنى (ما بال فلان؟ ) أي: ما حاله؟ والبال من الألفاظ المشتركة يفسر في كل موضع بما يليق به. (ولكن يقول: ما بال أقوام) أي: ما بال رجال (يقولون: كذا كذا) وهذا فيه بيان آداب حسن العشرة أن لا يشافه أحدًا بعينه بالمخاطبة بما يكرهه، ولا يصرح باسمه الذي يعرف به؛ لشدة حيائه وإغضائه عما يشوش على من يجالسه، ويشبه أن يكون أصل هذا المعنى في كتاب اللَّه تعالى، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ

стр. 12176

وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ (١) فإنها نزلت في ناس من المنافقين معروفين، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ (٢) فإنها نزلت في ثعلبة ولم يعينه اللَّه (٣)، بل قال: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ وقد دخل عليه ﷺ رجل وعليه صُفرة فكرهه ولم يقل له شيئًا حتى خرج، فقال لبعض أصحابه: "لو قلتم لهذا أن ياع هذِه" (٤) يعني: الصفرة. رواه المصنف والترمذي في "الشمائل" (٥)، وقد جاء في الصحيحين حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد فقال: "لا تروعوه" ثم قال: "إن هذِه المساجد لا يصلح" (٦). [٤٧٨٩] (حدثنا عبيد اللَّه) بالتصغير (ابن عمر بن ميسرة) القواريري شيخ الشيخين.

стр. 12177

(ثنا حماد بن زيد، ثنا سلم) (١) بفتح السين وسكون اللام هو ابن قيس (العلوي) بفتح العين واللام، قال ابن السمعاني: نسبة إلى بطن من الأزد يقال لهم: بنو علي، ثم قال: ضعفه شعبة ووثقه ابن معين (٢). وهو بصري، وقال المصنف: شهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته. (عن أنس أن رجلًا دخل على النبي ﷺ ) يومًا في بيته (وعليه أثر صفرة) من زعفران أو نحوه، فكرهه منه ولم يقل له عنه شيئًا؛ لشدة حيائه وحسن عشرته (وكان رسول اللَّه ﷺ قلما يواجه رجلًا في وجهه) فضلًا عن المرأة (بشيء يكرهه) منه لئلا يشوش على من يجالسه كما تقدم. (فلما خرج) من عنده (قال: ) لبعض من كان معه (لو أمرتم) الظاهر أن (لو) هنا للعرض (٣) وهو طلب بلين و (أمرتم) لفظه ماض ومعناه الاستقبال، والتقدير: لو تأمرون (هذا) الرجل (أن يغسل هذا) (٤) الأثر الذي من صفرة (عنه) لتصيبوا خيرًا لكم وله. وفيه: دليل على النهي عن لبس المزعفر والمعصفر ونحوهما للرجل. وفيه من حسن الأدب والعشرة كما تقدم في الحديث قبله. (قال: ) المصنف (سلم ليس هو علويًّا) (٥) أي: ليس هو من ولد علي

стр. 12178

ابن أبي طالب، و (كان ينظر في) علم (النجوم) فعاب عليه ذلك (وشهد عند عدي (١) بن أرطاة) الفزاري عامل عمر بن عبد العزيز. (على رؤية الهلال) لصيام شهر رمضان (فلم يجز شهادته) سئل عنه بعضهم فقال: إنه يرى الهلال قبل أن يراه الناس بيومين. وقال قتيبة عنه: إن أشفار عينيه ابيضت فكان ينظر فيرى أشفار عينيه فيظن أنه الهلال (٢). روى له البخاري في "الأدب" عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم النبي ﷺ ، فكنت أدخل عليه من غير إذن، فجئت ذات يوم فدخلت عليه، فقال: "يا بني، إنه حدث أمر فلا تدخل علي إلا بإذن" (٣). [٤٧٩٠] (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي (أخبرني أبو أحمد) محمد ابن عبد اللَّه الزبيري، أخرج له الشيخان (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن الحجاج بن فرافصة) قال ابن حجر: بضم الفاء الأولى وكسر الثانية، بعدها صاد مهملة، الباهلي البصري، صدوق (٤). (عن رجل) قال شيخنا ابن حجر: يحتمل أنه يحيى بن أبي كثير (٥). (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن. (عن أبي هريرة ﵁، ح، وثنا محمد (٦) بن المتوكل العسقلاني)

стр. 12179

حافظ وثق. (حدثنا عبد الرزاق، حدثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (بن رافع) أبو الأسباط، قواه ابن معين، وقال: ليس به بأس (١). وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكرًا (٢). (عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ رفعاه جميعًا قال) أبو هريرة (قال رسول اللَّه ﷺ : المؤمن غر) بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء، أي: ليس بذي مكر ولا دهاء، فهو يخدع كثيرًا لانقياده ولينه، وهو ضد الخب، يقال: فتى غر وفتاة غر. يريد أن المؤمن (كريم) الأخلاق، جامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، وطبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر، وترك البحث عنه وليس ذلك منه لجهل ولا عجز، ولكنه كرم وحسن خلق. (والفاجر خب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة، وقد تكسر خاؤه، وهو الذي عادته الدهاء والخداع، الذي يكثر دخوله في الشر ويسعى بين الناس بالفساد، ومنه الحديث المتقدم: "من خبب امرأة أو مملوكًا على مسلم فليس منا" (٣) أي: خدعه وأفسده (لئيم) من لَؤُم بضم الهمزة لؤمًا فهو لئيم، يقال ذلك للشحيح المكار الدنيء النفس المهين؛ لأن اللؤم ضد الكرم.

стр. 12180

[٤٧٩١] (ثنا مسدد، ثنا سفيان) بن عيينة (عن) محمد (ابن (١) المنكدر) بن عبد اللَّه المدني (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ قالت: استأذن على النبي ﷺ رجل) وهو عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري ولم يكن أسلم حينئذٍ، وإن كان قد أظهر الإسلام، فأراد النبي ﷺ أن يبين حاله؛ ليعرفه الناس فيجتنبوه. وقيل: هو مخرمة (٢) بن نوفل الزهري والد المسور بن مخرمة، والمشهور أنه عيينة، فقد ذكر ابن عبد البر عن إبراهيم النخعي أن عيينة (٣) دخل على النبي ﷺ بغير إذن، فقال النبي ﷺ : "وأين الإذن؟ " فقال: ما استأذنت على أحد من مُضر، وكانت عائشة مع النبي ﷺ ، فقال: من هذِه الحميراء؟ فقال: "أم المؤمنين" فقال: ألا أنزل لك عن أجمل منها. فقالت عائشة: من هذا يا رسول اللَّه؟ قال: "هذا أحمق مطاع وهو على ما ترين سيد قومه" (٤). (فقال: بئس) هو (ابن العشيرة) المراد بالعشيرة قبيلته (أو) قال: (بئس رجل) بفتح الراء وضم الجيم، أي: بئس هذا الرجل من (العشيرة) أي: هو شر عشيرته وأكثرهم رجولية في المعرفة والرأي وإليه يرجع أمرهم، وهذا من أعلام النبوة حيث وقع وظهر من أمره

стр. 12181

كما قال عنه. وفيه مشروعية الاستئذان قبل الدخول، وإن كان الداخل أشرف قومه وعنده أجمل من التي يستأذن لأجلها، وفي هذا الذي قاله النبي ﷺ في هذا الرجل في عيينة غيبة له. قال القرطبي: وهذا لما علمه النبي ﷺ من حاله وأنه ممن لا غيبة له، وأنه عيينة بن حصن (١) كما تقدم. وقال النووي: فيه جواز غيبة الفاسق المعلن لفسقه ولمن يحتاج الناس إلى التحذير منه. انتهى (٢)، وهذا من المواضع التي يباح فيها الغيبة مما استثني منها (ثم قال: ائذنوا له) وفيه جواز الإذن للفاسق المعلن لفسقه في دخوله الدار إذا استأذن، وأن هذا من المداراة وحسن العشرة. (فلما دخل) عليه (ألان له القول) بأن عرض عليه الإيمان بالتعريض دون التصريح، كأن يقول له بلفظ الاستفهام: هل لك أن تُسلِم لتسلم ويكون لك كذا وكذا؟ ولو أسلمت لفعلت لك كذا وكذا. وقيل: إلانة القول أن يتلطف له في الكلام بحسن الترغيب (فقالت عائشة: يا رسول اللَّه) لما دخل عليك (ألنت له القول) وتلطفت به (وقد قلت) عند استئذاته (ما قلت؟ ! ) وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر، واللَّه أعلم بما ختم له. (قال: إن شر الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة من ودعه) بتخفيف الدال (أو تركه الناس) هذا شك من الراوي في اللفظين، قال: مع أن معناهما واحد، فإن كان الصحيح (ودعه) فقد تكلم النبي ﷺ بالأصل المرفوض كما قد تكلم به الشاعر الذي هو أنس بن زنيم في قوله:

стр. 12182

سل أميري ما الذي غيره ... عن وصالي اليوم حتى ودعه (١) وقد نقل عن بعض السلف أنه قرأ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ بتخفيف الدال (٢)، وقد صح عن النبي ﷺ أنه تكلم بمصدر ذلك الفعل المرفوض حين قال: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن اللَّه على قلوبهم" (٣) وهذا كله يرد على من قال من النحويين أن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل ومصدره؛ فلا تتكلم به استغناء عنه (اتقاء) أي: من أجل اتقاء (الفحش) (٤) بفتح الفاء وهو ما قبح من الكلام والفعال، وهذا يدل على أن عيينة بن حصن من شر الناس منزلة عند اللَّه، ولا يكون كذلك حتى يختم اللَّه له بالكفر -واللَّه أعلم-كما قاله القرطبي، ثم قال: وهذا فيه من الفقه جواز غيبة المعلن لفسقه ونفاقه، والأمير الجائر، والكافر، وصاحب البدعة، وفيه جواز مداراتهم اتقاء شرهم، لكن ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين اللَّه، والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة لين القلوب وبذل شيء من الدنيا لصلاح الدنيا والدين، وهي مباحة ومستحسنة في الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة في بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبي ﷺ

стр. 12183

إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته وطلاقة وجهه ولم يمدحه بقول (١). [٤٧٩٢] (ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي، أخرج له مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن عائشة ﵂ أن رجلًا أستأذن على النبي ﷺ ) في الدخول إلى بيته (فقال النبي ﷺ : بئس أخو العشيرة. فلما دخل) عليه (انبسط إليه رسول اللَّه ﷺ ) أي: أظهر له بوجهه الانبساط والسرور بدخوله (وكلمه) كلامًا لينًا (فلما خرج) من عنده (قلت) له (يا رسول اللَّه لما استأذن) عليك بالدخول (قلت: بئس أخو العشيرة) في غيبته (فلما دخل انبسطت إليه؟ ! فقال: يا عائشة، إن اللَّه لا يحب الفاحش المتفحش) الفاحش ذو الفحش في كلامه، وقيل: الذي يأتي الفاحشة المنهي عنها. [٤٧٩٣] (ثنا عباس) بالموحدة والسين المهملة، وهو ابن عبد العظيم (العنبري) من حفاظ البصرة شيخ مسلم، وروى عنه البخاري تعليقًا (٢). (ثنا أسود (٣) بن عامر) شاذان (ثنا شريك، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عائشة ﵂ في هذِه القصة) المذكورة (قالت) عائشة (فقال -تعني النبي ﷺ : يا عائشة، إن من شرار الناس الذين يكرمون) بضم أوله مبني للمفعول، أي: الذين يكرمهم الناس بتعظيمهم، والقيام لهم،

стр. 12184

وحسن التودد والتلطف بهم؛ لأجل (اتقاء ألسنتهم) أي: أقوالهم القبيحة في أعراض الناس، وفي معنى أقوالهم أفعالهم الخبيثة التي يتأذى الناس بها، فمداراة من هذِه صفته بالمال وبالكلمة الطيبة صدقة عن الآدمي. [٤٧٩٤] (ثنا أحمد بن منيع) بفتح الميم وكسر النون، هو ابن عبد الرحمن البغوي سكن بغداد، أخرج له البخاري في الطب (١) وغيره من الستة. (ثنا أبو قطن) بفتح القاف والطاء واسمه عمرو بن الهيثم بن قطن البصري، أخرج له مسلم. (ثنا مبارك) بن فضالة القرشي العدوي مولاهم البصري، قال عفان ابن مسلم: ثقة من النساك. وعن ابن معين: ليس به بأس (٢). (عن ثابت) البناني (عن أنس) بن مالك ﵁ (قال: ما رأيت رجلًا التقم أذن رسول اللَّه ﷺ ) أي: وضع فمه على أذن رسول اللَّه ﷺ وكلمه بكلام خفي، فكأنه جعل أذنه منه بمنزلة اللقمة في الفم، وفيه: إظهار من يقتدى به التواضع للناس ليقتدى به فيه (فينحي رأسه) أي: أذنه التي هي من رأسه (حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه) عنه ابتداء (و) قال أيضًا (ما رأيت رجلًا) قط (أخذ بيده ﷺ فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده) منه، وروى الترمذي عن أنس: ما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر (٣).

стр. 12185

وللطبراني: من قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف (١). قال في "النهاية": قاومه: فاعله، من القيام، أي: إذا قام معه ليقضي حاجته صبر عليه إلى أن يقضيها (٢). وهذِه الخصال المذكورة معدودة من مكارم أخلاقه ومحاسن آدابه وملاطفة معاشرته ﷺ . * * *
следующие страницы →