← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

كما تُضِرُّ رِياحُ الوَردِ بِالجُعَلِ (١) فشبههم النبي ﷺ حال افختارهم بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بعد أن نهاهم بالجعل، وشبه آباءهم المفتخر بهم بالخرء، وشبه افتخارهم بهم بدفع الخراء ودحرجته بالأنف. وزاد الترمذي بسنده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه قد أذهب [عنكم] (٢) عبية الجاهلية [وفخرها] (٣) بالآباء، مؤمن تقي، أو فاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب". قال الهروي: العبية بكسر العين وضمها: الكبر (٤). * * *

стр. 12812

١٢٢ - باب فِي العَصَبِيَّةِ ٥١١٧ - حَدَّثَنا النُّفَيْلي، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا سِماكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الحَقِّ فَهُوَ كالبَعِيرِ الذي رُدّي فَهُوَ يُنْزَغ بِذَنَبِهِ (١). ٥١١٨ - حَدَّثَنا ابن بَشّارٍ، حَدَّثَنا أَبُو عامِرٍ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبي ﷺ وَهُوَ في قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ (٢). ٥١١٩ - حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ الدِّمَشْقي، حَدَّثَنا الفِرْيابي، حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ بِشْرٍ الدِّمَشْقي، عَنْ بِنْتِ واثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ أَنَّها سَمِعَتْ أَباها يَقُولُ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما العَصَبِيَّةُ؟ قالَ: "أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ" (٣). ٥١٢٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، حَدَّثَنا أَيُّوبُ بْن سُوَيْدٍ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يُحَدِّثُ، عَنْ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجي قالَ: خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "خَيْرُكُمُ المُدافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ ما لَمْ يَأْثَمْ". قالَ أَبُو داوُدَ: أَيّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ ضَعِيفٌ (٤). ٥١٢١ - حَدَّثَنا ابن السَّرْحِ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَكّي -يَعْني: ابن ابي لَبِيبَةَ-، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي سُلَيْمانَ، عَنْ

стр. 12813

جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لَيْسَ مِنّا مَنْ دَعا إِلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنّا مَنْ قاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ ماتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ" (١). ٥١٢٢ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرٍ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ زِيادِ بْنِ مِخْراقٍ، عَنْ أَبِي كِنانَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ" (٢). ٥١٢٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا جَرِيرُ ابْنُ حازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ داوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ، عَنْ أَبي عُقْبَةَ وَكانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فارِسَ قالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُحُدًا فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ فَقُلْتُ: خُذْها مِنّي وَأَنا الغُلامُ الفارِسي فالتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "فَهَلَّا قُلْتَ: خُذْها مِنّي وَأَنا الغُلامُ الأَنْصارَيُّ" (٣). * * * باب في العصبية [٥١١٧] (ثنا) عبد اللَّه بن محمد (٤) (النفيلي، ثنا زهير، ثنا سماك بن حرب، عن عبد (٥) الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه) عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (قال: من نصر قومه) أو أباه أو أحدًا من عشيرته (على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي) بفتح الراء وكسر الدال المخففة من غير

стр. 12814

همز؛ أي: تردى. وروي بضم الراء وكسر الدال المشددة، قال الجوهري: يقال: ردى في البئر وتردى: إذا سقط في بئر، أو تهَوَّر من جبل (١). (فهو ينزع) بكسر الزاي (بذنبه) أو يجذب به [وأصل النزع الجذب والقلع؛ أي: ينزع بذنبه للناس؛ ليخرجوه من البئر، فشبه القوم بالبعير الهالك، وشبه ناصرهم بذنب البعير] (٢). قال في "النهاية": أراد أنه وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في البئر، وأراد (٣) أن يخرج بذنبه فلا يقدر على خلاصه (٤). وفي نسخة معتمدة: (يُنزع) بضم أوله. [٥١١٨] (ثنا) محمد (ابن بشار) بندار (ثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي (ثنا سفيان) الثوري (عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن ابن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه) عبد اللَّه بن مسعود ﵁. (قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو في قبة) صغيرة (من أدم) أي: جلد، وهي منازل أهل اليمن (فذكر نحوه) كما تقدم. [٥١١٩] (ثنا محمود بن خالد) بن يزيد (الدمشقي) قال أبو حاتم: ثقة رضًا (٥) (ثنا) محمد بن يوسف (الفريابي) بكسر الفاء وسكون الراء، ثم

стр. 12815

مثناة تحت وبعد الألف موحدة (ثنا سلمة بن بشر) بن صيفي (الدمشقي) ذكره ابن حبان في "الثقات" (١). (عن بنت واثلة بن الأسقع) وهي خصيلة بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة، مصغر، ويقال فيها: فسيلة بضم الفاء، وفتح السين المهملة (أنها سمعت أباها يقول: قلت: يا رسول اللَّه، ما العصبية؟ قال: أن تعين قومك) أي: عشيرتك وأقاربك وأهل ودك (على الظلم) فيه: دليل على أنه لا يجوز إعانة الظالم ولو كان قريبه، ولا أن يحامي عنه، ولا يدافع. [٥١٢٠] (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح) المصري مولى بني أمية، شيخ مسلم (ثنا أيوب (٢) بن سويد) الرملي السيباني، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: رديء الحفظ (٣). قال أبو داود: ابن سويد ضعيف (٤) (عن أسامة بن زيد) الليثي، أخرج له مسلم. (أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث، عن سراقة بن مالك بن جعشم) بضم الجيم والشين المعجمة (المدلجي) بضم الميم وسكون الدال وكسر اللام، نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبد مناة، بطن كبير من كنانة. (قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ فقال: خيركم المدافع عن عشيرته) في المهمات، في حضورهم وغيبتهم ويرد غيبتهم إذا ذكروا بما يكرهونه،

стр. 12816

ويرد عنهم من يظلمهم، في مال أو بدن (ما لم يأثم) أي: ما لم يكن في المدافعة إثم، أي: ما لم يظلم (١) المدفوع، فإن قدر على أن يدفعه بكلام وضرب، وليس له أن يقتله بالسيف، فيدفع بالأخف. قال المنذري: في سماع سعيد بن المسيب وسراقة نظر، فإن وفاة سراقة سنة أربع وعشرين على المشهور، ومولد سعيد سنة ١٥ (٢). وفيه دليل على أن المدافعة عن المبطل لا تجوز، فلا يجوز لأحد أن يخاصم أو يحاجج عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٣). [٥١٢١] (ثنا) أحمد بن عمرو (ابن السرح، ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب) المصري (عن محمد بن عبد الرحمن) بن لبيبة، بفتح اللام وكسر الموحدة، ويقال: ابن أبي لبيبة (المكي) وقيل: القلي (٤). أخرج له مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة (٥)، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦).

стр. 12817

(عن عبد اللَّه بن أبي سليمان) أبي (١) أيوب الأموي. قيل: اسمه سليمان (عن جبير) قال المصنف في رواية ابن العبد: هذا مرسل، عبد اللَّه بن أبي سليمان لم يسمع من جبير (٢). ومراده أن الحديث منقطع. (بن مطعم ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ليس منا) أي: ليس على طريقتنا وسنتنا. (من دعا إلى عصبية) حمية الجاهلية (وليس منا من قاتل (٣) عصبية) لم يقاتل للَّه، بل للتعصب والدفع عن عشيرته حمية الجاهلية إلى ذلك (وليس منا من مات على عصبية) أي: مات وهو مستمر على التعصب لعشيرته في غير حق، ومن مات في قتال نصرة قبيلته، أو غرض من الأغراض الفاسدة والأهواء الركيكة، وحمية الجاهلية، ويدخل في هذا من قاتل لنصرة أميره اتباعا له، ولا يدري أمحق هو أم مبطل. [٥١٢٢] (ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (عن عوف (٤) بن أبي جميلة) الأعرابي (عن زياد (٥) بن مخراق) المزني، ثقة (عن أبي كنانة) القرشي، أخرج له البخاري في "الأدب" (٦). (عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال رسول اللَّه ﷺ : ابن أخت القوم منهم) استدل به من يورث ذوي الأرحام، وهو مذهب أبي حنيفة

стр. 12818

وأحمد (١)، ومذهب مالك والشافعي وآخرين أنهم لا يورثون. وأجاب بأنه: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطًا وقرابة ولم يتعرض للإرث، وسياق رواية الصحيحين (٢) تقتضي أدن المراد أنه كالواحد منهم في إفشاء سرهم بحضرته ونحو ذلك. [٥١٢٣] (ثنا محمد بن عبد (٣) الرحيم) بن أبي زهير العدوي البغدادي (ثنا الحسين بن محمد) (٤) بن بهرام المروذي المؤدب (ثنا جرير (٥) بن حازم) الأزدي البصري، شهد جنازة أبي الطفيل (عن محمد بن إسحاق) صاحب "المغازي" (عن داود (٦) بن حصين) مصغر القرشي مولى عمرو بن عثمان بن عفان (عن عبد الرحمن بن أبي عقبة) الفارسي المدني، وثق (عن) أبيه (أبي عقبة) مولى الأنصار، وقيل: مولى بني هاشم بن عبد مناف، قال ابن عبد البر: اسمه رشيد (٧) (وكان مولى من بني فارس) شهد أحدًا. (قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ أحدًا) أي: غزوة أحد (فضربت رجلًا من المشركين) بسيفي (وقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي) وكان شهد

стр. 12819

أحدًا مع مولاه جبر بن عتيك بن قيس الأنصاري (فالتفت إليَّ) رسول اللَّه ﷺ (فقال: هلا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري) كره منه رسول اللَّه ﷺ النسابة إلى فارس؛ لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، وأمره بالانتساب إلى الأنصار الذين نصروا رسول اللَّه ﷺ وهم من أولاد الأوس والخزرج. * * *

стр. 12820

١٢٣ - باب إخْبارِ الرَّجُل الرَّجُل بِمَحَبَّتهِ إِيّاهُ ٥١٢٤ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى عَنْ ثَوْرٍ، قالَ: حَدَّثَني حَبِيبُ بْن عُبَيْدٍ، عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ -وَقَدْ كانَ أَدْرَكَهُ-، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "إِذا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ" (١). ٥١٢٥ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا المُبارَكُ بْنُ فَضالَةَ، حَدَّثَنا ثابِتٌ البناني، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ رَجُلًا كانَ عِنْدَ النَّبي ﷺ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنّي لأُحِبُّ هذا. فَقالَ لَهُ النَّبي ﷺ : "أَعْلَمْتَهُ؟ ". قالَ: لا قالَ: "أَعْلِمْهُ". قالَ: فَلَحِقَهُ فَقالَ: إِنّي أُحِبُّكَ في اللَّهِ. فَقالَ: أَحَبَّكَ الذي أَحْبَبْتَني لَهُ (٢). ٥١٢٦ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا سُلَيْمان، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ أَبي ذَرٍّ أَنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ كَعَمَلِهِمْ. قالَ: "أَنْتَ يا أَبا ذَرٍّ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". قالَ: فَإِنّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قالَ: "فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". قالَ: فَأَعادَها أَبُو ذَرٍّ فَأَعادَها رَسُول اللَّهِ ﷺ (٣). ٥١٢٧ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، حَدَّثَنا خالِدٌ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ ثابِتٍ

стр. 12821

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: رَأَيْتُ أَصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحُوا بِشَيء لَمْ أَرَهُمْ فَرِحُوا بِشَيء أَشَدَّ مِنْهُ قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ عَلَى العَمَلِ مِنَ الخَيْرِ يَعْمَلُ بِهِ وَلا يَعْمَل بِمِثْلِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (١). * * * باب إخبار الرجل الرجل بمحبته إياه [٥١٢٤] (ثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن ثور) بن يزيد الكلاعي الحمصي، أخرج له الشيخان (حدثني حبيب بن عبيد) الرحبي الحمصي، أخرج له مسلم. (عن المقدام بن معدي كرب) بن عمرو الكندي (وقد كان أدركه) أدرك النبي ﷺ ، وله صحبة ورواية، وكان نزل حمص. (عن النبي ﷺ قال: إذا أحب الرجل أخاه) المؤمن، أو أحبت المرأة صاحبتها المؤمنة (فليخبره) أي: يعلمه بذلك (أنه يحبه) وروى ابن السني وابن حبان: أن رسول اللَّه ﷺ قال لمعاذ: "إني لأحبك" (٢). قال الغزالي: إنما أمر الرجل بإعلامه بحبه؛ لأنه يوجب زيادة الحب، وأن الرجل إذا عرف أن أخاه يحبه أحبه بالطبع لا محالة، ثم إذا عرف أيضًا أنه يحبه ازداد حبه لا محالة، فلا يزال الحب يتزايد بين المحبين، وذلك مطلوب بالشرع (٣).

стр. 12822

ورواه الترمذي بلفظ: "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه إياه" وقال: حديث حسن صحيح (١). [٥١٢٥] (ثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي، شيخ البخاري. (ثنا المبارك بن فضالة) بفتح الفاء العدوي، مولى آل الخطاب، وثقه عفان بن مسلم (٢)، واستشهد به البخاري. قال أبو زرعة: إذا قال: ثنا، فهو ثقة (٣) (ثنا ثابت البناني) بضم الباء (عن أنس بن مالك) ﵁. (أن رجلًا كان عند النبي ﷺ فمر به رجل، فقال: يا رسول اللَّه) واللَّه (إني لأحب هذا) الرجل. (فقال له النبي ﷺ ) هل (أعلمته؟ ) بذلك (قال: لا. قال (قم إليه (أعلمه. قال: فلحقه. فقال) يا هذا (إني أحبك في اللَّه) تقدم كلام الغزالي قبله. يعني: لا أحبك (٤) لإحسان منك ولا لجمال فيك ولا لشرف، ولكن أحبك لأجل اللَّه (فقال: أحبك اللَّه الذي أحببتني له). رواه ابن حبان (٥) والنسائي (٦) بنحوه. وفيه دليل على استحباب التودد بين المؤمنين واستجلاب محبة بعضهم لبعض بالمهاداة والتواضع والإحسان، فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، فمن عرف أن أحدًا يحبه هاداه واستشاره وقص

стр. 12823

عليه رؤياه وغير ذلك. وروى ابن السني وابن حبان عن معاذ قال: لقيني النبي ﷺ ، فأخذ بيدي وقال: "يا معاذ، إني أحبك في اللَّه" قال: قلت: واللَّه وأنا أحبك في اللَّه. قال: "أفلا أعلمك كلمات تقولها في دبر صلاتك؟ اللهم أعني على ذكرك وشكرك (١) وحسن عبادتك" (٢). وروى البيهقي في "شعب الإيمان" بسند ضعيف أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أحببت [رجلا] (٣) فاسأله عن اسمه واسم أبيه ومنزلته وعشيرته" (٤). [٥١٢٦] (ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا سليمان) (٥) بن المغيرة البصري، مولى قيس بن ثعلبة، سيد أهل البصرة. (عن حميد (٦) بن هلال) العدوي البصري (عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري (٧) ﵁.

стр. 12824

(قال: يا رسول اللَّه، الرجل يحب القوم للَّه) تعالى (ولا يستطيع أن يعمل كعملهم؟ ) (١) ولا يلحقهم (قال: أنت يا أبا ذر مع من أحببت) فيه فضيلة حب أهل الخير والصالحين من الأحياء والأموات، ولا يشترط في الانتفاع بمحبة الصالحين أن يعمل عملهم، إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم. (قال: فإني أحب اللَّه ورسوله) ومن أفضل محبة اللَّه ورسوله امتثال أمرهما واجتناب نهيهما، والتأديب بآداب الشريعة، فإن المحب لمن يحب مطيع (قال: فإنك) في الجنة (مع من أحببت) للَّه تعالى (قال: فأعادها أبو ذر) عليه (فأعادها رسول اللَّه ﷺ ) مرارًا. فيه تكرار الكلام تأكيدًا. [٥١٢٧] (ثنا وهب بن بقية، ثنا خالد) بن عبد اللَّه الواسطي، الطحان (عن يونس بن عبيد) الثقفي (٢)، وثق (عن ثابت) البناني. (عن أنس بن مالك قال: رأيت أصحاب رسول اللَّه ﷺ فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيء أشد منه) إنما كان فرحهم بذلك أشد لأنهم لم يسمعوا أن في أعمال البر ما يحصل به ذلك المعنى من القرب من النبي ﷺ ، والكون معه في مكانه إلا حب اللَّه ورسوله، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشمر، والمتأخر بالمتقدم، ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه، وحقق فيه ظنه فقال: أنا

стр. 12825

أحب اللَّه ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم. والوجه الذي تمسك به أنس يشمل من المحبين المؤمنين كل نفس؛ فلذلك تعلقت أطماعنا بذلك، ورجونا رحمة رب العالمين وإن كنا مقصرين. (قال رجل: يا رسول اللَّه، الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل بمثله). ويرتجي دخول الجنة بمحبته له (فقال رسول اللَّه ﷺ : المرء مع من أحب) وصدق في حبه فيحشر معه، ويكون معه في الجنة. * * *

стр. 12826

١٢٤ - باب فِي المَشُورَةِ ٥١٢٨ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حَدَّثَنا يَحْيَى بْن أَبي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنا شَيْبانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "المُسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ" (١). * * * باب في المشورة المشورة بضم الشين وسكون الواو، ويقال: بسكون الشين وفتح الواو. [٥١٢٨] (ثنا) محمد (ابن المثنى، ثنا يحيى (٢) بن أبي بكير) العبدي، قاضي كرمان (ثنا شيبان) (٣) بن عبد الرحمن التميمي النحوي (عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن. (عن أبي هريرة، قال رسول اللَّه ﷺ : المستشار مؤتمن) فكما يجب على الأمين الاجتهاد في حفظ ما ائتمنه عليه يجب عليه أن يجتهد في نصح من استشاره بما يشير به عليه، فمن استشاره في مصاهرة أحد يشير عليه بما يعلمه منه، ويجب عليه الصدق فيما يعلمه في الخاطب المستشار فيه، ومن استشاره في مشاركة شخص أو مقارضته أو مجاورته أو وضع عنده لتعليمه، فيجب عليه بذل النصيحة، فإذا علم

стр. 12827

في المذكور خصلة يحصل منها فساد على المستشير، وجب عليه التصريح بذكرها، وهو مؤتمن في إخفاء سره، لا يذكر ما سمعه منه لأحد. قال الخطابي: ولا غرامة على المستشار (١) إذا وقع في الخطأ فيما أشار به (٢). كما أن الأمين لا يغرم إذا تلفت الوديعة عنده من غير تقصير منه ولا تفريط. * * *

стр. 12828

١٢٥ - باب فِي الدّالِّ عَلى الخَيْرِ ٥١٢٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي عَمْرٍ والشَّيْباني، عَنْ أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصاري قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبي ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنّي أُبْدِعَ بي فاحْمِلْنَي. قالَ: "لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكَ عَلَيْهِ ولكن ائْتِ فُلانًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْمِلَكَ". فَأَتاهُ فَحَمَلَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فاعِلِهِ" (١). * * * باب في الدال على الخير [٥١٢٩] (ثنا محمد (٢) بن كثير) العبدي البصري (أنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي عمرو) سعيد بن إياس (الشيباني، عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو. (الأنصاري، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إني أبدع) بضم الهمزة وكسر الدال (بي) يقال: أبدعت الناقة إذا انقطعت عن السير لكلال أو ظلع، كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعًا؛ أي: إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها، فكأنه قال: انقطع بي لكلال راحلتي وهلاك مركوبي (٣) (فاحملني) على ناقة. (قال: لا أجد ما أحملك عليه) فيه الاعتذار إلى من سأله ما ليس

стр. 12829

عنده تطييبًا لقلبه (ولكن ائت فلانًا فلعله أن يحملك) على شيء عنده (فأتاه) فسأله (فحمله، فأتى رسول اللَّه ﷺ فأخبره) بأنه حمله، وكان ذلك في الغزو (فقال رسول اللَّه ﷺ : من دل على خير فله مثل أجر فاعله) كذا لمسلم (١)، وفيه فضيلة الدلالة على الخير، أي: على جهة يأتيه منها خير ينتفع به، فله مثل أجر فاعله من غير أن ينقص من أجر الفاعل، والمراد: (مثل أجر فاعله) أن له ثوابًا بذلك، كما أن لفاعله ثوابًا، ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء، والكرم واسع. * * *

стр. 12830

١٢٦ - باب فِي الهَوى ٥١٣٠ - حَدَّثَنا حَيْوَة بْنُ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ، عَنْ أَبي بَكْرٍ بْنِ أَبي مَرْيَمَ، عَنْ خالِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفي، عَنْ بِلالِ بْنِ أَبي الدَّرْداءِ، عَنْ أَبي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "حُبُّكَ الشَّيء يُعْمي وَيُصِمُّ" (١). * * * باب في الهوى [٥١٣٠] (ثنا حيوة بن شريح) بن يزيد، الحضرمي الحمصي، شيخ البخاري. (ثنا بقية) بن الوليد (عن) أبي بكر (ابن) عبد اللَّه بن (أبي مريم) الغساني، ليس بالقوي، لكنه [له] (٢) علم وديانة (عن خالد بن محمد الثقفي) ثقة. (عن بلال بن أبي الدرداء) وكان أميرًا ببعض الشام، ثم قاضيًا بدمشق زمن يزيد، ليس له غير هذا الحديث. قال شيخنا ابن حجر: ثقة (٣). (عن) أبيه (أبي الدرداء) عويمر ﵁. (عن النبي ﷺ قال: حبك الشيء يعمي ويصم) سئل ثعلب عن معناه فقال: يعمي العين عن نظر مساوئ المحبوب، ويصم الأذن عن استماع

стр. 12831

العدل فيه، وأنشأ يقول: وكذبت طرفي فيك والطرف صادق ... وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع (١) وقال غيره: يعمى ويصم عن الآخرة. وفائدته النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في محبته (٢)، فإنه يعمي ويصم عن طرق الهدى، وإن كان له سمع وبصر، ويعمي عن رؤية عيوب (٣) محبوبه. كما قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا (٤) وكذلك الإنسان أعمى أصم عن عيوب نفسه، فيحتاج إلى أخٍ صديق يبصره بعيوب نفسه؛ فإن المؤمن مرآة أخيه، كما في الحديث المتقدم (٥). * * *

стр. 12832

١٢٧ - باب فِي الشَّفاعَةِ ٥١٣١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي مُوسَى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اشْفَعُوا إِلَيَّ لِتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسانِ نَبِيِّهِ ما شاءَ" (١). ٥١٣٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ مُعاوِيَةَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا فَإِنّي لأُرِيدُ الأَمْرَ، فَأُؤَخِّرُهُ كَيْما تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا" (٢). ٥١٣٣ - حَدَّثَنا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبي ﷺ مِثْلَهُ (٣). * * * باب في الشفاعة [٥١٣١] (حدثنا مسدد، ثنا سفيان، عن بريد) (٤) بضم الموحدة، مصغر (ابن أبي بردة عن أبيه) (٥) أبي بردة عامر (عن أبي موسى) الأشعري ﵁ (قال رسول اللَّه ﷺ : أشفعوا إليَّ) أي: شفاعة حسنة،

стр. 12833

يقال: شفعت في فلان إلى فلان (لتؤجروا) أي: لكي تؤجروا، قبلت الشفاعة أم لا. وفي الحديث: "إني لأريد الأمر فأؤخره كي تشفعوا إلى فتؤجروا" (١). (وليقض اللَّه على لسان نبيه ما شاء) فيه: فضيلة الشفاعة لأرباب الحوائج، وهي مشروعة مأجور عليها فيما لا حد فيه، وفي الحد قبل أن يبلغ الإمام، فقد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة فيما فيه تعزير سواء بلغت الإمام أم لا. * * *

стр. 12834

١٢٨ - باب فِي الرَّجُلِ يَيْدأُ بِنَفْسِهِ في الكِتابِ ٥١٣٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ ابن سِيِرينَ -قالَ أَحْمَدُ: قالَ مَرَّةً يَعْني هُشَيْمًا-، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ العَلاءِ أَنَّ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمي كانَ عامِلَ النَّبي ﷺ علَى البَحْرَيْنِ فَكانَ إِذا كَتَبَ إِلَيْهِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ (١). ٥١٣٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنا المعَلَّى بْن مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنِ ابن العَلاءِ، عَنِ العَلاءِ -يَعْني: ابن الحَضْرَمي- أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى النَّبي ﷺ فَبَدَأَ بِاسْمِهِ (٢). * * * باب فيمن يبدأ بنفسه في الكتاب [٥١٣٤] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا هشيم، عن منصور) (٣) بن زاذان الواسطي (عن) محمد (ابن سيرين، قال أحمد) بن حنبل (وقال مرة، يعني هشيمًا: عن بعض ولد العلاء بن الحضرمي، أن العلاء بن الحضرمي) واسم الحضرمي عبد اللَّه بن عباد (كان عامل النبي ﷺ على البحرين) بلفظ التثنية، بلاد معروفة باليمن، وفيها مدن، قاعدتها هجر. قال الأزهري: إنما ثنوا البحرين؛ لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء، وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ،

стр. 12835

وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في مثلها، وماؤها راكد (١). (فكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه) فيه أن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس أن يبدأ الكاتب بنفسه، فيقول: من زيد إلى عمرو، وسواء كان الكاتب دون المكتوب إليه أم أعلى منه، وهذِه المسألة مختلف فيها. قال الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه "صناعة الكتاب": قال أكثر العلماء: يستحب أن يبدأ بنفسه -كما ذكرنا- ثم روى فيه أحاديث كثيرة وآثارًا، قال: وهذا هو الصحيح عند أكثر العلماء؛ لأنه إجماع الصحابة. قال: وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان [قال: ورخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه، فيقول في التصدير والعنوان] (٢): إلى فلان من فلان، ثم روى بإسناده أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية (٣). وعن محمد بن الحنفية (٤) وبكر بن عبد اللَّه (٥) وأيوب السختياني أنه لا بأس بذلك (٦). [٥١٣٥] (ثنا محمد بن عبد الرحيم) أبو يحيى البزاز الحافظ، صاعقة، شيخ البخاري (ثنا معلى (٧) بن منصور) الرازي الفقيه (أبنا

стр. 12836

هشيم (١)، عن منصور) بن زاذان (عن ابن سيرين، عن ابن العلاء، عن العلاء -يعني: ابن الحضرمي) ﵁. (أنه كتب إلى النبي ﷺ ) فيه جواز ابتداء الصغير إلى الكبير بالمكاتبة، ولا يكون في هذا سوء أدب؛ خلافًا لمن زعم أن الصغير لا يكتب إلى الكبير إلا جوابًا لكتابه (فبدأ بنفسه) في هذا الحديث أن الصواب في العنوان أن يكتب عليه من فلان إلى فلان، ولا يكتب من فلان لفلان؛ لأنه إليه لا له إلا على مجاز، قال ابن النحاس: وهو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين (٢). * * *

стр. 12837

١٢٩ - باب كَيْفَ يُكْتَبُ إلَى الذِّمّي ٥١٣٦ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلي وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ: "مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى". قالَ ابن يَحْيَى: عَنِ ابن عَبّاسٍ أَنَّ أَبا سُفْيانَ أَخْبَرَهُ قالَ: فَدَخَلْنا عَلَى هِرَقْلَ فَأَجْلَسَنا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثمَّ دَعا بِكِتابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذا فِيهِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أَمّا بَعْدُ" (١). * * * باب كيف يكتب إلى الذمي؟ [٥١٣٦] [(ثنا الحسن بن علي) الجهضمي (ومحمد بن يحيى) بن عبد اللَّه بن فارس الذهلي، شيخ البخاري] (٢). (قالا: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة) بن مسعود. (عن ابن عباس أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل: من محمد رسول اللَّه ﷺ إلى هرقل) فيه: دعاء الكفار قبل قتالهم بالإرسال والمكاتبة، وهذا الدعاء واجب، والقتال قبله حرام. (عظيم الروم) فيه: التوقي (٣) في المكاتبة واستعمال الشرع (٤) فيها

стр. 12838

ولا يفرط؛ فلهذا قال النبي ﷺ : (إلى هرقل عظيم الروم) ولم يقل: إلى ملك الروم؛ لأنه لا حكم له ولا لغيره إلا بحكم دين الإسلام، ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه رسول اللَّه ﷺ أو ولاه من أذن له. (سلام على من اتبع الهدى) فيه: أنه يجوز أن يسافر إلى أرض العدو بالآية والايتين ونحوهما؛ وأن يبعث بهما إلى الكفار، وإنما نهي عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو؛ أي: بكلمة أو بجملة منه، وذلك أيضًا محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار. (قال) محمد (ابن يحيى: عن ابن عباس، أن أبا سفيان أخبره، قال: فدخلنا على هرقل) بفتح الراء بوزن دمشق، ويقال: هرقل على وزن خندف (١)، وهو أعجمي تكلمت به العرب. قال الشافعي: قيصر اسمه هرقل، وقيصر لقب (٢). وقال غيره: هو أول من ضرب الدنانير (٣). (فأجلسنا) بفتح السين (بين يديه) فيه: مطاوعة ملوك الكفار فيما هو أدب. (ثم دعا بكتاب رسول اللَّه ﷺ ) فيه: أنه يجوز للمحدث والكافر مس آية أو آيات يسيرة مع غير القرآن؛ كما إذا كان مع تفسير أو فقه أو مراسلة أو كتاب متابعة أو نحوها (فإذا فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم) فيه: تصدير الكتاب ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وإن كان المبعوث إليه كافرًا. ومنها أن قوله ﷺ في الحديث الآخر: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه

стр. 12839

بحمد اللَّه فهو أجذم" (١) المراد (بحمد اللَّه) ذكر اللَّه. وقد جاء في رواية: "بذكر اللَّه" (٢) وهذا الكتاب كتاب ذو بال، بل من المهمات العظام، وبدأ فيه بالبسملة دون الحمد. (من محمد رسول اللَّه) فيه البداءة باسم الكاتب، كما تقدم قبله (إلى هرقل) بفتح اللام غير منصرف (عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد) فيه استحباب (أما بعد) في الخطب والمكاتبات، وقد ترجم البخاري لهذِه بابا في كتاب الجمعة ذكر فيه أحاديث كثيرة (٣). * * *

стр. 12840

١٣٠ - باب فِي بِرِّ الوالِدَيْنِ ٥١٣٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، قالَ: حَدَّثَني سُهَيْلُ بْنُ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَجْزي وَلَدٌ والِدَهُ إِلَّا أَنْ يجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" (١). ٥١٣٨ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، قالَ: حَدَّثَني خالي الحارِثُ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: كانَتْ تَحْتي امْرَأَةٌ وَكُنْتُ أُحِبُّها وَكانَ عُمَرُ يَكْرَهُها فَقالَ لي: طَلِّقْها فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبي ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ النَّبي ﷺ : "طَلِّقْها" (٢). ٥١٣٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قالَ: "أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أَباكَ ثمَّ الأَقْرَبَ فالأَقْرَبَ". وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَسْأَلُ رَجُلٌ مَوْلاهُ مِنْ فَضْلٍ هُوَ عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ إِيّاهُ إِلَّا دُعي لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَضْلُهُ الذي مَنَعَهُ شُجاعًا أَقْرَعَ". قالَ أَبُو داوُدَ: الأَقْرَعُ الذي ذَهَبَ شَعْرُ رَأْسِهِ مِنَ السُّمِّ (٣). ٥١٤٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْن عِيسَى، حَدَّثَنا الحارِث بْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنا كُلَيْبُ بْنُ مَنْفَعَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ أَتَى النَّبي ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قالَ: "أُمَّكَ وَأَباكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخاكَ، وَمَوْلاكَ الذي يَلي ذاكَ حَقٌّ واجِبٌ، وَرَحِمٌ مَوْصُولَةٌ" (٤).

стр. 12841

٥١٤١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ وقالَ: أَخْبَرَنا ح، وَحَدَّثَنا عَبّادُ بْنُ مُوسَى قالا: حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ". قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ؟ قالَ: "يَلْعَنُ أَبا الرَّجُلِ، فَيَلْعَنُ أَباهُ وَيَلْعَنُ أُمَّهُ فيَلْعَنُ أُمَّهُ" (١). ٥١٤٢ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مَهْدي وَعُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ -المَعْنَى- قالُوا: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنْ أَسِيدِ بْنِ عَلي بْنِ عُبَيْدٍ مَوْلَى بَني ساعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السّاعِدي قالَ: بَيْنا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذا جاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَني سَلِمَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقي مِنْ بِرِّ أَبَوى شَيء أَبَرُّهُما بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِما؟ قالَ: "نَعَمِ الصَّلاةُ عَلَيْهِما والاسْتِغْفارُ لَهُما وَإِنْفاذُ عَهْدِهِما مِنْ بَعْدِهِما وَصِلَةُ الرَّحِمِ التي لا تُوصَلُ إِلَّا بِهِما، وَإِكْرامُ صَدِيقِهِما" (٢). ٥١٤٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسامَةَ بْنِ الهادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ المَرْءِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ" (٣). ٥١٤٤ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حَدَّثَنا أَبُو عاصِمٍ، قالَ: حَدَّثَني جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمارَةَ بْنِ ثَوْبانَ أَخْبَرَنا عُمارَةُ بْنُ ثَوْبانَ أَنَّ أَبا الطُّفَيْلِ أَخْبَرَهُ قالَ: رَأَيْتُ النَّبي ﷺ يَقْسِمُ لَحْمًا بِالجِعِرّانَةِ قالَ أَبُو الطُّفَيلِ: وَأَنا يَوْمَئِذٍ غلامٌ أَحْمِل طمَ الجَزُورِ - إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ إِلَى النَّبي ﷺ فَبَسَطَ لَها رِداءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ فَقُلْتُ مَنْ هي

стр. 12842

فَقالُوا هذِه أُمُّهُ التي أَرْضَعَتْهُ (١). ٥١٤٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمْداني، حَدَّثَنا ابن وَهْبِ، قالَ: حَدَّثَني عَمْرٌو ابْنُ الحارِثِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ السّائِبِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ جالِسًا يَوْمًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنَ الرَّضاعَةِ فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ لَها شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جانِبِهِ الآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، ثمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنَ الرَّضاعَةِ فَقامَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ (٢). * * * باب في بر الوالدين [٥١٣٧] (حدثنا محمد بن كثير) العبدي (٣) (أبنا سفيان، حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح السمان (عن أبي هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يجزي) بفتح أوله (ولد والده) أي: لا يقدر على أن يكافئه بإحسانه الذي أسلفه إليه ويقضي حقه، ويدخل في الوالد الأب والأم، إذ الأم أحد الوالدين (إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه) بضم الياء. واستدل لمفهوم هذا أهل الظاهر، فقالوا: لا يعتق أحد بمجرد

стр. 12843

الملك، بل لابد من إنشاء عتق، والصحيح عند الجمهور العتق في الأصول والفروع بمجرد الملك، سواء المسلم والكافر. قال مالك: يعتق الإخوة أيضًا. وقال أبو حنيفة: يعتق جميع الأرحام. وتأول الجمهور الحديث على أنه لما تسبب في شراه الذي يترتب العتق عليه أضيف العتق عليه (١). وإنما عتق الوالد بالشراء أو الملك؛ لأن العتق أفضل المجازاة. [٥١٣٨] (ثنا مسدد، ثنا يحيى) القطان (عن) محمد بن عبد الرحمن (ابن أبي ذئب) (٢) القرشي العامري (حدثني خالي الحارث) بن عبد الرحمن القرشي العامري، قال النسائي: ليس به بأس (٣). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤). (عن حمزة (٥) بن عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب (عن أبيه) عبد اللَّه بن عمر ﵁ (قال: كانت تحتي امرأة) امرأة ابن عمر هي آمنة بنت غفار (٦)، قاله ابن باطيش (٧). وفي "مسند أحمد": آمنة (٨).

стр. 12844

(وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها) قيل: إن أول من أمر ابنه بطلاق زوجته إبراهيم الخليل ﵇، ومن بر الابن بأبيه أن يكره ما كره أبوه، وإن كان يحبه، وكذا من بره أن يحب ما يحب أبوه، وإن كان له كارهًا، هذا إن كان (١) الأب من أهل الدين، يحب في اللَّه ويبغض في اللَّه، ولم يكن ذا هوى. (فأبيت) أن أطلقها (فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : طلقها) فيه: أن الابن إذا لم يطاوع أباه فيما يأمره به استعان عليه بالحاكم، أو بأحد من أكابر البلد، والظاهر أن الأب إذا أمر ابنه بطلاق زوجته وجب عليه طلاقها؛ فقد حكى الغزالي عن أكثر العلماء أن طاعة الأبوين واجبة في الشبهات، وإن لم تجب في الحرام المحض، حتى إذا كانا يتنغصان [بانفرادك عنهما] (٢) بالطعام، فعليك أن تأكل معهما؛ لأن ترك الشبهة ورع، ورضا الوالدين حتم (٣). [٥١٣٩] (ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان) الثوري (ثنا بهز بن حكيم، عن أبيه) حكيم بن معاوية (عن جده) المراد بجده معاوية بن حيدة بلا خلاف. قيل لأبي داود المصنف: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

стр. 12845

قال: هو عندي حجة (١) (قلت: يا رسول اللَّه، من أبر؟ ) بفتح الهمزة والباء الموحدة وتشديد الراء مع الرفع؛ أي: من أحق بالبر؟ (قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك) بنصب الميم في الثلاثة، ويوضحه رواية مسلم عن أبي هريرة: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك" (٢) (٣). قوله في الرابعة: (ثم أباك) يؤيد قول من قال: إن للأم ثلاثة أرباع البر، وللأب ربعه؛ لأنه ﷺ ذكر الأم ثلاث مرات، وذكر الأب في المرة الرابعة فقط؛ لأن الأم انفردت بثلاثة أشياء: صعوبة الحمل والوضع والرضاع، فكان لها ثلاثة أرباع. وإذا تؤمل هذا المعنى شهد له العيان، وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع، فهذِه ثلاث منازل يخلو منها الأب، وينفرد الأب (٤) بوجوب النفقة عليه (ثم الأقرب فالأقرب) قال أصحابنا: يستحب أن يقدم في البر الأم، ثم الأب، ثم الأولاد، ثم الأجداد والجدات، ثم الإخوة والأخوات، ثم سائر المحارم من ذوي الأرحام كالأعمام والعمات. (وقال رسول اللَّه ﷺ : لا يسأل) بفتح الياء (رجل مولاه) الظاهر أن المولى هنا المالك (من فضل) مال (هو عنده) أي: فاضلا عن

стр. 12846

حاجته، والمراد: ما يفضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته في يومه وليلته، وفاضلا عن دينه. ويشبه أن يراد بالمسئول هنا ما يحتاج إليه الخادم من نفقة مأكول أو مشروب أو كسوة ونحو ذلك، فإن السيد لا يعاقب على منع ما زاد عن كفايته (فيمنعه إياه) من غير عذر (إلا دُعي له) أي: دُعي إلى طلبه (يوم القيامة فضله) بالرفع نائب عن الفاعل (الذي منعه) منه، وقد تحول ماله إلى صورة (شجاعًا) (١) يعذب به، والشجاع: الحية الذكر. وقيل: هو الذي يواثب الراجل والفارس ويقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس (٢)، وقيل: الشجاع كل حية (٣) (أقرع) قال أبو داود: الأقرع الذي ذهب شعر رأسه من السَّم. وهو الذي تمعط شعر رأسه من كثرة سمه وطولى عمره (٤). وقيل: الأبيض الرأس من كثرة الشيب (٥). [٥١٤٠] (ثنا محمد بن عيسى) بن نجيح، الحافظ (٦)، روى عنه البخاري تعليقًا (٧). (حدثنا الحارث بن مرة) البصري، قال ابن معين: صالح (٨) (ثنا

стр. 12847

كليب بن منفعة) الحنفي البصري، مقبول (١) (عن جده) سماه في "المعرفة": كليبًا، أيضًا (٢). (أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، من أبر؟ ) بفتح الهمزة والباء ونصب (٣) الراء المشددة، كما تقدم (قال: أمك وأباك وأختك) من النسب والرضاع (وأخاك) شقيقًا كان أو لأب أو أم (ومولاك) أي: معتقك (الذي يلي ذاك) أي: يلي عتقك، فبر هؤلاء (حق واجب) (٤) عليك. (و) مما يتعين بره (رحم) الرحم: يطلق على كل قرابة وارثًا كان أو غير وارث (موصولة) أي: من أعظم القربات أن توصل الرحم، وهو كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم والرفق بهم ورعاية أحوالهم. [٥١٤١] (ثنا محمد بن جعفر بن زياد) [أبو عمران] (٥) الوركاني، شيخ مسلم (ح، وثنا عباد بن موسى) الجيلي، شيخ مسلم أيضًا. (ثنا إبراهيم بن سعد) الزهري، العوفي (عن أبيه) (٦) سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف (عن عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص ﵁.

стр. 12848

(قال رسول اللَّه ﷺ : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قيل: يا رسول اللَّه، كيف يلعن الرجل والديه؟ ! ) و (يلعن الرجل والديه) من الإسناد المجازي؛ لأنه صار سببًا لمسبة والده، فإن قلت: لم كان هذا من أكبر الكبائر؟ قيل: لأنه نوع من العقوق، وهو إساءة قبيحة في مقابلة إحسان كثير، وهو إحسان الوالدين وكفران حقوقهما، وهو من أقبح القبائح عرفًا وعادة. (قال: يلعن أبا الرجل) أو المرأة (فيلعن أباه) وجده (ويلعن أمه فيلعن أمه) فيه دليل على أن سبب الشيء قد ينزله الشرع منزلة الشيء في المنع، ومن تسبب في شيء جاز أن ينتسب إليه ذلك الشيء. وفيه حجة لمن منع بيع العنب ممن يعصره خمرًا، ومنع بيع ثياب الحرير ممن يلبسها وهي لا تحل له، ومنع بيع السلاح ممن يقطع الطريق به، ومنع بيع المملوك الأمرد ممن يعلم أنه يشتريه ليلوط به، ونحو ذلك، وفيه حجة لمالك على القول بسد الذرائع. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ (١) والذريعة هي الامتناع ممن ليس ممنوعًا في نفسه مخافة الوقوع في محظور، كما في كتب الأصول. [٥١٤٢] (ثنا إبراهيم (٢) بن مهدي) المصيصي، وثقه أبو حاتم (٣). (وعثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء المعنى، قالوا: ثنا عبد (٤) اللَّه

стр. 12849

ابن إدريس) بن يزيد الأزدي (عن عبد الرحمن بن سليمان) بن عبد اللَّه بن حنظلة الأنصاري، أخرج له الشيخان. (عن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين (ابن علي بن عبيد) الساعدي. الأنصاري، مولى بني أُسيد، بضم الهمزة [صدوق، وهو (مولى بني ساعدة) وقيل: إنه من ولد أبي أسيد، بالضم (عن أبيه) على بن عبيد الساعدي، وثق. (عن) مولاه (أبي أسيد) بضم الهمزة] (١) مصغر (مالك بن ربيعة) بن البدن (الساعدي) شهد بدرًا، وكان ذهب بصره. (قال: بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ ، إذ جاءه رجل من بني سلمة) بكسر اللام. ولابن ماجه: من بني سليم (٢) (فقال: يا رسول اللَّه هل بقي) بكسر القاف، لغة القرآن (من بر أبوي شيء أبرهما) بفتح الموحدة (به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما) يحتمل أن يراد بالصلاة عليهما الدعاء لهما؛ كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)؛ أي: ادعُ لهم، ولا يجوز أن يقال: اللهم صلِّ على أبي. ولا: على أمي. بل يقول: اللهم اغفر لهما، اللهم ارحمهما. ويحتمل أن يُراد بالصلاة الحقيقة؛ يعني: أن يؤم بالمصلين عليهما بعد موتهما إن كان من أهل الصلاة، وإن كان صغيرا عند موتهما فيصلي على قبرهما إذا صار أهلا لذلك.

стр. 12850

وعلى هذا، ففيه دليل على تقدم الأولاد على الأجانب، وإن كان الأجنبي إمام الجامع (والاستغفار لهما) والترحم عليهما، وهذا يرجح بأن المراد بالصلاة عليهما الدعاء (وإنفاذ) بالفاء والذال المعجمة (عهدهما) أي: إمضاء وصيتهما وما عهدا به قبل موتهما، بأن يكون بينهما وبين آخر عهد في معاونة وقضاء حاجة ونحوهما، ولم يتمكنا من ذلك حتى ماتا، فيقوم الولد به بعدهما (من بعدهما) ويثاب الولد على ذلك، لفظ ابن ماجه: "وإلفاء بعهودهما" (١). (وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) أي: بسببهما، أي: تكون الرحم لا يتعين عليه صلتها إلا بكونها من جهة أحد الأبوين، كالعمة التي هي أخت الأب، والخالة التي توصل لكونها أخت الأم ونحو ذلك، فصلة العمة من بر الأب، وصلة الخالة من بر الأم، ونحو ذلك (وإكرام صديقهما) أو صديق أجداده وجداته وإخوته ونحوهم، وكذا إكرام صديقة زوجته، كإكرامه ﷺ صدائق خديجة. [٥١٤٣] (حدثنا أحمد بن منيع) البغوي الحافظ (ثنا أبو النضر) هاشم ابن القاسم، الحافظ، قيصر. (ثنا الليث بن سعد، عن يزيد (٢) بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد) الليثي (عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر قال رسول اللَّه ﷺ : إن أبر البر) وفي رواية لمسلم: "إن من أبر البر" (٣) (صلة المرء أهل) بالنصب مفعول
следующие страницы →