← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12181–12220 · переход к 12186.

стр. 12181

كما قال عنه. وفيه مشروعية الاستئذان قبل الدخول، وإن كان الداخل أشرف قومه وعنده أجمل من التي يستأذن لأجلها، وفي هذا الذي قاله النبي ﷺ في هذا الرجل في عيينة غيبة له. قال القرطبي: وهذا لما علمه النبي ﷺ من حاله وأنه ممن لا غيبة له، وأنه عيينة بن حصن (١) كما تقدم. وقال النووي: فيه جواز غيبة الفاسق المعلن لفسقه ولمن يحتاج الناس إلى التحذير منه. انتهى (٢)، وهذا من المواضع التي يباح فيها الغيبة مما استثني منها (ثم قال: ائذنوا له) وفيه جواز الإذن للفاسق المعلن لفسقه في دخوله الدار إذا استأذن، وأن هذا من المداراة وحسن العشرة. (فلما دخل) عليه (ألان له القول) بأن عرض عليه الإيمان بالتعريض دون التصريح، كأن يقول له بلفظ الاستفهام: هل لك أن تُسلِم لتسلم ويكون لك كذا وكذا؟ ولو أسلمت لفعلت لك كذا وكذا. وقيل: إلانة القول أن يتلطف له في الكلام بحسن الترغيب (فقالت عائشة: يا رسول اللَّه) لما دخل عليك (ألنت له القول) وتلطفت به (وقد قلت) عند استئذاته (ما قلت؟ ! ) وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر، واللَّه أعلم بما ختم له. (قال: إن شر الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة من ودعه) بتخفيف الدال (أو تركه الناس) هذا شك من الراوي في اللفظين، قال: مع أن معناهما واحد، فإن كان الصحيح (ودعه) فقد تكلم النبي ﷺ بالأصل المرفوض كما قد تكلم به الشاعر الذي هو أنس بن زنيم في قوله:

стр. 12182

سل أميري ما الذي غيره ... عن وصالي اليوم حتى ودعه (١) وقد نقل عن بعض السلف أنه قرأ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ بتخفيف الدال (٢)، وقد صح عن النبي ﷺ أنه تكلم بمصدر ذلك الفعل المرفوض حين قال: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن اللَّه على قلوبهم" (٣) وهذا كله يرد على من قال من النحويين أن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل ومصدره؛ فلا تتكلم به استغناء عنه (اتقاء) أي: من أجل اتقاء (الفحش) (٤) بفتح الفاء وهو ما قبح من الكلام والفعال، وهذا يدل على أن عيينة بن حصن من شر الناس منزلة عند اللَّه، ولا يكون كذلك حتى يختم اللَّه له بالكفر -واللَّه أعلم-كما قاله القرطبي، ثم قال: وهذا فيه من الفقه جواز غيبة المعلن لفسقه ونفاقه، والأمير الجائر، والكافر، وصاحب البدعة، وفيه جواز مداراتهم اتقاء شرهم، لكن ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين اللَّه، والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة لين القلوب وبذل شيء من الدنيا لصلاح الدنيا والدين، وهي مباحة ومستحسنة في الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة في بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبي ﷺ

стр. 12183

إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته وطلاقة وجهه ولم يمدحه بقول (١). [٤٧٩٢] (ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي، أخرج له مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن عائشة ﵂ أن رجلًا أستأذن على النبي ﷺ ) في الدخول إلى بيته (فقال النبي ﷺ : بئس أخو العشيرة. فلما دخل) عليه (انبسط إليه رسول اللَّه ﷺ ) أي: أظهر له بوجهه الانبساط والسرور بدخوله (وكلمه) كلامًا لينًا (فلما خرج) من عنده (قلت) له (يا رسول اللَّه لما استأذن) عليك بالدخول (قلت: بئس أخو العشيرة) في غيبته (فلما دخل انبسطت إليه؟ ! فقال: يا عائشة، إن اللَّه لا يحب الفاحش المتفحش) الفاحش ذو الفحش في كلامه، وقيل: الذي يأتي الفاحشة المنهي عنها. [٤٧٩٣] (ثنا عباس) بالموحدة والسين المهملة، وهو ابن عبد العظيم (العنبري) من حفاظ البصرة شيخ مسلم، وروى عنه البخاري تعليقًا (٢). (ثنا أسود (٣) بن عامر) شاذان (ثنا شريك، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عائشة ﵂ في هذِه القصة) المذكورة (قالت) عائشة (فقال -تعني النبي ﷺ : يا عائشة، إن من شرار الناس الذين يكرمون) بضم أوله مبني للمفعول، أي: الذين يكرمهم الناس بتعظيمهم، والقيام لهم،

стр. 12184

وحسن التودد والتلطف بهم؛ لأجل (اتقاء ألسنتهم) أي: أقوالهم القبيحة في أعراض الناس، وفي معنى أقوالهم أفعالهم الخبيثة التي يتأذى الناس بها، فمداراة من هذِه صفته بالمال وبالكلمة الطيبة صدقة عن الآدمي. [٤٧٩٤] (ثنا أحمد بن منيع) بفتح الميم وكسر النون، هو ابن عبد الرحمن البغوي سكن بغداد، أخرج له البخاري في الطب (١) وغيره من الستة. (ثنا أبو قطن) بفتح القاف والطاء واسمه عمرو بن الهيثم بن قطن البصري، أخرج له مسلم. (ثنا مبارك) بن فضالة القرشي العدوي مولاهم البصري، قال عفان ابن مسلم: ثقة من النساك. وعن ابن معين: ليس به بأس (٢). (عن ثابت) البناني (عن أنس) بن مالك ﵁ (قال: ما رأيت رجلًا التقم أذن رسول اللَّه ﷺ ) أي: وضع فمه على أذن رسول اللَّه ﷺ وكلمه بكلام خفي، فكأنه جعل أذنه منه بمنزلة اللقمة في الفم، وفيه: إظهار من يقتدى به التواضع للناس ليقتدى به فيه (فينحي رأسه) أي: أذنه التي هي من رأسه (حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه) عنه ابتداء (و) قال أيضًا (ما رأيت رجلًا) قط (أخذ بيده ﷺ فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده) منه، وروى الترمذي عن أنس: ما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر (٣).

стр. 12185

وللطبراني: من قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف (١). قال في "النهاية": قاومه: فاعله، من القيام، أي: إذا قام معه ليقضي حاجته صبر عليه إلى أن يقضيها (٢). وهذِه الخصال المذكورة معدودة من مكارم أخلاقه ومحاسن آدابه وملاطفة معاشرته ﷺ . * * *

стр. 12186

٧ - باب فِي الحَياءِ ٤٧٩٥ - حَدَّثَنا القَعْنَبي، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبي ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخاهُ في الحَياءِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُ فَإِنَّ الحَياءَ مِنَ الإِيمانِ" (١). ٤٧٩٦ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبي قَتادَةَ قالَ: كُنّا مَعَ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَثَمَّ بُشَيْرُ بْن كَعْبٍ فَحَدَّثَ عِمْران بْنُ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الحَياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ". أَوْ قالَ: "الحَياءُ كُلُّهُ خَيْرٌ". فَقالًّ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ إِنّا نَجِدُ في بَعْضِ الكُتُبِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقارًا وَمِنْهُ ضَعْفًا. فَأَعادَ عِمْرانُ الحَدِيثَ وَأَعادَ بُشَيْرٌ الكَلامَ قالَ: فَغَضِبَ عِمْرانُ حَتَّى احْمَرَّتْ عَيْناهُ وقالَ: أَلا أَراني أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتحَدِّثُني عَنْ كُتُبِكَ. قالَ: قُلْنا يا أَبا نُجَيْدٍ، إِيهٍ إِيهٍ (٢). ٤٧٩٧ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعي بْنِ حِراشٍ، عَنْ أَبي مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِمّا أَدْرَكَ النّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذا لَمْ تَسْتَحِ فافْعَلْ ما شِئْتَ" (٣). * * * باب في الحياء [٤٧٩٥] (ثنا) عبد اللَّه بن مسلمة (القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد اللَّه) بن عمر بن الخطاب، أحد

стр. 12187

الفقهاء السبعة، قال ابن المسيب: كان سالم أشبه ولد عبد اللَّه بعبد اللَّه، وعبد اللَّه أشبه ولد عمر بعمر (١). كان سالم يلبس الثوب بدرهمين (٢). (عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ مر على رجل) يقال: مر عليه ومر به بمعنى واحد. أي: اجتاز (من الأنصار) اللام للعهد، أي: أنصار رسول اللَّه ﷺ الذين آووه ونصروه من أصحاب المدينة (وهو يعظ أخاه) الوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، والظاهر أن المراد بالأخ الأخ بالقرابة؛ لأنه الحقيقة. ويحتمل أن يراد بالأخ في الإسلام على ما هو عرف الشرع، فهو مجاز لغوي أو حقيقة عرفية (في الحياء) بالمد، وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم، وهو مشتق من الحياة. (فقال رسول اللَّه ﷺ : دعه) وسبب النهي أنه سمعه يزجره عن الحياء ويقول له: لا تستحي، فنهاه النبي ﷺ وقال: "دعه يستحي" (فإن الحياء من) كمال (الإيمان) لأن الحيي يخاف فضيحة الدنيا وعقوبة الآخرة فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطاعات كلها بكثرة حيائه، وجعل الحياء من الإيمان؛ لأنه قد يكون تخلقا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد تكون غريزة، لكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية، فهو من كمال الإيمان وباعثا على أفعال الخير. [٤٧٩٦] (ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد) بن سلمة، أو حماد بن

стр. 12188

زيد، فإن كلا منهما روى عنه سليمان وروى (عن إسحاق بن سويد) بن هبيرة، أخرج له الشيخان. (عن أبي قتادة) تميم بن نذير بضم النون مصغر، وقيل: ابن زبير. وقيل: اسمه نذير، ابن قنفذ، قيل؛ إن له صحبة. (قال: كنا مع عمران بن حصين) بن عبيد الخزاعي أسلم عام خيبر (وثم) بفتح الثاء المثلثة، اسم إشارة إلى المكان بمعنى هناك (بشير) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة مصغر، العدوي عدي بن [عبد مناة] (١) قيل: جاء بشير إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول اللَّه ﷺ . قال رسول اللَّه ﷺ ، وجعل ابن عباس لا ينظر إليه ولا يعبأ بحديثه، فقال: ما لي أراك لا تسمع حديثي عن رسول اللَّه ﷺ ؟ ! فقال ابن عباس: إنا كنا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول اللَّه ﷺ . ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. أخرجه مسلم (٢)، ووثقه النسائي وغيره (٣)، وليس لنا بشير مصغر إلا هذا وبشير بن هلال. (فحدث عمران بن حصين وقال) ولفظ مسلم: أن أبا قتادة حدث قال: كنا عند عمران بن حصين في رهط وفينا بشير بن كعب فحدثنا عمران يومئذٍ (٤)، وقال: (قال رسول اللَّه ﷺ : الحياء خير كله) قال أبو

стр. 12189

القاسم القشيرى: الحياء رؤية الآلاء، وهي النعم، ورؤية التقصير، يتولد منهما حالة (١) تسمى الحياء (٢). (أو قال) شك من الراوي (الحياء كله خير) لكونه باعثا على أفعال البر ومانعًا من المعاصي، وأول الحياء وأولاه الحياء من اللَّه تعالى، وهو أن لا يراك حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفة باللَّه تعالى ومراقبة له حاصلة، وهي الحالة المعبر عنها: "أن تعبد اللَّه كلأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٣). وروى الترمذي: "استحيوا من اللَّه حق الحياء" فقالوا: إنا نستحى والحمد للَّه. فقال "ليس ذاك، لكن الاستحياء من اللَّه حق الحياء أن تحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللَّه حق الحياء" (٤). وقد يفرط الحياء على بعض الناس فيحمله على أن [لا] (٥) يواجه أحدًا بالحق ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويحمله على المداهنة في الحق وغير ذلك مما هو معروف في العادة، وكل هذا الحياء مذموم ويحرم استعماله ويجب الانكفاف عنه، وهذا الحياء ليس بحياء حقيقة، وهو أحق باسم الخور والجبن والعجز والمهانة.

стр. 12190

وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. (فقال بشير بن كعب) العدوي (إنا نجد في بعض الكتب) زاد مسلم: والحكمة (إن منه سكينة ووقارًا) زاد مسلم: للَّه تعالى (وأن منه ضعفًا) بفتح الضاد وضمها لغتان مشهورتان، ومعنى كلامه أن منه ما يحمل صاحبه على أن يكون يوقر الناس ويتوقر هو في نفسه، والوقار بفتح الواو الحلم والرزانة، ومنه ما يحمل صاحبه على ضعف الهمة، وأن يسكت عن كثير مما يتحرك الناس فيه من الأمور التي لا تطيق المروءات (فأعاد عمران) بن حصين (الحديث) الذي تقدم (وأعاد بشير) بن كعب (الكلام) أيضًا (قال: فغضب عمران بن حصين حتى احمرت عيناه) قال النووي: هكذا رويناه في "سنن أبي داود": (احمرت) من غير ألف وهو الظاهر (١)، وأما الرواية التي في أصول مسلم: حتى احمرتا عيناه (٢). فهو صحيح على لغة أكلوني البراغيث، وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ (٣) وأشباهه. (وقال: ألا) بتخفيف اللام (أراني) بفتح الهمزة (أحدثك عن رسول اللَّه ﷺ ) زاد مسلم: وتعارض فيه (وتحدثني عن كتبك) وسبب غضب عمران وإنكاره على بشير كونه قال، ومنه ضعف بعد سماعه قول النبي ﷺ أنه خير كله، فكأنه عارضه بما يخالفه من كلام الحكماء، وقيل:

стр. 12191

أنكر عليه؛ لأنه خاف أن يخلط بالسنة ما ليس منها، فسد الذريعة بالإنكار لئلا يتطرق بذلك في قلبه ريب ومرض (قال: قلنا) لفظ مسلم: فما زلنا نقول: (يا أبا نجيد) بضم النون وفتح الجيم، وهي كنية عمران بن حصين كني بابنه نجيد، وله شعر يوم الفتح ذكر في السيرة (إنه إنه) (١) كذا الرواية ولفظ مسلم: إنه منا، إنه لا بأس به. وهذا يوضح رواية المصنف والمراد أنه ليس ممن يتهم بنفاق وزندقة أو بدعة. [٤٧٩٧] (حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي (ثنا شعبة، عن منصور) ابن المعتمر الكوفي (عن ربعي بن حراش) بكسر الحاء المهملة (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو البدري ﵁. (قال رسول اللَّه ﷺ : إن مما أدرك الناس) روي بالرفع والنصب، فالرفع (٢) على تقدير (٣) أن [مما أدركه الناس، أو] (٤) مما بلغ الناس (من كلام النبوة الأولى) أي: مما اتفق عليه الأنبياء ﵈، وما من نبي إلا وقد ندب إليه وحث عليه، ولم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم وذلك لأنه أمر أطبقت عليه العقول وتلقته بالقبول. (إذا لم تستح) هذِه الجملة الشرطية اسم على تقدير قول هذا اللفظ، أو هي خبر (إنْ) على تأويل (من) البعضية بلفظ، والتقدير أن بعض ما أدرك الناس من كلام النبوة قولهم: إذا لم تستحي (فافعل) وفي رواية للبخاري: "فاصنع" (٥) أمر بمعنى الخبر، أي: صنعت (ما شئت)

стр. 12192

وقيل: المشهور في معناه إذا لم تستحي من العيب ولم تخش العار مما تفعله فافعل ما تحدثك به نفسك من أغراضها حسنًا كان أو قبيحًا، فإن اللَّه يجازيك عليه. فلفظه أمر ومعناه توبيخ وتهديد، وفيه إشعار بأن الذي يردع الإنسان عن مواقعة السوء هو الحياء، فإذا انخلع عنه كان كالمأمور بارتكاب كل ضلالة وتعاطي كل سيئة. وقيل: يحمل الأمر على بابه، فكأنه يقول: إذا كنت آمنًا في فعلك أن تستحي منه يجزيك على فعله كما يفعل سالك الصواب، وليس هو عندك من الأفعال التي يستحيى منها، فاصنع منها ما شئت. وقيل: معناه: انظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحيى منه بحسب الدين فافعل، وإن كان مما يستحيى منه فدعه عنك. * * *

стр. 12193

٨ - باب فِي حُسْنِ الخُلُقِ ٤٧٩٨ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا يَعْقُوبُ -يَعْني: الإِسْكَنْدَراني-، عَنْ عَمْرٍو عَنِ المطَّلِبِ، عَنْ عائِشَةَ رَحِمَها اللَّهُ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ القائِمِ" (١). ٤٧٩٩ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسي وَحَفْصُ بْن عُمَرَ قالا: حَدَّثَنا ح وَحَدَّثَنا ابن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنِ القاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ عَطَاءٍ الكَيْخاراني، عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ، عَنْ أَبي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "ما مِنْ شَيء أَثْقَلُ في المِيزان مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ". قالَ أَبُو الوَلِيدِ قالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً الكَيْخارانَيَّ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ عَطَاءُ بْنُ يَعْقوبَ وَهُوَ خالُ إِبْراهِيمَ بْنِ نافِعٍ، يُقالُ: كَيْخاراني وَكَوْخارانيٌّ (٢). ٤٨٠٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ الدِّمَشْقي أَبُو الجَماهِرِ قالَ: حَدَّثَنا أَبُو كَعْبٍ أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدي، قالَ: حَدَّثَني سُلَيْمانُ بْنُ حَبِيب المُحارِبي، عَنْ أَبي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِراءَ وَإِنْ كانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وَإِنْ كانَ مازِحًا، وَبِبَيْتٍ في أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ" (٣).

стр. 12194

٤٨٠١ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمان ابنا أَبي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خالِدٍ، عَنْ حارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ الجَوّاظُ وَلا الجَعْظَرِيُّ". قالَ: والجَوّاط الغَلِيظُ الفَظُّ (١). * * * باب في حسن الخلق [٤٧٩٨] (ثنا قتيبة بن سعيد) البلخي (ثنا يعقوب) بن عبد الرحمن (الإسكندراني) أخرج له الشيخان (عن عمرو) بن أبي عمرو مولى المطلب، صدوق، قال أحمد: ليس به بأس (٢). (عن) مولاه (المطلب) بن عبد اللَّه بن حنطب المخزومي المدني، قال أبو زرعة: ثقة أرجو أن يكون سمع من عائشة. وقال أبو حاتم: لم يدرك عائشة، ويشبه أن يكون أدرك جابرا، وعامة حديثه مراسيل (٣). (عن عائشة قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه) روى الترمذي عن عبد اللَّه بن المبارك أنه وصف حسن الخلق فقال: هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى (٤). (درجة الصائم القائم) ويوضحه رواية الحاكم: "إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار" (٥) ورواية الطبراني من

стр. 12195

حديث أبي أمامة بلفظ: "إن الرجل ليدرك بحسن الخلق" (١) فضيلة مجبول عليها المؤمن أو مكتسب لها وهي مستمرة في الليل والنهار، فبالليل تدرك أعلى درجات الليل وهو القيام في التهجد، وأدركت في النهار أعلى درجات النهار وهي الصيام في شدة الهواجر. [٤٧٩٩] (ثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي وحفص بن عمر قالا: ثنا، ح، وثنا محمد بن كثير) العبدي (ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة) بفتح الباء الموحدة والزاي، وهو ابن نافع المكي. (عن عطاء) بن نافع (الكيخاراني) بفتح الكاف، وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الخاء -يعني: المعجمة- وسكون الألفين بينهما راء مفتوحة وبعدهما نون، هذِه النسبة إلى كيخاران، وهي قرية من قرى اليمن، كذا ضبطه ابن السمعاني، قال: ومن زعم أنه سمع معاذًا فقد وهم (٢). وقال أبو العباس المستغفري: كيخاران من قرى مرو. ثم قال: وهذا ليس صحيحا (٣) فإن هذِه القرية لا تعرف بمرو، وإنما هي من اليمن. انتهى. (قال أبو داود: وهو عطاء بن يعقوب، وهو خال إبراهيم، ويقال: كيخران) بفتح الكاف والخاء مع حذف الألف (وكورخان) بضم الكاف، وثقه ابن معين (٤). (عن أم الدرداء) الصغرى اسمها هجيمة، ويقال: جهيمة بنت حيي

стр. 12196

الأوصابية، ويقال: الوصابية ووصاب بطن من حمير، وكانت فقيهة، وهي أم بلال بن أبي الدرداء. (عن) زوجها (أبي الدرداء) عويمر، حكيم الأمة، ومن الذين أوتوا العلم، شهد ما بعد أحد من المشاهد ﵁. (عن النبي ﷺ قال: ما من شيء) زاد الترمذي: "يوضع" (١) (في الميزان) من حسنات الأعمال التي توزن (أثقل) يجوز بالرفع على أنه صفة لمحل (ما من شيء) ويجوز النصب صفة على لفظ (شيء) المجرور، إلا أنه لا ينصرف للصفة ووزن الفعل (من حسن الخلق) لأنه أفضل أعمال بني آدم. ولفظ أبي الشيخ: "ألا أدلك على أفضل العبادة، وأخفها على البدن، وأثقلها في الميزان، وأهونها على اللسان" (٢). (قال أبو الوليد) الطيالسي (قال: سمعت عطاء الكيخاراني) بفتح الكاف كما تقدم. [٤٨٠٠] (حدثنا محمد بن عثمان) التنوخي (الدمشقي) الكفرسوسي (أبو الجماهر) قال عثمان بن سعيد الدارمي: هو أوثق من أدركنا بدمشق، ورأيت أهل دمشق مجتمعين على صلاحه (٣). (ثنا أبو كعب أيوب بن محمد) والمشهور أيوب بن موسى (السعدي) البلقاوي بفتح الموحدة وسكون اللام ثم قاف، صدوق (حدثني سليمان

стр. 12197

ابن حبيب المحاربي) أخرج له البخاري في الجهاد (١) (عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي ﵁. (قال رسول اللَّه ﷺ : أنا زعيم) أي: ضامن وكفيل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٢) (ببيت) أي: بقصر في الجنة، ومنه حديث: "بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب" (٣) (في ربض) بفتح الموحدة وبالضاد المعجمة (الجنة) قال في "النهاية": هو ما حولها خارجًا عنها تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع (٤). انتهى. وظاهر السياق أن ربض الجنة أسفلها (لمن ترك المراء) وحد المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم (وإن كان) في اعتراضه (محقًّا) وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعته فإن كان حقًّا فصدق به، وإن كان باطلًا ولم يكن متعلقًا بأمور الدين فاسكت عنه. والطعن في كلام الغير تارة يكون من لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة والعربية أو من جهة النظم والترتيب، وإما في المعنى بأن يقول: أخطأت في قولك كذا وكذا، وإما في قصده بأن يقول: هذا الكلام حق لكن ليس قصدك فيه الحق، إنما أنت صاحب غرض. قال في "النهاية": يقال للمجادلة: مماراة لأن كل واحد منهما

стр. 12198

يستخرج ما عند صاحبه، ويمتريه كما يمتري الحالبُ اللبن من الضرع (١). ولفظ رواية الترمذي: "من ترك المراء وهو مبطل بنى اللَّه له بيتًا في ربض الجنة، ومن تركه وهو محق بنى له في وسطها" (٢) وإنما حصل له هذا لشدة ذلك على النفس، وكثير ما طبعت عليه من الشبقية المحبة للقهر والغلبة على الغير، وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد، فإن المراء طبع، فإذا علم أو ظن أن له عليه ثوابًا اشتد حرصه عليه وتعاون الطبع والشرع، وذلك خطأ محض. (و) أنا زعيم (ببيت) أي: قصر (في وسط الجنة) والوسط بفتح السين: منزلة وسطى بين الربض والأعلى، ويستعمل الوسط بمعنى الخير، ومنه الحديث: "الوالد أوسط أبواب الجنة" (٣) (لمن ترك الكذب) من كلامه (وإن كان) فيه (مازحًا) فالمزح مطايبة وانبساط مع الجليس؛ لتطييب قلبه ومؤانسته، وهو مشتق من زحت الشيء عن موضعه وأزحته عنه إذا نحيته؛ لأنه تنحية له عن حد القول. ومما يصلح للمزاح (٤) ما رواه الزبير بن بكار في كتاب "الفكاهة والمزاح" عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: عندي امراتان أحسن من هذِه الحميراء أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها؟ وعائشة

стр. 12199

جالسة قبل أن يضرب الحجاب، فقالت: هي أحسن أم أنت؟ قال: بل أنا أحسن منهما وأكرم. فضحك النبي ﷺ ؛ لأنه كان دميمًا (١). وروى ابن ماجه والحاكم من حديث صهيب أن رسول اللَّه ﷺ [قال لصهيب وبه رمد: "تأكل التمر وأنت رمد؟ " قال: إنما آكل على الشق الآخر. فتبسم رسول اللَّه ﷺ ] (٢) (٣). (و) أنا زعيم (ببيت في أعلى الجنة من حسن) بتشديد السين (خلقه) قال الغزالي: تكلم الناس في حقيقة الخلق الحسن، وإنما تعرضوا لثمرته ولم يستوعبوها، وكشف الغطاء فيه أن الخلق والخُلق عبارتان عن الظاهر والباطن، فيراد بالخلق الصورة الظاهرة وبالخلق الصورة الباطنة، لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح مدرك بالبصيرة، والمدرك بالبصيرة أعظم، لأن اللَّه عظم أمره بالإضافة إلى نفسه فقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ (٤) فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين، والروح منسوب إلى

стр. 12200

اللَّه، والخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة، فإن صدرت منها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا سميت الهيئة خلقا حسنا. [٤٨٠١] (حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: ثنا وكيع، عن سفيان) بن سعيد الثوري (عن معبد بن خالد) الجدلي القيسي الكوفي (عن حارثة بن وهب) الخزاعي. (قال رسول اللَّه ﷺ : لا يدخل الجنة الجواظ) بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة (ولا الجعظري) بفتح الجيم وسكون العين وفتح الظاء المعجمة وكسر الراء وتشديد ياء النسب، كذا في "ديوان الأدب" للفارابي (١)، وهو الفظ الغليظ المتكبر. وقيل: هو الذي يتمدح وينتفخ بما ليس عنده أو فيه قصر. (قال) المصنف: قال شيخنا: لعل تفسير الجواظ من سفيان (٢). (الجواظ) هو (الغليظ) الطبع (الفظ) والفظ هو السيئ الخلق، يقال: فلان أفظ من فلان. أي: أصعب خلقًا وأشرس. والمراد بعدم دخول من هذِه [صفته] (٣) الجنة أنه لا يدخلها مع السابقين كالسهل العريكة وصاحب الخلق الحسن، بل يتأخر دخوله عن دخولهم، أنه (٤) تلا قوله تعالى: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ إلى قوله:

стр. 12201

﴿زَنِيمٍ﴾ (١) وقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول، لفظ رواية الطبراني والحاكم: "أهل النار كل جعظري جواظ متكبر، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون" (٢). ولفظ أحمد: "ألا أخبركم بشر عباد اللَّه؟ ! الفظ المستكبر، ألا أخبركم بخير عباد اللَّه؟ ! الضعيف المستضعف ذو الطمرين لا يوبه له لو أقسم على اللَّه لأبره" (٣). * * *

стр. 12202

٩ - باب فِي كَراهِيَةِ الرِّفْعَةِ في الأُمُورِ ٤٨٠٢ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: كانَتِ العَضْباءُ لا تُسْبَقُ فَجاءَ أَعْرابي عَلَى قَعُودٍ لَهُ، فَسابَقَها فَسَبَقَها الأَعْرابي فَكَأَنَّ ذَلِكَ شَقَّ عَلَى أَصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: "حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا إِلَّا وَضَعَهُ" (١). ٤٨٠٣ - حَدَّثَنا النُّفَيْلي، حَدَّثَنا زهَيْرٌ، حَدَّثَنا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ بهذِه القِصَّةِ عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يَرْتَفِعَ شَيء مِنَ الدُّنْيا إِلا وَضَعَهُ" (٢). * * * باب في كراهة الرفعة من (٣) الأمور [٤٨٠٢] (ثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (حدثنا حماد) بن سلمة (عن ثابت) البناني. (عن أنس ﵁ قال: كانت العضباء) اسم علم على ناقة النبي ﷺ منقول من قولهم: ناقة عضباء. أي: مشقوقة الأذن، ولم تكن مشقوقة الأذن، وقيل: كانت مشقوقة (٤). قال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء. وهي القصيرة اليد (٥). وقال الحربي: الجدع والعضب والخرم والحضرمة كله في الأذن.

стр. 12203

(لا تسبق) في الجري (فجاء أعرابي على قعود له) والقعود من الإبل ما يقتعده الإنسان للركوب والحمل. وقال الأزهري: لا يكون القعود إلا الذكر، ولا يقال للأنثى: قعودة (١). وقال الجوهري: القعود من الإبل هو البكر حين يركب، أي: يمكن ظهره من الركوب، وأدنى ذلك أن يأتي عليه سنتان إلى أن يثني، فإذا أثنى سمي جملًا (٢). يعني: حتى يدخل في السنة السادسة (فسابقها (٣) فسبقها الأعرابي) بقعوده. وفيه أن المسابقة على الدواب سنة، وقيل: مباح. والمذهب سنة؛ لأن لفظ رواية البخاري: كان للنبي ﷺ ناقة يقال لها: العضباء. لا تسبق ولا تكاد تسبق. الحديث ذكره في الجهاد (٤). وهذا يشعر بالاستمرار دون ما فعله مرة للإباحة، وفيه اقتناء السوابق من الخيل والدواب والاعتناء بالسوابق في السفر وغيره؛ لأن فيه فوائد كثيرة بخلاف غيرها. وفيه جواز سبق المفضول للفاضل وأنه ليس فيه كراهة ولا سوء أدب، وفيه جواز مسابقة الأمير لآحاد الناس. (فكأن ذلك شق على أصحاب النبي ﷺ ) فيه تعظيم العلماء والأئمة وطلب الغلبة والنصرة لهم والتحزن عند انتقاص منزلتهم، وللبخاري زيادة ولفظه: فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه (٥). يعني: النبي ﷺ في وجوههم.

стр. 12204

(فقال: حق على اللَّه) هو من باب التفضل والإحسان، فإن اللَّه لا يجب عليه شيء (أن لا يرفع) بضم أوله مبني للمجهول، ولفظ البخاري: "أن لا يرتفع" (١) (شيء) من الدنيا (إلا وضعه) فيه أن الدنيا لا تستمر على حال وأن البقاء السرمدي في الآخرة، فلا بد في الدنيا من علو وتعظيم واشتغال وإهانة وعز وذل وغناء وفقر وصحة وسقم إلى غير ذلك مما هو مشاهد. [٤٨٠٣] (حدثنا) عبد اللَّه بن محمد (النفيلي، ثنا زهير، ثنا حميد) بن أبي حميد الطويل (عن أنس ﵁ بهذِه القصة) المذكورة (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: إن حقًّا على اللَّه تعالى أن [لا] (٢) يرفع شيء من) هذِه (الدنيا) القذرة في زمن (إلا وضعه) في زمن آخر، فالعاقل ينبغي له أن لا يركن إلى شيء ولا يرتفع به على غيره، فإن جميع ما في الدنيا كظل زائل وإلى الفناء آيل، ولهذا لم يعده الفقهاء من أقسام الكفاءة، وفي الحديث تنبيه على ترك الفخر بما هو عند اللَّه في منزلة الصفة، فحق على العاقل ترك الترفع به. * * *

стр. 12205

١٠ - باب في كَراهِيةِ التَّمادُحِ ٤٨٠٤ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَن إِبْراهِيمَ، عَنْ هَمّامٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى عُثْمانَ في وَجْهِهِ فَأَخَذَ المِقْدادُ بْنُ الأَسْوَدِ تُرابًا فَحَثا في وَجْهِهِ وقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذا لَقِيتُمُ المَدّاحِينَ فاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرابَ" (١). ٤٨٠٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن يُونُسَ، حَدَّثَنا أَبُو شِهابٍ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَثْنَى عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبي ﷺ فَقالَ لَهُ: "قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ". ثَلاثَ مَرّاتٍ ثُمَّ قالَ: "إِذا مَدَحَ أَحَدُكُمْ صاحِبَهُ لا مَحالَةَ فَلْيَقُلْ: إِنّي أَحْسِبُهُ كَما يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ وَلا أُزَكِّيهِ عَلَى اللَّهِ" (٢). ٤٨٠٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا بِشْرٌ -يَعْني: ابن المُفَضَّلِ- حَدَّثَنا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْن يَزِيدَ، عَنْ أَبي نَضْرَةَ، عَنْ مطَرِّفٍ قالَ: قالَ أَبي: انْطَلَقْتُ في وَفْدِ بَني عامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنا: أَنْتَ سَيِّدُنا. فَقالَ: "السَّيِّدُ اللَّهُ ﵎". قُلْنا: وَأَفْضَلُنا فَضْلًا وَأَعْظَمُنا طَوْلًا. فَقالَ: "قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلا يَسْتَجْرِيَنَكُمُ الشَّيْطانُ" (٣). * * * باب في كراهية التمادح [٤٨٠٤] (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان)

стр. 12206

الثوري (عن منصور) بن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن همام) بن الحارث النخعي. (قال: جاء رجل فأثنى على عثمان في وجهه) لفظ مسلم: أن رجلًا جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه، وكان رجلًا ضخمًا، فجعل يحثو في وجهه الحصباء. فقال له عثمان: ما شأنك؟ (١). (فأخذ المقداد بن) عمرو (الأسود) الكندي، وكان من السابقين (ترابًا فحثا في وجهه) قال القرطبي: كان هذا الرجل أكثر من المدح حتى صدق عليه أنه مداح، ولذلك عمل المقداد بظاهر هذا الحديث فحثا في وجهه التراب، ولعل هذا الرجل كان ممن اتخذ المدح عادة وحرفة، فصدق عليه مداح، وإلا فلا يصدق ذلك على من مدح مرة أو مرتين، وقد بين الصحابي بفعله أن مراد الشرع من هذا الحديث حمله على ظاهره، فعاقب المداح برمي التراب في وجهه، وهم أقعد بالحال وأعلم بالمقال (٢). (وقال: قال رسول اللَّه ﷺ : إذا لقيتم) هو أعم من رواية مسلم: "إذا رأيتم" فإن الرؤية لا تحصل للأعمى بخلاف اللقي، فإنه يشمل الأعمى وغيره (المداحين) من أبنية المبالغة، فإنها لا تحصل إلا من كثر منه المدح حتى صار عادة له، بخلاف المادح، فإنه يطلق على من مدح ولو مرة. (فاحثوا في وجوههم التراب) تأول هذا غير الصحابي؛ لأنه رأى أن

стр. 12207

ظاهره جفاء، والنبي ﷺ لا يأمر بالجفاء، فقيل: معناه خيبوهم ولا تعطوهم شيئًا؛ لأن من أعطى التراب لم يعط شيئًا كما جاء في الحديث الآخر: "إذا جاء صاحب الكلب يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابًا" (١) أي: خيبه ولا تعطه شيئًا. وقريب منه: "وللعاهر الحجر" (٢). وقيل: إن معناه أعطه ولا تبخل عليه، فإن مآل كل ما يعطى إلى التراب، كما قال: وكل الذي فوق التراب تراب وقيل: معناه التنبيه للممدوح على أن يتذكر أن المبتدأ والمنتهى التراب، فليعرضه على نفسه؛ لئلا يعجب الممدوح بالمدح، وقد أثنى رجل على علي فقال: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون (٣). ولئلا يفرط المداح في مدحه ويطري فيه، وربما انتهى إلى الكذب، لا سيما المداح بالشعر، فإن الشعراء في كل واد يهيمون، وإنهم يقولون ما لا يفعلون. [٤٨٠٥] (حدثنا أحمد) بن عبد اللَّه (بن يونس) اليربوعي (حدثنا أبو شهاب) عبد ربه، الحناط (عن) خالد (الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي

стр. 12208

بكرة، عن أبيه) نفيع بن الحارث بن كلدة. (أن رجلًا أثنى) لفظ مسلم: مدح (على رجل عند النبي ﷺ ) ولمسلم أنه ذكر عنده رجل فقال: يا رسول اللَّه، ما من رجل بعد رسول اللَّه أفضل منه في كذا وكذا (١). (فقال له) زاد في الصحيحين: "ويحك" (٢) (قطعت عنق صاحبك) وفي رواية: "قطعتم ظهر الرجل" (٣) ومعناه: أهلكتموه، وهذِه استعارة من قطع العنق الذي هو القتل؛ لاشتراكهما في الهلاك، لكن هلاك هذا الممدوح في دينه. وقد جاء عنه ﵇: "إياكم والمدح فإنه الذبح" (٤) ويعني بذلك أن الممدوح إذا كثر عليه من ذلك يخاف عليه من العجب بنفسه والكبر على غيره فيهلك دينه، وإذًا المدح مظنة الهلاك الديني عند كثير من الناس فيحرم، لكن هذِه المظنة لا تتحقق إلا عند الإكثار منه لا مع الندرة (ثلاث مرات) فيه: إعادة الكلام ثلاث مرات تأكيدًا وتحريضًا على العمل به (ثم قال: إذا مدح أحدكم صاحبه) ولمسلم: "أخاه" (لا محالة) بفتح الميم، أي: لا تحول عنه (فليقل: إني أحسبه) كذا (كما تريد أن تقول) وظاهر هذا أنه لا ينبغي للإنسان أن يمدح أحدًا ما

стр. 12209

وجد من ذلك مندوحة، فإن لم يجد بدًّا من ذلك مدح بما يعلمه من أوصافه وبما يظنه، ويحترز من الجزم والقطع بشيء من ذلك (ولا أزكيه (١) على اللَّه) لفظ الصحيحين: "ولا أزكي أحدًا على اللَّه" (٢) أي: لا أقطع بأنه كذلك عند اللَّه؛ فإن اللَّه تعالى هو المطلع على السرائر، العالم بعواقب الأمور وخفيات الضمائر. [٤٨٠٦] (ثنا مسدد، ثنا بشر -يعني: ابن المفضل- ثنا أبو مسلمة (٣) سعيد بن يزيد) بن مسلمة الأزدي البصري القصير (عن أبي نضرة) المنذر ابن مالك العبدي، أخرج له مسلم (عن مطرف) بن عبد اللَّه (قال: قال أبي) عبد اللَّه بن الشخير الحرشي. (انطلقت (٤) في وفد بني عامر إلى رسول اللَّه ﷺ ) وهي قبيلة معروفة (فقلت: أنت سيدنا) وفي رواية عند المصنف: أنت سيد قريش (فقال: السيد اللَّه) أي: السؤدد في الحقيقة هو للَّه تعالى، فهو الذي يستحق السيادة، وإنما منعهم مع قوله: "أنا سيد ولد آدم" (٥) لأنهم حديثو (٦) عهد بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة فأرشدهم إلى الأدب، فقال: ادعوني نبيًّا ولا تسموني سيدًا. فكأنه كره أن يحمد في وجهه وأحب التواضع للَّه تعالى، ومنه الحديث لما قالوا له: أنت

стр. 12210

سيدنا. فقال: "قولوا بقولكم" أي: ادعوني نبيًّا ورسولًا كما سماني اللَّه تعالى، ولا تسموني سيدًا كما تسمون رؤساءكم، فإني لست كأحدكم ممن يسودكم في أسباب الدنيا، ولهذا قال في الحديث: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (١) وقال لبني قريظة "قوموا إلى سيدكم" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (٣) دليل على جواز إطلاق السيد من يسود قومه كما يجوز أن يسمى عزيزًا وكريمًا. (قلنا: و) أنت (أفضلنا فضلا) أي: أكثرنا فضيلة وعلمًا (و) أنت (أعظمنا طولًا) أي: قدرة على العطاء والبذل (فقال: قولوا بقولكم) أي: بقول أهل دينكم وشريعتكم وادعوني نبيًّا ورسولًا كما سماني اللَّه تعالى، ولا تسموني سيدًا كما تسموا أكابركم ورؤساءكم (أو) قال: قولوا: (بعض قولكم) فيه حذف واختصار، والتقدير: دعوا بعض قولكم واتركوه فحذف الفعل وبقي المفعول كقوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (٤) أي: وأتوا خيرًا لكم، أو المراد الاقتصار في المقال من غير إفراط. (ولا يستجرينكم) بفتح الياء والتاء وسكون الجيم وكسر الراء وتشديد نون التوكيد (الشيطان) يستفعل من الجري بفتح الجيم وتشديد ياء النسب، والجري: الرسول والوكيل، ومنه حديث أم إسماعيل:

стр. 12211

فأرسلوا جريًّا (١). أي: رسولًا، والمعنى: لا يستغلبنكم الشيطان ويستتبعنكم فيتخذ كلا منكم جريًّا له، وذلك أنهم كانوا مدحوا النبي ﷺ وبالغوا وأطروا (٢) في مدحه، فكره لهم المبالغة في النهي ونهاهم، يريد بما يحضركم من القول بما فيه الاقتصار، ولا تتكلفوا فيه كأنكم وكلاء الشيطان ورسله تنطقون على لسانه، وسمي الجري جريًّا؛ لأنه يجري مجرى موكله. * * *

стр. 12212

١١ - باب في الرِّفْقِ ٤٨٠٧ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ يُونُسَ وَحُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ويُعْطي عَلَيْهِ ما لا يُعْطي عَلَى العُنْفِ" (١). ٤٨٠٨ - حَدَّثَنا عُثْمان وَأَبُو بَكْرٍ ابنا أَبي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبّاحِ البَزّازُ قالُوا: حَدَّثَنا شَرِيكٌ، عَنِ المِقْدامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: سَأَلْتُ عائِشَةَ عَنِ البَداوَةِ فَقالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْدُو إِلَى هذِه التِّلاعِ وَإِنَّهُ أَرادَ البَداوَةَ مَرَّةً فَأَرْسَلَ إِلَي ناقَةً مُحَرَّمَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَقالَ لَي: "يا عائِشَةُ ارْفُقي فَإِنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ في شَيء قَطُّ إِلَّا زانَهُ، وَلا نُزِعَ مِنْ شيء قَطُّ إِلَّا شانَهُ". قالَ ابن الصَّبّاحِ في حَدِيثِهِ: مُحَرَّمَةٌ يَعْني: لَمْ تُرْكَبْ (٢). ٤٨٠٩ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ جَرِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْرَ كُلَّهُ" (٣). ٤٨١٠ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْن مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبّاحِ، حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ، حَدَّثَنا سُلَيْمان الأَعْمَشُ، عَنْ مالِكِ بْنِ الحارِثِ. قالَ الأَعْمَشُ: وَقَدْ سَمِعْتهُمْ يَذْكُرُونَ عَن مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قالَ الأَعْمَشُ: وَلا أَعْلَمُهُ إِلا عَنِ النَّبي ﷺ

стр. 12213

قالَ: "التُّوَدَةُ في كُلِّ شَيء إِلَّا في عَمَلِ الآخِرَةِ" (١). * * * باب في الرفق [٤٨٠٧] (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن يونس وحميد) ابن أبي حميد الطويل (عن الحسن) البصري (عن عبد اللَّه بن مغفل) بفتح الغين المعجمة والفاء المشددة ﵁. (أن رسول اللَّه ﷺ قال: إن اللَّه رفيق) بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، كرحيم بمعنى راحم (يحب الرفق) وهو اللين والتسهيل في الأمور، أي: يأمر به ويحض عليه، وحب اللَّه للطاعة شرعه لها وترغيبه فيها. وقد اختلف العلماء في أسماء اللَّه تعالى هل الأصل فيها التوقيف؟ فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله أو أجمع الأمة عليه؟ ففي الحديث تصريح بتسميته سبحانه رفيقًا وجميلًا يحب الجمال، أو الأصل جواز تسميته تعالى بكل اسم حسن وإن لم يؤذن فيه من الشرع، إلا إذا منع منه مانع شرعي؟ ومراد الخلاف: هل الألف واللام في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢) للجنس؟ فيعم كل اسم حسن وإن لم يرد التصريح به، أو للعهد الذي

стр. 12214

ورد بخصوصه الشرع؟ وعلى أنها للعهد هل تقتبس أسماؤه من أخبار الآحاد أو لا بد من التواتر أو الإجماع؟ والصحيح قبول الآحاد؛ لأن إطلاق الأسماء على اللَّه حكم شرعي عملي، فيكتفى فيه بخبر الواحد. (ويعطي عليه) في الدنيا من الثناء الحسن الجميل وفي الآخرة من الثواب الجزيل (ما لا يعطي على العنف) بضم العين وفتحها، وهو التشديد والتصعيب في الأشياء، ويحتمل أن يكون الرفيق في حق اللَّه بمعنى الحليم، فإنه لا يعجل بعقوبة العصاة، بل يمهل ليتوب إليه من سبقت له السعادة، ويخالف فيزداد إثمًا من سبقت له الشقاوة. قال القرطبي: وهذا المعنى أليق بالحديث، فإنه السبب الذي خرج عليه الحديث، وذلك أن اليهود سلموا على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك. فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة. فقال لها ﷺ . . الحديث (١). [٤٨٠٨] (ثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة ومحمد بن الصباح البزاز) بزاءين معجمتين (قالوا: ثنا) القاضي (شريك، عن المقدام بن شريح) أخرج له مسلم (عن أبيه) شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك المذحجي الكوفي، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وكان من كبار أصحاب علي، وشهد الحكمين بدومة الجندل، وأخرج له مسلم والأربعة. (قال: سألت عائشة عن البِداوة) بكسر الباء على الأظهر، وهي الخروج إلى البادية، كما تقدم الحديث بتمامه في أول كتاب الجهاد

стр. 12215

مع شرحه (١). (قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يبدو إلى هذِه التلاع) بكسر التاء، وهي مجاري الماء من فوق إلى أسفل (وإنه أراد البداوة مرة فأرسل إلى ناقة محرمة) (٢) بفتح الحاء والراء المهملتين، وهي التي لم تركب ولم تذلل (من إبل الصدقة، فقال: يا عائشة، ارفقي فإن الرفق لم يكن في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء قط إلا شانه. قال) محمد (ابن الصباح في حديثه: محرمة، يعني: لم تركب) ولم تذلل بالركوب والحمل، فأمر ﷺ بالرفق بهذِه الناقة الصغيرة، وأن لا يكلفها ما لا تطيق وما (٣) يشق عليها. [٤٨٠٩] (ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية) محمد (٤) بن خازم الضرير (عن الأعمش، عن تميم بن سلمة) بفتح السين أوله، السلمي الكوفي، أخرج له مسلم (عن عبد الرحمن بن هلال) العبسي، أخرج له مسلم (عن جرير) بن عبد اللَّه البجلي ﵁. (قال رسول اللَّه ﷺ : من يحرم الرفق) في أموره (يحرم الخير كله) أي: يفضي ذلك به إلى أن يحرم خير الدنيا والآخرة، فإن مدار الأفعال كلها على التسهيل والتيسير من الآدمي ومن غيره من الدواب ومن غيرهم.

стр. 12216

[٤٨١٠] (ثنا الحسن بن محمد بن الصباح) الزعفراني، شيخ البخاري (ثنا عفان) (١) بن مسلم الصفار (حدثنا عبد (٢) الواحد) بن زياد العبدي (حدثنا سليمان) بن مهران (الأعمش، عن مالك بن الحارث) السلمي الرقي، وثقه ابن معين وغيره (٣)، ولم يذكر الأعمش فيه من حدثه، ولم يجزم برفعه، وذكر محمد بن طاهر الحافظ هذا الحديث بهذا الإسناد. وقال: في روايته انقطاع وشك. (قال الأعمش: وقد سمعتهم يذكرون) هذا الإسناد (عن مصعب (٤) ابن سعد، عن أبيه) سعد بن أبي وقاص. (قال الأعمش: ولا أعلمه إلا) (٥) مرفوعًا (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: التؤدة) بضم التاء وهمزة مفتوحة، وهي التاني والتثبت وترك العجلة والتثبيت (في كل شيء) هو فضل ونعمة من اللَّه، يعطيه من شاء من عباده، ويدل على هذا رواية أبي يعلى: [. . .] (٦) "التأني من اللَّه، والعجلة من الشيطان" (٧). وأصل التاء في التؤدة مبدلة من الواو (إلا في الآخرة) هذا عام في كل أعمال الآخرة أن المبادرة إليها أفضل من

стр. 12217

التأخير، بخلاف [حالات] (١) الاستثناء المعدودة، كما روى المزي في "التهذيب" في ترجمة محمد بن موسى عن مشيخة من قومه أن النبي ﷺ قال: "الأناة في كل شيء إلا في ثلاث: إذا صيح في خيل اللَّه، وإذا نودي بالصلاة، وإذا كانت الجنازة" (٢). وفي حديث حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة، فإنها من سنن رسول اللَّه ﷺ : إطعام الطعام وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنب (٣). * * *

стр. 12218

١٢ - باب فِي شُكْرِ المَعْرُوفِ ٤٨١١ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النّاسَ" (١). ٤٨١٢ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ المُهاجِرِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَتِ الأَنْصارُ بِالأَجْرِ كُلِّهِ. قالَ: "لا ما دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" (٢). ٤٨١٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا بِشْرٌ، حَدَّثَنا عُمارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، قالَ: حَدَّثَني رَجُلٌ مِنْ قَوْمي، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أُعْطي عَطاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ يَحْيَى بْن أَيُّوبَ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ، عَنْ جابِرٍ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ شُرَحْبِيلُ، يَعْني: رَجُلًا مِنْ قَوْمي، كَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ (٣). ٤٨١٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الجَرّاحِ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي

стр. 12219

سُفْيانَ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ أَبْلَى بَلاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ" (١). * * * باب في شكر المعروف [٤٨١١] (ثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي، شيخ البخاري (ثنا الربيع بن مسلم) البصري الجمحي، أخرج له مسلم في غير موضع. (عن محمد (٢) بن زياد) القرشي الجمحي، مولى آل عثمان بن مظعون. (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا يشكر اللَّه من لا يشكر الناس) روي في هذا الحديث أربع إعرابات: رفع اسم اللَّه والناس، ونصبهما، ورفع الأول ونصب الثاني، وعكسه. فرفعهما يلي حذف المفعولين من الأول والثاني، والتقدير: من لا يشكره الناس لا يشكره اللَّه تعالى. ونصبهما على حذف الفاعلين، ومعناه: من لا يشكر الناس بالثناء عليهم لا يشكر اللَّه تعالى، فإن العبد قد أمر بذلك. ورفع الأول ونصب الثاني على معنى: لا يكون من اللَّه شكر إلا من يشكر الناس. والرابع وهو نصب (اللَّه) ورفع (الناس) على معنى لا يشكر اللَّه من لا

стр. 12220

يشكره الناس، يثنون (١) عليه بالمعروف فإنهم شهداء اللَّه في الأرض، فمن شهدوا عليه وأثنوا عليه خيرًا قبل اللَّه منه عمله وأوجب له الجنة. قال في "النهاية": معنى الحديث أن اللَّه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه، ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر. وقيل: معناه: أن من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس (٢) وترك الشكر لهم كان من عادته كفر نعمة اللَّه وترك الشكر له. وقيل: معناه أن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر اللَّه وإن شكره، كما تقول: لا يحبني من لا يحبك، أي: إن محبتك مقرونة بمحبتي، فمن أحبني يحبك، ومن لم يحبك فكأنه لم يحبني (٣). انتهى. قال ذو (٤) النون المصري: الشكر من فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال (٥). [٤٨١٢] (ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة (عن ثابت) البناني (عن أنس) بن مالك. (أن المهاجرين قالوا: يا رسول اللَّه، ذهب الأنصار بالأجر كله) هذا الأجر هو كثرة البذل والعطاء وحسن المواساة وكثرة الإيثار على
следующие страницы →