← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 12846–12885 · переход к 12851.

стр. 12846

حاجته، والمراد: ما يفضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته في يومه وليلته، وفاضلا عن دينه. ويشبه أن يراد بالمسئول هنا ما يحتاج إليه الخادم من نفقة مأكول أو مشروب أو كسوة ونحو ذلك، فإن السيد لا يعاقب على منع ما زاد عن كفايته (فيمنعه إياه) من غير عذر (إلا دُعي له) أي: دُعي إلى طلبه (يوم القيامة فضله) بالرفع نائب عن الفاعل (الذي منعه) منه، وقد تحول ماله إلى صورة (شجاعًا) (١) يعذب به، والشجاع: الحية الذكر. وقيل: هو الذي يواثب الراجل والفارس ويقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس (٢)، وقيل: الشجاع كل حية (٣) (أقرع) قال أبو داود: الأقرع الذي ذهب شعر رأسه من السَّم. وهو الذي تمعط شعر رأسه من كثرة سمه وطولى عمره (٤). وقيل: الأبيض الرأس من كثرة الشيب (٥). [٥١٤٠] (ثنا محمد بن عيسى) بن نجيح، الحافظ (٦)، روى عنه البخاري تعليقًا (٧). (حدثنا الحارث بن مرة) البصري، قال ابن معين: صالح (٨) (ثنا

стр. 12847

كليب بن منفعة) الحنفي البصري، مقبول (١) (عن جده) سماه في "المعرفة": كليبًا، أيضًا (٢). (أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، من أبر؟ ) بفتح الهمزة والباء ونصب (٣) الراء المشددة، كما تقدم (قال: أمك وأباك وأختك) من النسب والرضاع (وأخاك) شقيقًا كان أو لأب أو أم (ومولاك) أي: معتقك (الذي يلي ذاك) أي: يلي عتقك، فبر هؤلاء (حق واجب) (٤) عليك. (و) مما يتعين بره (رحم) الرحم: يطلق على كل قرابة وارثًا كان أو غير وارث (موصولة) أي: من أعظم القربات أن توصل الرحم، وهو كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم والرفق بهم ورعاية أحوالهم. [٥١٤١] (ثنا محمد بن جعفر بن زياد) [أبو عمران] (٥) الوركاني، شيخ مسلم (ح، وثنا عباد بن موسى) الجيلي، شيخ مسلم أيضًا. (ثنا إبراهيم بن سعد) الزهري، العوفي (عن أبيه) (٦) سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف (عن عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص ﵁.

стр. 12848

(قال رسول اللَّه ﷺ : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قيل: يا رسول اللَّه، كيف يلعن الرجل والديه؟ ! ) و (يلعن الرجل والديه) من الإسناد المجازي؛ لأنه صار سببًا لمسبة والده، فإن قلت: لم كان هذا من أكبر الكبائر؟ قيل: لأنه نوع من العقوق، وهو إساءة قبيحة في مقابلة إحسان كثير، وهو إحسان الوالدين وكفران حقوقهما، وهو من أقبح القبائح عرفًا وعادة. (قال: يلعن أبا الرجل) أو المرأة (فيلعن أباه) وجده (ويلعن أمه فيلعن أمه) فيه دليل على أن سبب الشيء قد ينزله الشرع منزلة الشيء في المنع، ومن تسبب في شيء جاز أن ينتسب إليه ذلك الشيء. وفيه حجة لمن منع بيع العنب ممن يعصره خمرًا، ومنع بيع ثياب الحرير ممن يلبسها وهي لا تحل له، ومنع بيع السلاح ممن يقطع الطريق به، ومنع بيع المملوك الأمرد ممن يعلم أنه يشتريه ليلوط به، ونحو ذلك، وفيه حجة لمالك على القول بسد الذرائع. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ (١) والذريعة هي الامتناع ممن ليس ممنوعًا في نفسه مخافة الوقوع في محظور، كما في كتب الأصول. [٥١٤٢] (ثنا إبراهيم (٢) بن مهدي) المصيصي، وثقه أبو حاتم (٣). (وعثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء المعنى، قالوا: ثنا عبد (٤) اللَّه

стр. 12849

ابن إدريس) بن يزيد الأزدي (عن عبد الرحمن بن سليمان) بن عبد اللَّه بن حنظلة الأنصاري، أخرج له الشيخان. (عن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين (ابن علي بن عبيد) الساعدي. الأنصاري، مولى بني أُسيد، بضم الهمزة [صدوق، وهو (مولى بني ساعدة) وقيل: إنه من ولد أبي أسيد، بالضم (عن أبيه) على بن عبيد الساعدي، وثق. (عن) مولاه (أبي أسيد) بضم الهمزة] (١) مصغر (مالك بن ربيعة) بن البدن (الساعدي) شهد بدرًا، وكان ذهب بصره. (قال: بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ ، إذ جاءه رجل من بني سلمة) بكسر اللام. ولابن ماجه: من بني سليم (٢) (فقال: يا رسول اللَّه هل بقي) بكسر القاف، لغة القرآن (من بر أبوي شيء أبرهما) بفتح الموحدة (به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما) يحتمل أن يراد بالصلاة عليهما الدعاء لهما؛ كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)؛ أي: ادعُ لهم، ولا يجوز أن يقال: اللهم صلِّ على أبي. ولا: على أمي. بل يقول: اللهم اغفر لهما، اللهم ارحمهما. ويحتمل أن يُراد بالصلاة الحقيقة؛ يعني: أن يؤم بالمصلين عليهما بعد موتهما إن كان من أهل الصلاة، وإن كان صغيرا عند موتهما فيصلي على قبرهما إذا صار أهلا لذلك.

стр. 12850

وعلى هذا، ففيه دليل على تقدم الأولاد على الأجانب، وإن كان الأجنبي إمام الجامع (والاستغفار لهما) والترحم عليهما، وهذا يرجح بأن المراد بالصلاة عليهما الدعاء (وإنفاذ) بالفاء والذال المعجمة (عهدهما) أي: إمضاء وصيتهما وما عهدا به قبل موتهما، بأن يكون بينهما وبين آخر عهد في معاونة وقضاء حاجة ونحوهما، ولم يتمكنا من ذلك حتى ماتا، فيقوم الولد به بعدهما (من بعدهما) ويثاب الولد على ذلك، لفظ ابن ماجه: "وإلفاء بعهودهما" (١). (وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) أي: بسببهما، أي: تكون الرحم لا يتعين عليه صلتها إلا بكونها من جهة أحد الأبوين، كالعمة التي هي أخت الأب، والخالة التي توصل لكونها أخت الأم ونحو ذلك، فصلة العمة من بر الأب، وصلة الخالة من بر الأم، ونحو ذلك (وإكرام صديقهما) أو صديق أجداده وجداته وإخوته ونحوهم، وكذا إكرام صديقة زوجته، كإكرامه ﷺ صدائق خديجة. [٥١٤٣] (حدثنا أحمد بن منيع) البغوي الحافظ (ثنا أبو النضر) هاشم ابن القاسم، الحافظ، قيصر. (ثنا الليث بن سعد، عن يزيد (٢) بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد) الليثي (عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر قال رسول اللَّه ﷺ : إن أبر البر) وفي رواية لمسلم: "إن من أبر البر" (٣) (صلة المرء أهل) بالنصب مفعول

стр. 12851

(صلة) الذي هو مصدر يعمل عمل الفعل، ويقدر بأن والفعل، ويدل عليه رواية مسلم: "أبر البر أن يصل الرجل" (١) أهل (ود) بضم بالواو (أبيه) فيه فضيلة صلة أصدقاء الأب والإحسان إليهم وإكرامهم، وهو متضمن لبر الأب وإكرامه بسببه، ويلتحق به أصدقاء الزوجة والمشايخ؛ فإنهم في معنى الآباء، بل أعظم حرمة (بعد أن يولي) بتشديد اللام المكسورة، أي: بعد موته [والمراد أنه لا ينقطع بر الأب بعد موته كما هو قبل موته] (٢) فقبل موته من بر الأبوين إكرام صديقهما والإحسان إليه. [٥١٤٤] (ثنا) محمد (ابن المثنى، ثنا أبو عاصم) الضحاك (٣) (حدثني جعفر بن يحيى بن عُمارة بن ثوبان) بضم العين، الحجازي، مقبول. (أبنا) عمي (عمارة بن ثوبان) الحجازي التابعي، رأى القليل من الصحابة كالاثنين والثلاثة (أن أبا الطفيل) عامر بن واثلة الليثي، ولد عام أحد، وهو آخر من مات من الصحابة (أخبره قال: رأيت النبي ﷺ يقسم) بفتح أوله (لحمًا بالجعرانة) بالتخفيف والتشديد، والتخفيف أصوب، وهي بين الطائف ومكة، وإلى مكة أقرب. (قال أبو الطفيل: وأنا يومئذ غلام أحمل عظم) بفتح العين (الجزور) من الإبل يقع على الذكر والأنثى، والمراد وأنا غلام أقدر على حمل (٤) عظم الجذور الذي يقسم وحمل لحمه إلى من أمر بحمله إليه، وفيه

стр. 12852

تواضع النبي ﷺ بتقطيعه اللحم وقسمته على المستحقين. ويدل على أن قسمة اللحم وتفريقه بين أهله ليس فيه دناءة، بل من عظم المروءة. (إذ أقبلت امرأة) تمشي (حتى دنت إلى النبي ﷺ ، فبسط لها رداءه) فيه أنه يستحب إكرام القادم عليه، لاسيما إن كان ممن له حق قديم عليه، ولو من رضاعة أو صلة، والإكرام أنواع كالقيام له، والترحب به، وبسط شيء له يجلس عليه أو شيء يتكئ عليه وإطعامه وغير ذلك. (فجلست عليه) فيه أن القادم يقبل ما أكرم به، وإن كان حسن الأدب تركه. وقد اختلف العلماء في أمتثال الأمر وسلوك الأدب، أيهما أولى؟ وفي جلوسها على ردائه ﷺ حين أمرها بالجلوس عليه ترجيح لامتثال الأمر، والحامل لها على ذلك دلالتها (١) عليه، وحقها في إرضاعه له في ابتداء أمره بخلاف من ليست بينها (٢) وبينه قرابة ولا رضاع؛ لما روى الحاكم بإسناد صحيح عن أنس: دخل جرير بن عبد اللَّه على النبي ﷺ فأخذ بردته، فألقاها إليه، فقال: "اجلس عليها يا جرير" فأخذها جرير فوضعها على وجهه، وجعل يقبلها ويبكي، ثم لفها ورمى بها إلى النبي ﷺ ، وقال: ما كنت لأجلس على بردتك، أكرمك اللَّه كما أكرمتني. فنظر ﵇ يمينًا وشمالًا، ثم قال: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" الحديث أصله في الحاكم لا لفظه (٣). فجرير امتثل

стр. 12853

الأدب، وهي امتثلت الأمر؛ لعظم حقها عليه (فقلت: من هي؟ ) هذِه (فقالوا: هذِه أمه التي أرضعته) قد يؤخذ منه أن المرضعة محرمة عليه كأمه من النسب، كما في الحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (١) وزاد غير المصنف بعد قوله (فبسط لها رداءه) ثم قال لها: "مرحبًا بأمي"، ثم قال لها: "اشفعي تشفعي" فقالت: قومي. فقال لها: "أمَّا حقي وحق بني هاشم فهو لك" فقام الناس من كل جانب، وقالوا: وحقنا يا رسول اللَّه. ثم وصلها بعد وأخدمها ووهبها سهمًا له بحنين (٢)، فبيع من عثمان بن عفان بمائة ألف درهم (٣). [٥١٤٥] (ثنا أحمد (٤) بن سعيد) بن بشر (الهمداني) بسكون الميم المصري، صدوق (حدثنا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري.

стр. 12854

(أن عمر بن السائب) بن أبي راشد المصري، مولى بني زهرة، صدوق (أنه حدثه أنه بلغه أن رسول اللَّه ﷺ ) وهذا الحديث معضل، فإن عمر بن السائب يروي عن التابعين (كان جالسًا يومًا، فأقبل أبوه من الرضاعة) هو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي، من هوازن، أدرك الإسلام وأسلم بمكة (فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه) فيه أن الوالد من الرضاعة له حق البر كما في والد النسب، وإن كان دونه في الرتبة والإكرام (ثم أقبلت أمه) من الرضاعة، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد اللَّه بن الحارث السعدية. قال الذهبي: لم يذكر الثلاثة ما يدل على إسلام حليمة إلا هذا الحديث، ثم قال: فيجوز أن تكون هذِه ثويبة مولاة أبي لهب، يقال: قد أسلمت، قال: ثم وجدت في "الاستيعاب": روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: جاءت حليمة بنت عبد اللَّه أم النبي ﷺ من الرضاعة إليه يوم حنين فقام إليها وبسط لها رداءه فجلست عليه (١). (فوضع لها شق) بكسر الشين (ثوبه من جانبه الآخر) إكرامًا لها (فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة) عبد اللَّه بن الحارث (فقام رسول اللَّه ﷺ فأجلسه بين يديه) حيث لم يبق من الثوب ما يسعه، وفيه أن من سبق إلى مكان أكرم به لم يزعج عنه، وهو أحق به ممن جاء به، لاسيما والأم أحق بالإكرام من الأخ في النسب والرضاع. * * *

стр. 12855

١٣١ - باب فِي فَضْلِ مَنْ عالَ يَتامَى ٥١٤٦ - حَدَّثَنا عُثْمانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابنا أَبي شَيْبَةَ -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنْ أَبي مالِكٍ الأَشْجَعي، عَنِ ابن حُدَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْها وَلَمْ يُهِنْها وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْها قالَ: -يَعْني: الذُّكُورَ- أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ". وَلَمْ يَذْكُرْ عُثْمانُ -يَعْني: الذُّكُورَ- (١). ٥١٤٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا خالِدٌ، حَدَّثَنا سُهَيْلٌ -يَعْني: ابن أَبي صالِحٍ-، عَنْ سَعِيدٍ الأَعْشَى -قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ سَعِيدُ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُكْمِلٍ الزُّهْري-، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ الأَنْصاري، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْري قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ عالَ ثَلاثَ بَناتٍ فَأَدَّبَهُنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ فَلَهُ الجَنَّةُ" (٢). ٥١٤٨ - حَدَّثَنا يُوسُفُ بْن مُوسَى، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ بهذا الإِسْنادِ بِمَعْناهُ قالَ: "ثَلاثُ أَخَواتٍ، أَوْ ثَلاثُ بَناتٍ، أَوْ بِنْتانِ، أَوْ أُخْتانِ" (٣). ٥١٤٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرِيْعٍ، حَدَّثَنا النَّهّاسُ بْن قَهْمٍ، قالَ: حَدَّثَني شَدّادٌ أَبُو عَمّارٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأَشْجَعي قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنا وامْرَأَةٌ سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ كَهاتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ -وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالوُسْطَى والسَّبّابَةِ- امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِها ذاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ، حَبَسَتْ نَفْسَها عَلَى يَتاماها حَتَّى بانُوا أَوْ ماتُوا" (٤). * * *

стр. 12856

باب فيمن عال يتيمًا [٥١٤٦] (ثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة المعنى، قالا: ثنا أبو (١) معاوية) (٢) محمد بن خازم الضرير (عن أبي مالك) سعد بن طارق (الأشجعي) الكوفي، أخرج له (٣) مسلم. (عن ابن حدير) بضم الحاء المهملة بعدها دال، ثم مثناة تحت، ثم راء. قال شيخنا ابن حجر: هو بصري لا يعرف اسمه (٤). قال شيخنا المناوي في "تخريج المصابيح": اسم ابن حدير: زياد. قال الذهبي: ثقة عابد (٥) (عن ابن عباس ﵄ قال رسول اللَّه ﷺ : من كانت له أنثى) أي: بنت أو أخت شقيقة أو لأم أو لأب، أو أم أو بنت أخ أو أخت أو قرابة (فلم يئدها) بفتح المثناة تحت وكسر الهمزة، أي: لم يدفنها حية، وكانوا يدفنون البنات وهن أحياء، ومنه قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٦) ونهى رسول اللَّه ﷺ عن وأد البنات (٧)، يقال: وأدها يئدها وأدًا (٨)، فهي موؤودة.

стр. 12857

(ولم يهنها) بضم أوله، بفعل ولا قول (ولم يؤثر ولده عليها قال) الراوي (يعني: الذكور). فيه حجة للصحيح من مذهب الشافعي أنه يسوي في عطية أولاده، بين الذكر والأنثى بلا تفضيل. وقال بعض أصحابنا: يعطي للذكر مثل حظ الأنثيين، كما في الميراث، فلو آثر بعض أولاده وفضله في العطية أو وهب لبعض دون بعض كره، وليس بحرام، والهبة صحيحة (١). وذهب أحمد إلى تحريمه (٢)، وكما يسوي بينهم في العطية يسوي بينهم في الإكرام في المطاعم والملابس والمجالس والتلطف بالحديث ونحو ذلك. (أدخله اللَّه الجنة) يحتمل أن يراد: أدخله اللَّه الجنة مع السابقين والفائزين، وإلا فدخول الجنة مقطوع به لكل من مات على التوحيد. (ولم يذكر عثمان) بن أبي شيبة (يعني: الذكور) بل اقتصر على قوله: (ولم يؤثر ولده عليها) ولكن زيادة الثقة مقبولة. [٥١٤٧] (ثنا مسدد، ثنا خالد) (٣) بن عبد اللَّه الواسطي الطحان (ثنا سهيل يعني: ابن أبي صالح) ذكوان السمان (عن سعيد) بن عبد الرحمن ابن مكمل (الأعشى) وثق. (قال) المصنف (و) سعيد (هو سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل) بضم الميم وإسكان الكاف وكسر الميم (الزهري) هو الأعشى والزهري والمدني، مقبول. (عن أيوب بن بشير) بضم الموحدة، ابن سعد (الأنصاري) أخو

стр. 12858

النعمان، ولد في عهد النبي ﷺ . (عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال رسول اللَّه ﷺ : من عال ثلاث بنات) أي: قام بما يحتجن إليه من قوت وكسوة ومسكن وغيرهما (فأدبهن) بآداب الشريعة وعلمهن أمور دينهن (وزوجهن) من كفؤ عند احتياجهن إلى الزواج (وأحسن إليهن) بعد الزواج بالصلة والزيارة وغير ذلك (فله الجنة) مع السابقين، -كما تقدم- إن شاء اللَّه تعالى. وروى البزار: "من سعى على ثلاث بنات فهو في الجنة، وكان له كأجر مجاهد في سبيل اللَّه صائمًا قائمًا" (١). [٥١٤٨] (ثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي، شيخ البخاري. (ثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي (عن سهيل) بن أبي صالح (بهذا الإسناد بمعناه) و (قال) من عال (ثلاث أخوات أو ثلاث بنات أو بنتان أو أختان) وروى الحاكم بإسناد صحيح: "من كن له ثلاث بنات فصبر [على لأوائهن] (٢) أدخله اللَّه الجنة برحمته إياهن" فقال رجل: واثنتان يا رسول اللَّه؟ قال: "واثنتان" قال رجل: يا رسول اللَّه، وواحدة؟

стр. 12859

قال: "وواحدة" (١) ويؤيد هذِه الرواية حديث ابن عباس المتقدم: "من كانت له أنثى" (٢). [٥١٤٩] (ثنا مسدد، ثنا يزيد (٣) بن زريع) أبو معاوية البصري (ثنا النهاس) بفتح النون وبعد الألف مهملة (ابن قهم) بفتح القاف وسكون الهاء العنسي البصري القاضي، لا يحتج بحديثه. (شداد) (٣) بن عبد اللَّه (أبو عمار) مولى معاوية، أخرج له مسلم. (عن عوف بن مالك الأشجعي) كانت معه راية أشجع يوم الفتح (قال رسول اللَّه ﷺ : أنا وامرأة سفعاء) بفتح السين المهملة والمد (الخدين) هي التي تغير لونها إلى السواد ليس بالكثير، والكمودة من طول الأيمة وترك التزين، كأنه مأخوذ من سفع النار، وهو أن يصيب نفحها شيئًا فيسود مكانه، فلما حبست نفسها على أولادها ولم تتزين للتزويج صارت كذلك (كهاتين) أي: كأصبعي هاتين (يوم القيامة، وأومأ) أي: أشار (يزيد) بن زريع (بالوسطى والسبابة) وهي الأصبع التي تلي الإبهام؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يشيرون بها عند السب واللعن، وتسمى المهللة، وسيأتي في الحديث بعده (امرأة) بالرفع (آمت) بمد الهمزة وتخفيف الميم مثل سارت تسير، والأيم في الأصل المرأة التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، مطلقة كانت أو متوفى عنها زوجها

стр. 12860

(ذات) بالرفع (منصب) بوزن مسجد، أي: رفيعة القدر والمنزلة (وجمال حبست نفسها على يتاماها) أي: امتنعت من الزواج؛ لأن لا يهانوا أيتامها (حتى بانوا) بالموحدة والنون، أي: بعدوا عنها وفارقوها بالزواج ونحوه (أو ماتوا) فيه فضيلة ترك المرأة الزواج رعاية لحق الأيتام إذا كانت قادرة على كفالتهم بمال ونحوه. * * *

стр. 12861

١٣٢ - باب فِي مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا ٥١٥٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبّاحِ بْنِ سُفْيانَ أَخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيزِ -يَعْني: ابن أَبِي حازِمٍ-، قالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ سَهْلٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "أَنا وَكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ في الجَنَّةِ". وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبعَيْهِ الوُسْطَى والَّتي تَلي الإِبْهامَ (١). * * * باب في ضم اليتيم [٥١٥٠] (ثنا محمد بن الصباح بن سفيان) الجرجرائي، قال أبو حاتم: صالح الحديث (٢) (ثنا عبد (٣) العزيز بن أبي حازم) المديني (حدثني أبي) (٤) أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل) بن سعد الساعدي، تأخر وعمر دهرًا. (أن النبي ﷺ قال: أنا وكافل اليتيم) أي: القائم بأمره في التربية والمؤنة. وتحصل هذِه الفضيلة لمن كفله من مال نفسه أو من مال اليتيم بولاية شرعية. قاله النووي (٥). واليتيم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم (كهاتين في الجنة) قال القرطبي: أي: هو معه في الجنة وبحضرته، غير أن كل واحد منهما على درجته فيها؛ إذ

стр. 12862

لا يبلغ درجة الأنبياء غيرهم، ولا يبلغ درجة نبينا ﷺ أحد من الأنبياء. وإلى هذا الإشارة بقرانه بين [إصبعيه] (١) (٢). (وفرق (٣) بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام) وفرق وقرن فيهم من الجمع بينهما المعية والحضور، ومن تفاوت ما بينهما بالطول والقصر اختصاص كل واحد منهما بمنزلته ودرجته، وقد نص على هذا قوله ﷺ في الحديث المتقدم: "المرء مع من أحب" (٤). * * *

стр. 12863

١٣٣ - باب فِي حَقِّ الجِوارِ ٥١٥١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبي بَكْرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِيني بِالجارِ حَتَّى قُلْتُ لَيُوَرِّثَنَّهُ" (١). ٥١٥٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ بَشِيرٍ أَبي إِسْماعِيلَ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ ذَبَحَ شاةً فَقالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجاري اليَهُودي فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِيني بِالجارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" (٢). ٥١٥٣ - حَدَّثَنا الرَّبِيعُ بْنُ نافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبي ﷺ يَشْكُو جارَهُ فَقالَ: "اذْهَبْ فاصْبِرْ". فَأَتاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا فَقالَ: "اذْهَبْ فاطْرَحْ مَتاعَكَ في الطَّرِيقِ". فَطَرَحَ مَتاعَهُ في الطَّرِيقِ فَجَعَلَ النّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ فَجَعَلَ النّاسُ يَلْعَنُونَهُ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلَ فَجاءَ إِلَيْهِ جارُهُ فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ لا تَرى مِنّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ (٣). ٥١٥٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُتَوَكِّلِ العَسْقَلاني، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ

стр. 12864

فَلا يُؤْذِ جارَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" (١). ٥١٥٥ - حَدَّثَنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَّ الحارِثَ بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِي عِمْرانَ الجَوْني، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لي جارَيْنِ بِأَيِّهِما أَبْدَأُ قالَ: "بِأَدْناهُما بابًا". قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ شُعْبَةُ في هذا الحَدِيثِ طَلْحَةُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ (٢). * * * باب في حق الجوار [٥١٥١] (ثنا مسدد، ثنا حماد، عن يحيى بن سعيد) القطان (عن أبي بكر بن محمد) بن عمرو بن حزم الأنصاري، قاضي المدينة، أخرج له البخاري وغيره. (عن عمرة) (٣) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، من فقهاء التابعين. (عن عائشة أن النبي ﷺ قال: ما زال جبريل يوصيني) بالتخفيف (بالجار) لما أكد جبريل على النبي ﷺ حق الجوار وأكثر عليه من ذلك، غلب على ظنه ﵇ أن اللَّه تعالى يحكم بالتوارث بين الجارين، وهذا يدل على أن الجار هنا هو جار الدار لا الجار بالعهد. قد كان في أول الإسلام يرث، ثم نسخ ذلك.

стр. 12865

(حتى قلت ليورثنه) بتشديد الراء المكسورة وفتح المثلثة، [لفظ الصحيحين (١)] (٢) وتأتي للمصنف: "حتى ظننت أنه سيورثه". [٥١٥٢] (ثنا محمد بن عيسى) بن نجيح بن الطباع، أخرج له البخاري تعليقًا (٣) (ثنا سفيان، عن بشير) بفتح الموحدة، ابن سلمان (أبي إسماعيل) الكندي الكوفي، أخرج له مسلم. (عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص ﵁ (أنه ذبح شاة فقال: أهديتم لجاري اليهودي؟ ) أهديتم لجارنا اليهودي، وفيه دلالة على أن الصحابة ﵃ كانوا يأخذون بعموم الألفاظ، كما أخذ عبد اللَّه ابن عمرو ﵁ بعموم (٤) (ال) التي لاستغراق الجنس في قوله: (فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار) فأدخل في عموم (٥) الجار كل من كان مجاورًا له من مسلم ذكر أو امرأة، كافرٍ ذمي أو غيره ممن هو معصوم الدم. (حتى ظننت أنه سيورثه) منه إذا مات، وحق الجوار أربعون دارًا من كل جهة. قال البيهقي: روي عن عائشة أنها قالت: يا رسول اللَّه، ما حق الجوار؟ قال: "أربعون دارًا" (٦) وفي الحديث: "حق الجوار أربعون

стр. 12866

دارًا، هكذا وهكذا، وهكذا وهكذا" وأشار قداما وخلفًا ويمينًا وشمالًا (١). رواه أبو داود في "المراسيل" بسند رجاله ثقات إلى الزهري بلفظ: "أربعون دارًا جار" (٢) ووصله الطبراني من رواية الزهري عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه (٣). [٥١٥٣] (ثنا الربيع بن نافع) الحلبي (أبو توبة) أخرج له الشيخان (ثنا سليمان (٤) بن حيان) بفتح المهملة وتشديد المثناة تحت، أبو خالد الكوفي الأحمر. (عن محمد بن عجلان) القرشي، أخرج له مسلم (عن أبيه) عجلان مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة المدني، أخرج له مسلم. (عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو) من (جاره) أنه يؤذيه (فقال: اذهب فاصبر) على أذاه (فأتاه مرتين أو ثلاثًا) ويأمره بالصبر، وفيه: فضيلة الصبر على الجار وإن تكرر منه الأذى ثلاث مرات، ويجامله ويداريه حسب الاستطاعة؛ لعظم حقه عليه.

стр. 12867

(فقال: اذهب فاطرح متاعك) المتاع في اللغة: كل ما ينتفع به من أثاث البيت وملبوس ومطعوم (في الطريق) التي يمر الناس منها، والمراد إذا أمن على متاعه أو يكون عنده من يحفظه. فذهب الرجل. (فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه) عن خبره (فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه) ويدعون عليه: (فعل اللَّه به وفعل) فيه: جواز الدعاء على من يتأذى منه الناس، ويكون جهرًا؛ ليكون تأديبًا له وزجرًا عن الأذى. (فجاء إليه جاره فقال له: ارجع) إلى بيتك، فإنك (لا ترى مني) بعد هذا الوقت (شيئًا تكرهه) وفي رواية: رد متاعك، واللَّه لا أعود (١). وأصل الحديث أخرجه ابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح الإسناد (٢). [٥١٥٤] (ثنا محمد بن المتوكل) بن عبد الرحمن (العسقلاني) مولى بني هاشم. قال ابن معين: ثقة (٣). (ثنا عبد الرزاق، أبنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن. (عن أبي هريرة، قال رسول اللَّه ﷺ : من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه) أي: من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام ضيفه، سواء كان في البدو أو الحضر.

стр. 12868

وقد استدل بهذا على أن الضيافة ليست بواجبة إذ لم يستعمل هذا اللفظ في الواجب، ولأنه اقترن بإكرام الجار، وهو غير واجب. (ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذ) بحذف الياء للنهي. ورواية مسلم بإثبات الياء (١) خبر بمعنى النهي، وهو أبلغ كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ (٢). (جاره) فيه تحريم أذى الجار تحريمًا أشد من تحريم أذى المسلم مطلقًا. (ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا) أي: من كان يؤمن باللَّه الإيمان الكامل المنجي من عذاب اللَّه الموصل إلى رضوان اللَّه فلا يقل (٣) إلا خيرًا، كأمر بمعروف أو صدقة أو إصلاح بين الناس ونحو ذلك. (أو ليصمت) [بضم الميم (٤)] (٥) والمراد أنه إذا أراد أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه، واجبًا كان أو مندوبًا فليتكلم به، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر أنه حرام أو مكروه أو مباح أو مستوي الطرفين، فعلى هذا يكون ترك الكلام المباح مأمورًا بتركه مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا، فإن الإنسان ليقصد الكلام بالمباح الجائز له فيستهويه الشيطان إلى

стр. 12869

غيره استطرادًا، فالصمت سلامة، وأصون الناس لنفسه أملكهم للسانه. [٥١٥٥] (ثنا مسدد وسعيد (١) بن منصور) بن شعبة الخراساني (أن الحارث بن عبيد) أبو قدامة الإيادي البصري المؤدب. قال النسائي وغيره: ليس بالقوي (٢). (حدثهم عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب (الجوني) بفتح الجيم ثم واو ساكنة ثم نون، نسبة إلى جون، بطن من الأزد، وهو الجون بن عوف بن خزيمة بن مالك بن الأزد التابعي (عن طلحة) بن عبد اللَّه بن عثمان، احتج به البخاري، وأخرج هذا الحديث من حديثه (٣). (عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول اللَّه، إن لي جارين بأيهما أبدأ؟ ) ترجم عليه البخاري: باب حق الجوار في قرب الباب. ولفظه: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا" (٤) (قال: بأدناهما بابًا) إليك وإن كان أبعد من جهة الحائط، فقد يكون أقرب، الباب تلقاء الباب وليس ملاصقك جداره. وفيه: دليل على أن الهدية إلى الأقرب بابًا أولى؛ لأنه ينظر هو أو ولده إلى ما يدخل إليك، ويعرف بأحوالك أكثر من الملاصق البعيد الباب، ومن أهدى إلى جاريه فليبدأ بأقربهما بابًا. * * *

стр. 12870

١٣٤ - باب فِي حَقِّ المَمْلُوكِ ٥١٥٦ - حَدَّثَنا زهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الفُضَيْلِ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أُمِّ مُوسَى، عَنْ عَلي ﵇ قالَ: كانَ آخِرُ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "الصَّلاةَ الصَّلاةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ" (١). ٥١٥٧ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ المَعْرُورِ ابْنِ سُوَيْدٍ قالَ: رَأَيْتُ أَبا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ غَلِيظٌ وَعَلَى غُلامِهِ مِثْلُهُ قالَ: فَقالَ القَوْمُ: يا أَبا ذَرٍّ لَوْ كُنْتَ أَخَذْتَ الذي عَلَى غُلامِكَ فَجَعَلْتَهُ مَعَ هذا فَكانَتْ حُلَّةً وَكَسَوْتَ غُلامَكَ ثَوْبًا غَيْرَهُ. قالَ: فَقالَ أَبُو ذَرٍّ: إِنّي كُنْتَ سابَبْتُ رَجُلًا وَكانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّة فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَشَكاني إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "يا أَبا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ". قالَ: "إِنَّهُمْ إِخْوانُكُمْ فَضَّلَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَمَنْ لَمْ يُلائِمْكُمْ فَبِيعُوهُ وَلا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ" (٢). ٥١٥٨ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنِ المَعْرُورِ ابْنِ سُوَيْدٍ قالَ: دَخَلْنا عَلَى أَبي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ فَإِذا عَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلَى غُلامِهِ مِثْلُهُ فَقُلْنا: يا أَبا ذَرٍّ لَوْ أَخَذْتَ برْدَ غُلامِكَ إِلَى بُرْدِكَ فَكانَتْ حُلَّةً، وَكَسَوْتَهُ ثَوْبًا غَيْرَهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِخْوانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمّا يَأْكُلُ وَلْيَكْسُهُ مِمّا يَلْبَسُ، وَلا يُكَلِّفْهُ ما يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفَهُ ما يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ". قالَ أَبُو داوُدَ: وَرَواهُ ابن نُمَيْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ نَحْوَهُ (٣).

стр. 12871

٥١٥٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ قالَ: حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنا ابن المُثَنَّى قالَ: حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ التَّيْمي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصاري قالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلامًا لي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفي صَوْتًا: "اعْلَمْ أَبا مَسْعُودٍ". قالَ ابن المُثَنَّى مَرَّتَيْنِ: "للَّه أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ". فالتَفَتُّ فَإِذا هُوَ النَّبي ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. قالَ: "أَما إِنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَعَتْكَ النّارُ أَوْ: "لَمَسَّتْكَ النّارُ" (١). ٥١٦٠ - حَدَّثَنا أَبُو كامِلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ بِإِسْنادِهِ وَمَعْناهُ نَحْوَهُ قالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلامًا لي أَسْوَدَ بِالسَّوْطِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ العِتْقِ (٢). ٥١٦١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرّازي، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لاءَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُ مِمّا تَأْكُلُونَ، واكْسُوهُ مِمّا تَكْتَسُونَ، وَمَنْ لَمْ يُلائِمْكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ، وَلا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ" (٣). ٥١٦٢ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ بَعْضِ بَني رافِعِ بْنِ مَكِيثٍ، عَنْ رافِعِ بْنِ مَكِيثٍ، وَكانَ مِمَّنْ شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبي ﷺ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "حُسْنُ المَلَكَةِ نَماءٌ وَسُوءُ الخُلُقِ شُؤْمٌ" (٤).

стр. 12872

٥١٦٣ - حَدَّثَنا ابن المُصَفَّى، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ زُفَرَ، قالَ: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ خالِدِ بْنِ رافِعِ بْنِ مَكِيثٍ، عَنْ عَمِّهِ الحارِثِ بْنِ رافِعِ بْنِ مَكِيثٍ، وَكانَ رافِعٌ مِنْ جُهَيْنَةَ قَدْ شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "حُسْنُ المَلَكَةِ نَماءٌ، وَسُوءُ الخُلُقِ شُؤْمٌ" (١). ٥١٦٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمْداني وَأَحْمَدُ بْن عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ -وهذا حَدِيثُ الهَمْداني وَهُوَ أَتَمُّ- قالا: حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَني أَبُو هانِئٍ الخَوْلاني، عَنِ العَبّاسِ بْنِ جُلَيْدٍ الحَجْري، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبي ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ نَعْفُو عَنِ الخادِمِ: فَصَمَتَ ثُمَّ أَعادَ عَلَيْهِ الكَلامَ فَصَمَتَ، فَلَمّا كانَ في الثّالِثَةِ قالَ: "اعْفُوا عَنْهُ في كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً" (٢). ٥١٦٥ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْن مُوسَى الرّازي، قالَ: أَخْبَرَنا ح، وَحَدَّثَنا مُؤَمَّل بْنُ الفَضْلِ الحَرّاني قالَ: أَخْبَرَنا عِيسَى، حَدَّثَنا فضَيْلٌ -يَعْني: ابن غَزْوانَ-، عَنِ ابن أَبي نُعْمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قالَ: حَدَّثَني أَبو القاسِمِ نَبي التَّوْبَةِ ﷺ قالَ: "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَريءٌ مِمّا قالَ جُلِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حَدًّا". قالَ مُؤَمَّلٌ: حَدَّثَنا عِيسَى، عَنِ الفُضَيْلِ، يَعْني: ابن غَزْوانَ (٣). ٥١٦٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا فُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ يِسافٍ، قالَ: كُنّا نُزُولًا في دارِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَفِينا شَيْخٌ فِيهِ حِدَّةٌ وَمَعَهُ جارِيَةٌ فَلَطَمَ وَجْهَها فَما رَأَيْتُ سُوَيْدًا أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ ذاكَ اليَوْمَ قالَ: عَجَزَ عَلَيْكَ إِلَّا حُرُّ وَجْهِها؟ لَقَدْ رَأَيْتُنا سابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ وَلَدِ مُقَرِّنٍ، وَما لَنا إِلَّا خادِمٌ، فَلَطَمَ أَصْغَرُنا وَجْهَها فَأَمَرَنا النَّبي ﷺ بِعِتْقِها (٤).

стр. 12873

٥١٦٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَني سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قالَ: حَدَّثَني مُعاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ قالَ لَطَمْتُ مَوْلًى لَنا فَدَعاهُ أَبي وَدَعاني فَقالَ: اقْتَصَّ مِنْهُ فَإِنّا مَعْشَرَ بَني مُقَرِّنٍ كُنّا سَبْعَةً عَلَى عَهْدِ النَّبي ﷺ وَلَيْسَ لَنا إِلَّا خادِمٌ. فَلَطَمَها رَجُلٌ مِنّا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْتِقُوها". قالُوا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنا خادِمٌ غَيْرَها. قالَ: "فَلْتَخْدُمْهُمْ حَتَّى يَسْتَغْنُوا، فَإِذا اسْتَغْنَوْا فَلْيُعْتِقُوها" (١). ٥١٦٨ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَأَبُو كامِلٍ قالا: حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ فِراسٍ، عَنْ أَبي صالِحٍ ذَكْوانَ، عَنْ زاذانَ قالَ: أَتَيْتُ ابنِ عُمَرَ وَقَدْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا لَهُ فَأَخَذَ مِنَ الأَرْضِ عُودًا أَوْ شَيْئًا فَقالَ: ما لي فِيهِ مِنَ الأَجْرِ ما يَسْوى هذا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ" (٢). * * * باب في حق المملوك [٥١٥٦] (ثنا زهير بن حرب) النسائي، شيخ الشيخين (وعثمان بن أبي شيبة قالا: ثنا محمد (٣) بن الفضيل) مصغر، ابن غزوان الضبي الكوفي (عن مغيرة) بن مقسم بكسر الميم، الضبي، الكوفي (عن أم موسى) قيل: اسمها حبيبة، سرية علي بن أبي طالب. (عن علي، قال: آخر كلام رسول اللَّه ﷺ : الصلاة الصلاة) منصوبان على الإغراء بفعل محذوف لا يجوز إظهاره، تقديره: الزموا. وشبهه: الحلة الحلة. أي: البسوا.

стр. 12874

قال الفراء: الصلاة الصلاة، وجميع الأسماء من المصادر وغيرها إذا نويت فيها الأمر نصبت، وأما الأسماء فقولك: اللَّه اللَّه يا قوم. ولو رفع على: هو اللَّه. فيكون خبرًا (١) فيه معنى الأمر، فيجوز. ومثله: يا هؤلاء الليل الليل، فبادروا (٢). و(اتقوا اللَّه) والزموا الصلاة وراقبوه (فيما ملكت أيمانكم). وفي الصحيحين من حديث [أنس: كان آخر وصية] (٣) رسول اللَّه ﷺ [حين حضره الموت] (٤): "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" (٥). ولهما من حديث أبي ذر: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" (٦). لفظ رواية مسلم، والمراد: احفظوا الصلاة بالمواظبة وما ملكت أيمانكم بحسن الملكة، والقيام بما يحتاجون إليه. وقيل: أراد ﷺ حقوق الزكاة وإخراجها من الأموال التي تملكها الأيدي، كأنه ﷺ أعلم بما يكون من أهل الردة، وإنكارهم وجوب الزكاة، وامتناعهم عن أدائها إلى القائم بعده بقطع حجتهم، بأن جعل آخر كلامه الوصية بالصلاة والزكاة، فقرنهما. وعلى التفسير الأول قرن بين الصلاة ونفقة المماليك؛ ليعلم أن لا

стр. 12875

سعة في ترك نفقتهم، كما لا سعة في ترك الصلاة. [٥١٥٧] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن المعرور (١) بن سويد) الأسدي الكوفي (قال: رأيت أبا ذر) جندب بن جنادة الغفاري (بالربذة) بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة، موضع خارج المدينة بينها وبينها ثلاث مراحل، وهي التي جعلها عمر حمى لإبل الصدقة. وروى الزهري أن عمر حمى السرف والربذة. ذكره البخاري (٢)، وبالربذة توفي أبو ذر ﵁ وحده لما نفي من المدينة، ليس معه إلا امرأته وغلام له، كما أنذره النبي ﷺ به في غزوة تبوك، فإن أبا ذر لما أبطأ عليه بعيره أخذ متاعه، فحمله على ظهره، ثم سار يتبع أثر رسول اللَّه ﷺ ، فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول اللَّه، هذا رجل يمشي على الطريق، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كن أبا ذر" فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول اللَّه، هو واللَّه أبو ذر. فقال: "يرحم اللَّه أبا ذر، يمشي وحده [ويموت وحده] (٣) ويبعث وحده" (٤). (وعليه برد غليظ، وعلى غلامه مثله) فيه: فضيلة كسوة الخادم مثل كسوة (٥) السيد، فإنه أخوه في الإسلام (فقال القوم: يا أبا ذر، لو كنت

стр. 12876

أخذت) البرد (الذي على غلامك فجعلته مع هذا) الذي عليك (فكانت حلة) بالنصب، لفظ "الصحيح": لو جمعت بينهما كانت حلة (١). وإنما قال (٢) ذلك؛ لأن الحلة عند العرب لا تكون إلا من ثوبين، ولا يطلق على ثوب واحد. (وكسوته ثوبًا غيره. فقال أبو ذر: إني كنت ساببت رجلًا) وهو بلال ابن رباح مؤذن رسول اللَّه ﷺ (وكانت أمه أعجمية) وهي حمامة، ذكرها أبو عمر فيمن كان يعذب في اللَّه، فاشتراها أبو بكر فأعتقها (٣) (فعيرته بأمه) قال بعضهم: الصحيح: عيرت فلانًا أمه، وقد جاء في شعر عدي بن زيد متعديًا بالباء (٤)، كما في الحديث في قوله: أيها الشامت المعير بالدهر (٥) واعتذر عن هذا البيت بأن قائله عبادي ولم يكن فصيحًا. والعباد بفتح العين قبائل شتى من بطون العرب، اجتمعوا على النصرانية بالحيرة، ولا يعتبر هذا القول، فقد صح قوله ﷺ : "أعيرته بأمه" (٦) ونقله أبو ذر عنه وعن نفسه، فلا معنى لإنكار ذلك. (فشكاني إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية) أي: فيك خصلة من خصالهم. يعني بها: تعييره بأمه، فإن الجاهلية كانوا

стр. 12877

يعيرون بالآباء والأمهات، وذلك شيء أذهبه الإسلام، لقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) وقوله ﷺ : "إن اللَّه أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب" (٢) كما تقدم. (فقال: إنهم إخوانكم) يعني: العبيد والإماء المؤمنين إخوانكم في الإيمان باللَّه وشرائع الإسلام (فضلكم اللَّه عليهم) بتمليككم إياهم، ولو شاء ملكهم إياكم. وفيه تقديم الحر على العبد في الجهاد وإمامة الصلاة، وتقديم جنازته وغير ذلك؛ لفضيلة الحرية. (فمن لم يلائمكم) بالهمز ثم يخفف بقلبه ياء، أي: من لم يوافقكم في الخدمة وحسن المعاشرة. وقوله: (فمن لم يلائمكم) إلى آخره هو من أفراد المصنف (فبيعوه) أي: أخرجوه عن ملككم بالبيع والهبة والعتق ونحو ذلك. وقد يؤخذ منه أنه لا يعتق إلا من كان قادرًا على التكسب دينًا، وقد يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٣) (ولا تعذبوا خلق اللَّه) فيه أن كل ما خلقه اللَّه من حيوان وغيره فلا يمتهن ولا تعذب الدواب، خصوصًا الآدمي الذي أكرمه اللَّه بالإيمان، والعلة في ذلك كونه منسوبًا إلى اللَّه تعالى، فلا يضرب الرقيق ولا يجوع ولا يعرى؛ لكونه

стр. 12878

غير موافق، بل يباع ويعين ما فيه من العيوب للمشتري. [٥١٥٨] (ثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق، كان يحج سنة ويغزو سنة. (ثنا الأعمش، عن المعرور) بفتح الميم وسكون العين المهملة، ابن سويد، تقدم. (قال: دخلنا على أبي ذر ﵁) وهو (بالربذة) التي توفي بها، كما تقدم (فإذا عليه برد) غليظ (وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر، لو أخذت برد غلامك) فيه أنه يقال: غلام وخادم، ولا يقال: عبدك. فإن الخلق كلهم عبيد اللَّه وجمعته (إلى بردك فكانت حلة) بالنصب أي: لصارت حلة كاملة عليك (وكسوته ثوبًا غيره) من أي نوع كان. (قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول) هم (إخوانكم) لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) فيه أن الأخ في الدين يكرم، فإن كان أخًا في النسب أو الرضاع فيكون أعظم في الإكرام. (جعلهم اللَّه تحت أيديكم) خدمة وأتباعًا (فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليكسه) بضم السين وكسرها (من) جنس (ما يلبس) بفتح الموحدة، أي: من نوع ما يأكل وما يلبس، وهذا الأمر على الندب؛ لأن السيد إذا أطعم عبده أدنى ما يأكله، وكساه أقل مما يلبسه صفة ومقدارًا لم يذمه أحد، فإنه إذا أطعمه وكساه كفايته فقد قام بواجبه عليه، وإنما موضع الذم إذا منعه ما يقوم به أوده ويدفع به ضرره، كما نص ﷺ بقوله: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك

стр. 12879

قوتهم" (١) وإنما هذا على مكارم الأخلاق وإرشاد إلى سبيل الإحسان والتواضع؛ حتى لا يرى لنفسه مزية على عبده؛ إذ الكل عبيد اللَّه، والمال مال اللَّه، وإنما ملك بعضهم لبعض، وسخر بعضهم لبعض؛ إتمامًا للنعمة، وتقييدًا للحكمة. (ولا يكلفه ما يغلبه) أي: مما لا يطيقه، وظاهره التحريم (فإن كلفه ما يغلبه فليعنه) أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه ما لا يطيقه، فإن كلفه ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره. قوله: (فإن كلفه) أي: إن أخطأ في إيقاع تكليفه فليرفع عنه ذلك بالإعانة، فإن لم يمكنه ذلك فليخرجه عن ملكه بالبيع والعتق وغيره. (قال) المصنف (رواه) عبد اللَّه (ابن نمير، عن الأعمش نحوه) لما تقدم. [٥١٥٩] (ثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني (وثنا) محمد (ابن المثنى، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه) (٢) يزيد بن شريك التيمي، الكوفي (عن أبي مسعود) عقبة ابن عمرو الأنصاري البدري. (قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا) يقول (اعلم) بهمزة وصل وفتح اللام (أبا مسعود) منادى حذف حرف النداء منه، وفيه المبادرة بالنهي بارتفاع الصوت قبل أن يصل إلى مجلس التخاطب، وكذا المبادرة بالنهي من خلفه قبل أن يستقبله.

стр. 12880

(قال) محمد (ابن المثنى) قال (مرتين) واللَّه (للَّه) بفتح اللام في (للَّه) جواب القسم (أقدر عليك منك عليه) أي: أقدر عليك بالعقوبة من قدرتك على ضربه، ولكنه يحلم إذا غضب، وأنت لا تقدر على الحلم والعفو عنه إذا غضبت. (فالتفت) إلى صاحب الصوت (فإذا هو النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه: هو حر لوجه اللَّه تعالى) فيه: أن من وقعت منه سيئة من جهة شيء فليتصدق به ويخرج عنه للَّه تعالى، كمن صلى فرأى في صلاته بستانًا فالتهى به عن الخشوع في الصلاة فخرج عنه وتصدق به، وكذلك من شغله شيء حتى خرجت الصلاة فليتصدق به. وفيه: مراعاة قلب المعلم والتقرب إليه بما يدخل السرور عليه. (قال: أما واللَّه لو لم تفعل للفعتك النار) أي: شملتك من نواحيك، كما تلفع الرجل بالثوب إذا التحف به حتى جلل جميع جسده، ولفظ مسلم: "للفحتك النار" (١) أي: مستك، والعين تبدل من الحاء؛ لقرب مخرجهما. (أو) قال الراوي: (لمستك النار) يعني: يوم القيامة. وفيه تنبيه على أن الذي فعله من ضرب غلامه على ما لا يستحقه حرام، فكأنه تعدى في أصل الضرب بأن ضربه على ما لا يستحق، أو زاد في صفة الضرب على المستحق، ولا يختلف في أن تأديب العبد بالضرب والحبس وغيرهما جائز إذا وقع في محله وعلى صفته.

стр. 12881

[٥١٦٠] (ثنا عبد الواحد (١)، عن الأعمش بإسناده) المذكور (ومعناه نحوه) و (قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط) فيه: النهي عن الضرب بالسوط للغلام وغيره، وفي الحديث: "أول من يدخل النار السواطون" (٢) قيل: هم الشرط الذين يكون معهم الأسواط يضربون بها الناس (ولم يذكر أمر العتق) المذكور. [٥١٦١] (ثنا محمد بن عمرو) أبو غسان، زنيج (الرازي) شيخ مسلم (ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن مورق) (٣) بتشديد الراء ابن مشمرج بضم الميم وفتح المعجمة وسكون الميم وكسر الراء بعدها جيم، العجلي. (عن أبي ذر، قال رسول اللَّه ﷺ : من لاءمكم) أصله الهمز، ثم يخفف بإبدال الياء، يقال: هو لا يلايمني. أي: لا يوافقني، وأما يلاومني بالواو فلا وجه له هنا؛ لأنه من اللوم (من مملوكيكم (٤)، فأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون" وهو محمول على الاستحباب بإجماع المسلمين دون الإيجاب. (ومن لم يلايمكم منهم فبيعوه) أو هبوه أو أعتقوه، ونحو ذلك مما يخرج عن الملك (ولا تعذبوا خلق اللَّه) بالضرب بالسوط ونحوه.

стр. 12882

[٥١٦٢] (ثنا إبراهيم بن موسى) الرازي الفراء، شيخ الشيخين (أنا عبد الرزاق، أبنا معمر، عن عثمان بن زفر) بضم الزاي وفتح الفاء، غير منصرف؛ لأنه معدول عن زافر، التيمي، قال أبو حاتم: صدوق (١) (عن بعض بني رافع) قال شيخنا ابن حجر (٢): هو محمد بن خالد بن رافع (ابن مكيث) بفتح الميم وكسر الكاف وسكون المثناة تحت بعدها ثاء مثلثة (عن رافع بن مكيث) الجهني (وكان ممن شهد الحديبية) ﵁. (أن النبي ﷺ قال: حسن الملكة) بفتح الميم واللام، أي: حسن الصنيع إلى مماليكه والصحبة لهم بالمعروف (نماء) بفتح النون وتخفيف الميم والمد، أي: زيادة رزق وأجر وارتفاع منزلة عند اللَّه، يقال: نما الشيء ينمو نموًّا، وينمى نماءً، وهو الزيادة والكثرة. (وسوء الخلق) مع المملوك (شوم) أصل الواو في الشؤم همزة، ولكنها خففت فصارت واوًا، وغلب عليها التخفيف حتى لم ينطق بها مهموز (٣). والشؤم ضد اليمن والبركة. ورواية الإمام أحمد: "لا يدخل الجنة سيِّئ الملكة" (٤). [٥١٦٣] (ثنا) محمد (ابن المصفَّى، ثنا بقية) بن الوليد (ثنا عثمان بن زفر، قال: حدثني محمد بن خالد بن رافع بن مكيث، عن عمه الحارث بن

стр. 12883

رافع بن مكيث) الجهني (وكان) أبوه (رافع من) قبيلة (جهينة قد شهد الحديبية مع رسول اللَّه ﷺ ، عن رسول اللَّه: حسن الملكة نماء) وفي بعض النسخ: "يمن" أي: بركة (وسوء الخلق) على المملوك (شوم). [٥١٦٤] (ثنا أحمد بن سعيد) بن بشر (الهمداني) بسكون الميم المصري، صدوق (وأحمد بن عمرو بن السرح، -وهذا حديث) أحمد (الهمداني، وهو أتم-، قالا: ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب، أخبرني أبو (١) هانئ) حميد بن هانئ (الخولاني عن العباس بن جليد) بضم الجيم وفتح اللام مصغر (الحجري) بفتح المهملة وسكون الجيم، مصري، ثقة. (قال: سمعت عبد اللَّه بن عمر) ﵄ (يقول: جاء رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، كم نعفو) لفظ الترمذي: "كم أعفو" (٢) (عن الخادم؟ ) إذا أذنب. (فصمت) [بفتح الميم] (٣) (ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كان في) المرة (الثالثة قال: اعفوا) وهذِه الواو التي في آخره واو ضمير الجمع (عنه في كل يوم سبعين مرة) يحتمل أن يقال: ليس المراد بالعدد تعين العدد المحصور، فإن السبعين تستعمل لمجرد الكثرة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (٤) والمراد -واللَّه أعلم- الاستغفار الكثير دون حصر هذا القدر وعدده، وكذا المراد هنا أن

стр. 12884

تعفو عن كل ما يقع منها زاد على السبعين أو نقص. [٥١٦٥] (ثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: أنا، ح، وثنا مؤمل بن الفضل الحراني) أبو سعيد. قال أبو حاتم: ثقة رضًا (١). (ثنا عيسى) (٢) بن يونس بن أبي إسحاق (ثنا فضيل بن غزوان) الضبي مولاهم (عن) عبد الرحمن (ابن أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة، البجلي الزاهد. (عن أبي هريرة قال: حدثني أبو القاسم نبي التوبة) وفي رواية: نبي الرحمة (٣). ومعناهما متقارب، ومقصودهما أنه ﷺ جاء بالتوبة وبالتراحم، وكانت توبة من قبلنا بقتل أنفسهم، فرفع اللَّه هذا الأمر عن هذِه الأمة ( ﷺ ، قال: من قذف مملوكه) بالزنا، كذا رواية مسلم (وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة) لفظ مسلم: "يقام عليه الحد يوم القيامة" (٤). قال النووي: فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، لكنه يعذب قاذفه، لأن العبد ليس بمحصن، وسواء في هذا كله من هو كامل الرق، وليس فيه سبب حرية والمدبر والمكاتب وأم الولد، ومن بعضه حر، هذا في حكم الدنيا، وأما في الآخرة فيستوفى له الحد من قاذفه؛ لاستواء الأحرار والعبيد في

стр. 12885

الآخرة (١) (حدًّا) كاملًا. (قال مؤمل) بن الفضل (ثنا عيسى، عن الفضيل به) أي: بما تقدم. [٥١٦٦] (ثنا مسدد، ثنا فضيل بن عياض) التميمي الخراساني، أخرج له الشيخان (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرحمن، أبي الهذيل، السلمي، الكوفي (عن هلال بن يساف) بفتح الياء وكسرها وتنوين آخره، ويقال أيضًا: إساف، الأشجعي، أخرج له مسلم. (قال: كنا نزولًا في دار سويد بن مقرن) بضم الميم وتشديد الراء المكسورة، ابن عائذ المزني، أخو النعمان، هاجر هو وإخوته السبعة. (وفينا شيخ فيه حدة) بكسر الحاء وتشديد الدال، وهي كالنشاط والسرعة في الأمور، والمضاء فيها، مأخوذ من حد السيف السريع القطع والإمضاء، والمراد بالحدة هاهنا وفي حديث "الحدة تعتري خيار أمتي" (٢) الصلابة في الدين والقصد إلى الخير، ويدل عليه رواية مسلم: عجل شيخ فلطم خادمًا له (٣) (ومعه جارية) يعني: مملوكة له (فلطم وجهها) أي: ضرب وجهها بباطن راحته. (فما رأيت سويدًا) بن مقرن (أشد) بالنصب (كضبا منه ذلك اليوم) فيه فضيلة شدة الغضب في الدين وسرعة الغيظ للَّه تعالى.
следующие страницы →