← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12601–12640 · переход к 12606.

стр. 12601

العنسي، عالم الشاميين، قال البخاري: إذا حدث عن أهل حمص فصحيح (١). وهو هنا حدث عن ضمضم الحمصي (وحدثه) بما في الأصل (محمد بن إسماعيل) العنسي (ابنه قال: حدثني أبي) إسماعيل ابن عياش. (قال: حدثني ضمضم) بن زرعة بن ثوب الحضرمي الحمصي، قال أحمد بن محمد بن عيسى صاحب "تاريخ الحمصيين": لا بأس به. وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" (٢). (عن شريح بن عبيد) بن شريح الحضرمي الحمصي، عن دحيم، عن شيوخ حمص الكبار، ثقة وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣) وقال النسائي: ثقة (٤). (ثنا أبو ظبية) بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة والمثناة، قال ابن منده: يقال فيه: أبو ظبية بالظاء المعجمة والموحدة، السلفي، ثم الكلاعي، الحمصي، لم أجد من ذكر اسمه (أن عمرو ابن العاص ﵁ قال يومًا و) كان قد (قام رجل فأكثر القول) وأطال (فقال عمرو) بن العاص (لو) للتمني (قصد (٥) في قوله) القصد بفتح القاف وسكون المهملة هو الوسط بين الطرفين في القول والفعل، والقصد

стр. 12602

من الكلام الذي ليس بطويل ولا قصير، وفي الحديث: "كانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا" (١) ومنه الحديث: "القصد القصد (٢) تبلغوا" (٣) هو منصوب فيهما على المصدر المؤكد، وتكراره للتأكيد، أي: عليكم بالقصد في جميع أموركم من القول والفعل تبلغوا مقصودكم (لكان) ذلك (خيرًا له) من هذِه الإطالة، ثم ذكر الدليل على ما قاله (فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لقد رأيت أو) قال: (أمرت) يشبه أن يكون بضم الهمزة وكسر الميم، أي: أمرني ربي (أن أتجوز في القول) قال المنذري: يحتمل أن يكون (أتجوز في القول) أي: أخفف. انتهى (٤). ومنه الحديث: "من أم قومًا فليتجوز" (٥) وحديث: "تجوزوا في الصلاة" (٦) أي: خففوها وأسرعوا بها، وقيل: إنه من الجوز، وهو القطع والسير، من قولهم: جاز المكان إذا سار فيه وقطعه، والأول أظهر، والمراد بالتخفيف أن يأتي فيه بأقل ما يكفي، قال المنذري: ويحتمل أن يكون من قولهم: تجوز في كلامه. أي: تكلم بالمجاز.

стр. 12603

يعني: ضد الحقيقي. قال: والأول هاهنا أظهر؛ لسياق الحديث (١). فإن المجاز هو خير من التطويل على السآمة والملل، ولأن من كثر قوله كثر كذبه، ومن كثر كذبه كثرت ذنوبه، ومن كثر ذنبه فالنار أولى به، وروى ابن أبي الدنيا مرسلا برجال ثقات عن عمرو بن دينار ﵁: تكلم رجل عند النبي ﷺ فأكثر (٢) فقال: "كم دون لسانك من باب؟ " فقال: شفتاي وأسناني. فقال: "أما كان في ذلك ما يرد كلامك؟ " (٣) يعني: الكثير، بأن تقتصر على ما يحصل به الكفاية خوفًا من السآمة والوقوع في الكذب لمن لم يقرأ في كتاب ولم يكتب. * * *

стр. 12604

٩٥ - باب ما جاءَ في الشِّعْرِ ٥٠٠٩ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسي، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا". قالَ أَبُو عَلي: بَلَغَني عَنْ أَبي عُبَيْدٍ أَنَّهُ قالَ: وَجْهُهُ أَنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنِ القُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ، فَإِذا كانَ القُرْآن والعِلْمُ الغالِبُ فَلَيْسَ جَوْفُ هذا عِنْدَنا مُمْتَلِئًا مِنَ الشِّعْرِ، وِإنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا. قالَ: كَأَنَّ المَعْنَى أَنْ يَبْلُغَ مِنْ بَيانِهِ أَنْ يَمْدَحَ الإِنْسانَ فَيَصْدُقَ فِيهِ حَتَّى يَصْرِفَ القُلُوبَ إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ يَذُمَّهُ فَيَصْدُقَ فِيهِ حَتَّى يَصْرِفَ القُلُوبَ إِلَى قَوْلِهِ الآخَرِ، فَكَأَنَّهُ سَحَرَ السّامِعِينَ بِذَلِكَ (١). ٥٠١٠ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا ابن المُبارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْري قالَ: حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، عَنْ أُبَي بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً" (٢). ٥٠١١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ سِماكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ جاءَ أَعْرابي إِلَى النَّبي ﷺ -فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِكلامٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ البَيانِ سِحْرًا وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا" (٣). ٥٠١٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا أَبُو تُمَيْلَةَ، قالَ: حَدَّثَني أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثابِتٍ، قالَ: حَدَّثَني صَخْرُ بْنُ

стр. 12605

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مِنَ البَيان سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا، وَإِنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا". فَقالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحانَ صَدَقَ نَبي اللَّهِ ﷺ أَمّا قَوْلُهُ: "إِنَّ مِنَ البَيانِ سِحْرًا". فالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الحَقُّ وَهُوَ أَلَحْنُ بِالحُجَجِ مِنْ صاحِبِ الحَقِّ فَيَسْحَرُ القَوْمَ بِبَيانِهِ فَيَذْهَبُ بِالحَقِّ، وَأَمّا قَوْلُهُ: "إِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا". فَيَتَكَلَّفُ العالِمُ إِلَى عِلْمِهِ ما لا يَعْلَمُ فَيُجَهِّلُهُ ذَلِكَ وَأَمّا قَوْلُهُ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا". فَهي هذِه المَواعِظُ والأَمْثالُ التي يَتَّعِظُ بِها النّاسُ وَأَمّا قَوْلُهُ: "إِنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا". فَعَرْضُكَ كَلامَكَ وَحَدِيثَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلا يُرِيدُهُ (١). ٥٠١٣ - حَدَّثَنا ابن أَبي خَلَفٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ سَعِيدٍ، قالَ: مَرَّ عُمَرُ بِحَسّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ في المَسْجِدِ فَلَحَظَ إِلَيْهِ فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ (٢). ٥٠١٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ بِمَعْناهُ، زادَ فَخَشي أَنْ يَرْمِيَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجازَهُ (٣). ٥٠١٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ المِصِّيصي لُوَيْنٌ، حَدَّثَنا ابن أَبي الزِّنادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ وَهِشامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ لِحَسّانَ مِنْبَرًا في المَسْجِدِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ يَهْجُو مَنْ قالَ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ

стр. 12606

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ رُوحَ القُدُسِ مَعَ حَسّانَ ما نافَحَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (١). ٥٠١٦ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن مُحَمَّدٍ المَرْوَزي، قالَ: حَدَّثَني عَلي بْنُ حُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوي، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ واسْتَثْنَى فَقالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢). * * * باب ما جاء في الشعر [٥٠٠٩] (ثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي، ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح) السمان (عن أبي هريرة: قال رسول اللَّه ﷺ : لأن) بفتح الهمزة واللام جواب قسم محذوف، تقديره: واللَّه لأن (يمتلئ) بهمزة آخره (جوت أحدكم قيحًا) زاد البخاري في رواية "يَرِيْهِ" (٣) قال الأزهري: الوري بوزن الرمي داء يداخل الجوف (٤). (خير) هو خبر للمبتدأ المقدر، والتقدير: واللَّه لامتلاء جوف أحدكم بالقيح خير (له من أن يمتلئ شعرًا. قال أبو علي) محمد بن أحمد اللؤلؤي صاحب المصنف.

стр. 12607

(بلغني عن أبي عبيد) القاسم بن سلام، حكى الخطابي عنه أنه مكث في تثقيف كتابه أربعين سنة يسأل العلماء (أنه قال) وكذا غيره من العلماء في هذا الحديث (وجهه أن يمتلئ قلبه) بحبه والإكثار منه (حتى يشغله) بفتح أوله وثالثه إنشاد الشعر والاشتغال بأسبابه (عن) قراءة (القرآن وعن ذكر اللَّه) تعالى وغيرهما مما هو أهم منهما، أو يقضي به إلى تعاطي مجان الشعراء وسخفاتهم، فإن الغالب من أحوال من انصرف إلى الشعر بكليته أن يكون كذلك، ويصده عن ذكر اللَّه والصلاة (فإذا كان القرآن والعلم) الشريف هما (الغالب) على أحواله، فلا يضره حفظ الشعر اليسير مع هذا؛ لأن جوفه ليس ممتلئًا من الشعر (فليس جوف هذا عندنا ممتلئًا من الشعر) وقال بعضهم: المراد بالشعر في هذا الحديث ما هجي به النبي ﷺ . قال العلماء كافة: فهذا تأويل فاسد؛ لأنه يقتضي أن المذموم من الهجاء أن يمتلئ منه قلبه دون قليله، وقد أجمع المسلمون على أن الكلمة الواحدة من هجاء النبي ﷺ موجبة للكفر، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على كراهية الشعر مطلقًا، قليله وكثيره، وإن كان لا فحش فيه، وتعلق بقوله ﷺ : "خذوا الشيطان" (١) وقال العلماء كافة: هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه، وقد أمر النبي ﷺ بهجو الكفار والتوسع في المدح، وإن كان كذبًا، فإنه لا يلتحق في التحريم بالكذب؛ كقول الشاعر:

стр. 12608

ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق اللَّه سائله (١) فإن هذِه عبارة عن الوصف بنهاية السخاء (و) وجه قوله (إن من البيان لسحرًا. فإن المعنى أن يبلغ) البليغ (من بيانه) وفصاحته (أن يمدح الإنسان فيصدق فيه) أي: يصدق في مدحه، ولا يتجاوز إلى الكذب (حتى يصرف القلوب) أي: يستميلها (إلى) محبة الممدوح بما يأتي به في (قوله) البليغ (ثم يذمه) بنصب الميم عطفًا على (يمدح). (فيصدق فيه) أي: في ذمه بحيث لا يتجاوز إلى الكذب (حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر) وهو بعض المذموم (فكأنه سحر السامعين) قوله (بذلك) ببيانه، وهذا كما يقال: هو السحر الحلال؛ لأن السحر قلب، وهذا فيه قلب القلوب كما تقدم. [٥٠١٠] (ثنا أبو بكر بن أبي شبية، ثنا) عبد اللَّه (ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، ثنا أبو (٢) بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، ويقال له: راهب قريش؛ لكثرة صلاته، أحد الفقهاء السبعة. (عن مروان بن الحكم) ولد سنة اثنتين، ولم يصح له سماع (٣)، أخرج له البخاري هذا الحديث (عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث)

стр. 12609

الزهري، لا تصح له رؤية. (عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن من الشعر حكمة) أي: من الشعر كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسفه، وينهى عنهما، وقيل: أراد به المواعظ والأمثال التي ينتفع بها الناس، وكذا كل كلام صادق مطابق للحق والصواب، فإن قلت: قال اللَّه تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾ (١)، حكى البخاري عن ابن عباس: أي: في كل لغو يخوضون (٢). والجواب: أن اللَّه تعالى قال بعده: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣)، فاستثنى منهم الذين قالوا بالحكمة صدقًا وحقًّا، كما روى البيهقي حديث عائشة: كان رسول اللَّه ﷺ يخصف نعله، وكنت أغزل، فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق، وعرقه يتولد نورًا فبهت، فقال: "ما لك بهت؟ " قلت: لو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره. قال: "وما يقول أبو كبير؟ " قلت: يقول: وَمُبَرَّإ مِنْ كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ... وَفَسادِ مُرضِعَةٍ ودَاءِ مَغْيلِ فَإذا نَظرتَ إلى أُسْرَةِ وجْههِ ... بَرَقَتْ كَبرقِ العارِضِ المُتَهَللِ قالت: فوضع رسول اللَّه ﷺ ما كان في يده، وقام إليَّ، وقبل ما بين

стр. 12610

عيني، وقال: "جزاك اللَّه خيرًا ما سررت بشيء كسروري منك" (١) وقول الشاعر: ومبرأ. هو مجرور بواو رُبَّ المقدرة، وغبر بضم الغين المعجمة، وتشديد الموحدة. وسئل بعض أصحابنا: هل يجوز أن يكون الشعر صداقًا؟ فقال: إن كان كما يقول أبو الدرداء: يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى اللَّه إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ورزقي ... وتقوى اللَّه أفضل ما استفادا (٢) فيجوز. [٥٠١١] (ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري (عن عكرمة، عن) مولاه (ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فجعل يتكلم بكلام) فصيح، ومعان بليغة (فقال النبي ﷺ : إن من البيان سحرًا) تقدم (وإن من الشعر حكمًا) بضم الحاء وسكون الكاف، قال في "النهاية": هو بمعنى الحكمة كما تقدم، وهو مصدر حكم يحكم حكمًا، والحكم: القضاء والعلم والفقه والحكمة (٣) بالعدل (٤). [٥٠١٢] (ثنا محمد بن يحيى) بن عبد اللَّه (بن فارس) الذهلي، شيخ

стр. 12611

البخاري (ثنا سعيد بن محمد) بن سعيد الجرمي الكوفي، شيخ الشيخين. (ثنا أبو تميلة) (١) بضم المثناة فوق، مصغر، واسمه يحيى بن واضح الأنصاري (حدثني أبو جعفر (٢) النحوي) واسمه (عبد اللَّه بن ثابت) المروزي (قال: حدثني صخر بن عبد اللَّه بن بريدة) المروزي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣). (عن أبيه، عن جده) بريدة بن الحصيب (قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إن من البيان سحرًا، وإن من العلم جهلا، وإن من الشعر حكمًا، وإن من القول عيالًا) بكسر العين وتخفيف المثناة تحت، جمع عيل، بفتح العين وسكون المثناة تحت، وهو جمع قليل في المعيل، نحو: ضيف وضيفان، وأما الصحيح فكثير نحو: كعب وكعاب، وثوب وثياب. قال في "النهاية": وفي الحديث: "إن من القول عيلًا"، وهو عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده وليس من شأنه، تقول: عِلت الضالة أعيلها عيلًا: إذا لم تدر أي جهة تبغيها؛ كأنه لم يهتد لمن يطلب كلامه، فعرضه على من لا يريده (٤)، وستأتي له تتمة. (فقال صعصعة بن صوحان) بضم الصاد المهملة وبالحاء المهملة أيضًا العبدي نزيل الكوفة، تابعي، وهو أخو زيد بن صوحان وسيحان ابن صوحان، وكان خطيبًا من أصحاب علي، وشهد بيعة الجمل [هو

стр. 12612

وأخوه زيد وسيحان، وكان سيحان الخطيب قبل صعصعة، وكانت الراية يوم الجمل] (١) في يده فقتل فأخذها زيد، وتوفي بالكوفة في خلافة معاوية، وكان ثقة قليل الحديث (٢)، روى له النسائي حديثًا واحدًا في النهي عن حلقة الذهب والجعة (٣). (صدق نبي اللَّه ﷺ ، أما قوله: إن من البيان سحرًا. فالرجل يكون عليه الحق) في ذمته، وهو عالم به (وهو ألحن بالحجج) رواية مسلم: ألحن بحجته (٤). واللحن: الميل عن جهة الاستقامة؛ يقال: فلان ألحن في كلامه (٥) إذا مال عن صحيح المنطق، وهو أعرف بقيام الحجة، وأفطن لها من غيره، وفي الحديث: "تعلموا اللحن في القرآن" (٦) يريد: تعلموا لغة العرب بإعرابها. (من صاحب الحق، فيسحر القوم) أو الحاكم (ببيانه، فيذهب بالحق) وهو نظير الحديث: "وإنكم تتخاصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذ منه شيئًا؛ فإنما أقطع له قطعة من

стр. 12613

نار" (١). (وأما قوله) إن (من العلم) ما يكون (جهلا، فيتكلف) الرجل (العالم) القول فيما لا يعلمه فيضيف (إلى علمه ما لا يعلمه فيجهله) بضم الياء وتشديد الهاء المكسورة (ذلك) أي: ينسب إلى الجهل بسبب ذلك، وقيل: هو أن يتعلم ما لا يحتاج إليه؛ كالنجوم والهندسة، وما لا يحتاج إليه من علوم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه في دينه من علم القرآن والسنة والفقه وغيره من فروض الأعيان والكفاية. (وأما قوله: إن من الشعر) ما يكون (حُكْمًا) بضم الحاء وسكون الكاف (فهي هذِه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس) وينتفعون بها، ومنه ما كثر استعماله من الأشعار التي على بحر البسيط والكامل والرجز في القراءات السبعة والعشرة والفقه وأسماء الرجال وعلوم الحديث ونحو ذلك. (وأما قوله) وإن (من القول عيالًا) بكسر العين وتخفيف المثناة تحت (فعرضك (٢) كلامك من القرآن وحديثك) من السنة وغيرهما من العلوم (على من ليس هو من شأنه ولا يريده) بل ربما ثقل عنه سماعه وشق عليه، وعلى هذا فيحتمل أن يكون العيال من العول، شبه بالرجل الذي كثر عياله، وثقل عليه القيام بمؤنتهم، وهكذا القول الذي لا يريده منافعه تثقل عليه؛ لثقل مؤنة العيال الكثيرة على الفقير الذي لا تحصل لهم مؤنتهم وكفايتهم إلا بمشاق الأعمال.

стр. 12614

[٥٠١٣] (ثنا) محمد بن أحمد (ابن أبي خلف) القطيعي، شيخ مسلم (وأحمد بن عبدة) [الآملي، صدوق] (١) (المعنى، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب، قال (مر عمر) بن الخطاب. قال المنذري: سعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر، فإن كان سمع من حسان بن ثابت فمتصل (٢). (بحسان) بن ثابت بن المنذر الشاعر (وهو ينشد) بضم أوله وكسر ثالثه (في المسجد) أي: مسجد رسول اللَّه ﷺ (فلحظ إليه) أي: نظر إليه بلحظه، وهو شق عينه الذي يلي الصدغ، وأما الذي يلي الأنف فالماق والموق، فعرف أنه أنكر عليه إنشاده الشعر في المسجد (فقال: قد كنت أنشد) بضم الهمزة وكسر الشين فيه (وفيه من هو خير منك) يريد: رسول اللَّه ﷺ كما في صحيحي البخاري ومسلم، عن البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال لحسان: "اهجهم وجبريل معك" (٣) فأمره بإنشاد الشعر في هجوهم. [٥٠١٤] (ثنا أحمد بن صالح) الطبري المصري شيخ البخاري (ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁) و (زاد) في روايته (فخشي) عمر بن الخطاب من حسان ﵁ (أن يرميه برسول اللَّه ﷺ ) يشبه أن يكون المعنى فخشي أن

стр. 12615

يعيبه وينتقصه بمخالفته لرسول اللَّه ﷺ حين أنكر ما أجازه النبي ﷺ (فأجازه) أي: أجاز عمر حسان، أي: أجازه ما أجازه النبي ﷺ بإقراره حسانًا على إنشاده في المسجد. [٥٠١٥] (ثنا محمد بن سليمان) بن حبيب لوين الكوفي، ثم (المصيصي) بكسر الميم والصاد المشددة، نسبة إلى المصيصة، مدينة على ساحل البحر بالشام، وهو ثقة (ثنا) عبد الرحمن (ابن أبي الزناد) استشهد به البخاري في "الصحيح" تعليقًا، وأخرج له مسلم في مقدمة كتابه (عن أبيه) عبد اللَّه بن ذكوان مولى قريش، المدني (عن عروة) بن الزبير (وهشام بن عروة، عن عروة) بن الزبير (عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يضع) أي: يأمر أن يوضع (لحسان) بن ثابت (منبرًا) بكسر الميم (في المسجد، فيقوم عليه يهجو) فيه جواز إنشاد الشعر في المسجد، وعلى المنبر الذي يخطب عليه (من قال في رسول اللَّه ﷺ ) هجوًا، وفيه: مشروعية هجاء الكفار إذا تكلموا في المسلمين، أو في أميرهم. (فقال رسول اللَّه ﷺ : إن روح القدس) أصله الروح المقدسة، وهو جبريل ﵇؛ سمي بذلك لأنه خلق من طهارة، قاله في "النهاية" (١)؛ لأن التقديس التطهير، ومنه: "لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها" (٢)

стр. 12616

أي: لا طهرت (مع حسان) فيه فضيلة حسان ﵁، وفضيلة من خاصم عن المسلمين ودفع عنهم شرهم، وانتصر لهم ولأميرهم. (ما نافح) بالفاء والحاء المهملة، أي: خاصم ودافع (عن رسول اللَّه ﷺ ) والمنافحة والمكافحة: المدافعة والمضاربة، ونفحت الرجل بالسيف: تناولته به. يريد بمنافحته هجاء المشركين، ومجاوبتهم على أشعارهم. [٥٠١٦] (ثنا أحمد (١) بن محمد) بن ثابت بن شبويه (المروزي) بفتح الميم والواو، من كبار الأئمة (قال: حدثني علي بن حسين) المروزي، صدوق (عن أبيه) حسين بن واقد، عابد، قتله أبو مسلم ظلمًا. (عن عكرمة، عن ابن عباس) ﵄ في قوله تعالى: (﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾) (٢)، أي: عادة الشعراء أن يتبعهم أهل الغي والفساد، ويجالسهم السفهاء الفسقة، والنبي ﷺ يتبعه أهل الصلاح. قال الطبري: هم شعراء المشركين، ما كان يتبعهم إلا غواة الناس (٣). (فنسخ) بفتح النون والسين (من ذلك واستثنى) اللَّه من الشعراء شعراء المسلمين من الدينين (فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾) أي: إلا المؤمنين الذين آمنوا باللَّه ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة، (﴿وَذَكَرُوا

стр. 12617

اللَّهَ﴾) ذكرًا (﴿كَثِيرًا﴾) (١) في كلامهم. وقال ابن زيد: ذكروا اللَّه في شعرهم، ولم يشغلهم الشعر عن ذكر اللَّه ولا عن الصلاة، ﴿وَانْتَصَرُوا﴾ للمسلمين ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي: هجوا المشركين في مقابلة هجو المسلمين. * * *

стр. 12618

٩٦ - باب فِي الرُّؤْيا ٥٠١٧ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي طَلْحَةَ، عَنْ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إِذا انْصَرَفَ مِنَ صَلاةِ الغَداةِ يَقول: "هَلْ رَأى أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيا؟ وَيَقُولُ: "إِنَّهُ لَيْسَ يَبْقَى بَعْدي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ" (١). ٥٠١٨ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "رُؤْيا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" (٢). ٥٠١٩ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا عَبدُ الوَهّابِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "إِذا اقْتَرَبَ الزَّمانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيا المُؤْمِنِ أَنْ تَكْذِبَ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْبا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا والرُّؤْيا ثَلاثٌ: فالرُّؤْيا الصّالِحَةُ بُشْرى مِنَ اللَّهِ، والرُّؤْيا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وَرُؤْيا مِمّا يُحَدِّثُ بِهِ المَرْءُ نَفْسَهُ، فَإِذا رَأَى أَحَدُكُمْ ما يَكْرَهُ، فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ وَلا يُحَدِّثْ بِها النّاسَ". قالَ: "وَأُحِبُّ القَيْدَ وَأَكْرَهُ الغُلَّ، والقَيْدُ ثَباتٌ في الدِّينِ". قالَ أَبُو داوُدَ: "إِذا اقْتَرَبَ الزَّمانُ". يَعْني: إِذا اقْتَرَبَ اللَّيْلُ والنَّهارُ يَعْني: يَسْتَوِيانِ (٣). ٥٠٢٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنا يَعْلَى بْنُ عَطاءٍ، عَنْ وَكِيعِ ابْنِ عُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبي رَزِينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرُّؤْيا عَلَى رِجْلِ طائِرٍ ما لَمْ تُعَبَّرْ فَإِذا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ". قالَ: وَأَحْسِبُهُ قالَ: "وَلا يَقُصُّها إِلَّا عَلَى وادٍّ

стр. 12619

أَوْ ذي رَأي" (١). ٥٠٢١ - حَدَّثَنا النُّفَيْلي قالَ: سَمِعْتُ زُهَيْرًا يَقول: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُول: سَمِعْتُ أَبا سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبا قَتادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإِذا رَأى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسارِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ لْيَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّها فَإنَّها لا تَضُرُّهُ" (٢). ٥٠٢٢ - حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ خالِدٍ الهَمْداني وَقُتَيْبَة بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفي قالا: أَخْبَرَنا اللَّيْثُ، عَنْ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: "إِذا رَأى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيا يَكْرَهُها فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ ثَلاثًا وَيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الذي كانَ عَلَيْهِ" (٣). ٥٠٢٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ، قالَ: أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "مَنْ رَآني في المَنامِ فَسَيَراني في اليَقَظَةِ". أَوْ: "لَكَأَنَّما رَآني في اليَقَظَةِ، وَلا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطانُ بَي" (٤). ٥٠٢٤ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ قالا: حَدَّثَنا حَمّادٌ، حَدَّثَنا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عَذَّبَهُ اللَّهُ بِها يَوْمَ القِيامَةِ حَتَّى يَنْفُخَ فِيها وَلَيْسَ بِنافِخٍ، وَمَنْ تَحَلَّمَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَةً، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَي حَدِيثِ قَوْمٍ يَفِرُّونَ بِهِ مِنْهُ صُبَّ في أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيامَةِ" (٥).

стр. 12620

٥٠٢٥ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ كَأَنّا في دارِ عُقْبَةَ بْنِ رافِعٍ وَأُتِينا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابن طابٍ فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ لَنا في الدُّنْيا والعاقِبَةَ في الآخِرَةِ وَأَنَّ دِينَنا قَدْ طابَ" (١). * * * باب ما جاء في الرؤيا [٥٠١٧] (ثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي (عن مالك، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري، ابن أخي أنس بن مالك (عن زفر) غير منصرف (ابن صعصعة) ثقة (عن أبيه) (٢) صعصعة بن مالك البصري، قال النسائي: ثقة (٣). ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: روى عن أبي هريرة (٤). قال في "التهذيب": وما أظنه لقيه (٥).

стр. 12621

(عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا انصرف من صلاة الغداة) أي: صلاة الصبح، تسمى صلاة الغداة والفجر. أي: إذا سلم منها (يقول) لأصحابه (هل رأى أحد منكم الليلة) أي: هذِه الليلة الماضية (رؤيا؟ ) ويقال: الليلة إلى وقت الزوال، وبعده: البارحة، هذا هو الأصل الحقيقة، وتطلق البارحة على ما قبل الزوال مجازًا، ولهذا جاء في "صحيح مسلم": "هل رأى أحد منكم البارحة؟ " (١). (ويقول: إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة) لفظ البخاري: "لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات" قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة" (٢). وفي الحديث دليل على استحباب إقبال الإمام على أصحابه بعد سلامه. وفيه: استحباب السؤال عن الرؤيا والمبادرة إلى تأويلها وتعجيلها أول النهار لهذا الحديث؛ لأن القلب أجمع؛ لأن عهد الرائي قريب لم يطرأ عليه ما يهوس الرؤيا عليه، ولأن القلب أجمع قبل اشتغاله بمعاش الدنيا. وقوله: (ليس يبقى بعدي من الوحي إلا الرؤيا الصالحة) أي: ليس يبقى في حق الوحي ومعناه إلا الرؤيا الصالحة؛ لأن الأنبياء ﵈ كان يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة، وقيل: معناه: إن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة؛ لأنها جزء باقٍ من أجزاء النبوة، والرؤيا الصالحة هي الحسنة أو الصادقة، فهي حسنة صالحة، إما باعتبار حسن ظاهر أو حسن تأويلها. وقيدت الرؤيا

стр. 12622

بالصالحة التي من اللَّه احترازًا من رؤيا الوسوسة والرؤيا التي سببها حديث النفس في اليقظة، فيراه في منامه، فرؤيا حديث النفس والوسوسة تكذبان، والتي من اللَّه تعالى لا تكذب. وفي الحديث: "الرؤيا ثلاثة: رؤيا بشرى من اللَّه، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان" (١). [٥٠١٨] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس) ابن مالك (عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ قال: رؤيا المؤمن) وفي رواية للبخاري: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح" (٢) (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) وذكر الطبري في "تهذيب الآثار" أحاديث كثيرة مخالفة لهذا الحديث منها حديث ابن عباس: "الرؤيا جزء من أربعين جزءًا من النبوة" وحديث ابن عباس: "جزء من خمسين جزءًا من النبوة" وحديث العباس: "جزء من خمسين جزءًا من النبوة" (٣) وأصحها حديث: "ستة وأربعين جزءًا (٤) " ودونها حديث السبعين جزءًا، فإنه عند ابن أبي شيبة (٥)؛ فقيل: هذا الاختلاف راجع إلى

стр. 12623

اختلاف حال (١) الرائي، فالصالح مثلا جزء من ستة وأربعين، والفاسق جزء من سبعين، وما بينهما [لمن بينهما] (٢)، وأما تخصيص عدد ست وأربعين فسببه أنه كان يأتي الوحي إلى النبي ﷺ على ستة وأربعين نوعًا، الرؤيا نوع منها، وقد حاول الحليمي تعداد تلك الأنواع. وقيل: إنه كان ﵇ بعث على رأس الأربعين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، فمدة الوحي ثلاث وعشرون سنة منها ستة أشهر كان يوحى إليه بمكة المشرفة في منامه والباقي في اليقظة، فصدق في الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من أجزاء زمان مدة النبوة. قلت: والذي يظهر لي أن مدة الوحي -كما قالوا- ثلاث وعشرون سنة، فباعتبار الليل والنهار يكون ستة وأربعين؛ لأنه كان يوحى إليه في النوم ليلًا ونهارًا كما يوحى في اليقظة بالرسالة. وأما قول الحليمي: إن أنواع الوحي ستة وأربعون (٣) نوعًا، فالنبوة لا تنحصر أنواعها في هذا العدد اليسير، بل ولا في المبين، إلا أن يقال: إن المراد [من] (٤) العدد مقدمات النبوة، وأما اعتبار مدة الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ ففيه نظر أيضًا؛ لأن مقتضاه أن هذا التخصيص مختص بنبوة محمد ﷺ ، والحديث إنما قال فيه: "جزءًا من النبوة"، وهو عام، ولو كان مختصًّا به لقال: جزءًا من نبوتي، واللَّه أعلم (٥).

стр. 12624

[٥٠١٩] (ثنا قتيبة (١) بن سعيد) البلخي (ثنا عبد (٢) الوهَّاب) بن عبد المجيد الثقفي (عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني (عن محمد) بن سيرين (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا اقترب الزمان) أي: قارب أن يعتدل ليله ونهاره (لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب) أي: يبعد أن تكون كاذبة. وقيل: المراد: إذا قارب قيام الساعة. قال النووي: والأول أشهر (٣). وجاء في حديث ما يؤيده من حديث أبي هريرة: "في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن" (٤) أي: حيث يبعث عيسى ﵇. (وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا) لأن صادق الحديث يتنور قلبه، ويقوى إدراكه المعاني؛ ولما في الحديث: "إن الصدق يهدي إلى البر" (٥) وقيل: من غلب صدقه في اليقظة استصحب ذلك في منامه، والكاذب بعكس ذلك، فإن الكاذب في حديثه تتطرق العلل إلى رؤياه وحكايته أيضًا (والرؤيا) على (ثلاثة) أقسام (فالرؤيا الصالحة (التي حسن ظاهرها (٦) (بشرى من اللَّه) أي: مبشرة بخير يأتي من عند اللَّه، ومحذرة من شر؛ لأن التحذير من الشر حسن، فتضمنته البشرى، ويقوي ذلك أنه قد جاء في رواية الترمذي: "الرؤيا ثلاثة: رؤيا من اللَّه" (٧) مكان (بشرى من اللَّه) وأراد بذلك -واللَّه أعلم- الرؤيا الصادقة

стр. 12625

المبشرة المحذرة. (والرؤيا تحزين) وهي (من الشيطان) ويلحق بها المفزعات والمروعات وأضغاث الأحلام، كمن رأى أن رأسه قطع، أو دخل عليه لص يأخذ ثيابه، ونحو ذلك؛ إذ كل ذلك مذموم؛ لأنها من آثار الشيطان ودواعيه، وكل ما نسب إليه مذموم. (ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه) ويلازمه في يقظته ويهتم في أمره من الأعمال والعلوم والأقوال، فيراه في منامه وما (١) يقوله الأطباء من أن الرؤيا عن خلط غالب على الرائي، فيرى في نومه [ما] (٢) يناسب ذلك الخلط، فمن غلب عليه البلغم يرى السباحة في الماء وما أشبهه؛ لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلب عليه الصفراء رأى النيران والصعود والارتفاع؛ لمناسبة النار لطبيعة الصفراء، وهكذا في بقية الأخلاط، فهو مردود؛ لما تقدم أن الرؤيا مبشرة من اللَّه، وليس في قوة الطبيعة أن يقع على الغيب الإخبار عن أمور مستقبلة تحدث على نحو الرؤيا باتفاق العلماء. (فإذا رأى أحدكم ما يكره) مما يخاف من وقوع تأويله وتعبيره (فليقم) من مضجعه (فليصلِّ) ما تيسر من ركعتين فأكثر، فريضة كانت أو نافلة، والنافلة أولى، وليس هذا مخالفًا للرواية الآتية "فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليتعوذ من شرها" (٣) فإن المراد بالصلاة أن يكون النفث والتعوذ،

стр. 12626

فإن الجمع بينهما ممكن، بل هو أولى. ويحتمل أن يقال: إنما اقتصر في هذا الموضع على ذكر الصلاة وحدها؛ لأنه إذا قام إلى الصلاة، احتاج إلى فعل هذِه الأمور؛ لأنه إذا قام إلى الصلاة تحول عن جنبه، وإذا تمضمض نفث بعده وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوذ ودعا وتضرع إلى اللَّه في ذلك في حال هي أقرب أحوال الإجابة. (ولا يحدث بها الناس) ولا يسعى في تاويلها؛ إذ لا تأويل لها، فإنها من وساوس الشيطان التي يقصد بها التشويش على المؤمن، إما بتحزين وإما بترويع، وما أشبه ذلك، وتركه لذلك وإعراضه عنها مانع من أن يعود الشيطان لمثل ذلك. قال: ظاهره كما قال المنذري أنه من قول رسول اللَّه ﷺ ، قال (١): وليس الأمر كذلك؛ لأن ذكر القيد والغل من قول أبي هريرة أدرج في الحديث كما جاء ذلك مبينًا في الروايات الثابتة (٢). (وأحب) رؤيا (القيد) لأن القيد في الرجلين يثبت الإنسان في مكانه ويمنعه من الحركة، وإذا رآه أحدكم على رجليه كان ذلك دليلًا (٣) على ثبوته في أمره في الحالة التي هو عليها، وإذا رآه من هو من أهل العلم والدين كان ثابتًا على تلك الحال، ولو رأى المريض قيدًا في رجليه كان ذلك دليلا على دوام مرضه. (وأكره الغل) بضم الغين، وهو طوق من حديد يجعل في العنق

стр. 12627

والجمع أغلال، وإنما كرهه؛ لأنه لا يجعل في العنق، إلا نكاية وعقوبة وقهرًا وإذلالًا؛ فيسحب به على وجهه، ويجر على قفاه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ (١) وقال اللَّه تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (٢) و ﴿جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ (٣)، وعلى الجملة فهو مذموم شرعًا وعادة، فرؤيته في المنام دليل على وقوعه للرائي، فقد يكون تأويله من واجبات يفرط فيها، أو معاصٍ ارتكبها، فهذا في دينه، وقد يكون في دنياه كشدائد تصيبه (والقيد) رؤيته (ثبات) الرائي (في الدين) وقد فسره أهل العبارة على حالين؛ فقالوا: إذا رأى القيد في رجليه وهو في الكعبة أو مسجد أو في مشهد خير وجماعة صالحين كانوا معه كان دليلا لثباته على الدين والطاعة، ولو رآه مريض أو مسجون أو مكروب في رجليه دل على ثباته فيه، واستمراره على حاله، وكذا لو رآه صاحب ولاية دل على ثبوته فيها. (قال) المصنف قوله: (إذا اقترب الزمان) أي: (الليل والنهار) أي: (يستويان) في الاعتدال لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ويحتمل أن يراد باقتراب الموت عند كبر السن، فإن الإنسان في ذلك الوقت غالبًا يميل إلى الخير والأعمال الصالحة فتصدق رؤياه. [٥٠٢٠] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا هشيم) بن بشير السلمي (أخبرنا

стр. 12628

يعلى بن عطاء) الطائفي، نزل واسط، أخرج له مسلم (عن وكيع بن عدس) بضم العين والدال المهملتين، ثم سين مهملة، وقد يفتح ثانيه، ويقال: بالحاء بدل العين وسكون الدال جائز مثل: كتب وكتب، وهو عقيلي، وثق (١). (عن عمه أبي رزين) لقيط بن عامر بن صبرة بكسر الباء الموحدة، العقيلي الصحابي، قال سيف: كان أميرًا على كردوس يوم اليرموك (٢). (قال رسول اللَّه ﷺ : الرؤيا على رجل طائر) "ولأول عابر" (٣). قال في "النهاية" أي: إنها على رجل قدر جار وقضاء ماضٍ من خير أو شر، وأن ذلك هو الذي قسمه اللَّه لصاحبها؛ من قولهم: اقتسموا إذا طار سهم فلان -أي: وقع سهمه- وخرج، وكل حركة من كلمة أو شيء يجري لك فهو طائر. والمراد: أن الرؤيا هي التي يعبرها (٤) المعبر الأول، فكأنها كانت على رجل، يعني: لا تستقر في مكان ولا تثبت، وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروهًا ويفسر بمحبوب فيقع فسقطت ووقعت بائنة حيث عبرت، كما يسقط الذي يكون على رجل طائر بأدنى حركة (٥). (ما لم تعبر) بضم المثناة فوق وسكون العين المهملة وفتح الموحدة،

стр. 12629

ويجوز ضم أوله وفتح ثانيه، وتشديد الموحدة، يقال: عبرت الرؤيا أعبرها، وعبرتها تعبيرًا: إذا أولتها وفسرتها وأخبرت بآخر ما يؤول إليه أمرها (فإذا عبرت) بضم أوله وتخفيف الموحدة وتشديدها كما تقدم (وقعت) كما عبرت، وللترمذي: "على رجل طائر ما لم يحدث بها، فإذا تحدث بها سقطت" (١) وله في رواية: "فإذا حدث بها سقطت" (٢) فإذا احتملت الرؤيا تأويلين أو أكثر فعبرها من يعرف عبارتها وقعت على ما أولها، وانتفى عنها غيره من التأويلات. قلت: فإن عبرَها من لا يعرف عبارتها بالجهل دون علم؛ فظاهر قوله (لأول عابر) أنها تقع على تأويله، والوقت لا يحتمل مراجعة هذا والبحث عنه. (قال) الراوي (وأحسبه قال: لا يقصها إلا على واد) اسم فاعل، أصله وادد، وأدغم تشديد الدال المهملة، وهو على حذف المضاف، تقديره: إلا على ذي ودٍّ. أي: حبيب وصديق، والمودة: المحبة. و(أو ذي رأي) أي: عقل وتدبير، وتعبيره وما يوضح معنى الواد [وذو] (٣) الرأي رواية الترمذي، ولفظه: "ولا يحدث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا" (٤) فإن اللبيب هو ذو [الرأي و] (٥) الحبيب الواد (٦).

стр. 12630

والمراد بهذين الوصفين أن الحبيب أو الصديق لا يحب أن يستقبلك في تعبيرها إلا بما تحب، ولا يخبر أداءها ولا بتأويلها، واللبيب يتثبت في تأويلها، ويؤولها بأحسن تأويل، إذ هو عارف بمواقع الألفاظ والمعاني، ولعل أن يكون في تعبيرها موعظة فيروعك عن قبيح ما أنت عليه، أو بشارة فيأمرك لتشكر اللَّه تعالى وحده (١). [٥٠٢١] (ثنا) عبد اللَّه بن محمد (النفيلي قال: سمعت زهيرًا) يعني: [ابن معاوية] (٢) (يقول: سمعت يحيى بن سعيد) [الأنصاري] (٣) (يقول: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن (يقول: سمعت أبا قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁. (يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: الرؤيا من اللَّه) خصت الرؤيا باللَّه وإن كان كل شيء من اللَّه وبقدرته، لأن الرؤيا التي خلصت من الأضغاث وكانت صادقة التأويل موافقة لما في اللوح المحفوظ حسن أن تضاف إلى اللَّه تعالى إكرامًا لها، كما قال: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ (٤).

стр. 12631

(والحلم) بضم الحاء واللام، وإسكان اللام تخفيف (من الشيطان) سميت الرؤيا الكاذبة التي هي من حيز الأضغاث حلمًا، وأضيفت إلى الشيطان؛ لأنه يحضرها ويبشر بها ويلقنها للآدمي؛ ليشوش عليه ويحزنه، وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنه من تخييلات الشياطين، وقيل: أضيف الحلم إلى الشيطان إذا كانت مخلوقة على شاكلته وطبعه، فليحذر الرائي مكائده فلا يحزن لها ولا يتأثر بها. (فإذا رأى أحدكم) في منامه (شيئًا يكرهه فلينفث) بضم الفاء وكسرها، وفي رواية: "فليبصق على شماله" كما في البخاري (١)، وفي رواية لمسلم: "فليتفل" (٢) ولعل المراد بالجميع [النفث] (٣)، فإنه في أكثر الروايات، وهو نفخ لطيف بلا ريق، ويكون التفل والبصق محمولًا عليه مجازًا ([عن يساره] (٤) ثلاث مرات) وللبخاري: "فإنما هي من الشيطان" (٥)، ولعل (٦) المراد بالنفث ترغيمًا للشيطان كما يتفل من رأى مستقذرًا، ولا أقذر من الشيطان (ثم ليتعوذ) باللَّه (من شرها) صادقًا في التجائه إلى اللَّه، ناويًا امتثال أمره ﷺ (فإنها لا تضره) وتكون هذِه الأمور سببًا لسلامته منه، ومانعًا لوقوع ذلك المكروه، كما يقال: إن الدعاء دافع للبلاء والصدقة، وكل ذلك بقضاء اللَّه

стр. 12632

وقدره، لكن هذِه أسباب. [٥٠٢٢] (ثنا يزيد بن خالد) بن يزيد بن موهب بفتح الهاء الرملي (الهمداني) الثقة الزاهد (وقتيبة بن سعيد الثقفي (١) قالا: ثنا الليث، عن أبي (٢) الزبير) محمد بن مسلم المكي (عن جابر) بن عبد اللَّه الأنصاري. (عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها) مما سبيله الشيطان، وكذا مما لا سبيله مما يكرهه الرائي (فليبصق عن يساره) فإنها جهة الشيطان. زاد مسلم: "ثلاثًا" (٣). (وليتعوذ باللَّه من الشيطان ثلاثًا ويتحول) (٤) بالجزم عطفًا على (فليبصق) وكذا في الرواية، ورواية مسلم: "وليتحول" بلام الأمر (عن جنبه الذي كان (٥) عليه) ليتكامل استيقاظه وينقطع عن ذلك المنام المكروه. [٥٠٢٣] (ثنا أحمد بن صالح) المصري، شيخ البخاري (ثنا عبد اللَّه ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف. (أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) قيل: المراد بهذا من كان في عصره، أي: من رآه في المنام وفقه اللَّه للهجرة إليه، والتشرف بلقائه المبارك أن يراه يوم القيامة رؤية خاصة في القرب منه والشفاعة له، فإن جميع أمته يرونه يوم القيامة،

стр. 12633

من رآه في منامه في الدنيا ومن لم يره، أو يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة، وصحتها وخروجها على الحق على ما تأول به. (أو) شك من الراوي (فكأنما رآني في اليقظة) حيث كنت موجودًا، فإن رآني من هو معظم لحرمتي ومشتاق إلى مشاهدتي وصل إلى مطلوبه من رؤية محبوبه فظفر بمقصوده (و) إنه (لا يتمثل الشيطان) وللبخاري: "فإن الشيطان لا يتزايا" (١) (بي) وله: "فإن الشيطان لا يتكونني" (٢) ولمسلم: "فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي" (٣) وهذا إخبار منه ﷺ على الغيب، وأن اللَّه منع الشيطان أن يتصور على صورته في النوم، كما استحال أن يتصور الشيطان على صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصور، فحماها اللَّه من الشيطان ونزغه. قال القاضي: المراد: إذا رآه على صفته المعروفة في حياته، فإن رئي على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة (٤). قال النووي: وهذا باطل، بل الصحيح أنه يراه حقيقة، سواء كان على صفته أو غيرها؛ كما قاله المازري (٥). [٥٠٢٤] (ثنا مسدد وسليمان بن داود) أبو الربيع العتكي، شيخ

стр. 12634

الشيخين (قالا: ثنا حماد بن زيد، ثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: من صور صورة حيوان عذبه اللَّه بها يوم القيامة) يعني: أن الصورة التي صورها في الدنيا، يجعل اللَّه فيها روحًا يوم القيامة ويأمرها أن تعذبه بأنواع من العذاب (حتى ينفخ فيها) الروح. من هذا أخذ ابن عباس أن هذا الوعيد مخصوص بالصورة التي على صورة ما ينفخ فيه الروح، وأن تصوير ما ليس له روح كالأشجار والمدن، ونحو ذلك جائز، والاكتساب به مباح، وهو مذهب جمهور السلف والخلف (١) سوى مجاهد؛ فقال: لا يجوز تصوير شيء من ذلك، سواء كان له روح أو لم يكن متمسكًا بقول اللَّه تعالى: "ومن أظلم ممن يخلق خلقًا كخلقي فليخلقوا ذرة، فليخلقوا حبة، وليخلقوا شعيرة" (٢) وقد استثنى الجمهور من الصور لعب البنات لمن دون البلوغ، كما تقدم. وشذ بعض الناس، فرأى إباحة هذا النهي منسوخة، واستثنى بعض المالكية ما لا يبقى كصور الشمع والحلوى والطين، وما شاكل ذلك (٣). وهو مطالب بدليل التخصيص، وليس عليه نص، بل ولا ظاهر. (وليس بنافخ) "فيها أبدًا" (٤). والمراد: أنه يلزم ذلك ويطوقه، وهو

стр. 12635

عاجز عن الامتثال به، فيعذب على كل حال. ويستفاد منه: جواز التكليف بالمحال في الدنيا كما جاز ذلك في الآخرة، لكن ليس (١) مقصود هذا التكليف الامتثال وطلب وقوعه منه، وإنما مقصوده تعذيب فاعله المكلف، وإظهار عجزه عما تعاطاه؛ مبالغة في توبيخه، وإظهارًا لقبح فعله. (ومن تحلم) بفتح الحاء واللام المشددة، أي: من قال: إنه رأى في النوم، ما لم يرَه. يقال: حلم. بالفتح إذا رأى الرؤيا، وتحلم إذا اذ ادعى الرؤيا كاذبًا، وزاد البخاري إيضاحًا فقال: "من تحلم بحلم لم يره" (٢) (كلف أن يعقد شعيرة) ولفظ البخاري: "كلف أن يعقد بين شعيرتين" يعني: وليس بعاقد. وقد زادت عقوبة الكاذب في منامه على الكاذب في اليقظة؛ لما صحَّ أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة (٣)، والنبوة لا تكون إلا وحي حق، والكاذب في رؤياه يدعي أن اللَّه أراه ما لم يره، وأعطاه جزءًا من النبوة، ولم يعطه إياه، والكاذب على اللَّه أعظم من الكاذب على الناس، أو على نفسه، ومعنى عقد الشعيرة أنه يكلف ما لا يكون،

стр. 12636

وهو مستحيل، فيطول عذابه في النار؛ لأن عقد الشعيرتين لا يمكنه فعله، فيستمر عذابه، وليس في الحديث دليل على تكليف ما لا يطاق؛ لأنه يوم القيامة ليس في دار تكليف، وإنما دار مجازاة على العمل في الدنيا. (ومن استمع إلى حديث قوم يفرون به منه) لفظ البخاري: "ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه" (١) قال الطبري: إن سأل سائل عمن استمع إلى حديث قوم لا ضرر على المتحدثين في استماعه إليهم، وللمستمع فيه نفع عظيم، إما في دينه أو في دنياه، أيجوز استماعه إليه وإن كره ذلك المتحدثون؟ فالجواب: إن المستمع لا يعلم هل له فيه نفع إلا بعد استماعه إليه، وبعد دخوله فيما كره له رسول اللَّه ﷺ ، فغير جائز له استماع حديثهم [وإن كان لا ضرر عليهم فيه؛ لنهيه ﵇ عن الاستماع إلى حديثهم] (٢) نهيًا عامًّا، فلا يجوز لأحد من الناس أن يستمع إلى حديث قوم يكرهون استماعه، فإن فعل ذلك أحد فأمره إلى خالقه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإن قيل: أفرأيت من استمع إلى حديثهم وهو لا يعلم هل يكرهون ذلك أم لا، فهل هو داخل في الوعيد؟ فالجواب: إن الخبر إنما ورد في الوعيد لمستمع ذلك وأهله له كارهون، فأما [من] (٣) لم يعلم كراهتهم لذلك فالصواب أن لا يستمع حديثهم إلا بإذنهم؛ لحديث النهي عن المتناجين إلا بإذنهم (٤).

стр. 12637

(صبَّ في أذنه (١) الآنك) بمد الهمزة وضم النون وبالكاف، وهو الرصاص المذاب الأبيض، وقيل: هو الأسود. وقيل: هو الخالص منه، ولم يجئ على أفعل واحدا غير هذا، وإنما هذا الوزن للجمع، فأما أشد فمختلف فيه هل هو واحد أو جمع؟ وقيل: يحتمل أن يكون الآنك فاعلًا لا أفعلًا، وهو أيضًا شاذ (٢). (يوم القيامة) وهو يوم الجزاء، والظاهر أن هذِه العقوبة في النار إذا دخلها. [٥٠٢٥] (ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه ﷺ قال: رأيت الليلة) لفظ مسلم: "رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم" (٣) (كأنا) بتشديد النون. أي: كأننا (في دار عقبة بن رافع) القرشي الفهري (برطب من رطب ابن طاب) هو نوع من أنواع تمر المدينة، منسوب إلى ابن طاب رجل من أهلها، يقال: رطب ابن طاب وتمر ابن طاب، ومنه حديث جابر: وفي يده عرجون ابن طاب (٤). (فأولت) ذلك. فيه: دليل على تأويل الرائي ما رآه، وذكر ذلك لمن يتعلم تأويله إذا كان الرائي ممن (٥) يقتدى به ويؤخذ عنه، وفيه بشارة لأصحابه بطيب دينهم (أن الرفعة لنا في الدنيا) كما في الآخرة (وأن

стр. 12638

ديننا قد طاب) عيشنا منه وسلم من الكدورات. وفي هذِه الألفاظ دليل على أن تعبير الرؤيا قد يؤخذ من اشتقاق كلماته، فإنه ﵇ أخذ من عقبة حسن العاقبة، ومن رافع الرفعة، ومن رطب ابن طاب لذاذة الدين وكماله. وقال أهل العبارة: إن لها أربع طرق: أحدها: ما اشتق من الأسماء، كما ذكرنا. وثانيها (١): ما يعبر بمثاله وشكله كدلالة معلم (٢) الكتاب على القاضي ورائس السفينة. وثالثها: ما يعبره المعنى المقصود، ومن ذلك الشيء المرئي كدلالة فعل السوق على المعيشة، والدار على الزوجة والجارية. ورابعها: التعبير بما ذكر من القرآن، أو السنة، أو الشعر، أو أمثال العرب، كتعبير الخشب بالمنافق كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (٣)، والفأر بالفاسق؛ لأنه ﵇ سماها فويسقة (٤) (٥). * * *

стр. 12639

٩٧ - باب ما جاءَ في التَّثاؤُبِ ٥٠٢٦ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن يُونُسَ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنِ ابن أَبي سَعِيدٍ الخُدْري، عَنْ أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذا تَثاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ" (١). ٥٠٢٧ - حَدَّثَنا ابن العَلاءِ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيانَ، عَنْ سُهَيْلٍ نَحْوَهُ قالَ: "في الصَّلاةِ فَلْيَكْظِمْ ما اسْتَطاعَ" (٢). ٥٠٢٨ - حَدَّثَنا الحَسَن بْنُ عَلي، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ أَخْبَرَنا ابن أَبي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُري، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثاؤُبَ فَإِذا تَثاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ ما اسْتَطاعَ، وَلا يَقُلْ: هاهْ هاهْ فَإِنَّما ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطانِ يَضْحَكُ مِنْهُ" (٣). * * * باب ما جاء في التثاؤب [٥٠٢٦] (ثنا أحمد) (٤) بن عبد اللَّه (بن يونس) اليربوعي (ثنا زهير، عن سهيل) بن أبي صالح السمان (عن) عبد الرحمن (ابن أبي سعيد الخدري) المدني، أخرج له مسلم. (عن أبيه) أبي سعيد سعد بن مالك الخدري ﵁.

стр. 12640

(قال رسول اللَّه ﷺ : إذا تثاءب) قال النووي: في أكثر النسخ لمسلم: "تثاوب" بالواو، وفي بعضها: "تثاءب" بالمد مخففًا مع الهمز (١). (أحدكم فليمسك على فيه) أصله من ثاءب الرجل فهو مثؤوب: إذا استرخى وكسل (فإن الشيطان يدخل) في فيه إذا تثاءب، فلهذا أمر بأن توضع اليد على الفم. وقيل: إنه يتقيأ في فيه إذا دخل، ولهذا أمر المتثاوب بالتفل -يعني: أو البصق وما في معناه؛ ليطرح ما ألقى الشيطان في فيه من القيء، وهذا مشعر بكراهة التثاؤب، وكراهة حال المتثاوب إذا لم يمسك. وهذا أمر إرشاد إلى محاسن الأحوال ومكارم الآداب. [٥٠٢٧] (ثنا) أبو كريب محمد (ابن العلاء، عن وكيع، عن سفيان، عن سهيل، نحوه) هذا رواه مسلم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ولفظه: (قال) رسول اللَّه ﷺ : "إذا تثاؤب أحدكم" (٢) (في الصلاة فليكظم) أي: يحبس (ما استطاع) بإطباقه فمه. أي: مهما أمكنه؛ ليكسره بسد فمه، أو يضع يده على فيه. وفيه: دليل على جواز الفعل في الصلاة من وضع يده على فيه إذا تثاءب، وكذا ينبغي إذا تجشأ أن يدرأه ما استطاع، وكذا حيث دعت إليه حاجة، فما لم تدع إليه حاجة فيكره للمصلي وضع يده على فيه (٣)؛ لما تقدم من رواية المصنف وابن ماجه: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يغطي الرجل
следующие страницы →