← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12251–12290 · переход к 12256.

стр. 12251

(الذي لا يقرأ القرآن) ولا يعمل به (كمثل الحنظلة) قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة، حتى الحنظل. روى الترمذي: عن أنس عن النبي ﷺ : "مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة" قال: هي الحنظلة (١). (طعمها مر ولا ريح لها) فهي كالكلمة الخبيثة. (ومثل الجليس) الرجل (الصالح) كذا الرواية، وهو من إضافة الشيء إلى صفته كمسجد الجامع، والرجل الصالح هو القائم بحقوق اللَّه وحقوق عباده (كمثل صاحب المسك) ولمسلم: "كحامل المسك" (٢) (إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه) ومقصود هذا التمثيل الحض على صحبة العلماء والفضلاء وأهل الدين والصلاح (٣)، وهو الذي يزيدك نطقه علمًا وفعله أدبًا ونظره خشية للَّه تعالى. (ومثل جليس) الرجل (السوء) وفي رواية لغير المصنف: "الجليس السوء" (٤) وهو الأفصح والأحسن (كمثل صاحب الكير) وفي "الصحيح": "نافخ الكير" (٥) وهو منفخ الحداد، وهو جلد أو زق غليظ ذو حافات، وفي "الصحيح": "المدينة كالكير تنفي خبثها" (٦) وأما الكور فهو المبني من الطين (إن لم يصبك شيء من سواده أصابك من دخانه).

стр. 12252

وفيه الزجر عن مخالطة أهل الشر والفساد، وكذا الحريصون على الدنيا، فإن صحبتهم سم قاتل؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه، فالجليس الشرير إن لم يصبك شيء من شره أصابك بالطبع بعض طباعه القبيحة، فاكتسبتها بمجالسته وأنت لا تدري. [٤٨٣٠] (ثنا) عبيد اللَّه (ابن معاذ) شيخ مسلم، كان يحفظ نحو عشرة آلاف حديث (ثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري (عن شعبة، ح. وحدثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة، عن قتادة، عن أنس) ابن مالك (عن أبي موسى) الأشعري. (عن النبي ﷺ بهذا الكلام الأول إلى قوله: طعمها مر. وزاد) عبيد اللَّه (ابن معاذ: قال أنس: وكنا نتحدث) فيما بيننا (أن مثل جليس الصالح. وساق بقية الحديث) المذكور. [٤٨٣١] (ثنا عبد اللَّه بن الصباح العطار) أخرج له الشيخان (ثنا سعيد ابن عامر) الضبعي، شيخ البصرة أربعين سنة (عن شبيل) بضم الشين المعجمة مصغر (ابن عزرة) بفتح المهملة بعدها زاي ساكنة ثم راء، الضبعي، وهو أبو عمرو النحوي البصري من أئمة العربية، ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث قال ابن معين: هو ثقة (١). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). (عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: مثل الجليس الصالح، فذكر نحوه) قال المزي في "التهذيب": وقع لنا هذا الحديث عاليا جدًّا، ثم ذكر لفظه: "مثل الجليس الصالح مثل العطار إن لم يصبك من عطره -

стр. 12253

أو قال: - يعطيك من عطره أصبت من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل القين، إن لم يحرق ثوبك أصابك من ريحه" (١) والقين: الحداد والصائغ، ومنه حديث خباب: كنت قينًا في الجاهلية (٢). [٤٨٣٢] (ثنا عمرو بن عون) الواسطي، شيخ البخاري (ثنا) عبد اللَّه (ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن سالم بن غيلان) بفتح الغين المعجمة التجيبي المصري، صدوق (عن الوليد بن قيس) التجيبي، وثق. (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الخدري، قال سالم (أو عن أبي الهيثم) سليمان بن عمرو بن عبد الملك العتواري المصري، أخرج له البخاري في "الأدب" (عن أبي سعيد) وكذا رواه على الشك الترمذي بلفظ: حدثنا سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري قال سالم: أو عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد أنه سمع رسول اللَّه ﷺ (٣). (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: لا تصاحب إلا مؤمنًا) تقيًّا، فإن صحبة الكافر والفاسق الذي لا يتقي اللَّه تعالى تغير الطباع، والطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه كما تقدم، فمصاحبة الحريص تزيد حرصا على الدنيا، ومصاحبة الزاهد تزهد، فكذلك يكره صحبة طلاب الدنيا ويستحب صحبة الراغبين في الآخرة، وكذلك حذر النبي ﷺ عن مجالسة الموتى وهم الأغنياء (٤)، وأعظم بركة صحبة المتقي أن ترجو شفاعته يوم القيامة إذا حصلت له النجاة كما قال تعالى:

стр. 12254

﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١﴾ (١) ولأنه قد يرى منه خصلة حميدة في مخالطته فتنبعث نفسه إلى العمل بها والتشبه به، وغير ذلك من الفوائد. (ولا يأكل طعامك إلا تقي) ليكون ما تطعمه إياه عونًا له على الطاعة، وهذا في طعام الإحسان والمواساة والكرم دون طعام المضطر والجائع والضيف، فعن بعض الأنبياء (٢) أنه استضافه نصراني فلم يطعمه؛ لكفره، فلما ولى عنه النصراني أوحى اللَّه إليه أن له كذا وكذا يكفر بي وأنا أطعمه، فهلا أطعمته ساعة واحدة. فدعا النصراني وأطعمه فسأله النصراني عن سبب منعه أولًا ودعائه ثانيًا، فذكر له ما أوحى اللَّه إليه، فأسلم، وقد مدح اللَّه إطعام الكافر بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٣) ومعلوم أن الأسير كافر غير مؤمن ولا تقي، وإنما حذر من مخالطة غير المتقي ومؤاكلته؛ لأن ذلك يفضي إلى التآلف ومودة القلوب، وغير المتقي لا يؤالف ولا يتخذ جليسًا. [٤٨٣٣] (ثنا) محمد (ابن بشار، حدثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي (وأبو داود) الطيالسي (قالا: حدثنا زهير (٤) بن محمد) التميمي المروزي (حدثني موسى بن وردان) العامري القاص، صدوق. (عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: الرجل) يحشر (على دين

стр. 12255

خليله) ويروى: "المرء بخليله" (١) والخليل الصديق، فعيل بمعنى مُفاعِل، وقد يكون بمعنى مفعول، سمي الخليل خليلًا لأن محبته تخللت القلب فصارت خلاله أي: في باطنه. قال الشاعر: قد تخللت مسلك الروح مني ... فلذلك سمي الخليل خليلًا (٢) وقيل: هو مشتق من الخلة وهي الحاجة والفقر؛ لأن الأخ يفتقر إلى خليله ويحتاج إليه في مهماته وحوائجه. (فلينظر أحدكم من يخالل) أي: فلينظر أحدكم بعين بصيرته إلى أمور من يريد صداقته وأحواله، فمن رآه فرضي دينه صادقه، ومن سخط عليه في دينه فليجتنبه، ومن رآه يرى له مثل ما يرى له صحبه. وروى ابن عدي في "الكامل" من حديث أنس ﵁: "لا خير في صحبة من لا يرى مثل ما يرى له" (٣). فأقل درجات الأخوة والصداقة النظر بعين المساواة والكمال في رؤية الفضل للأخ، ولذلك قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني. قيل: وكيف؟ قال: كلهم يرى لي الفضل على نفسه، ومن

стр. 12256

فضلني على نفسه فهو خير مني (١). قال سفيان: إذا قيل لك: أنت شر الناس فغضبت. . أي: ينبغي لك أن تكون معتقدًا (٢) ذلك في نفسك أبدًا. [٤٨٣٤] (ثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء) الموصلي، نزيل الرملة، صدوق (ثنا أبي) زيد بن أبي الزرقاء يزيد التغلبي، نزيل الرملة (ثنا جعفر. يعني: ابن برقان) بضم الموحدة، الكلابي الرقي، أخرج له مسلم. (عن يزيد بن الأصم) العامري (عن أبي هريرة ﵁ يرفعه) إلى النبي ﷺ (قال) زاد مسلم: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم [في الجاهلية] (٣) خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (٤). و(الأرواح جنود مجندة) أي: أجناد مجندة، وقيل: أجناس مختلفة وجموع مجتمعة. ويعني بذلك أن الأرواح وإن اتفقت في كونها أرواحًا فإنها تتميز بأمور متنوعة وأحوال مختلفة، فتتشاكل أشخاص النوع الواحد وتتباين وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة، وكذلك تشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها وتنفر من مخالفها، فالأرواح المجبولة على الخير والرحمة والشفقة على عباد اللَّه والعدل فيهم تميل بطبعها إلى من كان فيه ذلك المعنى، وتألفه [وتأنس به] (٥) وتسكن إليه وتنفر ممن اتصف بنقيضه،

стр. 12257

وهكذا في الجفاء والقسوة، ولذلك تجد في كلام الناس الجنس يميل إلى الجنس، والشكل يألف الشكل، ولهذا قال بعد: (فما تعارف منها) (١) أي: تناسب بصفاته (ائتلف) بعضه إلى بعض، لأمر جعلها اللَّه تعالى عليه وخلقها. وقيل: لأنها خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسادها، فمن وافق الثقة تألف به واجتمع عليه. (وما تناكر منها) أي: تباعد وتنافر وخالف وصفه (اختلف) أي: وقع فيه الاختلاف. وقيل: إن معنى ذلك هو ما تعرف اللَّه به إليها من صفاته ودلها عليه من لطفه في أفعاله، فكل روح عرف من الآخر أنه تعرف إلى اللَّه بمثل ما تعرف هو به ألفه. وقال الخطابي: هو ما خلقها اللَّه عليه من السعادة والشقاوة في المبدأ الأول (٢). ويستفاد من الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فتش عن الموجب لتلك النفرة، وبحث عنه بنور العلم، فإنه ينكشف له فيتعين عليه أن يسعى في إزالة ذلك وفي تصفيته بالرياضة والسياسة والمجاهدة الشرعية حتى يتخلص من ذلك الوصف المذموم فيميل لأهل الفضائل والعلوم، وكذلك إذا وجد من نفسه ميلًا من فيه شر أو وصف مذموم. * * *

стр. 12258

٢٠ - باب فِي كَراهيَةِ المِراءِ ٤٨٣٥ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ، حَدَّثَنا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحابِهِ في بَعْضِ أَمْرِهِ قالَ: "بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا" (١). ٤٨٣٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى عَنْ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَني إِبْراهِيمُ بْنُ المُهاجِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ قائِدِ السّائِبِ، عَنِ السّائِبِ قالَ: أَتَيْتُ النَّبي ﷺ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلي وَيَذْكُرُوني فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنا أَعْلَمُكُمْ". يَعْني بِهِ. قُلْتُ: صَدَقْتَ بِأَبي أَنْتَ وَأُمّي كُنْتَ شَرِيكي فَنِعْمَ الشَّرِيك، كُنْتَ لا تُداري وَلا تُمارِي (٢). * * * باب في كراهية المراء [٤٨٣٥] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (ثنا بريد (٣) بن عبد اللَّه) هو بضم الموحدة وفتح الراء المهملة، ثم ياء التصغير (عن جده) أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري (عن) أبيه (أبي موسى) الأشعري ﵁. (قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره) أو بعث سرية أو جيشًا أو أمر عليهم أميرًا (قال) ولمسلم عن سعيد بن أبي

стр. 12259

بردة، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ بعثه ومعاذا إلى اليمن فقال: " [يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا] (١) وتطاوعا ولا تختلفا" (٢). (بشروا) بالموحدة والشين المعجمة، أي: بشروا من لقيتموهم بجسيم فضل اللَّه وعظيم ثوابه (ولا تنفروا) بذكر التخويف وأنواع الوعيد والعقاب المحض اللازم من غير ضمه إلى شيء من البشارة بعفو اللَّه تعالى ومغفرته (ويسروا) بالمثناة تحت والسين المهملة، أي: اعملوا بالتيسير في أموركم (ولا تعسروا) فيها وتشددوا. [٤٨٣٦] (ثنا مسدد، ثنا يحيى) القطان (عن سفيان) بن سعيد الثوري (حدثني إبراهيم بن المهاجر) البجلي الكوفي، أخرج له مسلم. (عن مجاهد، عن قائد السائب) بن أبي السائب وابنه، قاله المنذري (٣). (عن السائب) بن أبي السائب صيفي بن عابد بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، شريك النبي ﷺ قبل المبعث فيما قيل، وقيل: بل ذاك أبوه واختلف في إسناده فقيل: أسلم يوم الفتح، وهو من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه، وحكى ابن عبد البر عن ابن عباس أن السائب [ابن أبي السائب] (٤) ممن هاجر مع رسول اللَّه ﷺ وأعطاه يوم الجعرانة من غنائم حنين، ثم قال: وهذا أولى ما عول عليه في هذا

стр. 12260

الباب (١). يعني: بخلاف ما قال ابن إسحاق أنه قتل يوم بدر كافرًا (٢)، وذكر غيره قتله الزبير بن العوام. (قال: أتيت النبي ﷺ فجعلوا يثنون) بضم أوله (عليَّ ويذكرون (٣) بكل خير، فقال رسول اللَّه ﷺ : أنا أعلمكم. يعني: به) فيه: كراهية مدح الإنسان في وجهه، وإبطال المادح من مدحه بالتعرض دون التصريح، فإن المراد: واللَّه لا تمدحوه، فإني أعلم بحاله منكم. وفيه ثناء الحاضرين عند الكبير أو الحاكم على من حضر إليه، والإعلام بحاله. (قلت: صدقت) يا رسول اللَّه (بأبي أنت وأمي) أي: أفديك بأبي وأمي (كنت شريكي فنعم الشريك) سياق هذا الكلام يدل على أن (كنت شريكي فنعم الشريك) من كلام السائب، وكلام ابن عبد البر يدل على أنه من كلام رسول اللَّه ﷺ ، فإنه روى عن رسول اللَّه ﷺ : "نعم الشريك كان أبو السائب، لا يشاري ولا يماري" (٤) ويحتمل أن تكون قضيتين. ومعنى "لا يشاري": لا يلح عليه في أمر، قد شرى، واستشرى: إذا لج في الأمر. وقيل: لا يشار من الشر، أي: لا يشارره. فقلب إحدى الراءين ياءً. قال في "النهاية": والأول أوجه؛ لحديث أم زرع: ركب شريا (٥).

стр. 12261

أي: ركب فرسًا يستشري في سيره، يعني: يلج ويجد (١). وروى الترمذي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لا تمار أخاك ولا تمازحه، ولا تعده موعدًا فتخلفه" (٢). (كنت لا تداري) بسكون الياء، وأصله بالهمز؛ لأنه من الدرء والدفع؛ لمناسبة ما بعده وممازحته وهو يماري، وله نظائر معروفة، والمعنى: لا تمانع في شيء ولا تخالف فيه ولا تشاغب. يصفه رسول اللَّه ﷺ بحسن الخلق والسهولة في المعاملة، ومنه الحديث أنه ﷺ كان يصلي فجاءت بهمة تمر بين يديه، فما زال يدارئها (٣). أي: يدافعها. ويروى بغير همز، من المداراة، وهي محمودة في الشريعة؛ لحديث: "رأس العقل بعد الإيمان باللَّه مداراة الناس" (٤) والمداراة ملاينة الكلام للناس وحسن صحبتهم؛ لئلا ينفروا عنه. (ولا تماري) (٥) تقدم الكلام فيه قريبًا، ويحتمل أن يكون المراد المماراة في القرآن لحديث: "لا تماروا في القرآن، فإن مراءه كفر" (٦)

стр. 12262

وهو المجادلة على طريق التشكيك والريبة، وقيل: إنما جاء ذم المراء في الآيات التي فيها ذكر القدر، وأما الجدال فيما تضمنته الآيات من الأحكام وأبواب الحلال والحرام فإن ذلك قد جرى بين الصحابة فمن بعدهم من العلماء، وذلك فيما يكون الغرض منه والباعث عليه ظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز للغير. * * *

стр. 12263

٢١ - باب الهَدي في الكَلامِ ٤٨٣٧ - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الحَرّاني، قالَ: حَدَّثَني مُحَمَّدٌ -يَعْني: ابن سَلَمَةَ-، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّماءِ (١). ٤٨٣٨ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ قالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا في المَسْجِدِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كانَ في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْتِيلٌ أَوْ تَرْسِيلٌ (٢). ٤٨٣٩ - حَدَّثَنا عُثْمانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابنا أَبي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ أُسامَةَ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ رَحِمَها اللَّهُ قالَتْ: كانَ كَلامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ (٣). ٤٨٤٠ - حَدَّثَنا أَبُو تَوْبَةَ قالَ زَعَمَ الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزاعي، عَنْ قُرَّةَ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ كَلامٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدُ للَّه فَهُوَ أَجْذَمُ". قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ يُونُسُ وَعُقَيْلٌ وَشُعَيْبٌ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنِ الزُّهْري،

стр. 12264

عَنِ النَّبي ﷺ مُرْسَلًا (١). * * * باب الهدي في الكلام الهدي بفتح الهاء وسكون الدال هو السيرة والهيئة والطريق، وفي الحديث: "الهدي الصالح والسمت الصالح جزء (٢) من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة" (٣). وفي البخاري: خير الهدي هدي محمد ﷺ (٤). يعني: الخلال التي هي من شمائل الأنبياء ومن جملة خصالهم. [٤٨٣٧] (ثنا عبد العزيز بن يحيى) أبو الأصبغ (الحراني) بفتح الحاء وتشديد الراء المهملتين وبعد الألف نون، ثقة. (حدثني محمد بن سلمة) بن عبد اللَّه الباهلي الحراني، أخرج له مسلم. (عن محمد بن إسحاق) صاحب "المغازي" (عن يعقوب بن عتبة) الثقفي، ثقة، من العلماء (عن عمر بن عبد العزيز، عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام) بتخفيف اللام (عن أبيه) عبد اللَّه بن سلام، حبر الأمة.

стр. 12265

(قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا جلس يتحدث) مع أصحابه (يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء) يشبه أن فيه إشارة إلى أن ما أحدثكم عن اللَّه وحي يوحى إليَّ لا من هوى نفسي، فتمسكوا به واعملوا. ويحتمل أن يكون في رفع بصره إشارة منه إلى أصحابه أن يتفكروا في هذا البناء العجيب العظيم المرتفع على غير عمد تحته ولا علاقة من فوقه، بل هو واقف بقدرة اللَّه تعالى، فهو من أعظم الدلائل على وحدانية اللَّه تعالى، قال: ولهذا كان ﷺ إذا استيقظ من النوم رفع طرفه إلى السماء وقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) (٢). [٤٨٣٨] (ثنا محمد بن العلاء) بن كريب الكوفي (ثنا) محمد (ابن بشر) (٣) بن الفرافصة العبدي (عن مسعر) بكسر الميم ابن كدام الهلالي الكوفي (قال: سمعت شيخا في المسجد) لعله محمد بن عبد اللَّه. (يقول: سمعت جابر بن عبد اللَّه ﵄ يقول: كان في كلام رسول اللَّه ﷺ ترتيل) ترتيل القراءة والكلام والمشي هو التأني والتمهل وترك العجلة وتبيين الحروف والحركات، يشبه بالثغر المرتل وهو المشبه بنور الأقحوان، يقال: رتل القراءة والكلام وترتل فيهما. (أو ترسيل) شك من الراوي، والترتيل والترسيل بمعنى، يقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه. إذا لم يعجل، وهو والترتيل سواء،

стр. 12266

ومنه حديث عمر: إذا أذنت فترسل (١). أي: تأن ولا تعجل. [٤٨٣٩] (ثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: ثنا وكيع، عن سفيان) الثوري (عن أسامة) بن زيد الليثي، أخرج له مسلم (عن الزهري، عن عروة) بن الزبير. (عن عائشة ﵂ قالت: كان كلام رسول اللَّه ﷺ كلامًا فصلًا) أي: بينا ظاهرًا يفصل بين الحق والباطل، والفصيح في اللغة المنطلق اللسان في القول، الذي يعرف جيد الكلام من رديئه، يحتمل أن يكون المعنى فيه أنه كان يفصل في كلامه بين كل حرفين ليبين الحروف، أو بين كل كلمتين ليبين الكلام (يفهمه كل من سمعه) وهذا هو أحسن الكلام وأفصحه. [٤٨٤٠] (حدثنا أبو توبة) الربيع بن نافع الحلبي، ثقة حافظ، من الأبدال (قال: زعم الوليد) بن مسلم القرشي الدمشقي (عن) عبد الرحمن (الأوزاعي، عن قرة) بن عبد الرحمن بن حيويل بمهملة مفتوحة، ثم تحتانية ثم واو مكسورة ثم تحتانية، المعافري المصري، يقال: اسمه يحيى. صدوق، له مناكير (عن الزهري، عن أبي سلمة) ابن عبد الرحمن. (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد) بالرفع على الحكاية (للَّه) وفي رواية: "كل أمر ذي بال لا يبدأ

стр. 12267

بالحمد للَّه" (١) وفي رواية: "بحمد اللَّه" (٢) وفي رواية: "لا يبدأ فيه بذكر اللَّه" (٣) وفي رواية: "ببسم اللَّه الرحمن الرحيم" (٤) وأكثر هذِه الروايات في كتاب "الأربعين" للحافظ عبد القاهر الرهاوي، وروي مرسلا، ورواية الموصول إسنادها جيد كما سيأتي. والمراد بالكلام في هذا الحديث ما بينه في الرواية الأخرى: الكلام الذي له بال، ومعنى (له بال) أي: حال وشأن يهتم بأمره الآدمي ويعتني به من الأمور المهمة، بخلاف التسمية، فإنها فيما يهتم به ويعتنى وما لا يهتم به، بل في جميع الأمور، وعلى هذا فتكون التسمية أعم من الحمد، فما يهتم به يجمع فيه بين التسمية أولًا، ثم الحمد للَّه، وما لا يهتم به، فسمى عليه دون الحمد، فيقتصر عند إغلاق الباب وإطفاء المصباح وتغطية الإناء على التسمية فقط، ولهذا قال أصحابنا وغيرهم: يستحب تقديم حمد اللَّه تعالى والثناء عليه [لكل خطيب] (٥) ومدرس وواعظ ومتكلم في أي علم، كان وداع في طلب شيء أو دفعه، كما جاء في كتاب اللَّه من الابتداء بالحمد للَّه والثناء قبل الدعاء بالهداية والاستعانة.

стр. 12268

(فهو أجذم) بسكون الجيم وفتح الذال المعجمة أي: مقطوع البركة، يقال: منه جذم بكسر الذال يجذم بفتحها فهو أجذم إذا تهافتت أعضاؤه من الجذام، وهو الداء المعروف، لكن قال الجوهري: لا يقال للمجذوم: أجذم (١). وفي الحديث: "من لقن القرآن ثم نسيه لقي اللَّه يوم القيامة وهو أجذم" (٢) أي: مقطوع اليد من الجذم القطع، وسيأتي هذا المعنى في الحديث بعده. (قال) المصنف (رواه يونس وعقيل) بضم العين، وهو ابن خالد الأيلي (وشعيب) بن أبي حمزة (وسعيد بن عبد العزيز) بن يحيى التنوخي، أخرج له مسلم (عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلًا). * * *

стр. 12269

٢٢ - باب فِي الخُطْبَةِ ٤٨٤١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَمُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنا عاصِمُ بْن كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيها تَشَهُّدٌ فَهي كاليَدِ الجَذْماءِ" (١). * * * باب في الخطبة [٤٨٤١] (ثنا مسدد وموسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي، الحافظ (قالا: ثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي، مولاهم البصري (ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب (٢) بن شهاب الجرمي، روى له الأربعة، وقد وثق. (عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: كل خطبة) لجمعة أو عيد، أو كسوف أو خطبة نكاح أو نحو ذلك (ليس فيها تشهد) وروي في غير المصنف: "شهادة" (٣). وسمي تشهدًا؛ لأن فيه: أشهد. ومعنى أشهد: أعلم وأبين. والظاهر أن المراد به الشهادة للَّه تعالى بالوحدانية، وفي معناه

стр. 12270

الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة، ويحتمل أن يكون (أشهد) لفظ مشترك على كلتا (١) الشهادتين (فهي كاليد) إن قلنا: المراد بالتشهد الشهادة بالوحدانية فهو مشبه باليد اليمنى، والشهادة بالرسالة مشبه باليد اليسرى، وشبه الشهادة باليد لأنها من الخطبة بمنزلة اليد من الآدمي، ويحتمل أن يكون ﷺ كنى باليد عما تحويه وتشتمل عليه من الخير الكثير مع اعتقاد المعنى. (الجذماء) بفتح الجيم، وسكون المعجمة، مع المد، فالمذكر أجذم والمؤنث جذماء، والظاهر أن هذا من باب فعل، والمراد به مفعول [أي: كاليد المجذومة، وقد قال النحاة: إن فَعل الواقع موقع مَفْعُولٍ] (٢) لا يؤنث بالتاء، فلا يقال: كف خضيبة، بل خضيب. بحذفها على المشهور، فإن كان لا يؤنث بالمد أيضًا فلعل المد هنا على غير المشهور، ومعنى الجذماء أي: المقطوعة البركة، وقد يعبر باليد عن الحجة. * * *

стр. 12271

٢٣ - باب فِي تَنْزيلِ النّاسِ مَنازِلَهُمْ ٤٨٤٢ - حَدَّثَنا يَحْيَى بْن إِسْماعِيلَ وابْن أَبي خَلَفٍ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ اليَمانِ أَخْبَرَهُمْ عَنْ سُفْيانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبي ثابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبي شَبِيبٍ أَنَّ عائِشَةَ ﵍ مَرَّ بِها سائِلٌ فَأَعْطتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِها رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَها في ذَلِكَ, فَقالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْزِلُوا النّاسَ مَنازِلَهُمْ". قالَ أَبُو داوُدَ: وَحَدِيث يَحْيَى مُخْتَصَرٌ. قالَ أَبُو داوُدَ: مَيْمُونٌ لَمْ يُدْرِكْ عائِشَةَ (١). ٤٨٤٣ - حَدَّثَنا إِسْحاقُ بْن إِبْراهِيمَ الصَّوّافُ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْن حُمْرانَ، أَخْبَرَنا عَوْفُ بْن أَبي جَمِيلَةَ، عَنْ زِيادِ بْنِ مِخْراقٍ، عَنْ أَبي كِنانَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَري قالَ: قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرامَ ذي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ وَحامِلِ القُرْآنِ غَيْرِ الغالي فِيهِ والجافي عَنْهُ، وَإِكْرامَ ذي السُّلْطانِ المُقْسِطِ" (٢). * * * باب في تنزيل الناس منازلهم [٤٨٤٢] (ثنا يحيى بن إسماعيل و) محمد بن أحمد (ابن أبي خلف) محمد البغدادي، شيخ مسلم. (أن يحيى بن اليمان) الكوفي، صدوق (أخبرهم عن سفيان) الثوري (عن حبيب (٣) بن أبي ثابت) قيس بن دينار

стр. 12272

الأسدي الكاهلي. (عن ميمون بن أبي شبيب) الربعي، أبو نصر الكوفي، صدوق. (أن عائشة ﵂ مر بها سائل) حمل بعضهم السائل على طالب العلم، ولهذا قيل (مر بها سائل) (فأعطته) (١) فيه مشروعية إطعام المار بالطريق وإن لم يسأل، لا سيما إذا كان الممرور به يأكل (كسرة) بكسر الكاف، وهي القطعة المكسورة من الخبز، والجمع كسر بكسر الكاف، مثل سدرة وسدر. وفيه فضيلة إطعام الفقير وغيره الكسرة من الخبز ولو بغير أدم إذا لم يتيسر غيرها، وكذا التمرة الواحدة والزبيبة والبصلة ونحو ذلك، ولا يمتنع من إعطاء شيء من ذلك احتقارًا له، فقد ورد ذم ذلك وحصول الإثم عليه. (ومر بها رجل عليه ثياب) فاخرة (وهيئة) بزة في حسن صورته وتنظيف ثيابه وسمته في المشي والحركة ونحو ذلك. (فأقعدته) فيه أن من سنة الضيافة أن يقعد الضيف للأكل ولا يدعه يأكل قائمًا، وكذا الأفضل إقعاده للأكل دون إعطائه ما يأكله في بيته، فإن الأكل في بيت صاحب الطعام فيه فضيلة وبركة لصاحبه. (فأكل) فيه طواعية الضيف لصاحب الطعام في جلوسه إذا أمره بالجلوس، وأكله إذا أمره، وقد يؤخذ منه أن وضع الطعام كاف في الإذن، إذ ليس في الحديث أنها أذنت له في الأكل، وفيه أن الضيف يأكل وإن كان ممتلئا من الطعام، وفيه جواز الأكل للرجل من بيت المرأة وإن كان صاحب المنزل غائبًا إذا لم تكن ريبة ولا خوف (٢) من

стр. 12273

مفسدة في الدين والدنيا، وفيه الأكل من طعام أهل الخير للتبرك؛ إذ كانت عائشة ممن يتبرك بها. وفيه أكل الرئيس من طعام الفقراء وإن كان دون حقه ودون ما يليق به تواضعًا للَّه تعالى؛ إذ قد مر الحسن بن علي بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق، وقد نثروا كسرًا على الأرض في الرمل وهم يأكلون، وكان على بغلته فسلم عليهم، فقالوا له: هلم الغداء يا ابن رسول اللَّه. فقال: نعم، إن اللَّه لا يحب المتكبرين. فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل، ثم سلم عليهم فركب، وقال: قد أجبتكم فأجيبوني (١). (فقيل لها في ذلك) أي: في إطعامها الأول كسرة ولم تجلسه، وأكرمت الثاني بالجلوس عندها وتقديم الطعام له، ولم تسو بينهما في الإكرام كما في الخصمين عند الحاكم. (فقالت: قال رسول اللَّه ﷺ ) فيه أن العالم إذا فعل شيئًا يخفى أمره وسئل عن ذلك أن يستدل بالحديث النبوي؛ إذ هو من أقوى الحجج الشرعية، وهو أبلغ من ذكر الحكم (٢) دون دليل. (أنزلوا الناس) هذِه الرواية تدل على أن الأرجح في رواية مسلم: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن ننزل الناس منازلهم (٣). أن يقرأ: (نُنْزِل) بضم النون الأولى وسكون الثانية، مضارع أنزل، والرواية المشهورة: نُنَزِّل بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الزاي، ويدل على هذا تبويب المصنف: (باب تنزيل الثاس) فإنه مصدر نزَّل

стр. 12274

بالتشديد، وهما لغتان نزل وأنزل (١) (منازلهم) والمراد بالحديث الحض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض في الإكرام في المجالس وفي القيام والمخاطبة والمكاتبة وغير ذلك من الحقوق. قال النووي: وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها، وقد سوى الشرع بينهم في القصاص والحدود وأسبابها (٢). انتهى. وفي التعازير يعزر كل أحد بما يليق به، وقد ميز الشرع بينهم بقوله: "ليلني منكم ذوو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم" (٣) فيقدم في القرب منه الأفضل فالأفضل من البالغين والعقلاء إكرامًا لهم، فيعامل الإمام كل أحد بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف والمرتبة، فإن اللَّه أعطى (٤) كل ذي حق حقه. قال الإمام مسلم قبل هذا الحديث (٥): فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته، ويعطى كل ذي حق حقه، من قول اللَّه تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٦) وقد أخذ المحدثون من هذا أن عليهم أن يبذلوا وسعهم في تبيين رجال الأسانيد ونقد رجالهم وتمييز صالحهم من طالحهم. (قال: ) المصنف (وحديث يحيى) بن إسماعيل كذا صوابه، وعند اللؤلؤي: ابن اليمان. (مختصر) كان اقتصر فيها على قوله: (أنزلوا

стр. 12275

الناس منازلهم) دون ما قبله من القصة. و(قال: ) المصنف (ميمون) بن أبي شبيب (لم يدرك) زمن (عائشة ﵂ وعلى هذا فالحديث منقطع، وقد ظهر للمصنف من هذا الحديث ما لم يظهر لمسلم، ولو ظهر له ذلك لما استدل به، إلا أن يكون يرى العمل بالمراسيل، ولفظ مسلم: ذكر عن عائشة (١)، وهو مشعر بضعفه، ولفظه ليس جازمًا بصحته، وبالنظر إلى أنه أورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد، ومع ذلك فقد حكم الحاكم في كتاب "علوم الحديث" بصحته (٢)، ورواه البزار في "مسنده" وقال: هذا الحديث لا يعلم عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا. قال النووي: وقوله (ميمون لم يدرك عائشة) فيه نظر، فإنه كوفي متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة. وعند التعاصر مع إمكان التلاقي كان في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: لم ألق عائشة استقام لأبي داود الحديث بعدم إدراكه، وهيهات ذلك. هذا كلام ابن الصلاح (٣). قال شيخنا ابن حجر (٤): مات سنة ثلاث وثمانين في وقعة الجماجم (٥). [٤٨٤٣] (ثنا إسحاق بن إبراهيم) بن محمد الباهلي (الصواف) شيخ

стр. 12276

البخاري (حدثنا عبد اللَّه بن حمران) بن عبد اللَّه بن حمران الأموي البصري، أخرج له مسلم. (ثنا عوف بن أبي جميلة) (١) يقال: اسمه معاوية بن قرة ولم يثبت، بل ثبت أنه القرشي، قال المنذري: ذكر غير واحد أنه سمع من أبي موسى (٢) (عن أبي موسى) عبد اللَّه بن قيس الأشعري ﵁. (قال رسول اللَّه ﷺ : إن من إجلال اللَّه تعالى) أي: من تعظيمه وتبجيله (إكرام ذي الشيبة) البيضاء (المسلم) أي: تعظيم الشيخ الكبير الذي عمره في الإسلام والإيمان، وطعمه في طفوليته وغذيه واستمر عليه حتى طعن في السن [حتى ابيضت شيبته] (٣) في الإيمان، فتعظيمه وتوقيره في المجالس وتقديمه في الصلاة على غيره وفي اللحد في القبر والرفق به والشفقة عليه من كمال تعظيم اللَّه لحرمته عند اللَّه تعالى. (وحامل القرآن) أي: قارئه، سماه حاملًا له لما يحمل عليه (٤) في حفظه من الدرس والمشقة، وفي تفهمه وتدبره والعمل بما فيه، فهو حامل لمشاق كثيرة تزيد على الأحمال الثقيلة (غير الغالي فيه) يعني: المتجاوز للحد في التشدد في العمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه من معانيه وانكشف عن علله الدقيقة التي لا يصل إليها عقله بما يبتدعه في الدين ليضل ويضل غيره، ويجاوز حدود قراءته ومخارج حروفه ومدوده. (و) لا (الجافي عنه) والجافي أي: التارك له البعيد عن تلاوته

стр. 12277

والعمل بما فيه من الجفاء، وهو البعد عن الشيء، فجفاه إذا بعد عنه، وفي الحديث: "اقرؤوا القرآن، ولا تجفوا عنه" (١) أي: تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته حتى تنسوه، لا سيما من أعرض عنه بكثرة النوم والبطالة والإقبال على الدنيا والشهوات، بل ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون، فما أقبح بحامل القرآن أن يتلفظ (٢) بأحكامه وهو لا يفهم ما يقول! فما حال مثل هذا إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا. (وإكرام ذي السلطان المقسط) بضم الميم (٣). أي: العادل في حكمه بين رعيته، وروى أبو عبيد بسنده في "فضائل القرآن" عن طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يحب معالي الأخلاق، وإن من إعظام جلال اللَّه إكرام ثلاثة: الإمام المقسط، وذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير المغالي فيه ولا الجافي عنه" (٤). * * *

стр. 12278

٢٤ - باب فِي الرَّجُلِ يَجْلسُ بَينَ الرَّجُلَيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِهِما ٤٨٤٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا حَمّادٌ، حَدَّثَنا عامِرٌ الأَحْوَلُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ -قالَ ابن عَبْدَةَ-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا يُجْلَسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِما" (١). ٤٨٤٥ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المَهْري، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَني أُسامَةُ ابْنُ زَيْدٍ اللَّيْثي، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِما" (٢). * * * باب في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما [٤٨٤٤] (ثنا محمد بن عبيد) بن حساب الغبري البصري، شيخ مسلم (وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: ثنا حماد) بن زيد (ثنا عامر) بن عبد الواحد (الأحول) أخرج له مسلم (عن عمرو بن شعيب قال) أحمد (ابن عبدة: عن أبيه، عن جده) تقدم. (أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يُجلَس) بضم أوله، مبني للمجهول (بين رجلين) وكذا المرأة بين المرأتين، والصبي بين صبيين (إلا بإذنهما) الظاهر أن النهي عن الجلوس بين الاثنين بغير إذنهما يوقع في أنفسهما انتقاصهما واحتقارهما؛ تفاؤلا بحصول الفرقة بينهما، إذ فرق بينهما

стр. 12279

في الجلوس، وربما احتاجا إلى كلام فيسمع كلامهما والسر الذي بينهما، ويؤدي ذلك إلى التنافر والتهاجر، فنهي عن ذلك إلا بإذنهما، ويحتمل أن يكون ذلك كان في أول الإسلام حين كان المنافقون يجالسونهم ويخشى منهم الاطلاع على أحوال المؤمنين. [٤٨٤٥] (ثنا سليمان بن داود المهري) بفتح الميم، أبو الربيع المصري، ثقة فقيه (ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد الليثي) و (أخر له) (١) مسلم (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن) جده محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فروايته هنا عن جده المجازي (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص صار السند متصلا، وارتفع احتمال الإرسال بأن يروي عن جده الحقيقي محمد بن عبد اللَّه. (عن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يحل لرجل) ولا لامرأة (أن يفرق بين اثنين) هذا الحديث أعم مما قبله؛ فإنه يدخل فيه الفرقة الحقيقية بين الجسدين، والمعنوية بأن ينقل بينهما كلاما يوجب التهاجر بينهما والمعاداة بما نقل بينهما من النميمة، وتدخل فيه التفرقة بين الجالسين والقائمين والمضطجعين، وكذا إذا اختلف في القيام والجلوس والاضطجاع (إلا بإذنهما) بصريح اللفظ والإشارة المفهمة، والظاهر أنه إذا علم أو غلب على ظنه رضاهما كان حكمه حكم الإذن، فإن شك فلا. * * *

стр. 12280

٢٥ - باب في جُلُوسِ الرَّجُلِ ٤٨٤٦ - حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْن إِبْراهِيمَ، قالَ: حَدَّثَني إِسْحاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصاري، عَنْ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إِذا جَلَسَ احْتَبَى بِيَدِهِ. قالَ أَبُو داوُدَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْراهِيمَ شَيْخٌ مُنْكَرُ الحَدِيثِ (١). ٤٨٤٧ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُوسَى بْن إِسْماعِيلَ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسّانَ العَنْبَري قالَ: حَدَّثَتْني جَدَّتاي صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابنتا عُلَيْبَةَ -قالَ مُوسَى: بِنْتُ حَرْمَلَةَ- وَكانَتا رَبِيبَتَي قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ، وَكانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِما أَنَّها أَخْبَرَتْهُما أَنَّها رَأَتِ النَّبي ﷺ وَهُوَ قاعِدٌ القُرْفُصاءَ: فَلَمّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ المُخْتَشِعَ -وقالَ مُوسَى: المُتَخَشِّعَ في الجِلْسَةِ- أُرْعِدْتُ مِنَ الفَرَقِ (٢). * * * باب في جلوس الرجل [٤٨٤٦] (ثنا سلمة بن شبيب) روى عنه الجماعة سوى البخاري (حدثنا عبد اللَّه بن إبراهيم) الغفاري المدني (حدثني إسحاق بن محمد الأنصاري) مجهول، تفرد عنه الغفاري. (عن رُبيح) بضم الراء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة

стр. 12281

تحت (١) بعدها حاء مهملة (بن عبد الرحمن) بن أبي سعيد الخدري، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به (٢). قال المنذري: قال محمد بن عبد اللَّه بن عمار: ثقة (٣). (عن أبيه) عبد الرحمن (عن جده أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا جلس) مع أصحابه في غير الصلاة (احتبى) والاحتباء أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه يجمعهما بثوب يحيط بذلك مع ظهره ليشد ساقيه إلى بطنه، وهي جلسة الأعراب، ومنه الحديث: "الاحتباء حيطان العرب" (٤) أي: ليس في البراري حيطان يستندون إليها، فاذا أرادوا أن يستندوا احتبوا؛ لأن الاحتباء يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار، والثوب الذي يحتبون (٥) به يسمى الحبوة، وهذِه الحبوة تستعملها الصوفية؛ لأنها تمنعهم من النوم على الأرض مضطجعين؛ فإنهم ينامون محتبين؛ ليكون نومهم خفيفًا لا يستغرقون فيه ولا ينتقض وضوؤهم إذا ناموا مع الاحتباء؛ لتمكن مقعدهم من الأرض. (بيده) أي: بيديه جميعًا عوضًا عن الثوب، كما جاء في البخاري عن ابن عمر: رأيت رسول اللَّه ﷺ بفناء الكعبة محتبيًا بيديه (٦). وفي هذا بيان تقلله ﷺ من الدنيا وشدة عيشه وتخشنه، وتعوضه عن

стр. 12282

الحبوة التي تصنع في هذا الزمان بأنواع النقوش والتحاريم والمغالاة في حسنها بيديه الكريمتين، كما كان عيسى ﵇ يتعوض عن المشط بأصابع يديه يخلل بهما لحيته، وكانت الصحابة ﵃ يستعملون الآلة الواحدة بمنافع كثيرة، فيستغنون بها عن آلات كثيرة، وكل هذا تقلل من الدنيا، "كن في الدنيا كأنك غريب" [كما في الحديث] (١)؛ إذ الغريب المسافر يتقلل من الآلات ما أمكنه؛ لثقل حمله على الدواب، واللَّه الموفق. (قال) المصنف (عبد اللَّه بن إبراهيم) بن أبي عمرو (منكر الحديث). وقال ابن حبان: يضع الحديث (٢). وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه (٣). [٤٨٤٧] (حدثنا حفص بن عمر) الحوضي، شيخ البخاري (وموسى ابن إسماعيل، قالا: ثنا عبد اللَّه بن حسان) أبو الجنيد (العنبري) البصري، أخرج له البخاري في كتاب "الأدب". (حدثني جدتاي صفية ودحيبة) بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون ياء التصغير ثم موحدة (ابنتا عليبة) بضم العين المهملة وبعد ياء التصغير باء موحدة، العنبرية، مقبولة (قال موسى) بن إسماعيل: هي (بنت حرملة) قال الذهبي: جدها حرملة (٤). لا أبوها، وهو حرملة ابن عبد اللَّه بن إياس التميمي، ذكره البخاري في كتاب "الأدب" (٥)،

стр. 12283

وهو صحابي (وكانتا ربيبتي قيلة) بفتح القاف وسكون التحتانية (بنت مخرمة) العنبرية، وقيل: (وكانت جدة أبيهما) وربتهما وحضنتهما. (أنها أخبرتهما أنها رأت النبي ﷺ ) وقد مر طرف من هذا الحديث في إقطاع الأرضين من كتاب الخراج والإمارة، بلفظ: أنها أخبرتهما قالت: قدمنا على رسول اللَّه ﷺ . . . الحديث بطوله (١)، قال في "الاستيعاب": قد شرح حديثها أهل العلم بالغريب، وهو حديث حسن (٢). (وهو قاعد القرفصاء) بضم القاف والفاء، قال الفراء: إذا ضممت مددت، وإذا كسرت قصرت، وهي جلسة المحتبي بيديه، قال البخاري في باب الاحتباء باليد: وهو القرفصاء (٣). وهي جلسة المستوفز، وهي أن يجلس على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه، ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبي بالثوب، تكون [يداه مكان] (٤) الثوب. قالت: (فلما رأيت رسول اللَّه ﷺ المختشع) بضم الميم وسكون الخاء، وهو معرفة في معنى النكرة، أي: رأيته مختشعًا. (وقال موسى) بن إسماعيل (المتخشع) بتقديم التاء على الخاء، وهما بمعنى واحد، يقال: خشع واختشع وتخشع، والخشوع أثر الخوف والسكون والخضوع للَّه، وأصله النظر إلى الأرض وخفض الصوت. قال الليث: الخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبصر والصوت (٥).

стр. 12284

(في الجلسة) بكسر الجيم هي الهيئة، والجلسة بالفتح: المرة الواحدة من الجلوس (أُرعدت) بضم الهمزة مبني لما لم يسمَّ فاعله يعني: فرائصي، أي: أرجفت واضطربت (من الفرق) بفتح الفاء والراء، أي: من شدة الخوف والفزع، وفيه ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ ، وجمع فيه من حسن السمت وكثرة الخشوع والخضوع والأخلاق الجميلة، حتى كان يخافه ويرتجف منه من رآه من شدة المهابة التي أعطيها وأوقعها اللَّه في قلوب من شاهده، حتى كان يسكِّنهم، فلقد قال للذي أرعدت [فرائصه] (١) عند رؤيته: "إني ابن امرأة تأكل القديد" (٢) إلى غير ذلك، وكذا مهابته إذا ذكر، فقد كان جعفر بن محمد كثير الدعاء والتبسم، فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ اصفر لونه [وتغير لونه] (٣)، وما كان يتحدث عن رسول اللَّه ﷺ إلا على طهارة. وكان عبد الرحمن بن القاسم إذا ذكر عنده النبي ﷺ يُنظر إلى لونه كأنه ينزف منه الدم، ويجف لسانه في فمه (٤). * * *

стр. 12285

٢٦ - باب فِي الجِلْسَةِ المَكْرُوهَةِ ٤٨٤٨ - حَدَّثَنا عَلي بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا ابن جُرَيْجٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ: مَرَّ بي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنا جالِسٌ هَكَذا وَقَدْ وَضَعْتُ يَدي اليُسْرى خَلْفَ ظَهْري واتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدي فَقالَ: "أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" (١). * * * باب [الجلسة المكروهة] (٢) [٤٨٤٨] (حدثنا علي بن بحر) بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة، ابن البَرِّي بفتح الموحدة وتشديد الراء المهملة المكسورة، حافظ، ثقة، فارسي الأصل (حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق، أحد الأعلام. (ثنا) عبد الملك (ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة) المكي (عن عمرو بن الشريد) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء المخففة، أخرج له الشيخان (عن أبيه الشريد بن سويد) الثقفي، قيل: إنه من حضرموت، فخالف ثقيفًا، وشهد الحديبية. روى عمرو بن الشريد [عن أبيه] (٣) قال: استنشدني النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت (٤). (قال: مر بي النبي ﷺ وأنا جالس هكذا) ثم بَيَّن جلسته التي كان

стр. 12286

عليها (وقد وضعت يدي) بسكون ياء المتكلم، ويجوز تحريكها بالفتح (اليسرى خلف ظهري واتكأت) بهمزة ساكنة بعد الكاف (على ألية) بفتح الهمزة وسكون اللام (يدي) بكسر الدال، وألية اليد هي اللحمة التي في أصل الإبهام، والصرة هي اللحمة التي في أصل الخنصر ومنه الحديث: فتفل في عين علي ومسحها بألية إبهامه (١). وحديث البراء: السجود على أليتي الكف (٢). أراد ألية الإبهام وصرة الخنصر فغلب، كالقمرين والعمرين. (قال: أتقعد) استفهام إنكار وتوبيخ (قعدة) بكسر القاف الهيئة والحالة، وأما فتح القاف فللمرة الواحدة من القعود (المغضوب عليهم؟ ) يحتمل أن يكون الألف واللام للعهد المذكور في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، وهم اليهود، فلعل هذِه القعدة من عادتهم، ويحتمل أن يكون المغضوب عليهم هم الغاضبين للَّه تعالى، ويحتمل أن تكون هذِه القعدة قعدة المتكبرين أو المبتدعين، ويحتمل غير ذلك. * * *

стр. 12287

٢٧ - باب النَّهْي عَنِ السَّمَرِ بَعْدَ العِشاءِ ٤٨٤٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ عَوْفٍ، قالَ: حَدَّثَني أَبُو المِنْهالِ، عَنْ أَبي بَرْزَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ النَّوْمِ قَبْلَها والحَدِيثِ بَعْدَها (١). * * * باب النهي عن السمر بعد العشاء [٤٨٤٩] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عوف) الأعرابي (حدثني أبو (٢) المنهال) (عبد الرحمن بن مطعم المكي) (٣) (عن أبي برزة) نضلة بن عبيد الأسلمي. (قال: كان رسول اللَّه ﷺ نهى عن النوم قبلها) قال ابن الصلاح: كراهة النوم تعم سائر الأوقات (٤). وكأن مراده بعد دخول الوقت كما يشعر به كلامهم في العشاء، ويحتمل أن يكره بعد المغرب وإن لم يدخل وقت العشاء؛ لخوف الاستغراق أو التكاسل، وكذا قبيل الغروب لا سيما على الجديد، فيظهر تحريمه بعد الغروب، ويستثنى من الكراهة إذا غلبه النوم أو النعاس مع امتداد الوقت. (والحديث بعدها) أي: بعد فعل العشاء؛ لأن الحديث بعدها قد

стр. 12288

يستغرق ويطول، فيشتغل عن قيام الليل وصلاة الصبح أو غيره من مصالح الآخرة، وقيل: الكراهة لئلا يلغو في الكلام فيختم عمله بسيئ، والنوم أخو الموت. قال القرطبي: ويظهر في كراهته أن اللَّه جعل الليل سكنًا أي: يسكن فيه، فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله كالنهار، وخالف حكمة اللَّه تعالى (١). وقيد أصحابنا الكراهة بحديث لا خير فيه، أما ما فيه خير كمذاكرة العلم وأحاديث الصالحين والحديث مع الضيف للمؤانسة ونحو ذلك. قال النووي: والمراد بالحديث الذي يكره بعدها ما كان مباحًا فرب غير هذا الوقت، أما المكروه في غيرها فهو هنا أشد كراهة (٢). * * *

стр. 12289

٢٩ - باب فِي التَّناجي ٤٨٥١ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوَيةَ -يَعْني: ابن سَلَمَةَ-، عَنِ الأَعْمَشِ، ح وَحَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَنْتَجي اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ" (١). ٤٨٥٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ. قالَ أَبُو صالِحٍ: فَقُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: فَأَرْبَعَةٌ؟ قالَ: لا يَضُرُّكَ (٢). * * * باب في التناجي [٤٨٥١] (ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن الأعمش، ح، وحدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق أحد الأعلام (ثنا الأعمش، عن) أبي وائل (شقيق) بن سلمة الأسدي (عن عبد اللَّه) بن مسعود ﵁. (قال رسول اللَّه ﷺ : ألا لا ينتجي) بسكون النون وكسر الجيم على وزن يفتعل، وبها قرأ حمزة في قوله: (وينتجون) (٣)، ورواية الصحيحين:

стр. 12290

"لا يتناجى" (١)، وبها قرأ جمهور القراء في ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ (٢)، وأصل الروايتين من النجوى، وهي السِّرُّ. (اثنان دون الثالث) خصَّ الثلاثة بالذكر؛ لأنه أقل عدد يتأتى فيه ذلك المعنى، وقد نبه في آخر الحديث على التعليل بقوله: (فإن ذلك يحزنه) كما قال في الآية: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣)، والمراد أن الثالث يقع في نفسه ما يحزن لأجل ذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنهم لم يروه أهلا لأن يشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من وساوس الشيطان وحديث النفس، وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان غيره أمن ذلك. وفي معنى مناجاة الاثنين كلامهما بلسان لا يعرفه الثالث، كالتركي والعجمي، فإنه لا يفهم ما يتحدثون به، ويحزنه سماع ذلك، وهذا الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال. وإليه ذهب ابن عمر ومالك وغيرهما من الجمهور، وذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أول الإسلام؛ لأن ذلك كان حال المنافقين، يتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر وبين العمارة فلا. قال القرطبي: وكل ذلك تحكم وتخصيص لا دليل عليه، والصحيح
следующие страницы →