← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12566–12605 · переход к 12571.

стр. 12566

الحميد (أبي شبل) بكسر المعجمة وسكون الموحدة، ويقال: أبو سهل، ثقة من الكبار (قال: ) المصنف (ولم أفهمه منه) فهمًا (جيدًا، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن واسع، عن شتير) بضم الشين المعجمة ثم مثناة فوق مصغر، وقيل: هو سمير بضم السين المهملة وفتح الميم. (قال نصر) بن علي شيخ المصنف: هو شتير (بن نهار) بفتح النون وتخفيف الهاء، صوابه: ابن نهيك العبدي البصري، قال الحافظ ابن حجر: صدوق (١). قال البخاري: قال لي محمد بن بشار: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ليس أحد يقول: شتير بن نهار إلا حماد بن سلمة، قال أبو نضرة: وكان من أوائل من حدث في هذا المسجد (٢). يعني: مسجد البصرة، روى له المصنف هذا الحديث الواحد. (عن أبي هريرة قال نصر: عن النبي ﷺ قال: حسن الظن) بالمسلمين وباللَّه تعالى (من) جملة (حسن العبادة) التي يتقرب بها إلى اللَّه تعالى، وفائدة هذا الحديث الإعلام بأن حسن الظن عبادة من العبادات الحسنة، كما أن سوء الظن معصية من معاصي اللَّه تعالى، كما قال اللَّه (٣) تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ (٤)، أي: وبعضه حسن من العبادة، وقيل: معناه: من حسنت عبادته حسن ظنه، كما قيل في قوله ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه تعالى" (٥).

стр. 12567

وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) أي: محسنون بربكم الظن، وإطلاق الحديث يقتضي أنَّ حسن الظن بالمسلم المستور حاله من حسن العبادة، سواء مصيبًا في ظنه أو مخطئًا، ولهذا قال بعضهم في وصيته لمريده: خطؤك في حسن الظن أفضل من إصابتك في سوء الظن، فكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساوئ خلقه يجب عليك السكوت بقلبك عن سوء الظن، فإن سوء الظن بالمسلم غيبة بالقلب، وهي منهي عنها. ويجوز أن يكون قوله في الحديث: (من حسن العبادة) من إضافة الصفة إلى الموصوف، كمسجد الجامع، تقديره: حسن الظن من العبادة الحسنة. [٤٩٩٤] (ثنا أحمد (٢) بن محمد) بن ثابت بن شبويه (المروزي) من كبار الأئمة. (ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين) الهاشمي زين العابدين. (عن صفية) بنت حيي، زوج النبي ﷺ (قالت: كان رسول اللَّه ﷺ معتكفًا) في المسجد في العشر الأواخر من رمضان (فأتيته أزوره ليلا). فيه: خروج المرأة من بيتها ليلا إلى المسجد لزيارة أب أو زوج أو قرابة أو صلاة، كما كن أزواج النبي ﷺ يخرجن إلى المسجد متلفعات

стр. 12568

بمروطهن، ما يعرفهن أحد من الغلس (١) (٢). (فحدثته) أي: تحدثت عنده ساعة كما في البخاري (٣)، وفيه جواز الكلام المباح في المسجد؛ لتأنيس القادم إليه لغير الصلاة (وقمت) ثم قمت، هكذا ذكره في الرواية المتقدمة في كتاب الاعتكاف بإسناده ولفظه (٤) (فانقلبت) أي: رجعت إلى البيت (فقام معي يتقلبني) أي: يصحبني إلى منزلي، يقال: قلبه يقلبه فانقلب هو إذا انصرف، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ (٥). ومنه حديث أبي هريرة أنه كان يقول لمعلم الصبيان: اقلبهم (٦). أي: اصرفهم إلى منازلهم. قال بعضهم: لا خلاف في جواز خروج المعتكف فيما لا غنى به، وفيه أن من حق الزائر أن يمشى معه إلى باب داره، فإن كان امرأة أو صبيًّا أو من يخاف عليه في الطريق رجع معه، وإن لم يتيسر أرسل معه من يستأنس به ويأمن به. (وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد) بن حارثة حِبّ رسول اللَّه ﷺ خازن رسول اللَّه ﷺ وعلى رحله وابن مولاه الذي تبناه (فمر رجلان من

стр. 12569

الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا) في مشيهما حياءً من النبي ﷺ ، وسلما عليه. (فقال النبي ﷺ : على رسلكما) بكسر الراء، أي: هينتكما، لا تعجلا، ومنه حديث عمر: إذا أذنت فترسل (١). أي: تأن ولا تعجل (إنها صفية بنت حيي) أمكم وأم المؤمنين، والرجل لا يستحيي من أمه وأبيه إذا مر عليهم (قالا: سبحان اللَّه! ) زاد البخاري بعد: (يا رسول اللَّه): وكبر عليهما (٢). قال الكرماني: سبحان اللَّه: إما حقيقة، أي: أنزه اللَّه عن أن يكون رسوله متهمًا لنا بما لا ينبغي، أو كناية (٣) عن التعجب من هذا القول (٤). وعلى هذا ففيه دلالة على التعجب بلفظ: سبحان اللَّه، وكذا بـ: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر. (قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) لفظ البخاري: "إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم" (٥) أي: كمبلغ الدم وكمجراه، ووجه الشبه بين طرفي التشبيه شدة الاتصال، وحمله بعضهم على ظاهره وقال: إنه يسري في باطن الإنسان، ويجري في مجاريه مجرى

стр. 12570

دمه بقوة جعلها اللَّه فيه وقيل: هذا استعارة؛ لكثرة إغوائه ووسوسته، فكأنه لا يفارق الإنسان (١) كما لا يفارقه دمه. قلت: وهو ظاهر، ويكون دخوله إلى المجاري من فم الآدمي، ولذلك قال ﷺ ، وأمر من تثاءب أن يرده ما أستطاع، وأن يضع يده على فيه؛ لئلا يدخل الشيطان في فيه، وسبب أمره بذلك عند التثاؤب كثرة الأكل والشبع من الطعام ولو حلالا صرفًا، وكذلك هنا أخبر بأنه يجري فيه مجرى الدم، ويتمكن منه إذا حصل له سوء الظن المهلك، وكذلك يدخل في جوفه، ويجري فيه مجرى الدم عند شدة الغضب، فإن الإنسان إذا غضب تمكن منه الشيطان، ولعب به كما يلعب الصبي بالكرة. (فخشيت أن يقذف) أي: يلقي ويوقع، والقذف: الرمي بقوة، ومنه حديث عائشة: وعندها جاريتان (٢) تغنيان بما تقاذفت به الأنصار يوم بعاث (٣). أي: تشاتمت في أشعارها التي قالتها في تلك الحرب. (في قلوبكما شيئًا) أي: شرًّا كما في الرواية الأخرى (٤) (أو قال: شرًّا) بوسوسته. فانظر كيف أشفق على دينهما فحرسهما من إلقاء الشيطان في قلوبهما سوء الظن المردي، وإذا انتفى سوء الظن حصل حسن الظن الذي هو من حسن العبادة، ولهذا ناسب التبويب عليه،

стр. 12571

كما أن حسن الظن للآدمي متعين، ودفع سوء الظن ما أمكن كذلك يتعين أن يدفع عن أخيه المسلم سوء الظن، ويسعى في إيصال حسن الظن إليه. وفي الحديث: كمال شفقته ﷺ على أمته، احترز من مواضع التهم، وعلمهم الاحتراز من التهمة، ولا يتساهل العالم الورع المعروف بالدين في أحواله، فيقول: مثلي لا يظن به إلا خير (١). إعجابا منه بنفسه، فإن أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة، بل بعين الرضا بعضهم، وبعين السخط بعضهم، كما قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا (٢) قال الشافعي: خاف النبي ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء؛ فيكفرا، وإنما قال ذلك لهما شفقًا عليهما لا على نفسه (٣). * * *

стр. 12572

٩٠ - باب فِي العِدَةِ ٤٩٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عامِرٍ، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْن طَهْمانَ، عَنْ عَلي بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ أَبِي النُّعْمانِ، عَنْ أَبِي وَقّاصٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "إِذا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخاهُ، وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفي لَهُ، فَلَمْ يَفِ وَلَمْ يَجِئْ لِلْمِيعادِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ" (١). ٤٩٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ النَّيْسابُوري، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الحَمْساءِ، قالَ: بايَعْتُ النَّبي ﷺ بِبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَةُ بِها في مَكانِهِ فَنَسِيتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلاثٍ فَجِئْتُ فَإِذا هُوَ في مَكانِهِ فَقالَ: "يا فَتَى لَقَدْ شَقَقْتَ عَلي أَنا ها هُنا مُنْذُ ثَلاثٍ أَنْتَظِرُكَ". قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى هذا عِنْدَنا عَبْدُ الكَرِيمِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ. قالَ أَبُو داوُدَ: هَكَذا بَلَغَني عَنْ عَلي بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قالَ أَبُو داوُدَ: بَلَغَني أَنَّ بِشْرَ بْنَ السَّري رَواة عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ (٢). * * *

стр. 12573

باب في العدة [٤٩٩٥] (ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي (ثنا إبراهيم (١) بن طهمان) الخراساني (عن علي بن عبد الأعلى) بن عامر الثعلبي الأحول، ثقة (عن أبي النعمان) أخرج له الترمذي أيضًا (٢)، وسكت عليه المصنف، لكنه مجهول (عن أبي وقاص) مجهول أيضًا (عن زيد بن أرقم ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا وعد الرجل أخاه) المسلم وعدًا (و) كان (من نيته (٣) أن يفي فلم يَفِ) له (ولم يجئ للميعاد) لعذر منعه من الوفاء بالوعد فلا إثم عليه أي: لمكان الوعد؛ لأن الميعاد يكون زمانا ومكانًا. وفيه: أن من وعد شخصًا أن يأتيه إلى مكان في زمان فعليه أن يأتي إليه في ذلك الوقت، وإلا فقد أخلف في الوعد، ما لم يكن عذر، والظاهر أن المراد بالوعد هنا الوعد في الخير، فإنَّ الوعد يستعمل في الخير والشر، ولهذا جاء في رواية: "فلم يجد" (٤) يقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا. ويتعدى بباء الجر، فيقال: وعده بالخير. (فلا إثم عليه) لفظ الترمذي: "فلا جناح عليه" (٥) والحديث حجة

стр. 12574

للجمهور أن الوفاء بالوعد ليس بواجب، سواء كان قادرًا على الوفاء به أو غير قادر، فأما إن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي فهذا هو النفاق، ولا يكون نفاقًا إلا إذا لم يكن عذر، فأما من عزم على الوفاء وعَنَّ له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقًا، ولا يجري عليه ما هو صورة النفاق، ولكن ينبغي أن يحترز من صورة النفاق كما يحترز من حقيقته، فإن عبد اللَّه بن عمرو (١) لما حضرته الوفاة قال: إنه كان خطب إلي ابنتي رجل من قريش، وكان مني إليه سمة وعد، فواللَّه لا ألقى اللَّه بثلث النفاق، اشهدوا على أني قد زوجته ابنتي (٢). فينبغي للإنسان أن يحترز من الوعد ما أمكن، فإن اللسان سباق إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء؛ فيصير الوعد خلفًا، وذلك من علامات النفاق، فإن كان ولابد من الوعد فيقول بعده: عسى. فقد قيل: إنه ﵇ كان إذا وعد وعدًا قال: عسى (٣). وكان ابن مسعود لا يعد وعدًا، إلا ويقول: إن شاء اللَّه (٤). [٤٩٩٦] (ثنا محمد بن يحيى) بن عبد اللَّه بن خالد بن فارس الذهلي (النيسابوري) بفتح النون، شيخ البخاري (ثنا محمد بن سنان) العوقي بفتح العين والواو ثم قاف، أخرج له البخاري (ثنا إبراهيم بن طهمان، عن

стр. 12575

بديل) (١) بضم الموحدة مصغر، ابن ميسرة العقيلي، أخرج له مسلم (عن عبد الكريم (٢) بن عبد اللَّه بن شقيق) العقيلي، وقال أبو علي سعيد بن السكن في كتاب "الصحابة": روى هذا الحديث إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن أبيه، عنه. ويقال: عن بديل، عن عبد الكريم المعلم. قال المنذري بعد حكايته: ويشبه أن يكون قول ابن السكن الصواب، وعبد الكريم المعلم هو ابن أبي المخارق، ولا يحتج بحديثه (٣). انتهى. وهو من أعيان التابعين، نزل مكة، له في البخاري زيادة في أول قيام الليل (٤)، وذكره في أول مقدمة مسلم (٥). (عن عبد اللَّه بن شقيق) العقيلي البصري، أخرج له مسلم (عن أبيه) (٦) شقيق العقيلي، قال في "التهذيب": روى عنه عبد اللَّه بن شقيق إن كان محفوظًا، روى له أبو داود حديثًا واحدًا (٧). (عن عبد اللَّه بن أبي الحمساء) بفتح الحاء والسين المهملتين، العامري، من بني عامر بن صعصعة، يعد في أهل البصرة، قال

стр. 12576

الذهبي: ويقال: هو ابن أبي الجدعاء، قال: والأصح أنه آخر (١). (قال: بايعت النبي ﷺ ببيع) أي: اشتريت منه سلعة (قبل أن يبعث، وبقيت له) منه (بقية) أي: من ثمنه (فوعدته أن آتيه بها) في (مكانه فنسيت) أن آتيه (ثم ذكرت) الوعد (بعد ثلاث) أيام (فجئته، فإذا هو في مكانه) الذي بايعته فيه (فقال: يا فتى) وفيه أنه يقال لمن لا يعرف اسمه إذا ناداه: يا فتى (لقد شققت عليَّ) في تأخرك (أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك) فيه: معاتبة من تأخر عن وقت الوعد، لاسيما إذا طالت المدة، وفيه ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ من الأخلاق الجميلة الشريفة، وتحمل المشاق الشديدة، ليكون صادق الوعد، كما أثنى اللَّه على نبيه ﷺ بأنه صادق الوعد؛ فيقال: بأنه واعد إنسانًا في موضع، فلم يرجع إليه، فبقي اثنين وعشرين يومًا في انتظاره، ولو كان هذا الذي (٢) بايع النبي ﷺ تأخر أكثر من ذلك لانتظره، وهذا من مكارم الأخلاق. أما الذي قاله إبراهيم وغيره: أنه إذا واعد الرجل الميعاد فلم يأته قال: ينتظره ما بينه وبين أن يدخل وقت الصلاة التي تجيء (٣). (قال: ) المصنف (قال محمد بن يحيى) بن عبد اللَّه النيسابوري الذهلي (هذا عندنا) هو (عبد (٤) الكريم بن عبد اللَّه بن شقيق) عن أبيه عن جده.

стр. 12577

(قال أبو داود: هكذا بلغني عن علي بن عبد اللَّه. قال أبو داود: بلغني أن بشر بن السري (١) رواه عن عبد الكريم بن عبد اللَّه بن شقيق) وعبد الكريم المعلم هو ابن [أبي] (٢) المخارق، أخرج له البخاري تعليقا (٣)، ومسلم متابعةً (٤). * * *

стр. 12578

٩١ - باب فِي المُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَ ٤٩٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ بْن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عَنْ أَسْماءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ أَنَّ امْرَأَةً قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جارَةً -تَعْنِي: ضَرَّةً- هَلْ عَلي جُناحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ لَها بِما لَمْ يُعْطِ زَوْجي؟ قالَ: "المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَي زُورٍ" (١). * * * باب في المتشبع بما لا يعط [٤٩٩٧] (ثنا سليمان بن حرب) البصري قاضي مكة (ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن) زوجته (فاطمة بنت المنذر) بن الزبير (عن) جدتها (أسماء بنت أبي بكر الصديق أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه، إن لي جارة) فيه إشارة إلى أن الضرتين متجاورتين في الدارين، وتسمى جارة، وإن لم تكونا متصافتين، ومنه قول عمر: لا يغرنك أن كانت جارتك (٢). والعرب تسمي امرأة الرجل جارته كقول الشاعر: أجارتنا بيني فإنك طالقة (٣) (تعني: ضرة) بفتح الضاد و (هل عليَّ جناح) أي: إثم (إن تشبعت لها) أي: أظهرت لها الشبع، وليس به، وكذبت لها، واتصفت بما ليس

стр. 12579

عندي، والمراد أنها سألته: هل يجوز لها أن تظهر لضرتها أن زوجها قد ملكها أو أعطاها من ماله أكثر مما تستحقه، وأكثر مما أعطى ضرتها؛ افتخارًا عليها، وأنها عنده أحظى منها (بما لم يعط زوجي) فأجابها بما يقتضي المنع من ذلك؛ لما فيه من الكذب بخلاف كذب الزوج لزوجته، بأن تقول له إحدى زوجتيه: كسوتها، وخصصتها، وأعطيتها، فيقول: ما فعلت ذلك. وهو كاذب، والفرق أن كذب الزوجة على ضرتها يوجب الشرور بين الرجل وزوجته، بخلاف كذبه لزوجته، فإنه يدفع الشرور من بينهما. و(قال: المتشبع) الذي يظهر الشبع وليس بشبعان، وكثيرا ما يأتي من هذِه الصيغة بمعنى التعاطي كالتكبر والتصنع (بما لم يعطه كلابس ثوبي زور) (١). فيه: نهي المرأة أن تتكابر على ضرتها بما لم يعطها زوجها؛ لأنه شبه فعلها بما نهى عنه، وهو أن يلبس الإنسان ثوبين زورًا، قال السفاقسي: وهو من وجوه: أحدها: أن تلبس المرأة ثوبي وديعة أو عارية في بيتها، أو في العرس؛ ليظن الناس أنهما لها، فلباسها لا يدوم وتفتضح بكذبها، وإنما أراد بذلك خوفا من الفساد بين زوجها وضرتها، وهو مثل الزور الذي صاحبه فيه مأثوم. وقال الداودي: إنما كره ذلك؛ لأنه يدخل بين المرأة الأخرى وزوجها البغضاء، فيصير كالسحر الذي يفرق بين المرء وزوجه. قال:

стр. 12580

وقوله: (كلابس ثوبي زور)، أي: كالذي قال الزور مرتين، وقول الزور من الكبائر. واختلف في الثوبين: هل يحملان على الحقيقة أو المجاز؟ على قولين. [قال أبو عبيد] (١): هو المرائي يلبس ثياب الزهاد؛ ليظن زاهدا وليس به (٢). وقيل: هو أن يلبس قميصًا يصل بكمه كمين آخرين؛ ليري أنه لابس كمين، وقيل: كان الرجل يكون له هيبة وصورة خشنة، فإذا احتيج إلى شهادة شهد، فلا يرد لأجل حسن ثوبيه. قلت: وفي معنى هذا الرجل يتشبع من العلم والفضيلة فيدعي العلوم الكثيرة، أو الحذق والتمهر في صنعته وليس كذلك، فيكون كشاهد زور. * * *

стр. 12581

٩٢ - باب ما جَاءَ فِي المِزاحِ ٤٩٩٨ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْن بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبي ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْني. قالَ النَّبي ﷺ : "إِنَّا حامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ ناقَةٍ". قالَ: وَما أَصْنَعُ بِوَلَدِ النّاقَةِ؟ فَقالَ النَّبي ﷺ : "وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ" (١). ٤٩٩٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجّاجُ بْن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْن أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ العَيْزارِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى النَّبِي ﷺ فَسَمِعَ صَوْتَ عائِشَةَ عالِيًا فَلَمّا دَخَلَ تَناوَلَها لِيَلْطِمَها وقالَ: لا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ النَّبي ﷺ يَحْجُزُهُ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا فَقالَ النَّبي ﷺ حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: "كَيْفَ رَأَيْتِني أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ". قالَ: فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا فَقالَ لَهُمَا: أَدْخِلانِي في سِلْمِكُما كَمَا أَدْخَلْتُماني في حَرْبِكُما. فَقَالَ النَّبي ﷺ : "قَدْ فَعَلْنا قَدْ فَعَلْنا" (٢). ٥٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العَلاءِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوْلانِي، عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأَشْجَعِي قالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ في قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ وقالَ: "ادْخُلْ". فَقُلْتُ أَكُلّي يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: "كُلُّكَ". فَدَخَلْتُ (٣).

стр. 12582

٥٠٠١ - حَدَّثَنَا صَفْوانُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْن أَبِي العاتِكَةِ قالَ: إِنَّما قالَ: أَدْخُل كُلِّي. مِنْ صِغَرِ القُبَّةِ (١). ٥٠٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْن مَهْدي، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: قالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يا ذا الأُذُنَيْنِ" (٢). * * * باب ما جاء في المزاح [٤٩٩٨] (ثنا وهب بن بقية) الواسطي، شيخ مسلم (ثنا خالد) (٣) بن عبد اللَّه الواسطى الطحان (عن حميد) (٤) [بن حميد الطويل] (٥) (عن أنس ﵁: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه احملني) بكسر الهمزة على بعير (قال النبي ﷺ : إنا حاملوك) لفظ الترمذي: "إني حاملك" (٦) (على ولد الناقة) أو على ابن البعير (قال: وما أصنع بولد البعير؟ ) لأنه لا يحملني، ففهمت (٧) من الولد أنه الصغير القريب

стр. 12583

العهد بالولادة، فإنه لا يحمل شيئًا. (فقال النبي ﷺ : وهل تلد الإبل إلا النوق؟ ) (الإبل) بالنصب مفعول مقدم، و (النوق) بعده فاعله. أي: لا تلد الإبل العظام إلا النوق يلدنهن صغارًا ثم يكبرن، ويستحق الحمل، وأراد به ممازحة الرجل، وفيه دليل على جواز المزح أحيانًا، وعلى الندور، بشرط أن يكون حقًّا ليس فيه كذب، وأن لا يؤذي قلبًا، ولا يفرط فيه، فإن دوامه والمواظبة عليه هزل مذموم، وسبب للضحك المميت للقلب، ويورث الضغينة في بعض الأحوال، وعلىه تحمل أحاديث النهي، كرواية الترمذي عن ابن عباس: "لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدة فتخلفه" (١). [٤٩٩٩] (ثنا يحيى بن معين) المري البغدادي، إمام المحدثين، أخرج له الشيخان والجماعة (ثنا حجاج (٢) بن محمد) المصيصي الأعور (ثنا يونس بن أبي إسحاق) السبيعي، أخرج له مسلم عن أبيه، فيما أظن (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي، سمع من أكثر من عشرين من الصحابة (عن العيزار) بفتح العين المهملة (ابن حريث) بضم الحاء المهملة مصغر، العبدي، أخرج له مسلم في الجهاد. (عن النعمان بن بشير ﵄ قال: استأذن أبو بكر ﵁ على النبي ﷺ ) فيه: استحباب الاستئذان ولو على ابنته وزوجها، كما يستأذن على أمه (فسمع صوت عائشة) ابنته (عاليًا) بحضرة النبي ﷺ (فلما دخل) عليها (تناولها ليلطمها) بكسر الطاء، أي: ليضربها بباطن كفه. وفيه حجة

стр. 12584

لمالك (١) وموافقيه في الاعتماد على الصوت في الشهادة، خلافًا للشافعي (٢). (وقال: ألا) بالتخفيف للتوبيخ والإنكار، وهو بمعنى النفي، ويؤيده أن في بعض النسخ: لا (أراك ترفعين صوتك على رسول اللَّه ﷺ ) لعل هذا الحديث بعد نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (٣)، وفيه: النهي عن رفع المرأة صوتها على زوجها، لا سيما إن كان من أكابر العلماء والصالحين، وفيه: تأديب الرجل ابنته بالضرب وغيره، وإن كانت مزوجة أو لها أولاد (فجعل النبي ﷺ يحجزه) أي: يفصل بينه وبينها ويرده عن قتلها. وفيه: الشفاعة فيما يوجب التأديب بالفعل والقول؛ والشفاعة بالفعل بأن يحول بين المؤدب وبين من يؤدبه؛ ليمنعه من الضرب كما فعل النبي ﷺ (وخرج أبو بكر) الصديق ﵁ (مغضبًا) بفتح الضاد. فيه: فضيلة الغضب فيما كان من جانب الدين على من فعل ما يوجبه، ولهذا أقره النبي ﷺ عليه، وفيه: أن من غضب على شخص وأراد تأديبه، فحالت شفاعة بينه وبين تأديبه أن يظهر من عنده ويفارقه، فإنه من كمال التأديب، بمعنى أني ما كنت أود إلا التأديب لولا الشفاعة. (فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر ﵁: كيف رأيتني) الظاهر أنه بكسر تاء التأنيث (كيف أنقذتك) أي: خلصتك (من الرجل؟ ) الظاهر

стр. 12585

أن الألف واللام في (الرجل) لاستغراق خصائص الأفراد؛ نحو: زيد الرجل علمًا. أي: الكامل في العلم، وتقدير (١) اللفظ: أنقذتك من الكامل الرجولية في التأديب وجميع أموره، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٢)، والظاهر أنه لم يذكرها بإنقاذها من ضربه إلا لتحمد اللَّه وتشكره على إنقاذها من ضربه. (فمكث) بضم الكاف، قال اللَّه تعالى: (فَمَكُثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) (٣) وفيه قراءات أُخر (أبو بكر ﵁ أيامًا ثم) جاء و (استأذن على رسول اللَّه ﷺ ) الظاهر أنه جاء بعد ثلاثة أيام، فإن أقصى الهجران (٤) ثلاث؛ لقوله ﷺ : "لا يهجر أحدكم أخاه فوق ثلاث" (٥) فكيف بابنته التي هي بضعة منه وتحت رسول اللَّه ﷺ . (فوجدهما قد أصطلحا) رواية البغوي: فوجدهما قد اصطلحا -وأظنها رواية النسائي في "عشرة النساء" (٦) - في غيبته، لأن غضب أبي بكر إنما كان لأجله ﷺ (فقال) أبو بكر لهما: (أدخلاني سلمكما)

стр. 12586

بكسر السين وفتحها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ (١) أي: مالوا للصلح (كما أدخلتماني في حربكما) أي: غضبكما. فيه: أن من انتصر لمظلوم وغضب لغضبه ثم عفا المظلوم وصالح الظالم فيرضى المنتصر لرضا المظلوم كما غضب لغضبه، ويدخل معهما في الصلح سواء وقع الصلح في غيبته أو حضوره، والأولى أن لا يصالح المظلوم الظالم حتى يأتي المنتصر ويرضى برضاهما. (فقال النبي ﷺ : قد فعلنا قد فعلنا) أي: أدخلناك في صلحنا. [٥٠٠٠] (ثنا مؤمل بن الفضل) الحراني، ثقة (ثنا الوليد) (٢) بن مسلم، عالم أهل الشام (عن عبد اللَّه بن العلاء) الربعي الشامي (عن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة (ابن عبيد اللَّه) بالتصغير، الحضرمي (عن أبي إدريس) عائذ اللَّه بن عبد اللَّه (الخولاني عن عوف ابن مالك الأشجعي) كانت معه راية أشجع يوم فتح مكة، ﵁. (قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك) هذا الحديث ذكره البخاري في الجزية مطولا من حديث عوف بن مالك، قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك (٣) وهو في قبة ولم يذكر قصة الدخول فيه، ورواه ابن ماجه في الفتن (٤) غير منصرف (وهو في قبة) القبة: من الخيام صغير مستدير (من أدم) بفتح الهمزة والدال. أي: جلد تنزل فيه

стр. 12587

العرب وأهل اليمن. (فسلمت) عليه قبل أن أدخل، فيه: تسليم الماشي على القاعد، وإن كان القاعد هو الكبير القدر (فرد) علي السلام (وقال: ادخل، فقلت: أ) أدخل (كلي) أم ببعض بدني (يا رسول اللَّه؟ فقال) ادخل (كلك) بالرفع (فدخلت) وفيه جواز المزح كما تقدم، ووجهه أن الدخول إنما يطلق على كل الجسد، لا على بعضه، ولهذا لو حلف لا يدخل بيتًا أو لا يخرج منه فأدخل بعضه كيده أو رجله أو أخرجه لم يحنث، ولو أدخلت الحائض يدها أو رجلها في المسجد لم يحرم، أو أخرج المعتكف يده أو رجله من المسجد لم يبطل اعتكافه، وهذا من المزح الذي ليس كذبًا (١). [٥٠٠١] (ثنا صفوان بن صالح) الثقفي، مؤذن جامع دمشق ومحدثها (قال) المصنف: حجة (ثنا الوليد) بن مسلم (ثنا عثمان بن أبي العاتكة) سليمان الأزدي الدمشقي العاص، صدوق، وثقه غير النسائي. (قال: إنما قال: أدخل كلي من صغر القبة) ظن أنها لا تسعه إن دخل فيها، فلما قال له: كلك. تحقق اتساعها، أو خاف أن يضيق على رسول اللَّه ﷺ في مكانه الصغير، فلما أذن له دخل بكله، وكان يمكنه أن يدخل ببعض بدنه، ولا يضيق عليه، وعلى هذا فلا مزح حينئذٍ. [٥٠٠٢] (ثنا إبراهيم بن مهدي) المصيصي، وثقه أبو حاتم (٢) (ثنا) القاضي (شريك) بن عبد اللَّه النخعي الكوفي، أخرج له البخاري في رفع

стр. 12588

اليدين في الصلاة وغيره ومسلم في المتابعات (عن عاصم) (١) بن سليمان الأحول (عن أنس) بن مالك ﵁. (قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : يا ذا الأذنين) قيل: إن هذا من جملة مزحه ﷺ ولطيف أخلاقه؛ لأن كل أحد له أذنان تثنية أذن، كما قال لأم أيمن حين قالت له: إن زوجي يدعوك: "أهو الذي بعينيه بياض؟ " فقالت: لا واللَّه، فقال: "كل أحد بعينيه بياض" (٢) أراد به البياض المحيط بالحدقة، رواه الزبير بن بكار في كتاب "الفكاهة والمزاح" ورواه ابن أبي الدنيا، وكما قال للعجوز الذي سألته: أيدخل الجنة عجوز؟ فقال: "لا"، فبكت، فقال: "إنك لست بعجوز يومئذٍ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ (٣) (٤). وقيل: معنى الحديث: الحث على حسن الاستماع والوعي؛ لأن السمع بحاسة الأذن، ومن خلق اللَّه أذنين له فأغفل الاستماع ولم يحسن الوعي لم يعذر، وفيه دلالة على أنه يستحب للمحدث والعالم أن يحث جماعته على الإصغاء بكليتهم على ما يقوله والتعقل بالقلب، فإن اللَّه أعانه على ذلك بأذنين بجانبي رأسه يمينًا وشمالًا؛ ليصل ما يسمعه بهما إلى قلبه فيعقله، وعلى القول الأول أنه من جملة

стр. 12589

مزحه، فيحمل على أنه قاله لأنس في صغره قبل البلوغ، فإنه كان أكثر مزحه مع النساء والصبيان تلطفًا بهم دون أكابر الصحابة ﵃. * * *

стр. 12590

٩٣ - باب مَنْ يَأْخُذُ الشَّيء عَلَى المِزاحِ ٥٠٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابن أَبي ذِئْبٍ ح، وَحَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِي، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْن إِسْحَاقَ، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتاعَ أَخِيهِ لاعِبًا وَلا جادًّا". وقالَ سُلَيْمان: "لَعِبًا وَلا جِدًّا". "وَمَنْ أَخَذَ عَصا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّها". لَمْ يَقُلِ ابن بَشّارٍ: ابن يَزِيدَ، وقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). ٥٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الأَنْباري، حَدَّثَنَا ابن نُمَيْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُمْ كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبي ﷺ فَنامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ فَفَزِعَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" (٢). * * * باب من يأخذ الشيء على المزح [٥٠٠٣] (ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى) القطان ([عن ابن أبي ذئب] (٣) ح، وثنا سليمان بن عبد الرحمن) التميمي الدمشقي، أخرج له والجماعة سوى مسلم (ثنا شعيب بن إسحاق) (٤) بن عبد الرحمن

стр. 12591

الأموي الدمشقي، أخرج له الشيخان (عن) محمد بن عبد الرحمن (ابن أبي ذئب، عن عبد اللَّه بن السائب بن يزيد) الكندي، وثقه النسائي وابن سعد (١). (عن أبيه، عن جده) يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، حليف بني عبد شمس، أسلم يوم فتح مكة. (أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبًا وجادًّا) (٢)، قال في "النهاية": أي: لا يأخذه على سبيل الهزل فيحبسه فيصير ذلك جدًّا، والجد بكسر الجيم ضد الهزل، يقال منه: جدي وجدا (٣). (وقال سليمان: ) بن عبد الرحمن -أحد الرواة- في روايته (لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لعبًا ولا جدًّا) بكسر الجيم كما تقدم (ومن أخذ عصا أخيه فليردها) عليه ولا يروعه عليها، وهذا في العصاة الصغيرة التي تساق البهيمة بها، فإنها لا قيمة لها، ويتروع الإنسان لها إذا فقدها، فكيف بما فوقها من الأمتعة النفيسة. و(لم يقل) محمد (ابن بشار) في روايته (السائب بن يزيد، وقال: قال رسول اللَّه ﷺ . . .) الحديث. [٥٠٠٤] (ثنا محمد بن) أبي داود (سليمان الأنباري) بتقديم النون على الموحدة، وثقه الخطيب.

стр. 12592

(ثنا) عبد اللَّه (ابن نمير) (١) بضم النون مصغر، الهمداني الكوفي (عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن يسار) بالمثناة تحت وتخفيف المهملة، الجهني الكوفي، وثقه النسائي وغيره (٢) (عن عبد الرحمن بن أبى ليلى) الأنصاري عالم الكوفة. (قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ ) في غزوة، أو عمرة (٣) (فنام رجل منهم فانطلق بعضهم) أي: بعض رفقته (إلى حبل معه فأخذه) (٤) وهو نائم، فاستيقظ وطلبه فلم يجده (ففزع) عليه حين لم يجده، فيه أن الجزع على ما فات والفرح بما هو آتٍ مباح، وأما من لم يحزن على ما فات من الدنيا ولم يفرح بما أعطي فتلك درجة الصديقين. (فقال رسول اللَّه ﷺ : لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا) والروع: الفزع والخوف، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ (٥) وهذِه هي العلة في أخذ متاع الغير على سبيل اللعب والهزل، فإن علم به صاحبه قال: أخذته؛ لألعب معك، وإن لم يعلم به استمر على أخذه. والنهي داخل فيمن أخذه لعبًا لا لخيانة بل هزلا، فإن الروع حاصل، وفي معنى هذا النهي كل من روع مسلمًا أو خوفه، كأن يكون في ظلمة أو

стр. 12593

غفلة، فيصعق عليه بشدة، أو يخوفه بعدو يتسلط عليه، وفي معنى هذا من يقول: الروع: السنة ما يحصل منه شيء ولا ينفع؛ لقلة المطر أو غرق لكثرة المطر، ولا بد من غلاء الأسعار، ونحو ذلك مما يروع المسلم. * * *

стр. 12594

٩٤ - باب ما جاءَ في المُتَشَدِّقِ فِي الكَلامِ ٥٠٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ الباهِلي -وَكانَ يَنْزِلُ العَوَقَةَ- حَدَّثَنَا نافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ ابن عَمْرٍو- قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الذي يَتَخَلَّلُ بِلِسانِهِ تَخَلُّلَ الباقِرَةِ بِلِسانِها" (١). ٥٠٠٦ - حَدَّثَنَا ابن السَّرْحِ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الكَلامِ، لِيَسْبي بِهِ قُلُوبَ الرِّجالِ أَوِ النّاسِ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلًا" (٢). ٥٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ فَخَطَبَا فَعَجِبَ النّاسُ -يَعْني: لِبَيانِهِما- فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا". أَوْ: "إِنَّ بَعْضَ البَيانِ لَسِحْرٌ" (٣). ٥٠٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ البَهْرانِي أَنَّهُ قَرَأَ في أَصْلِ إِسْماعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ وَحَدَّثَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْماعِيلَ ابنهُ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبي، قالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ، قالَ يَوْمًا وَقامَ رَجُلٌ فَأَكْثَرَ القَوْلَ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَوْ قَصَدَ في قَوْلِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 12595

يَقُول: "لَقَدْ رَأَيْتُ أَوْ أُمِرْتُ أَنْ أَتَجَوَّزَ في القَوْلِ فَإِنَّ الجَوازَ هُوَ خَيْرٌ" (١). * * * باب ما جاء في المتشدق من الكلام أشار في الترجمة إلى ما رواه الترمذي وحسنه عن جابر: "إن أبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون" (٢). والمتشدق: هو المتكلم بملء شدقه تعاظمًا واستعلاءً على غيره، والأشداق: جوانب الفم، وإنما يكون ذلك لرحب شدقيه، وفي "النهاية" المتشدقون: هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز، وقيل: أراد بالمتشدق المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم (٣). [٥٠٠٥] (ثنا محمد بن سنان) العوقي شيخ البخاري (عن نافع بن عمر) الجمحي المكي (عن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (ابن عاصم) بن سفيان الثقفي، ثقة (عن أبيه) عاصم بن سفيان بن عبد اللَّه الحجازي في الطبقة الأولى من تابعي أهل مكة، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤). (عن عبد اللَّه) بن عمرو بن العاص ﵄.

стр. 12596

(قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه يبغض) بضم أوله وكسر الغين (البليغ من الرجال) وهو الفصيح الطلق اللسان، والماضي منه: بَلُغ بضم اللام (الذي يتخلل) بفتح الخاء المعجمة واللام المشددة، أي: يلوي لسانه في فمه، كما تلوي البقرة لسانها فتأكل حشيشًا (١)، ولا تميز بين الضار والنافع، فكذلك هذا البليغ فيما يقوله في الناس بين الخير والشر، [فيترك الشر] (٢) ويأتي بالخير كالمتقي. (بلسانه تخلل الباقرة) لغة في البقرة؛ يقال في واحدة البقر: بقرة وباقرة وباقورة، وفي كتاب الصدقة لأهل اليمن: "في ثلاثين باقورة بقرة" (٣) والباقورة بلغة اليمن البقرة، فخاطبهم النبي ﷺ ؛ إذ كل كتاب كتبه إلى القبائل كتبه بلغتهم، وسميت البقرة؛ لأنها تبقر الأرض. أي: تشقها بالحراثة (بلسانها) قال في "النهاية": وفي الحديث: "إن اللَّه يبغض البليغ من الرجال؛ الذي يتخلل الكلام بلسانه كما تتخلل الباقرة الكلأ بلسانها" قال: وهو الذي يتشدق في الكلام ويلف به لسانه ويفخمه، كما تلف البقرة الكلأ بلسانها (٤). وروى الطبراني: "يلوون ألسنتهم للناس لي البقرة بلسانها المرعى؛ كذلك يلوي اللَّه ألسنتهم ووجوههم في النار" (٥). أي: يلغون (٦) ألسنتهم

стр. 12597

بالكلام ويقلبونه، كما تلف (١) البقرة لسانها في المرعى؛ لتخرج ما يتخلل بين أسنانها من المرعى، وفيه: ذم من يتكلف الفصاحة والسجع في كلامه؛ ليشتهر بالفصاحة (٢) والذكاء لا سيما في المحافل ويدخل فيه الخطباء والوعاظ والمدرسون ونحوهم. [٥٠٠٦] (ثنا) أحمد بن عمرو (ابن السرح، ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب، عن عبد اللَّه بن المسيب) مولى قريش المصري، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣). (عن الضحاك بن شرحبيل) بن عبد اللَّه الغافقي المصري، قال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق (٤). ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥) روى له المصنف هذا الحديث فقط، وابن ماجه (٦). قال المنذري: ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا له رواية عن أحد من الصحابة، وإنما روايته عن التابعين، ويشبه أن يكون الحديث منقطعًا (٧). حديث: توضأ النبي ﷺ مرة (٨). (عن أبي هريرة: قال رسول اللَّه ﷺ : من تعلم صرف) بكسر الصاد

стр. 12598

(الكلام) أي: ما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه على قدر الحاجة، ومنه تسمية الصيرفي والصرف وهو الجيد من النقدين من رديئه، ويقال: فلان لا يحسن صرف الكلام. أي: فصل (١) بعضه من بعض، وإنما كره ذلك لما يدخل صاحبه من الرياء والتصنع، ولما يخالطه من الزيادة والتصنع في الكلام، وما يدخله من الكذب، ويحتمل أن يكون من علم التصريف، وهو: تصريف الألفاظ واختلاف ضروب معانيها؛ لأن عارفه بعد النحو تنصرف وجوه الناس إليه (ليسبي) منصوب بـ (أن) المقدرة، أي: لكي يستميل (به قلوب الرجال، أو) قلوب، هذا شك من الرواي (الناس) إليه، الناس أعم من الرجال، فإنه يشمل الرجال والنساء والصبيان، وفيه ذم التكلف في الكلام والتصنع فيه، وينبغي الاقتصار فيه على مقصوده بحيث يفهم منه الغرض المطلوب، فما وراء ذلك فتصنع ممنوع منه مذموم. وخرج بقوله ﷺ : (ليسبي به قلوب الرجال) من تعلم صرف الكلام؛ ليحسن به ألفاظ الخطابة والمواعظ والدروس، والتذكير من غير إفراط ولا إغرار، فان المقصود تحريك القلوب وتسويفها وقبضها وبسطها، ولرشاقة اللفظ تأثير في الأسماع وذهاب السآمة، ولهذا يدخل كثير من الوعاظ والفقهاء الأشعار في وعظهم، فأما المحاورات التي تأتي وتجري في قضاء الحاجات، فلا يليق بها السجع والتشدق، والاشتغال به من التكلف المذموم، ولا باعث له إلا الرياء، وإظهار

стр. 12599

الفصاحة والتمييز بالبراعة، وكل ذلك مكروه في الشرع مزجور عنه. (لم يقبل اللَّه منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا) الصرف: التوبة، وقيل: النافلة، والعدل: الفدية، وقيل: الفريضة. أي: لا يقبل منه فريضة ولا نافلة. [٥٠٠٧] (ثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي (عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد اللَّه بن عمر أنه قال: قدم رجلان) وهم: الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس السعدي، واسمه: الحصين، سمي به لحسنه؛ لأن الزبرقان: القمر، وكان يقال له: قمر نجد؛ لجماله، وكان يدخل مكة متعممًا، ولاه رسول اللَّه ﷺ صدقات قومه بني عوف (١) والثاني: عمرو بن الأهتم بالمثناة، اسمه: سنان بن خالد المنقري، يقال: إن قيس بن عاصم ضربه فهتم فمه، قدم على رسول اللَّه ﷺ وافد قومه بني تميم فأسلم في سنة تسع وكان خطيبًا بليغًا، شاعرًا، يقال: إن شعره كان حللا منشرة، وله وللزبرقان قصة. (من المشرق فخطبا) عند النبي ﷺ (فعجب الناس؛ يعني: لبيانهما) في خطبتيهما (فقال النبي ﷺ : إن من البيان لسحرًا) البيان: إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب، وأصله: الكشف والظهور، وعلى هذا فيكون مدحًا وثناءً، شبهه بالسحر؛ لصرف القلوب واستمالتها إلى سماع الموعظة والإصغاء إليه، ويقال لهذا: السحر الحلال. وقيل: معناه: أن الرجل يكون عليه الحق وهو أقوم

стр. 12600

بحجته من خصمه، فينقلب الحق ببيانه إلى نفسه؛ لأن معنى السحر قلب الشيء في عين الإنسان، وليست الأعيان مقلوبة حقيقة، ألا ترى أن البليغ يمدح إنسانًا حتى يصرف قلوب السامعين إلى حبه، ثم يذمه حتى يصرفها إلى بغضه، ومنه: "البذاء والبيان شعبتان من النفاق" (١) أراد أنهما خصلتان منشؤهما النفاق، وأما البذاء وهو الفحش فظاهر، وأما البيان فإنما أراد منه بالذم التعمق في النطق والتفاصح وإظهار التقدم به على الناس، وكأنه نوع من الكبر والعجب (أو) قال: (إن بعض البيان لسحر) وقيل: معناه: أن صاحبه يكسب من الإثم ما يكتسبه الساحر بعمله؛ وهو أظهر في المعنى؛ لأن البيان كله ليس بمذموم؛ لأن منه ممدوحًا، ومنه مذمومًا، ولهذا حمل أول الحديث على المدح والذم، كما تقدم. [٥٠٠٨] (ثنا سليمان (٢) بن عبد الحميد) بن رافع الحمصي، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: [صديق أبي، كتب عنه أبي] (٣) وسمعت منه بحمص وهو صدوق (٤) (أنه قرأ في أصل) سماع (إسماعيل بن عياش)

стр. 12601

العنسي، عالم الشاميين، قال البخاري: إذا حدث عن أهل حمص فصحيح (١). وهو هنا حدث عن ضمضم الحمصي (وحدثه) بما في الأصل (محمد بن إسماعيل) العنسي (ابنه قال: حدثني أبي) إسماعيل ابن عياش. (قال: حدثني ضمضم) بن زرعة بن ثوب الحضرمي الحمصي، قال أحمد بن محمد بن عيسى صاحب "تاريخ الحمصيين": لا بأس به. وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" (٢). (عن شريح بن عبيد) بن شريح الحضرمي الحمصي، عن دحيم، عن شيوخ حمص الكبار، ثقة وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣) وقال النسائي: ثقة (٤). (ثنا أبو ظبية) بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة والمثناة، قال ابن منده: يقال فيه: أبو ظبية بالظاء المعجمة والموحدة، السلفي، ثم الكلاعي، الحمصي، لم أجد من ذكر اسمه (أن عمرو ابن العاص ﵁ قال يومًا و) كان قد (قام رجل فأكثر القول) وأطال (فقال عمرو) بن العاص (لو) للتمني (قصد (٥) في قوله) القصد بفتح القاف وسكون المهملة هو الوسط بين الطرفين في القول والفعل، والقصد

стр. 12602

من الكلام الذي ليس بطويل ولا قصير، وفي الحديث: "كانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا" (١) ومنه الحديث: "القصد القصد (٢) تبلغوا" (٣) هو منصوب فيهما على المصدر المؤكد، وتكراره للتأكيد، أي: عليكم بالقصد في جميع أموركم من القول والفعل تبلغوا مقصودكم (لكان) ذلك (خيرًا له) من هذِه الإطالة، ثم ذكر الدليل على ما قاله (فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لقد رأيت أو) قال: (أمرت) يشبه أن يكون بضم الهمزة وكسر الميم، أي: أمرني ربي (أن أتجوز في القول) قال المنذري: يحتمل أن يكون (أتجوز في القول) أي: أخفف. انتهى (٤). ومنه الحديث: "من أم قومًا فليتجوز" (٥) وحديث: "تجوزوا في الصلاة" (٦) أي: خففوها وأسرعوا بها، وقيل: إنه من الجوز، وهو القطع والسير، من قولهم: جاز المكان إذا سار فيه وقطعه، والأول أظهر، والمراد بالتخفيف أن يأتي فيه بأقل ما يكفي، قال المنذري: ويحتمل أن يكون من قولهم: تجوز في كلامه. أي: تكلم بالمجاز.

стр. 12603

يعني: ضد الحقيقي. قال: والأول هاهنا أظهر؛ لسياق الحديث (١). فإن المجاز هو خير من التطويل على السآمة والملل، ولأن من كثر قوله كثر كذبه، ومن كثر كذبه كثرت ذنوبه، ومن كثر ذنبه فالنار أولى به، وروى ابن أبي الدنيا مرسلا برجال ثقات عن عمرو بن دينار ﵁: تكلم رجل عند النبي ﷺ فأكثر (٢) فقال: "كم دون لسانك من باب؟ " فقال: شفتاي وأسناني. فقال: "أما كان في ذلك ما يرد كلامك؟ " (٣) يعني: الكثير، بأن تقتصر على ما يحصل به الكفاية خوفًا من السآمة والوقوع في الكذب لمن لم يقرأ في كتاب ولم يكتب. * * *

стр. 12604

٩٥ - باب ما جاءَ في الشِّعْرِ ٥٠٠٩ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسي، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا". قالَ أَبُو عَلي: بَلَغَني عَنْ أَبي عُبَيْدٍ أَنَّهُ قالَ: وَجْهُهُ أَنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنِ القُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ، فَإِذا كانَ القُرْآن والعِلْمُ الغالِبُ فَلَيْسَ جَوْفُ هذا عِنْدَنا مُمْتَلِئًا مِنَ الشِّعْرِ، وِإنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا. قالَ: كَأَنَّ المَعْنَى أَنْ يَبْلُغَ مِنْ بَيانِهِ أَنْ يَمْدَحَ الإِنْسانَ فَيَصْدُقَ فِيهِ حَتَّى يَصْرِفَ القُلُوبَ إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ يَذُمَّهُ فَيَصْدُقَ فِيهِ حَتَّى يَصْرِفَ القُلُوبَ إِلَى قَوْلِهِ الآخَرِ، فَكَأَنَّهُ سَحَرَ السّامِعِينَ بِذَلِكَ (١). ٥٠١٠ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا ابن المُبارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْري قالَ: حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، عَنْ أُبَي بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً" (٢). ٥٠١١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ سِماكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ جاءَ أَعْرابي إِلَى النَّبي ﷺ -فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِكلامٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ البَيانِ سِحْرًا وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا" (٣). ٥٠١٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا أَبُو تُمَيْلَةَ، قالَ: حَدَّثَني أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثابِتٍ، قالَ: حَدَّثَني صَخْرُ بْنُ

стр. 12605

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مِنَ البَيان سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا، وَإِنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا". فَقالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحانَ صَدَقَ نَبي اللَّهِ ﷺ أَمّا قَوْلُهُ: "إِنَّ مِنَ البَيانِ سِحْرًا". فالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الحَقُّ وَهُوَ أَلَحْنُ بِالحُجَجِ مِنْ صاحِبِ الحَقِّ فَيَسْحَرُ القَوْمَ بِبَيانِهِ فَيَذْهَبُ بِالحَقِّ، وَأَمّا قَوْلُهُ: "إِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا". فَيَتَكَلَّفُ العالِمُ إِلَى عِلْمِهِ ما لا يَعْلَمُ فَيُجَهِّلُهُ ذَلِكَ وَأَمّا قَوْلُهُ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا". فَهي هذِه المَواعِظُ والأَمْثالُ التي يَتَّعِظُ بِها النّاسُ وَأَمّا قَوْلُهُ: "إِنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا". فَعَرْضُكَ كَلامَكَ وَحَدِيثَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلا يُرِيدُهُ (١). ٥٠١٣ - حَدَّثَنا ابن أَبي خَلَفٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ سَعِيدٍ، قالَ: مَرَّ عُمَرُ بِحَسّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ في المَسْجِدِ فَلَحَظَ إِلَيْهِ فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ (٢). ٥٠١٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ بِمَعْناهُ، زادَ فَخَشي أَنْ يَرْمِيَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجازَهُ (٣). ٥٠١٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ المِصِّيصي لُوَيْنٌ، حَدَّثَنا ابن أَبي الزِّنادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ وَهِشامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ لِحَسّانَ مِنْبَرًا في المَسْجِدِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ يَهْجُو مَنْ قالَ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ
следующие страницы →