← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12391–12430 · переход к 12396.

стр. 12391

[٤٩٠٨] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي (ثنا أبان) بن يزيد العطار البصري، أخرج له البخاري (ح، وحدثنا زيد بن أخزم) بسكون الخاء المعجمة (الطائي) البصري، أخرج له البخاري. (ثنا بشر (١) بن عمر) الزهراني البصري (ثنا أبان بن يزيد العطار) تقدم (ثنا قتادة، عن أبي العالية) رفيع الرياحي (قال زيد) بن أخزم في روايته، احتج به البخاري (عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا لعن الريح. وقال مسلم) بن إبراهيم، شيخ المصنف (إن رجلا نازعته الريح) أي: جاذبته الريح في (ردائه) لتحمله وتسير به (على عهد النبي ﷺ فلعنها؛ فقال النبي ﷺ : لا تلعنها) ثم ذكر علة النهي عن لعنتها (فإنها مأمورة) مسخرة لا تسير ولا تتحرك إلا بأمر اللَّه؛ فليست بأهل للعنة. (وأنه لمن لعن شيئًا) حيوانًا أو غيره (ليس له بأهل) أي: لا يستحق اللعنة، احترازًا ممن يستحق (٢) اللعنة ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، "لعن اللَّه اليهود والنصارى" (٤) ونحو ذلك (رجعت اللعنة عليه) بتعديه بلعنه ما لا يستحق. وفي الحديث: "ما لعن أحد الأرض إلا قالت: لعن اللَّه أعصانا لربه" (٥). * * *

стр. 12392

٥٤ - باب فِيمَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَ ٤٩٠٩ - حَدَّثَنَا ابن مُعاذٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: سُرِقَ لَها شَيء فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ، فَقَالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تُسَبِّخي عَنْهُ" (١). * * * باب فيمن دعا على من ظلمه [٤٩٠٩] (ثنا) عبيد اللَّه (ابن معاذ) شيخ مسلم وغيره (ثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري (ثنا سفيان) الثوري (عن حبيب) بن أبي ثابت الأسدي. (عن عطاء عن عائشة ﵂ قالت: سرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه) أي: على من ظلمها بالسرقة. (فقال لها رسول اللَّه ﷺ : لا تسبَّخي) بتشديد الباء الموحدة بعدها خاء معجمة (عنه) بدعائك عليه أي: لا تخففي عنه الإثم الذي استحقه بالسرقة بدعائك عليه. يقال: سبخ اللَّه الحمى عنك. أي: خففها، ومنه حديث علي ﵁: أمهلنا يسبخ عنا الحَر (٢). أي: يخففه. وقد تقدم الحديث بأبسط من هذا في الصلاة للترمذي من حديث

стр. 12393

عائشة: "من دعا على من ظلمة فقد انتصر (١) " (٢)، وقيل: إن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه، ثم يبقى للظالم فضلة يوم القيامة. * * *

стр. 12394

٥٥ - باب فِيمَنْ يَهْجُرُ أَخَاهُ المُسْلِمَ ٤٩١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "لا تَباغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدابَرُوا، وَكُوُنوا عِبادَ اللَّهِ إِخْوانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ" (١). ٤٩١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثي، عَنْ أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَاري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيّامٍ، يَلْتَقِيانِ فَيُعْرِضُ هذا وَيُعْرِضُ هذا، وَخَيْرُهُمَا الذي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ" (٢). ٤٩١٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ السَّرْخَسي أَنَّ أَبا عامِرٍ أَخْبَرَهُمْ قالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلالٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "لا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاثٍ فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ ﵇ فَقَدِ اشْتَرَكا في الأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ باءَ بِالإِثْمِ". زادَ أَحْمَدُ: "وَخَرَجَ المُسَلِّمُ مِنَ الهِجْرَةِ" (٣). ٤٩١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن خالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن المُنِيبِ -يَعْني: المَدَني- قالَ: أَخْبَرَنَا هِشامٌ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا يَكُونُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا

стр. 12395

فَوْقَ ثَلاثَةٍ، فَإِذا لَقِيَهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ ثَلاثَ مِرارٍ، كُلُّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَدْ باءَ بِإِثْمِهِ" (١). ٤٩١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبّاحِ البَزّازُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْن هارُونَ أَخْبَرَنَا سُفْيانُ الثَّوْري، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاثٍ فَماتَ دَخَلَ النَّارَ" (٢). ٤١١٥ - حَدَّثَنَا ابن السَّرْحِ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمانَ الوَلِيدِ ابْنِ أَبِي الوَلِيدِ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي خِراشٍ السُّلَمي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ" (٣). ٤١١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "تُفْتَحُ أَبْوابُ الجَنَّةِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيُغْفَرُ في ذَلِكَ اليَوْمَيْنِ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْناءُ، فَيُقالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا". قالَ أَبُو داوُدَ: النَّبي ﷺ هَجَرَ بَعْضَ نِسائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وابْنُ عُمَرَ هَجَرَ ابنا لَهُ إِلَى أَنْ ماتَ. قالَ أَبُو داوُدَ: إِذا كانَتِ الهِجْرَةُ للَّه فَلَيْسَ مِنْ هذا بِشَيء وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ غَطَّى وَجْهَهُ عَنْ رَجُلٍ (٤). * * *

стр. 12396

باب فيمن هجر أخاه المسلم [٤٩١٠] (حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي (عن مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: لا تباغضوا) أي: تتعاطوا أسباب البغض، وهو الزهو على الغير، والفخر، وكثرة المدح، والتعيير، والمماراة، والمماحكة الكثيرة في المعالجة، ونحو ذلك مما يكثر، وإن الحب والبغض معانٍ قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرف فيها، كما قال ﷺ : "اللهم [هذا] (١) قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (٢) يعني: الحب والبغض. ومما يوجب التباغض كثرة المخالفة، قال بعضهم: في النهي عن التباغض إشارة إلى الأسباب الموجبة للتباغض كما تقدم. (ولا تحاسدوا) أي: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد بمعنى زوال النعمة، وهو حرام، وكله مذموم بخلاف الغبطة. (ولا تدابروا) التدابر: المعاداة. وقيل: المقاطعة، لأن كل واحد يولي صاحبه دبره كما يفعل المبغض. (وكونوا عباد اللَّه إخوانا) أي: كونوا كإخوان النسب المتحابين في الشفقة والرحمة والتوادد والمواساة والمعاونة والنصيحة.

стр. 12397

(ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ) مفهوم دليل خطابه أن الهجرة دون الثلاث معفو عنها؛ لأن البشر لا بد له غالبًا من سوء الخلق وغضب، فسامحه الشرع فيه في هذِه المدة؛ لأن الغضب فيها لا يكاد الإنسان ينفك عنه، ولأنه لا يمكنه رد الغضب في هذِه المدة غالبًا، وظاهر الحديث تحريم الهجرة فوق ثلاث، وأكد هذا المعنى قوله: "لا هجرة بعد ثلاث" (١). وقيل: إن الحديث لا يقتضي إباحة الهجرة ثلاثًا (٢)، وهذا عند من لا يحتج بدليل الخطاب، قال أصحابنا: لو كاتبه أو راسله عند غيبته عنه هل يزول إثم الهجرة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يزول؛ لأنه لم يكلمه. وأصحهما: يزول؛ لزوال الوحشة (٣). [٤٩١١] (ثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي (عن مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب) خالد بن زيد (الأنصاري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه) المسلم (فوق ثلاثة أيام) لما تقدم. والثلاث أقل مراتب العدد. (يلتقيان) في الطريق (فيعرض هذا) عن صاحبه (ويعرض هذا) عنه (وخيرهما الذي) يكسر نفسه (يبدأ بالسلام) أي: أفضلهما وأكثرهما ثوابًا عند اللَّه. وفيه دليل لمذهب الشافعي ومالك ومن وافقهما أن السلام باللفظ

стр. 12398

يقطع الهجرة ويرفع الإثم (١) فيها ويزيله (٢). وقال أحمد وابن القاسم المالكي: إن كان يؤذيه لم يقطع السلام هجرته. يعني: مع استمرار الأذى (٣). [٤٩١٢] (ثنا عبيد اللَّه بن عمر بن ميسرة) القواريري، شيخ الشيخين (وأحمد بن سعيد) بن صخر (السرخسي) بفتح الراء وسكونها، رواه الدارمي، شيخ الشيخين (أن أبا عامر) عبد الملك العقدي أخبرهم (حدثهم قال: ثنا محمد بن هلال) المدني، قال أبو حاتم: صالح (٤) (حدثني أبي) هلال بن أبي هلال المدني، مقبول. (عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يحل لمؤمن) قد يحتج به من يقول: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والأصح أنهم مخاطبون بها، وإنما قيد بالمؤمن؛ لأنه الذي يقبل خطاب الشرع وينتفع به (أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث) ذكر بعضهم أن هجرة أهل البدع والأهواء دائمة على ممر الأوقات والأزمان ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق، وقد هجر رسول اللَّه ﷺ نساءه شهرًا (٥)، ولما خاف رسول اللَّه ﷺ على كعب بن مالك وأصحابه أمر بهجرانهم نحو

стр. 12399

خمسين يومًا (١)، وقد هجرت عائشة ابن الزبير مدة (٢). (فإن مرت به ثلاث) أي: ثلاثة أيام (فليلقه) وفي بعض النسخ: "فلقيه" (فليسلم عليه) باللفظ الذي يسمعه، لا بالإشارة باليد ونحوها (وإن) سلم عليه و (رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر) وأكثرهما أجرًا الذي يبدأ بالسلام (وإن) سلم عليه و (لم يرد) ﵇ (فقد باء بالإثم) أي: رجع عليه الإثم جميعه. ورواية الحاكم والطبراني تزيده إيضاحًا، وهو عن ابن عباس ﵄: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحل الهجر فوق ثلاثة أيام، فإن التقيا فسلم أحدهما فرد الآخر اشتركا في الأجر، وإن لم يرد برئ هذا من الإثم وباء به الآخر" وأحسبه قال: "وإن ماتا وهما متهاجران لا يجتمعان في الجنة" (٣). وللطبراني: "من هجر أخاه فوق ثلاث فهو في النار إلا أن يتداركه اللَّه برحمته" (٤) ورواته رواة "الصحيح". (زاد أحمد) بن سعيد السرخسي في روايته (وخرج المسلم) على أخيه بالسلام (من) إثم (الهجرة) وباء الآخر بالإثم. [٤٩١٣] (ثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن خالد بن عثمة) بمثلثة ساكنة قبلها فتحة، ويقال: إنها أمه. وهو حنفي بصري صدوق.

стр. 12400

(ثنا عبد اللَّه بن المنيب) بضم الميم وكسر النون، وآخره موحدة (يعني: المدني) الأنصاري الحارثي، صدوق (قال: أخبرني هشام بن عروة) بن الزبير (عن) أبيه (عروة) بن الزبير. (عن عائشة) ﵂ (أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا) ينبغي (يكون (١) لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاثة) أيام (فإذا لقيه) بعد ثلاث (سلم عليه ثلاث مرارٍ) يحتمل أن يُراد أن يأتي بثلاث تسليمات، كل تسليمة عن يوم، فكما أن الهجر ثلاث يكون السلام بعدد أيام الهجر، فإن فعل (كل ذلك) و (لا يرد عليه، فقد باء بإثمه) جميعه دون المسلم ثلاثًا فليس عليه شيء، بل على من لم يرد إثم تركه رد السلام الواجب. [٤٩١٤] (ثنا محمد بن الصباح البزاز) بزاءين معجمتين. أي: التاجر (ثنا يزيد بن هارون) (٢) السلمي الواسطي (ثنا سفيان) بن سعيد (الثوري، عن منصور) بن المعتمر (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي. (عن أبي هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات) على هجره (دخل النار) يعني: إذا لم يتداركه اللَّه برحمته كما رواه الطبراني برجال الصحيح، ولفظه: "من هجر أخاه فوق ثلاث فهو في النار، إلا أن يتداركه اللَّه برحمته" (٣) والمراد: من مات مصرًّا على هجر أخيه استحق النار (٤)

стр. 12401

إلا أن يتغمده اللَّه برحمته. [٤٩١٥] (ثنا) أحمد بن عبد اللَّه بن عمرو (ابن السرح) شيخ مسلم (ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب، عن حيوة) بن شريح (عن أبي عثمان الوليد ابن أبي الوليد) عثمان، أخرج له مسلم. (عن عمران بن أبي أنس) العامري المصري أخرج له مسلم. (عن أبي خراش) بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الراء المهملة بعد الألف شين معجمة، اسمه حدرد بن أبي حدرد الأسلمي (السُّلمي) (١) بضم المهملة. (أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: من هجر أخاه) المسلم (سنة) يعني: من هجر أخاه سنة ولم يرد ﵇ فهو حرام، كما أن سفك الدم حرام، لا أن إثم سفك الدم وإثم المهاجرة سواء، بل إثم سفك الدم أكثر، بل المراد اشتراكهما في الإثم لا في قدره، ولا يلزم التساوي بين المشبه والمشبه به، فقد بالغ في الهجر إلى أن أكثره (فهو كسفك دمه) لأن المهجور كالميت في أنه لا يُنتفع به ولا يُكلم الهاجر، ويحتمل أن يراد أن إثم من هجر أخاه سنة كإثم من قتله، وهو الأظهر، كما في حديث الصحيح: "لعن المسلم كقتله" (٢) واللَّه أعلم. [٤٩١٦] (ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه الحافظ (عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان.

стр. 12402

(عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: تفتح أبواب الجنة) قال الباجي: معنى فتحها كثرة الصفح والغفران، ورفع المنازل وإعطاء الثواب الجزيل (١). قال القاضي: ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن فتح أبوابها علامة لذلك (٢). قلت: ويحتمل أن الذي يفتح أبواب الجنة التي لا يدخل منها إلا المتحابون في اللَّه، ويحتمل أن يفتح جميع الأبواب، وهي تزيد على العشرة، ولا تختص بالثمانية. وفي الحديث حجة لأهل السنة على قولهم: إن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان. خلافا للمبتدعة القائلين أنهما لم يخلقا بعد، ولمسلم: "تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين" (٣) ولا منافاة بين عرض الأعمال وفتح أبواب الجنة؛ إذ قد يجمع بينهما بأن الأعمال تعرض أولًا، ثم تفتح أبواب الجنة؛ ليدخل فيها الأعمال المقبولة، وهي أعمال المصطلحين. (كل يوم اثنين وخميس) وقد خص اللَّه هذين اليومين بفتح أبواب الجنة فيهما وعرض الأعمال على اللَّه لحقيقة يعلمها سبحانه ومن اختاره. وروى الإمام أحمد: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (٤). (فيغفر في ذلك) أي: في هذين اليومين (لكل عبد لا يشرك باللَّه شيئًا)

стр. 12403

هذِه الذنوب التي تغفر في هذين اليومين هي الصغائر، فإن لم توجد صغائر، بل كفرتها: "رمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن" (١) فيرجى من فضل اللَّه أن يكفر من الكبائر. (إلا من) كان (بينه وبين أخيه شحناء) أي: بغضاء، فالتشاحن: التباغض والعداوة، كأنه شحن قلبه بغضًا، أي: ملأه. (فيقال: أنظروا) بفتح الهمزة وكسر الظاء، أي: أَخِّروا (هذين) المتباغضين (حتى يصطلحا. قال أبو داود: النبي ﷺ هجر بعض نسائه أربعين يومًا، وابن عمر هجر ابنا له إلى أن مات) ويتواددان فإن كانا متباعدين فتراسلا بالسلام والمواددة قام مقام الصلح، والظاهر أن أحدهما لو صالح الآخر وسلم عليه فلم يرد عليه ولم يصالحه فيغفر للمصالح ويؤخر من لم يصالح. (قال) المصنف (إذا كانت الهجرة) أي: إذا كان هجران الأخ (للَّه) أي: لأجل ارتكاب معاصي اللَّه أو بدعة قبيحة (فليس (٢) من هذا) التقدير بالثلاث (بشيء) يلي استصحابه الهجران إلى أن يتوب من معصيته أو بدعته أو نحو ذلك، ولا يختلف في هذا. فإن لم يكن للَّه، بل الهجر عن غضب لأمر جائز لا تعلق له بالدين فيقدر بالثلاث.

стр. 12404

(وإن (١) عمر بن عبد العزيز ﵁ غطى وجهه عن رجل)؛ لئلا ينظر إليه، وقد كان أحمد بن حنبل يترك الأكابر في أدنى كلمة، حتى هجر يحيى بن معين في قوله: إني لا أسأل أحدًا شيئًا، ولو حمل السلطان إليّ شيئًا لأخذته. وهجر الحارث المحاسبي في تصنيفه الكتاب المعروف في الرد على المعتزلة، وقال: إنك تورد أولًا شبهتهم، وتحمل الناس على التفكر فيها، ثمَّ ترد عليهم (٢). * * *

стр. 12405

٥٦ - باب فِي الظَّنِّ ٤٩١٧ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبي الزِّنادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِيّاكُمْ والظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلا تَحَسَّسُوا وَلا تَجَسَّسُوا" (١). * * * باب في الظن [٤٩١٧] (ثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي (عن مالك، عن أبي الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان. (عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: إياكم والظن) المراد: ظن السوء، فهو المنهي عنه، وعن التهمة التي لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة أو شرب الخمر أو السرقة، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. (فإن الظن أكذب الحديث) أي: فإن سوء الظن الكاذب أكثر من كذب الحديث، واللَّه أعلم. ويحتمل أن الظن السوء أعظم إثمًا من الكذب، أي: إياكم وسوء الظن، وهو الشك يعرض لك فتريد تحقيقه وتصديقه والحكم به. وقيل: أراد: إياكم وسوء الظن وتحقيقه دون مبادئ الظنون التي لا تملك وخواطر القلوب التي لا تدفع. والمراد: أن المحرم من الظن ما يصر صاحبه عليه، ويستمر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإن هذا لا يكلف به، كما في الحديث: "تجاوز اللَّه عما تحدث به الأمة ما لم تتكلم أو تعمل" (٢).

стр. 12406

ونقل القاضي عن سفيان: الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به، فإن لم يتكلم لم يأثم (١). ويدل على كون الظن بمعنى التهمة قوله بعد هذا: "ولا تجسسوا" وذلك أنَّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء فيريد أن يتجسس خبر ذلك، ويبحث عنه ليحقق ما وقع له من تلك التهمة، فنهي عن ذلك؛ ولهذا جاء في الحديث: "إذا ظننت فلا تحقق" (٢). (ولا تحسسوا ولا تجسسوا) الأول: بالحاء المهملة، والثاني: بالجيم. قال بعض العلماء: التحسس بالحاء: الاستماع لحديث القوم، وبالجيم: البحث عن العورات. وقيل: التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يكون في السر، ومنه: الجاسوس: صاحب السر. وقيل: هما بمعنًى واحدٍ، وهو طلب معرفة الأخبار الغائبة والأحوال. وقيل: بالجيم طلب البحث عن الشيء لغيرك، وبالحاء: طلبه لنفسك. قلت: الظاهر أن التحسس بالحاء المهملة هو يعم البحث عن التحقيق بكل واحد من الحواس الخمس، وبالجيم هو البحث عن التحقيق لتحققه تحقيق من جس الشيء واجتسه ليعرف حقيقته، ومنه الجساسة، وهي الدابة التي تطلب خبر الدجال، والجاسة بالجيم لغة في الحاسّة. * * *

стр. 12407

٥٧ - باب فِي النَّصِيحَةِ والحِياطَةِ ٤٩١٨ - حَدَّثَنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمانَ المُؤَذِّنُ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمانَ -يَعْني: ابن بِلالٍ-، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ رَباحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "المُؤْمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ، والمُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرائِهِ" (١). * * * باب في النصيحة [٤٩١٨] (ثنا الربيع بن سليمان) المرادي المصري (المؤذن) مؤذن جامع مصر (ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب) الفهري (عن سليمان يعني: ابن بلال) (٢) مولى الصديق (عن كثير بن زيد) الأسلمي، المدني، قال أبو زرعة: صدوق، فيه لين (٣) (عن الوليد بن رباح) تقدم. (عن أبي هريرة عن رسول اللَّه ﷺ قال: المؤمن مرآة المؤمن) قال الغزالي: أي: يرى منه ما لا يرى من نفسه، فيستفيد المرء بأخيه معرفة عيوب نفسه، ولو انفرد لم يستفد، كما يستفيد بالمرآة الوقوف على عيوب صورته الظاهرة؛ فينبه الأخ الأخ على عيوبه، ويقبح

стр. 12408

القبيح، ويحسن الحسن، ويذكر له فوائد ترك القبيح، فإن لم ينزجر يخوفه بما يكرهه في الدنيا والآخرة؛ لينزجر عنه، ولكن ينبغي أن ينبهه على ذكر عيوبه سرًّا؛ بحيث لا يطلع عليه أحد، فما كان على الملأ فهو توبيخ وفضيحة، وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة (١). قال الشافعي: من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظ علانية فقد فضحه وشانه (٢). وفيه الحث على صحبة أخ في اللَّه تعالى، كما يجعل المرآة لينظر فيها وجهه. وفيه أن يحترص أن يكون أخاه الذي يصحبه مرآة قلبه صقيلة ليس فيها غش ولا دنس، كما في المرآة، ومتى وجد من أخيه بعض كدر يبادر إلى إزالته كما يزيله من المرآة. (والمؤمن) المؤاخى في اللَّه تعالى (أخو المؤمن) أي: مثل أخيه [في] (٣) القرابة، وهو الأخ من الأبوين، أو من الأب، أو من الرضاع. ومعنى الحديث: أن المؤمن ينبغي أن يحافظ على المؤمن محافظته على أخيه شقيقه، فيسر بسروره، ويهتم لهمه، ويعد جميع أحواله كأخيه المناسب (يكف) بفتح الياء وضم الكاف (عليه) أي: يجمع عليه معيشته ويضمها إليه. قاله في "النهاية" (٤). (ضيعته) بفتح الضاد المعجمة وسكون المثناة تحت، وهي ما يكون

стр. 12409

منه معاشه من صناعة أو تجارة أو زراعة ونحو ذلك. قال شمر: ويدخل فيها الحرفة (١). ومنه الحديث: "أفشى اللَّه ضيعته" (٢) أي: أكثر عليه معاشه. (ويحوطه) (٣) أي: يحفظه ويصونه ويذب عنه، ويحدق به (من ورائه) أي: من جميع جوانبه، ويتوفر مصالحه في حياته وأهله من بعده، وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة، يقوم لحاجاتهم ومصالحهم، ويتردد كل يوم إليهم، فكانوا لا يفقدون من الميت إلا عينه، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب أخيه في غيبته وحضوره، ويسأل فيقول: هل لكم زيت؟ [هل لكم ملح؟ ] (٤) هل لكم حاجة؟ فيقوم بها من حيث لا يعرف أخوه. * * *

стр. 12410

٥٨ - باب فِي إِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ ٤٩١٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ، عَنْ أَبي الدَّرْداءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ". قالُوا: بَلَى. قَالَ: "إِصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ وَفَسادُ ذاتِ البَيْنِ الحالِقَةُ" (١). ٤٩٢٠ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَلي، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْري ح، وَحَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ ح، وَحَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ المَرْوَزي، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: "لَمْ يَكْذِبْ مَنْ نَمَى بَيْنَ اثْنَيْنِ لِيُصْلِحَ". وقالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُسَدَّدٌ: "لَيْسَ بِالكاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ فَقالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا" (٢). ٤٩٢١ - حَدَّثَنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمانَ الجِيزي، حَدَّثَنا أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ نافِعٍ -يَعْني: ابن يَزِيدَ-، عَنِ ابن الهادِ أَنَّ عَبْدَ الوَهّابِ بْنَ أَبي بَكْرٍ حَدَّثَهُ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ قالَتْ: ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرَخِّصُ في شَيء مِنَ الكَذِبِ إِلَّا في ثَلاثٍ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لا أَعُدُّهُ كاذِبًا الرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، يَقُولُ القَوْلَ وَلا يُرِيدُ بِهِ إِلَّا الإِصْلاحَ، والرَّجُلُ يَقُولُ في الحَرْبِ، والرَّجُلُ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ، والمَرْأَةُ تُحَدِّثُ زَوْجَها" (٣).

стр. 12411

باب في إصلاح ذات البين [٤٩١٩] (ثنا محمد (١) بن العلاء) بن كريب الهمداني [(ثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه] (٢) (عن الأعمش، عن عمرو بن مرة) الجملي، أحد الأعلام (عن سالم) بن أبي الجعد، رافع الأشجعي (عن أم الدرداء) الصغرى هجيمة (عن) زوجها (أبي الدرداء) عويمر ﵁. (قال رسول اللَّه ﷺ : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ ) المستمرات أو الكثيرات (قالوا: بلى) يا رسول اللَّه. (قال: إصلاح ذات البين) أي: إصلاح أحوال البين، يعني: ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوالكم أحوال صحبة وألفة واتفاق. وقيل: إصلاح ذات البين هو إصلاح الفساد والفتنة التي تكون بين القوم، وإسكان الفتنة الثائرة بين القوم أو بين اثنين، فالإصلاح إذ ذاك واجب وجوب كفاية مهما وجد إليه سبيلا. ويحصل الإصلاح بمواساة الإخوان والمحتاجين ومساعدتهم مما رزقه اللَّه، وضد إصلاح ذات البين (وفساد ذات البين) هي (الحالقة). قال اليزيدي: لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين. [٤٩٢٠] (ثنا نصر بن علي) الجهضمي (ثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري، ح، وثنا مسدد، ثنا إسماعيل) ابن علية (ح، وثنا أحمد بن

стр. 12412

محمد بن شبويه) بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة المشددة (١) (المروزي) بفتح الميم والواو (ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أمه) أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، من المهاجرات، القرشية الأموية. (أن النبي ﷺ قال: لم يكذب) الكذب المذموم (من نمى) نميت الحديث أنميه: إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير بتخفيف الميم، وإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة. قلت: نمَّيته بتشديد الميم. هكذا قال أبو عبيد (٢) وابن قتيبة وغيرهما من العلماء (٣). وقال أبو تميم الحربي: أكثر المحدثين يقول: نمى خيرًا بتخفيف الميم، وإنما هو بتشديد الميم، والتخفيف لا يجوز في النحو، ورسول اللَّه ﷺ لم يكن يلحن، ومن خفف الميم لزمه أن يقول: خير بالرفع (٤). قال المنذري وابن الأثير في "النهاية": وهذا الذي قال خلاف ما قاله الأئمة في ذلك، فذكر القاسم بن سلام والأصمعي والهروي والزمخشري مخفف في الإصلاح مشدد في الإفساد (٥)، وما قاله ليس بشيء، فإنه ينتصب نمى كما انتصب بقال، وإنما نمى متعدٍّ (٦)، يقال:

стр. 12413

نميت الحديث. إذا رفعته وأبلغته (١). (بين اثنين ليصلح) بينهما. بل الكاذب في إصلاح ذات البين ونحوه محسن غير مسيء. (وقال أحمد) بن محمد بن شبويه (ومسدد: ليس بالكاذب) المذموم شرعًا (من أصلح بين الناس، فقال) بينهما (خيرا أو نمى خيرًا)؛ لأن الكذب ليس حرامًا لعينه، بل لما يحصل به من الضرر للمخاطب ولغيره، فإن لم يحصل منه إلا خير (٢) لم يكن حرامًا، بل إن همدت الفتنة الثائرة به كان فيه [خير كثير] (٣)، وربما كان واجبًا. قال ميمون بن مهران: إن الكذب في بعض المواضع خيرٌ، أرأيت لو أن رجلًا سعى وآخر وراءه بالسيف فدخل دارًا، فانتهى إليك فقال: رأيت فلانًا؟ ألست تقول: لم أرَه؟ وما تصدق، فهذا كذب واجب. [٤٩٢١] (ثنا الربيع بن سليمان الجيزي) [بالجيم والزاي، الأعرج، ثقة (ثنا أبو الأسود) النضر بن عبد الجبار بن نضير المرادي المصري] (٤) قال أبو حاتم: صدوق عابد، شبهته بالقعنبي (٥). (عن نافع بن يزيد) الكلاعي، ثقة (عن) يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة (ابن الهاد) (٦) الليثي (أن عبد الوهَّاب بن أبي بكر) رفيع، وثقه أبو

стр. 12414

حاتم (١) (حدثه عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أمه أم كلثوم بنت عقبة) بن أبي معيط، اسمه أبان بن أبي عمرو، ذكوان، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، هاجرت وبايعت، وكانت هجرتها في سنة سبع في الهدنة التي كانت بين قريش وبين رسول اللَّه ﷺ . (قالت: ما سمعت رسول اللَّه ﷺ يرخص في شيء من الكذب) لفظ مسلم: يرخص فيما يقول الناس كذب (٢). (إلا في ثلاث) وفي معناها ما إذا ارتبط بالكذب غرض مقصود صحيح له أو لغيره، أما له فمثل أن يأخذه ظالم فيسأله عن ماله، فله أن ينكره، أو يأخذه السلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين اللَّه ارتكبها، فله أن ينكر ويقول: ما زنيت ولا سرقت ولا شربت مسكرًا. لما روى الحاكم عن ابن عمر بلفظ: "اجتنبوا هذِه القاذورات التي نهى اللَّه عنها، فمن ألم بشيء فليستتر بستر اللَّه" (٣) وإسناده حسن. (كان رسول اللَّه ﷺ يقول: لا أعده) أي: لا أعد الكاذب في هذِه الثلاث، وما في معناها (كاذبًا) قد يؤخذ منه أنه إذا كذب في ذلك بيمين لا حنث عليه، ولم أجده مسطورًا (الرجل يصلح بين الناس) و (يقول القول) الكذب من غير تعريض (ولا يريد به إلا الإصلاح) بين الناس. وظاهر الحصر أنه لو أراد به الإصلاح وغيره من مصلحة له فيه أو لأحد من جهته أن يكون كذبًا، فقد يكون الباعث على الكذب

стр. 12415

حظه وغرضه الذي هو متشعب عنه في حقيقة الأمر، وإنما يتعلل ظاهرًا بالإصلاح، وهذا يكتب عليه كذبة ويحاسب عليه. (والرجل يقول) الكذب (في الحرب) لأن الحرب خدعة، وهو من الخديعة (والمرء يحدث امرأته) فيعدها بإعطاء شيء أو كسوة ونحوها، وله أن يصلح بين الضرائر من نسائه، بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه، أو كانت امرأته لا تطيعه إلا بوعد ما لا يقدر عليه، فيعدها في الحال تطييبًا لقلبها (والمرأة تحدث زوجها) بالكذب إذا احتاجت إليه، وقد اختلفوا في المراد بالكذب المباح ما هو؟ فقالت طائفة: هو على إطلاقه. وأجازوا قول ما لم يكن للمصلحة، وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة، واحتجوا بقول إبراهيم ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (١)، ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٢)، وقوله: إنها أختي (٣). وقول منادي يوسف لأجل المصلحة: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٤). وقال الطبري وغيره: لا يجوز الكذب الصريح في شيء من الأشياء لا في هذِه الثلاث، ولا في غيرها، تمسكًا بالقاعدة الكلية في تحريمه، وتأول هذِه الأحاديث على التورية والتعريض، وهو تأويل لا يعضده دليل، ولا تعارض بين العموم والخصوص، كما هو عن العلماء منصوص.

стр. 12416

قال الطبري: والتورية في الكذب أن يعد زوجته أن يحسن (١) إليها، أو يكسوها كذا، وينوي إن قدر اللَّه، وكذا في الحرب بأن يقول لعدوه: مات إمامكم الأعظم. وينوي إمامهم في الأزمان الماضية، أو غدا يأتينا مدد. أي: طعام ونحوه، وإذا بلغ الرجل عنك شيء، فكرهت أن تكذب فقل: اللَّه يعلم ما قلت من ذلك من شيء. فيكون قولك (ما) حرف النفي عند المستمع، وعندك للإبهام. ويدل على عموم النهي عن الكذب حديث النواس بن سمعان: "ما لي أراكم تهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار، كل الكذب مكتوب" رواه أبو بكر الخرائطي (٢) في "مساوئ (٣) الأخلاق" (٤). * * *

стр. 12417

٥٩ - باب فِي النَّهْي عَنِ الغِناءِ ٤٩٢٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا بِشْرٌ، عَنْ خالِدِ بْنِ ذَكْوانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْراءَ قالَتْ: جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلي صَبِيحَةَ بُني بي فَجَلَسَ عَلَى فِراشي كَمَجْلِسِكَ مِنّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِياتٌ يَضْرِبْنَ بِدُفٍّ لَهُنَّ، وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبائي يَوْمَ بَدْرٍ إِلَى أَنْ قالَتْ إِحْداهُنَّ: وَفِينا نَبي يَعْلَمُ ما في غَدٍ. فَقالَ: "دَعي هذِه وَقُولي الذي كُنْتِ تَقُولِينَ" (١). ٤٩٢٣ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلي، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ لَعِبَتِ الحَبَشَةُ لِقُدُومِهِ فَرَحًا بِذَلِكَ، لَعِبُوا بِحِرابِهِمْ (٢). * * * باب في النهي عن الغناء الغناء بكسر الغين المعجمة والمد، وزن كتاب، وقياسه ضم أوله؛ لأنه صوت. [٤٩٢٢] (ثنا مسدد، ثنا بشر) (٣) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، ابن المفضل بن لاحق الرقاشي، مولاهم البصري. (عن خالد (٤) بن ذكوان) المدني، سكن البصرة.

стр. 12418

(عن الربيع) بضم الراء المهملة، وفتح الموحدة، وتشديد التحتانية المكسورة (بنت معوذ) بضم الميم وتشديد الواو المكسورة (ابن عفراء) بفتح العين المهملة والمد، الأنصارية، بايعت تحت الشجرة، وتأخرت وفاتها. (قالت: جاء رسول اللَّه ﷺ فدخل علي) بيتي (صبيحة بني) بضم الموحدة وكسر النون (بي) أي: دخل علي زوجي ليلة الزفاف، وأصله أن الرجل إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها؛ فيقال: بني الرجل على أهله. وقد جاء: بنى بامرأته. وأنكر ابن السكن بنى بأهله، والأحاديث الصحيحة تدفع قوله. (فجلس على فراشي) ظاهره أن زوجها كان غائبًا. فيه: جواز جلوس الرجل على فراش صديقه وفراش زوجته في غيبته، وفيه: أن المرأة إذا تزوجت أن يتخذ لها فراشًا من صداقها أو من غيره، ومن ثم اتخذ الرجال الجهاز من الأقمشة وغيرها لبناتهم، لكن لا يجوز السرف في ذلك (كمجلسك) [بكسر] (١) اللام بمعنى الجلوس الآن (مني) أي: جلس بالقرب مني، وذلك بحضور الجويريات (فجعلت جويريات) جمع جارية، ولفظ [. . .] (٢) جاريتان بلفظ التثنية (يضربن بدف) بضم الدال لغة الحجاز (لهن). قال البغوي: أما الحديث: والدف. بالفتح؛ لاختلاف فيه، سمي دفًّا؛ لأن الأصابع تدفف عليه دفيفًا، ويعني بالدف الدائر المفتوح شبه

стр. 12419

الغربال، ويكون فيه الجلاجل كما يعتاده العرب وبعض مفتقرة الأمصار من وضع حديد داخل الطار شبه السلاسل، وأما ما يصنعه أهل الفسق وأعوان شربة الخمور من الصنوج اللطاف التي توضع في حروف يفتح لها جوانب الدف الصغير فممنوع استعماله؛ لأنها أشد إطرابًا وتهييجًا من الملاهي المتفق على تحريمها. وترجم البخاري على هذا باب الضرب بالدف في النكاح أو الوليمة (١)، يعني: وكذا العيد أو قدوم الغائب وقدوم الحجيج والغزاة. (ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر) لفظ البخاري في المغازي: يندبن من قتل من آبائهن (٢). قال النسائي: إنما هو من قتل من آبائي يوم أحد. والندب: أن تذكر النائحة الميت بأحسن أفعاله وأوصافه، والاسم منه: الندبة، بضم النون. (إلى أن قالت إحداهن) يرجح رواية: جويريات. كما في البخاري (٣) (وفينا نبي يعلم ما في الغد) (٤) لفظ البخاري: يعلم ما في غدٍ (٥). (فقال: دعي هذِه) هذِه الكلمة يعني: (يعلم ما في غدٍ)؛ فإن الغيب لا يعلمه إلا اللَّه، كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٦).

стр. 12420

وللبخاري: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا اللَّه: لا يعلم متى تقوم الساعة إلا اللَّه، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا اللَّه، ولا يعلم ما في غدٍ إلا اللَّه، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت [إلا اللَّه] (١) " (٢). (وقولي الذي كنتِ تقولين) يعني: من الندب المباح. قال أحمد: إذا ذكرت المرأة مثل ما حكي عن فاطمة في مثل الدعاء ونحوه فلا يكون مثل النوح، يعني: فلا بأس به. وروي عن فاطمة ﵂ أنها قالت: يا أبتاه، من ربه ما أدناه، يا أبتاه، إلى جبريل أنعاه، يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه (٣). وروي عنها أنها أخذت قبضة من تراب قبر النبي ﷺ فوضعتها على عينها، ثم قالت: ماذا على من شم تربة أحمد ... ألا يشم مدى الزمان غواليا صبت عليَّ مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا (٤) فظاهر هذا يقع قوله: (قولي الذي كنت تقولين) يعني: من الندب؛ يدل على الإباحة، لكن أطلق أصحابنا تحريم الندب، وهو تعداد

стр. 12421

الشمائل؛ لظاهر الأخبار الدالة على النوح (١). [٤٩٢٣] (ثنا الحسن بن علي) الخلال (٢) (ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة) أيام العيد. ولفظ البخاري عن عائشة: رأيت النبي ﷺ يسترني وأنا انظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر، فقال النبي ﷺ : "دعهم. . ." (٣). (لعبت الحبشة) وهم جيل من السودان. فيه: جواز اللعب بالحراب [في المسجد لأنه] (٤) من آلات الجهاد، وفيه تمرين لمن أراد الجهاد، وتعلم القتال فيه؛ (لقدومه) فيه: جواز اللعب بالحراب ونحوها من آلات القتال فرحًا واستبشارًا بقدوم الغائب، وكذا يجوز ضرب الدف لقدومه؛ كما تقدم (فرحًا) أي: اللعب لأجل كثرة فرحهم بقدومه وسلامته (فلذلك لعبوا بحرابهم) وفيه: جواز استحباب استعداد آلات الحرب من العدد والسلاح وغيره. * * *

стр. 12422

٦٠ - باب كَراهِيَةِ الغِناءِ والزَّمْرِ ٤٩٢٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الغُداني، حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نافِعٍ قَالَ: سَمِعَ ابن عُمَرَ مِزْمارًا قَالَ: فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَنَأى عَنِ الطَّرِيقِ وقالَ لي: يا نافِعُ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لا. قَالَ: فَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ وقالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبي ﷺ فَسَمِعَ مِثْلَ هذا فَصَنَعَ مِثْلَ هذا. قَالَ أَبُو عَلي اللُّؤْلُؤي: سَمِعْتُ أَبا داوُدَ يَقُولُ: هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ (١). ٤٩٢٥ - حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا أَبي، حَدَّثَنا مُطْعِمُ بْنُ المِقْدامِ، قَالَ: حَدَّثَنا نافِعٌ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ ابن عُمَرَ إِذْ مَرَّ بِراعٍ يَزْمُرُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. قَالَ أَبُو داوُدَ: أُدْخِلَ بَيْنَ مُطْعِمٍ وَنافِعٍ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسَى (٢). ٤٩٢٦ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْراهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقّي، قَالَ: حَدَّثَنا أَبُو المَلِيحِ، عَنْ مَيْمُونٍ عَنْ نافِعٍ قَالَ: كُنّا مَعَ ابن عُمَرَ فَسَمِعَ صَوْتَ زامِرٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. قَالَ أَبُو داوُدَ: وهذا أَنْكَرُها (٣). ٤٩٢٧ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ شَيْخٍ شَهِدَ أَبا وائِلٍ في وَلِيمَةٍ، فَجَعَلُوا يَلْعَبُونَ يَتَلَعَّبُونَ يُغَنُّونَ فَحَلَّ أَبُو وائِلٍ حَبْوَتَهُ، وقالَ:

стр. 12423

سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ" (١). * * * [باب كراهية الغناء والزمر] (٢) [٤٩٢٤] (ثنا أحمد بن عبيد اللَّه) بالتصغير، شيخ البخاري (الغداني) بضم الغين المعجمة المخففة (٣) وفتح الدال المشددة (٤)، وبعد الألف نون نسبة إلى غدانة بن يربوع بن حنظلة، التغدن وهو التثني، والغدان: خيط يعلق عليه الثياب عرض البيت من قولهم: شعر غداني. أي: ناعم. (حدثنا الوليد بن مسلم) أخرج له مسلم وغيره (ثنا سعيد بن عبد العزيز) بن أبي يحيى التنوخي، فقيه أهل الشام، أخرج له مسلم والأربعة (عن سليمان بن موسى) القرشي الأموي، روى له مسلم في مقدمة كتابه (٥) والأربعة (عن نافع) الفقيه مولى ابن عمر. (قال: سمع) عبد اللَّه (ابن عمر) ﵄ (مزمارًا) بكسر الميم: آلة الزمر التي يزمر بها، قيل: أول من اتخذ المزامير بنو

стр. 12424

إسرائيل، وفي حديث أبي موسى: "لقد أعطيت مزمارًا من [مزامير] (١) آل داود" (٢) وداود النبي ﷺ . وآل في "آل داود" مقحمة. (قال: فوضع أصبعيه على أذنيه) يحتمل أن يكون (على) بمعنى (في) الظرفية، والتقدير: فوضع أصبعيه في صماخي أذنيه حتى لا يسمع. ومن ورود (على) الظرفية [بمعنى: في] (٣) ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ (٤)، ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (٥) [أي: في زمن ملك سليمان] (٦)، والشيء يحمل على ضده، فكما أن (في) تستعمل بمعنى (على) نحو قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٧)، كذلك تستعمل (على) بمعنى في (وناء) بفتح النون والهمزة، أي: بعد، مثل جأر يجأر، والنأي: البعد، وقيل: الفراق، وإن لم يكن [بعد. والمراد] (٨) أنه بعد عن نافع ودخل في طريق آخر. وقيل: المزمار الذي سمعه ابن عمر صفارة الرعاة التي يصفرون بها. قال المنذري: وقد جاء ذلك مذكورًا في غير هذا الحديث من غير هذِه الرواية. وقال

стр. 12425

محمد بن طاهر: قد ورد من غير هذِه الطريق أن ابن عمر سمع راعيًا. وذكره. (عن الطريق) التي هو بها إلى غيرها، وفيه أن أول صوت يسمعه، أو أول مزمار يسمعه، أو أول نظرة ينظرها غير مؤاخذ بها، بل المحرم استمراره على السماع أو النظر. قال أصحابنا: إن المحرم هو الاستماع المقصود دون السماع اتفاقًا. وقد صرح أصحابنا بأنّه لو كان في جواره ملاهٍ محرمة لا يمكنه إزالتها لا يلزمه النقلة، ولا يأثم بسماعها إلا عن قصد. وقول من قال: إن زمارة الراعي لا تتعين أنها الشبابة فإن الرعاة يصفرون (١) بالشعيبة وغيرها، يوهم أن ما يسمى شعيبة مباح مفروغ منه. قال الأذرعي: وهذا لم أره لأحد. والشعيبة عبارة عن قصبات صغار تحصر صفًّا، وتعرض رؤوسها، يتعاطاها بعض المجان والعجم، ولها إطراب بحسب حذق متعاطيها، وهي شبابة أو مزمار (٢). (وقال: يا نافع، هل تسمع شيئًا؟ ) قال الدولقي: ومعنى قوله (هل تسمع) معناه: تسمع، بمعنى هل تسمع شيئًا أو لا؟ وإنما أسقط تسمع لدلالة الكلام عليه، إذ من وضع أصبعيه في أذنيه لا يسمع شيئًا، وإنما أذن له في هذا القدر لموضع الضرورة. انتهى. (قال: لا) أسمع شيئًا (فرفع) ابن عمر (أصبعيه من أذنيه) فيه أنه يجب على السامع سد أذنيه عند سماع المنكر، كما أنه يجب غض البصر عند

стр. 12426

رؤية الصورة المحرمة، ويحتمل أن يكون سد الأذن مستحبًّا، أو الإصغاء هو الممنوع منه، كما تقدم. وقد استدل بهذا الحديث على تحريم المزمار العراقي (١). وأحسن صاحب "الذخائر" فنقل عن الأصحاب تحريم المزامير مطلقا، وكذا العراقيون حرموا المزامير كلها من غير تفصيل. قال الدولقي: والعجب كل العجب ممن هو من أهل العلم يزعم أن الشبابة حلال (٢) ويحكيه وجهًا ولا مستند له إلا خيال لا أصل له. وينسبه إلى مذهب الشافعي، [ومعاذ اللَّه أن يكون ذلك مذهبًا له أو لأحد من أصحابه المعول عليهم، وقد علم أن الشافعي] (٣) حرم سائر أنواع الزمر والشبابة (٤). قال: والأصحاب من لدن الشافعي وإلى آخر وقت كلهم يستدل بحديث ابن عمر في زمارة الراعي، قال الأذرعي: إن كان يصفر بها كالأطفال والرعاء على غير قانون بل صفر مجرد فقريب، وإن كان على القانون المعروف بالإطراب فحرام قطعًا. لكن ظاهر الحديث يمنع هذا التفصيل؛ إذ الرعاء في زمن النبي ﷺ لم يكن يحدث لهم هذا القانون المعروف بالإطراب، وإنما حدث من بني أمية ومن بعدهم على ما يظهر. (فقال: كنت مع النبي ﷺ ، فسمع مثل هذا) الذي سمعت من المزمار

стр. 12427

(فصنع مثل هذا) أي: فوضع أصبعيه في أذنيه، ونأى عن الطريق. واحتج الجمهور بهذا الحديث على التحريم كما تقدم، واحتج من أباحها بأنه ﷺ لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه، ولا قال ابن عمر لنافع: أتسمع؟ ولو كان ذلك منهيًّا عنه لم يأمره بالاستماع، ولو كان حرامًا لنهى النبي ﷺ الراعي عن ذلك، وصرح له بتحريمه؛ لأنه الشارع المأمور ببيان الشرائع، فدلى على أنه إنما سد أذنيه تنزيهًا أو كان في حال ذكر أو فكر، وكان السماع يشغله، وأي نية أحوجته أن يأخذ في طريق آخر، ولأن التأخير عن وقت الحاجة لا يجوز بحال. وأجيب بأن تلك الزمان لم تكن هذِه الشبابات المثقوبة التي فيها أنواع من النغمات والطرب المحرك للشهوات، وبأنه إنما لم يأمر ابن عمر ﵁ بسد أذنيه؛ لأنه قد تقرر أن أفعاله ﷺ حجة كما أقواله، فلذلك بادر ابن عمر إلى سد أذنيه تأسيًا به ﷺ ؛ إذ هو أشد الصحابة تأسيًا به. (قال أبو علي) اللؤلؤي (سمعت أبا داود) المصنف (يقول: هو حديث منكر) فاسد؛ لأن سليمان بن موسى الأموي الدمشقي تكلم فيه أهل النقل وتفرد بهذا الحديث عن نافع، ولم يروه عنه غيره. قال البخاري: سليمان بن موسى عنده مناكير (١). لكان قال عطاء بن أبي رباح: سيد شباب أهل الشام سليمان بن موسى (٢) (٣).

стр. 12428

وقال ابن لهيعة: ما لقيت مثله (١). وقال أبو مسهر: كان أعلى أصحاب مكحول سليمان بن موسى (٢). فقال دحيم: هو ثقة (٣)، وهو أوثق أصحاب مكحول (٤). وقد أخرج هذا الحديث ابن حبان في "صحيحه" (٥)، وسئل عنه الحافظ محمد بن ناصر السلامي فقال: صحيح، وكان ابن عمر بالغًا إذ ذاك، عمره سبع عشرة سنة. * * *

стр. 12429

شرح سنن أبي داود لابن رسلان تصنيف شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسين بن علي بن رسلان المقدسي الرملي الشافعي (المتوفى سنة ٨٤٤ هـ) أشرف عليه وشارك في تحقيقه خالد الرباط تحقيق عصام حمدي محمد - أحمد عويس جنيدي - ربيع محمد عوض الله - خالد مصطفى توفيق بمشاركة الباحثين بدار الفلاح كتاب الأدب ٤٩٢٨ - ٥٢٧٤ [المجلد التاسع عشر]

стр. 12430

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
следующие страницы →