← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

(وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لَهُمُ الصَّلاة) (١) فيه إثبات الإقَامَة للفَائتة، وليْسَ فيه خلاف؛ لأن الإقَامَة لاستفتاح الصَّلاة وهوَ مَوْجود في كل صَلاة، وفيه إشارة إلى ترك الأذَان للفائتة؛ لأنه لم يذكرهُ، ولو وَقَع لَذَكرهُ وهذا هُوَ الجديد مِن مَذهَب الشَافِعي (٢). (وَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ) فيه اسْتحباب الجماعَة في الفائتة لكن لا يتأكد تأكدهَا للمقيم. (فَلَمَا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: مَنْ (٣) نَسِيَ صَلاة) زاد مُسْلم في روَاية: "أو نامَ عَنهَا" (٤). (فَلْيُصَلِّهَا) بلام الأمر [قد تمسك] (٥) بدَليل الخطاب منهُ القائل: إن العَامِد (٦) لَا يقضي الصَّلاة؛ لأنَّ انتفَاء الشرط يَستلزم انتفَاء المشرُوط فَيلزم منه أن مَن لم ينس ولَم ينم لا يُصَلي. وأجَابَ مَنْ قَال أن العَامد يَقضِي بأن ذَلكَ يُسْتفادُ مِن مَفهُوم الخِطَاب فيَكونُ مِن بَاب التنبيه بالأدنى عَلى الأعلى؛ لأنه إذا وجَبَ عَلى الناسي مَعَ سُقوط الإثم وَرَفْعَ الحرج عنهُ فالعَامِد أولى وادَّعَى بَعضهم أن وجُوب القَضَاء عَلى العَامد يُؤخذ من قوله نَسي؛ لأن النسْيَان يُطلق على الترك سَوَاء كانَ عَن ذهول أم لا ومنهُ قَولهُ تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ

стр. 1577

أَنْفُسَهُمْ﴾ (١)، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٢). ويقوِّي ذلك قوله: "لا كفارَة لهَا إلا ذلكَ" (٣). لأن الكَفارَة لا تكون إلا عَن ذنب غالبًا والناسِي والنائم لا إثم عَليَهمَا وتعقب بأن الكَفارة تكون عَن الخَطأ كما تكون عَن العَمد، والخَطأ لا إثم عليه؛ لأن اللهَ تجاوَز عنه، والقائل: أن العَامد لَا يَقضي لم يُرِد أنهُ أخَفُّ حَالا مِنَ الناسِي بَل يقول: إنهُ لَو شُرعَ لهُ القضاء لكانَ هوَ والناسِي سَوَاء، والنَاسِي غير مَأثوم بخلاف العَامد، فالعَامد أسوأ حَالًا مِنَ النَاسي فكيفَ يسَتويان (٤). (إِذَا ذَكرَهَا) جَعَل إذا ظرفًا للإتيان بالصَّلاة إمَّا وجُوبًا إن كانَ ذلك بلا عذر بأن نسيت بالنوم الذي تركها به كما تقدم في النوم قبيل (٥) العشَاء أو نسيت في الأمر الذي اقتضى نسيَانها وَليسَ المُرَاد الإتيان بجَميع الصَّلاة في وَقت التذكر وهوَ اللحظة اليَسيرة، بل (٦) المراد الابتداء بهَا والشروع فيهَا أو في مُقَدمَاتها عَقيبه (٧) فيقدر ذلك الظرف متسعًا يسَع التذكر (٨) والشروع المذكور عقبه. قالَ الشيخ شمس الدين البرمَاوي مَتع اللهُ ببَقائه: وعَلى هذا

стр. 1578

التقدير (١) يكون الأمر في قوله: فَليُصَلهَا مُستَعملًا في حَقيقته وهوَ الوجُوب ولا يقدح فيه كون المتروكة بعذر يندبُ قضَاؤها على الفَور؛ لأن يرخص تَأخيرهَا في هذِه الحَالَة إنما هُوَ بأمر آخر فيكون كالموسع في تعَلق الوجُوب بأول الوَقت وَجَوَاز الفعل في ثاني الوقت مَعَ استحبَاب أوله، وليسَ هوَ باعتبار كونه مَندُوبًا مِن استعمال الأمر في الوجُوب والندب، فيَكون من إطلاق اللفظ عَلى حَقيقته ومجَازه. (فَإِن اللَّه تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾) بلام مُكررَة وتشديد الذال المُعجمة [وعلى قراءة الجمهور بلام واحدة (٢)] (٣) وسُكون الكاف (٤) وللمفَسرين فيهَا أقوال كثيرة أقوَاهَا الذي يرشد إليه كلام الشافعي أن المعنَى: أَقِمِ الصلاةَ حينَ (٥) تذكرهَا وهو ظاهِر كلام الشافِعِي في "الرسَالة" فإنهُ قال: قال النَّبِي ﷺ : فليصَلهَا إذا ذَكرَهَا. فَجَعَل ذَلكَ وقتًا لهَا وأخبرَ به عَن الله تعالى ولم يَستثن وقتًا مِنَ الأوقات يدعهَا (٦) فيه بَعد ذكرهَا (٧). ومن ثم قَالَ البَاجي (٨): إنه أثبت الأقوَال؛ لأن النبي ﷺ احتج بقَول

стр. 1579

الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ وقررهُ صَاحِب "الكمال" (١) بأن المعنى لتذكري لكَ إياهَا وقد اختلف في ذكر هذِه الآية هَل هي من كلام قتادَة أو هي من قَول النَّبي ﷺ ففي روَاية لمُسْلم عَن هداب (٢). قال قتادَة: أَقِمِ الصَّلاة لذكرى (٣) وفي روَاية لمُسْلم مِن طَرِيق (٤) المثنى عَن قتَادَة، قال رَسُول الله ﷺ : إذا رقد أحَدكم عَن الصلاة أو غفل عَنها فليُصَلهَا إذا ذكرهَا فإن الله يَقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٥). (قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابن شِهَابٍ) الزُّهري (يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ) ثم فسَّر قراءة الزُهري. فقَالَ (قال أَحْمَدُ) بن صَالح (قَالَ: عنبسة) بن خالد الأيلي (عن) عَمه (يُونُسَ فِي هذا الحَدِيثِ للذكرى) بلامين وفتح الراء بعدَهَا ألف مقصُورة، أي: لذكري (٦) لكَ إياهَا، وقال النخعي: [قراءة الزهري تأنيث للذكر وقال] (٧) اللام للظرف أي: أَقِمِ الصَّلَاةَ [إذا ذكرتني، أي: إذا ذكرت أمري بَعد مَا نَسيته (٨). ويحتمل أن يَكون المرَاد أقم الصَّلاة] (٩) إذا ذكرتها عند (١٠) سماع المؤَذن وإن لم تفعَلهَا فاعزم عَلى

стр. 1580

فعلهَا في أثناء الوَقت. قال ابن السَّمعَاني: ومَا لم يَكن عَلى هذا العَزم لا يَجوز له تَرك الصَّلَاة في أول الوَقت. (قَالَ أَحْمَدُ): أحَد الروَاة (الْكَرَى) هوَ (النعَاسُ)، أو قيل النوم كما تقدم] (١). [٤٣٦] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي، (قال: ثَنَا أَبَانُ، قالَ: ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هذا الخَبَرِ قَالَ) أبو هريرة (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : تَحَوَّلُوا) خطَاب لأصْحَابه الكائنين (٢) مَعَهُ خاصَّة لا يتَعدى إلى غَيرهم؛ لأنهُ كانَ بسبب عَلِمهُ النَّبيُّ ﷺ بحضور الشيطَان فيه، وغيره لا يَعلم ذلك فلا يتَعدى إليه ذَلكَ الحكم. قال القرطبي: وإلى مَعنى ما ذكرناهُ ذَهَبَ الدَاوودي (٣) وغَيره من أصحَابنَا في تَأويل الحَديث (٤). (عَنْ مَكَانِكُمُ الذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الغَفْلَةُ) اسْتدلَّ بهِ عَلى جَوَاز تَأخِير الفَائتة لعذر عَن وَقت ذكرهَا إذَا لم يكن عن تغافل أو استهانَة. قالَ القرطبي: أخذَ بهذا بَعْض العُلماء فقال من انتبهَ مِن نَوم عَن صَلاة فاتته في سَفر فليَتحول عَن مَوضعه، وإن كانَ وادِيًا فليخرج عنهُ، وقيل: لَا يلزَم إلا في ذَلك الوَادي بِعَينه انتهى (٥). وكرهَ الغزالي الصلاة

стр. 1581

في بَطن الوَادي لهذا الحَديث (١). قال السُّبْكي: وأنكروه عَلَيه، وقالوا: إنما كرهَ الشافعي الصَّلاة في الوَادي الذي نامَ فيه عَن الصَّلاة لا في كل وَاد (٢)، وقيل هذا مُختَصّ بالنَّبي ﷺ دُونَ غَيره؛ لأنه لا يعلم ذلك مِن حَال ذلك الوَادي ولا غَيره إلا هُو، وقد اسْتَدل به عَلى أن مَن حَصَلت لهُ غَفلَة أو سَهوَ في مَكان عَن عبَادَة اسْتحبَّ له التحول عنهُ، ومنهُ أمر الناعس في سَمَاع الخُطبة يَومَ الجُمعَة بالتحول من مكانه إلى مكان آخر. قالَ السُّبْكي: اتفقت الأصحَاب على كراهية الصلاة في مَأوَى الشيطان مثل مَواضع الخَمر والكانة ومَوَاضِع المكوس ونَحوهَا مِنَ المعَاصِي الفَاحِشة والكنَائس والبِيَع (٣) أحق الأشياء بذَلكَ، وأخذوا ذَلكَ من قوله: فإن فيه شيطان. كما وَرَدَ في رِوَاية مُسْلم (٤). والموَاضِع التي أصَابت الإنسَان فيهَا الغَفلة، هي من حُضور الشيطان فيه واللهُ أعلم. (قَالَ: فَأَمَرَ بِلالا فَأَذَّنَ) أسْتدل به عَلى الأذان للفَوَائت وهوَ القَديم من مَذهب الشافِعِي. قَال النوَوي: وهوَ الأظهرَ لهذا الحَدِيث (٥). قال السّبكي: كنتُ أَوَدُّ (٦) لو وجدت روَاية فيهَا الجمع بينَ الأذان

стр. 1582

والإقامة فإني أجوز أن يَكونَ المراد في الحَدِيث الإقامة واسْتَدلوا عَليه بجمعه ﷺ المغرب والعشَاء بِمُزدَلفة بأذان وإقامَتَين رَوَاهُ مُسْلم (١). قَال: وقد رَأيتُ الجَمع بَيْنَ الأذان والإقامَة الثانية مِن فعل (٢) عُمَر، رَوَاهُ الخَطيب في "تالي التلخيص" (٣) بسَنَد جيد إلى زَيد بن الصَّلت، عن عُمَر ﵁ وَأَقَامَ. هَكذَا في روَاية أبي دَاود الجمع بينهما، وحَكاهُ عَنهُ ابن دَقيق العيد في "الإلمام" (٤) ولعَل السُّبكي لم يُرَاجع (٥) أبَا دَاود (وَصَلَّى) أي: بالناس. (ورَوَاهُ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالأَوْزَاعيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ و) محمد (ابْنِ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الأَذَانَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ) في (هذا) الحَدِيث (ولم يسنده مِنْهُم أحَد إلا الأَوْزَاعِيُّ [وأبان العطار)] (٦) وهوَ ابن يزيد البَصْري روى له الشيخان (عَنْ مَعْمَرٍ) عَن الزهري. [٤٣٧] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي (قال: ثَنَا حَمَّادٌ) ابن سَلمة (عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ) بضَم الباء (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ رَبَاحٍ الأنصَارِيِّ، قال: ثَنَا أَبُو قَتَادَةَ) الحَارث بن ربعي ﵁. (أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ له) (٧) زَادَ مُسْلم فبَينما هوَ يسير حَتى

стр. 1583

ابهارَّ (١) الليل وأنا إلى جنبه فنَعسَ (٢) (فَمَالَ النَّبي ﷺ ) عَن رَاحِلته (وَمِلْتُ مَعَهُ) وصرْتُ له كالدِّعَامَة تحته زادَ مُسْلم (٣) حَتى كادَ أن ينجفل (٤) أي: قَارَبَ أن يَقَع. (فَقَالَ: انظُرْ) (٥) زَادَ مُسْلم: هَل ترى مِن أحَد (٦). (فَقُلْتُ: هذا رَاكِبٌ) ثم نظرت فقلتُ (هَذَانِ رَاكبَانِ) ثم نظرت وقلت (هؤلاء ثَلاثة حَتَّى) اجتمعنَا و (صِرْنَا سَبْعَةً) بالنصب ركب وَيشبه أن يَكون انتظرهم بالنزُول حَتى صَارُوا سَبْعَة [لعل انتظارهم] (٧) لِيَكونوا أثبَت وأقوى على مُرَاقبَة العَدُو؛ كيلا يدهمهم وهمُ نَائمون وعلى حفظ وقت الصلاة. (فَقَالَ: احْفَظُوا عَلَينَا صَلَاتنَا) زادَ مُسْلم: فَمَال رَسُول الله ﷺ عَن الطَّرِيق فَوَضَعَ رَأسَهُ ثمُ قَالَ: "احفظُوا عَلَينَا صَلاتنا" زادَ أحمد في روَايَة وَرِجَالهُ رجَال الصَّحِيح: فقالَ أبو قتادة قلتُ: نعم يَا رَسُول الله، قالَ: "حَفظك الله كلما حَفظتنا مُنذ الليلَة" ثم قالَ: لا أرَانا إلا قد شققنا عَليك ثُمَّ مَال (٨) عَن الطريق، فأناخ رَسُول الله ﷺ رَاحِلَته فتوسدَ كل

стр. 1584

رَجُل منا درَاع رَاحِلَته (١). وهذا يَدُل عَلَى أنَّ هذِه القِصَّة غَير قصة أبي هُريرَة المتَقَدمَة فإنَّ فيهَا أنَّ بِلالا هُوَ الذي كلأ لهم الفَجر وفي هذا الحَديث أن السَّبعة حفظوهُ. وَرَوَى الطبراني من حَدِيث عَمْرو بن أميَّة: أنَّ الذي كلأ لهُم الفَجر ذُو مخبر بكَسْر الميم وسُكون الخاء المُعجمة، وفيهَا قالَ ذُو مخبَر: فما أيقظنِي إلا حَر الشمس فَجئت أدنى القَوم فأيقظتهُ وأيقظ الناس بَعضهم بَعضًا حَتى استيقظ رَسُول الله ﷺ (٢). وتكلم العُلماء في الجَمع بين حَديث النوم هذا وحَديث: "إن عَيني تنامَان، ولا ينام قلبي" (٣). وأجَابَ النوَوي: بأن القلب إنما يدْرك الحسيات المتَعلقة بِهِ كالحَدَث والألم ونحوهما ولا يدرك مَا يتعلق بالعَين (٤). وأجَابَ ابن دَقيق العيد: بأنَّ عَيني تنَامَان ولا ينَام قَلبي. خَرَجَ جَوابًا عن قول عَائشة أتنَام قبل أن توتر، وهذا كلام لا تعلق لهُ بانتقاض الطهَارة الذي تكلمُوا فيه، وإنما هوَ جَوَاب يتعلق بأمر الوتر فَتُحمل يقظته عَلى تعلق القلب باليقظة للوتر، وفَرْقٌ بين من شرع في النوم مُطمئن القلب به وبَينَ مَن شرَعَ متعَلقًا باليقظة، قال: وعلى هذا فلا تعَارض بل يحمل حَديث النوم حَتى طلعَت الشمس بأنه اطمأن في نَومه لما أوجَبَهُ

стр. 1585

تعب (١) السير مُعتمدًا على من وكلهُ بكلاءة الوقت. ومِنَ الأجوبة الضَعيفَة قَول مَنْ قَال كان قلبهُ يقظَانًا وعلم (٢) بِخُرُوج الوَقت لكن ترك إعلامهم بذلك قَصْدًا لمَصْلَحة التشريع (٣). (يَعْنِي: صَلاة الفَجْرِ فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ) أي: بُعِثَ عليهم النَّومُ فلم يَسْتَيقظُوا. (فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ) تَقدم الجَمع بَينه وبينَ حَديث: "إنَّ عيني تنَامَان ولَا ينَام قلبي". (فَقَامُوا فَسَارُوا هُنَيَّةً) قَالَ النوَوي: هوَ بِضَم الهَاء وَفتح النون وتشديد الياء أي: سَاعة لَطيفة وأصْلهُ: هنوة تصغير هنة فَلَما صُغِّرت صَارَت هنيوة فاجتمعت وَاو وياء وسبقت إحدَاهما بالسُكون فوَجب قلب الواو ياء فاجتمعَت ياءان فأدغمت إحْدَاهما في الأخرى وصَارت هنيَّة ومَن همزهَا فقد أخطَأ ورَوَاهُ بَعْضهم: هنيهة وهوَ صَحيح (٤). (ثُمَّ نَزَلُوا فَتَوَضئُوا وَأَذنَ بِلَالٌ) بالصَّلَاة (فَصَلَّوْا رَكعَتَي الفَجْرِ) أي: سُنة الصُبْح فيه دلالة عَلى قضاءِ السُّنة الراتبة في السَّفَر كمَا في الحضَر. (ثُمَّ صَلَّوا الفَجْرَ) روَايَة مُسْلم: ثُمَّ صَلى الغدَاة فصَنَع كما كانَ يَصْنَع كُل يوم (٥) (وَرَكبُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ) روَاية أحمد المتَقَدمَة فقال: يعني

стр. 1586

بِلال فقلت: يَا رَسول الله، هَلكنا (١). (قَدْ فَرَّطْنَا فِي صَلَاتنَا. فَقَالَ رسول الله ﷺ : إِنَّهُ لَا تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ) فيه دَليل لما أجمَع عَليه العُلماء أن النائم ليسَ بمكلف وإنمَا يَجبُ عَليه قضاء الصَّلاة ونحوهَا بأمر جَديد هذا هُوَ (٢) المذْهَب الصَّحِيح المختَار عند أصحاب الفقه، والأصُول، ومنهم من قالَ: يَجِبُ القَضاء بالخَطاب الأول، وهذا يُوَافِق عَلى أن النائم غَير مُكَلَّف فَإذَا أتلفَ النَّائم برجله (٣) أو غَيرهَا شَيئًا في حَالِ نومِهِ فيجبُ ضَمانه بالاتفاق وليسَ ذَلك تكليفًا للنائم؛ لأنَّ غرامة المتلفات لا يشترط لهَا التكليف بالإجمَاع بَل لو أتلفَ الصَّبي أو المجنُون شَيئًا وجب عليه ضَمانه بالاتفاق (٤). (إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ) روَاية مُسْلم: "إنما التفريط على مَن لم يُصَل الصَّلَاة حَتى يَجيء وقت الصَّلاة الأخرى" (٥). أي: مَن (٦) لم يُصَلهَا وهوَ يقظان عَامدًا، وفيه دَليل عَلى أن أوقات الصَّلاة كلهَا مُوسّعَة. (فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا) أي: ولا يُعِدْ إلا تلك الصَّلاة. قَالَ البخَاري: قال إبَراهيم: مَن تَرك صَلاة واحِدَةً عشرين سنة لم يُعد

стр. 1587

إلا (١) تلك الصَّلَاة الوَاحِدَة (٢) (حِينَ يذْكُرُهَا) وإن كانَ نائمًا فحين ينتَبِه من نَومه. (وَمِنَ الغَدِ لِلْوَقْتِ) روَايَة مُسْلم: "فإذا كانَ الغَد فليُصَلهَا عندَ وَقتها" (٣). قال القُرطبي: ظاهِره إعادة المقضية مرتين عندَ ذكرهَا وعندَ حُضور مثلهَا مِنَ الوَقت الآتي (٤). قَالَ النوَوي: ومعَناهُ أنَّه إذا فاتته صَلاة فقضاهَا؛ فلا يتَحول وقتها في المُستقبل ولا يتغير بَل يبقى كما كانَ، فإذا كانَ الغَد صَلى صَلَاة الغدَاة في وقتها المعتَاد، ولا يتحول. وليسَ مَعناهُ أنه يقضي الصَّلاة مَرتين مَرة في الحَال ومَرة في الغَد هذا هوَ الصوَاب في مَعناهُ وقَد اضطَربَت أقوال العُلماء فيه واختَارَ المُحققونَ مَا ذكرته واللهُ ﷺ أعلم (٥). [٤٣٨] (ثَنَا عَلِيُّ بن نصر) (٦) الجَهضمي شيخ مُسْلم، قال (ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قال: ثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيبَانَ) السدوسي من رَجال مُسلم. (قال: ثَنَا خَالِدُ بْنُ سُمَيرٍ) بضم السين المهملة [وفتح الميم] (٧) مصغر، وثقه النسَائي (٨).

стр. 1588

(قَالَ: قَدِمَ عَلَينَا عَبْدُ الله بْنُ رَبَاح) بفتح الراء وتخفيف البَاء الموَحدَة. (الأنصَارِيُّ مِنَ المَدِينَةِ وَكَانَتِ الأنصَارُ تُفَقِّهُهُ) أي: تعلمهُ الفقه في الدين، وقواعد شرَائع الإسلام ومَا يتصل بهَا منَ الفروع (١) وفيه فضيلة تعلم الفقه وتعليمه في الدين يفضل عَلى سائر العُلوم كما في "الصحيح": "مَن يرد اللُّه به خَيرًا يفقهه في الدين" (٢) (فَحَدَّثَنَا) مما (٣) يفقهه. (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قَتَادَةَ) الحَارث بن ربعي (الأَنصَارِيُّ فَارِسُ) بالرَّفع (رَسُولِ الله ﷺ ) كَانَ يُعرفُ بذَلك لِشجَاعته (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله) ﷺ (جيش الأمُرَاء) لعَله سمي بذلكَ لما اجتمع فيه من كثرة الأُمَرَاءِ والأكَابِر (بهذِه القِصَّةِ. وقَالَ فيهَا: فَلَمْ يوقظنا إِلا) حَر (الشَمْسُ طَالِعَةً) مَنصُوب عَلَى الحَال والتقدير إلا حَر الشمس وهي طَالعَة. (فَقُمْنَا وَهلينَ) (٤) بكَسْر الهَاء أي: فَزعين والوَهَل بفتح الهاء الفزَع والرعْب، وفزعهم من إخراج الصَلَاة عَن وقتها كما تقدمَ. (لِصَلَاتنَا) ويَحتمل أن يكون المعْنَى مُسرعين فَزعًا مِنْ تَضييع الصَّلَاة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : رُوَيدًا) مَعناهُ التأني والتمهُّل في الأمُور يَقول سيروا رُوَيْدًا أي: عَلى مَهَلٍ فَيَكون نَصبًا عَلى الحَال ويقول: سَارُوا سَيرًا روَيدًا فيَكون

стр. 1589

نَصبًا؛ لأنه صِفةُ المصدر ومنهُ قَوله تعَالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (١) التقدير إمهَالًا روَيدًا وهوَ تصغير رود، وقيل: هوَ مَصْدر محذوف الزوَائد والأصْل أروادًا. (حَتَّى إِذَا تَعَالَتِ) بتخفيف اللام (الشَّمْسُ) أي: عَلَتْ وارتفعت وأصْلهُ مِنَ العلو [يقال: عَلت] (٢) وكانَ أصلهُ تعَالَوت بفتح اللام والوَاو فلما تحركت الوَاو وَانفتح مَا قَبلهَا قلبَت ألفًا واجتَمعَ سَاكنان الألف والتاء فحذفت الألف، هذِه اللغة المشهُورَة ورُوي: تقَالَّتْ بالقَاف بَدَل العَين واللام مُشَددَة يريد استقلالهَا في السَّماء وارتفاعهَا ومَعْنَاهُما مُتَقَارب. (قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ كانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ) بالرفع (رَكعَتَي الفَجْرِ) أي: سُنة الصُّبح (فَلْيَرْكَعْهُمَا) (٣) تستعمل كان للتكرار والدوَام أي: مَنْ كانت عَادَته أن يَركعهمَا في السَّفر فَليَركعهمَا فيه دلالة عَلى أنهما ليسَتَا بِوَاجِبتَين. (فَقَامَ مَنْ كانَ) عَادَته أن يركعهمَا (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ) عَادَته أن (يَرْكَعُهُمَا فَرَكعَهُمَا) موَافقة لأصحَابه ولأمِره ﷺ بركوعهما لكن ليسَ أمرًا حَتمًا. (ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ ) بلالا (أَنْ يُنَادَي بالصَّلَاةِ فَنُودِيَ بِهَا) اسْتدل به عَلى الأذان للفَوائت كما تقدم، وتعقب بأن النداء أعَم مِنَ الأذان فيَحتَمل أن يُرادَ به هُنَا الإقامَة، وأُجيبَ بِأنَّ الرِّوَاية المتَقَدِّمة وفي مُسْلم مِن حَديث أبي قَتَادَة التصريح بالتأذين (فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَصَلَّى بِنا) فِيه دلَالَة عَلى فَضيلة قضاء الصَّلاة في جَمَاعَة كما تقدم.

стр. 1590

(فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: أَلَا) بالتخفيف استفتَاحِيَّة يفتح بهَا الكَلَام ولهذا كُسرت هَمزَة (إِنا) بَعْدَهَا وأصلهَا إنَّنَا فحذفَت إحدى النونين تخفيفًا. (نَحْمَدُ اللَّه) تعالى بفتح النون والمِيم (أَنا) بِفَتح الهَمزة والتشديد والتقدير: لِأَنَّا فحذفت لام التعليل كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) فأنَّ هُنَا مُتَعَلقَة بما (٢) بَعْدَها، والتقديرُ ولَا تُشْركوا مَعَ الله أحَدًا؛ لأن المَسَاجِد لله، وهي: الأعضاء السَّبعَة التي نَسْجُد (٣) عَليهَا لله فلَا تسجُدُوا لغَيره بَها، وَمِثل هذا الحَديث (٤). "إنا لم نرده عَليك إلَّا أنا حُرم" (٥). أي: إلَّا لأننَا مُحرمُون. (لَمْ نكُنْ فِي شَيءٍ مِنْ أمر الدُّنْيَا يَشْغَلُنَا) بِفتح اليَاء والغَين. (عَنْ صَلَاتِنَا) فيهِ فَضيلَة حَمد الله تعالى على مَا يتَجَدَّد مِنَ النِّعَم المُسْتَفَادَة حَيث لم يشغلهم عن الصَّلاة إلا أمر مِن أمُور الآخِرَة، وفيه أن مَنْ نَامَ عندَ غَلبَة النعاس والتعب ليتقوى به (٦) عَلى العِبَادَة فَهوَ عِبَادَة، ولهذا لم يَجعَلهُ مِن أمْر الدنيا، وقَد مَدَح اللهُ تعَالى مَن لم يشغلهُ أمْر الدنيا عَن الصَّلَاة بِقَوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٧) أي: لَا يشغلهم شراء ولا بَيْع عَنْ إقامَة الصَّلَوَات (٨)،

стр. 1591

فيُؤخذ مِنَ الآية والحَدِيث الذم لمن شَغَلهُ عَنِ الصَّلاة أمر من أمور الدنيا والمدح لمن لا يشغله عَنهَا (١) شَيء أو شغلهُ شَيء مِن أُمور الآخرة. (ولكن أَرْوَاحَنَا) هَكذا (٢) سَماهَا الروح في "الموطأ" فقالَ: "إن الله قَبضَ أروَاحنا ولَو شاء لردها" (٣) وسَماهَا بلال نفسًا في قوله: أخذ بنفِسي الذِي أخذ بنَفسك. فهمَا إذًا عَبارتَان (٤) عَن مَعنى وَاحِد وَهوَ مَذهَب أئمتنا (٥). (كانَتْ بِيَدِ الله تعَالى) توفاهَا عِندَ الموت، أي: قبَضهَا عندَ النوم وفيه تشريف للروح حِينَ أخبَر عَنها بأنها كانَت بِيَد الله تعالى وقدرته. (فَأَرْسَلَهَا) إلينَا (أَنَّى) أي: مَتَى (شَاءَ) وفي روَاية أحمد ورجاله (٦) ثقات، فقال له قائل: يَا نَبي الله أفرَّطنَا؟ قال: "لا، قبَضَ الله أروَاحنا وقد رَدهَا إلينَا وقد صَلينَا" (٧) (فَمَنْ أَدْرَكَ (٨) مِنْكُمْ صَلاة الغَدَاةِ مِنْ غَدٍ

стр. 1592

صَالِحًا) (١) نصب عَلى الحَال أي: في حَال كونه صَالحًا لقَضَاء الصَّلاة. (فَلْيَقْضِ مَعَهَا) أي: مَعَ صَلَاة الأداء صَلاة (مِثْلَهَا). [قال قوم] (٢): ظَاهرُهُ إعَادَة المقضية مَرة أخرى عندَ حُضُور مثلهَا منَ الوَقت الآتي. قَالَ القرطبي (٣): ترك العَمل بهذا الظاهِر لأنه يَعارضهُ مَا رَوَاهُ النسَائي (٤) مِنْ حَديث عمران بن حصين أيضًا أنهم قالوا: يَا رَسُول الله ألا نقضيهَا (٥) لِوَقتها مِنَ الغَد فقال ﷺ : "لَا ينهاكم الله عَن الربا (٦) ويأخذهُ مِنكم" (٧)؛ ولأنَّ الطُّرق المشهورة ليْسَ فيهَا من تلك الزيَادَة شَيء إلا مَا ذكر منْ هذا الحَدِيث وهوَ مُحْتَمل. قال الخطابي: لَا أعلم أحَدًا قَال بِظَاهِره وجُوبًا، ويُشبِهُ أن يكونَ الأمر فيه للاسْتِحبَاب ليحرز (٨) فَضيلة الوقت في القَضَاء انتَهى (٩). قَال شَيخُنَا ابن حَجر: ولم يقل أحد مَن السَّلف باسْتحبَابِ ذَلك أيضًا بَل عدُّوا (١٠) هذا الحَديث غَلَطًا مِن رَاويه، وحَكى ذَلكَ الترمذي وغَيره

стр. 1593

عَن البُخَاري (١) والله أعلم (٢). قالَ ابن حبَّان: بَعْدَ أن ذكر الحَدِيث مُسْندًا مِنْ حَديث الحَسَن عَن عمْران بن حصَين: الأمر الذي وصَفنَاهُ إنما هُوَ أمر فضيلة (٣) لمن أحَبَّ (٤) ذلك لا أن كل (٥) مَنْ فَاتَتْهُ صَلاة يُعيدهَا مَرتَين في الوَقت الثاني (٦). [٤٣٩] (ثَنَا عَمْرُو (٧) بْنُ عَوْنٍ) الوَاسِطي الحَافظ (قال: ثنا خَالِدٌ عَنْ حُصَينٍ) بالحَاء والصَاد المُهْملتَين مُصَغر. (عن) عَبد الله (ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ) السَّلمي بفتح السِّين (عَنْ أَبِيه) أبي قَتادةَ الحَارث ﵁ (فِي هذا الحديث (٨) فَقَالَ: إِنَّ اللَّه قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ) [هُوَ كقَوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٩) ولا يلزم من قبض الروح الموت، والموت انقطاع] (١٠) تعَلق الروح بالبَدن ظَاهِرًا وبَاطنًا، والنوم انقطاعه من ظَاهِره فقط.

стр. 1594

(حَيثُ شَاءَ وَرَدَّهَا حَيثُ شَاءَ) روَاية البخَاري (١): قبضهَا حين (٢) شاءَ وردها منا حين (٣) شاء (٤). في الموَضعَين ليسَ لوَقت وَاحِد؛ فإنَّ نَوم القَوم لا يتفق غَالبًا في وَقت وَاحِد بَل يتتابعُون فتكون حين (٥) الأولى خبرًا عَن أحيان مُتَعددة، فَإذا كانَ قبض الروح بمشِيئته وَرَدهَا بِوَقت مَشِيئته، فليس في النوم تفرِيط (قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ) بِتشديد الذَال (٦) وباء مُوَحَّدَة مُتصلة بالناس، وفي روَاية الكشميهني (٧) للبخاري: "فآذن الناس" (٨). بالمد وَحَذف الموَحَّدة مِن (بالناس)، وَمَعناهُ: أَعْلِمْ الناس بالصَّلاة. (فَقَامُوا فَتَطَهَّرُوا) يَعُمُّ الوضُوء والغُسْل والتيمم (حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ [النبي ﷺ ]) (٩) روَاية البخَاري في التوحيد عَن حصين: "فَقَضَوا حَوائجهم فَتَوضؤوا إلى أن طَلعَت الشمس" (١٠). أي: وارتفعَت، ويُستفادُ منهُ أن تأخيره الصَّلاة إلى أن طَلعَت الشمس وارتفَعَت كانَ بسَبَب الشُغل بِقَضَاء حَوَائجهم لا بِخُرُوج وَقت الكراهة؛ فَإنَّ أوقَات الكرَاهَة إنمَا تكره الصَّلاة فيهَا إذا لم يَكن لهَا سَبَب، وأمَا

стр. 1595

الفائتة فلا تُكْرَه في وَقت الكراهة إلا إذا أخرهَا إلى ذَلكَ الوَقت ليَفعَلهَا فيه فكيف يحكم بكراهَة الصَّلَاة مُطلقًا، وهي تكون وَاجِبَة فيه إذا فاتت عمدًا (فَصَلَّى بِالنَّاسِ) فيه اسْتحبَاب الجَماعة في الفوَائت كما تقدم. [٤٤٠] (ثَنَا هَنَّادٌ) ابن السري شيخ مُسْلم (قال: ثَنَا عبثر) بن القاسم الزبيدي. (عَنْ حُصَينٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) الحَارث بن ربعي (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ وقَالَ) فيه (فَتَوَضَّأَ) (١) بين (٢) في هذِه الروَاية أن معَنى فتطهرُوا في الروَاية التي قبلهَا فتوضؤوا (حِينَ) عوض حيث في الروَاية التي قبلهَا وهي روَايَة البخاري كما تقدم. (ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى بِهِمْ) الصُّبح. [٤٤١] (ثَنَا العَبَّاسُ) ابن عَبد العَظِيم (الْعَنْبَرِيُّ) رَوَى لهُ مُسلم والبخَاري تَعليقًا (٣). (ثَنَا سُلَيمَانُ بْن دَاودَ الطَّيَالِسِيُّ) رَوَى لهُ البخَاري في "القرَاءة خَلف الإمَام" قَالَ عُمر بن شبَّة (٤): كتبُوا عَنهُ بأصْبهَان أربَعين ألف حَديث وليسَ مَعَهُ كتاب (٥). (قالَ: ثَنَا سُلَيمَانُ بْنَ المُغِيرَةِ) مَولى بَني قَيس بن ثعلبَة قال: قدم عَلينَا

стр. 1596

البصرة سُفيَان الثوري فأرسَل إليَّ، فَقَالَ: بَلَغَني عنَك أحَاديث وأنا عَلى مَا ترى مِنَ الحَال فأتني فأتيتهُ فسَمع مِني (١)، روى لهُ الجَماعة. (عَنْ ثَابِت) البنَاني (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ (٢) رَبَاح عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَيسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ) فيه دَليل لما أجمع عَليه العُلماء أن النائم ليسَ بمكلف كما تقدم. (إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ أَنْ يُؤخر صَلاة حَتَى يَدْخُلَ وَقْتُ) صَلاة (٣) (أُخْرَى) فيه دَليل على امتداد وقت كل (٤) صَلاة مِنَ الخمس حَتى يدخل وقت أخرى (٥) وهذا مُسْتَمِر عَلى عمومه في الصَّلَوَات كلهَا إلا الصُبْح بالاتفاق فإنهَا لَا تمتد إلى الظهر بَل يخرج وَقتها بُطلُوع الشَمس بمفهوم (٦) قوله ﷺ : "مَن أدرَك رَكعَة مِنَ الصُّبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرَك الصُّبح" (٧). وأمَّا المغرب (٨) فَفيهَا خلاف سَبق، والمختارُ فيه امتدَاد الوَقت أيضًا إلى وَقت العشَاء. [٤٢٢] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِير) العَبدي شَيخ البخَاري (قال أَنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: مَنْ نَسِيَ صَلاة) حَتى خَرَجَ

стр. 1597

وقتها الشَّرعي (فَلْيُصَلِّهَا) قالَ القرطبي: شذ بَعْض الناس فيما زَادَ عن خمسَ صَلوَات أنه (١) لَا يلزمهُ قَضَاؤها، وهو (٢) خلاف لا يعبَأ به؛ لأنه مخالف لنَص الحَدِيث (٣). وَوجِّهَتْ هذِه المقالة عَلى غلطهَا بأن القضاء يَسْقط لمشقة التكرار كالحَائض، والخمس لا مشقة عَلَيه في قضائهَا بخلاف مَا زاد، وَيلزم على هذا أن تقضي الحَائض الخَمس لعَدَم المشقة، ولا قائل به، ولا يحسنُ إلحَاق الناسي (٤) بِهَا؛ لأنهُ لا تفريط عَليهَا بخلافه. (إِذَا ذَكرَهَا) (إذا) ظرف للمأمُور به وهو الصَلاة فيتعَلق الأمر بالفِعْل فيه ولا شَك أنه كذَلك أما على الوجُوب في حَق مَنْ تركهَا عَمْدًا فإنهُ يِجب عَلى الفَور أو عَلى الاسْتحبَاب في حَق النائم والناسي. وهذا التفصيل هوَ الصَّحِيح عند الشافعية (٥)، وفي وَجْه أنهُ يَجبُ القضاء عَلى الفَور بعذر (٦) النوم والنسيَان كما يشَعر به إطلاق الحَدِيث لكن النَّبي ﷺ لم يَقْض صَلاة الصبح حَتى خَرَجُوا مِنَ الوَادي وارتفعت الشمس. وأجَاب صَاحِب العيس (٧) عَن تأخيره الصُبح في الوَادي بأن التأخير

стр. 1598

كانَ لانتظار الوَحْي كيْفَ يَكونُ العَمل في القضاء أو لأنه كانَ مُحتَرزًا منَ العَدُو وَجعَلهُ القَاضي عياض مَنسُوخًا بهذا الحَدِيث. (لا كَفَارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ) يحتمل أنْ يَكونَ مَعناهُ: لا يكفي (١) عَنها مجرَد التوبة والاستغفار بل لا بُدَّ مِنَ الإتيان بهَا، والصَّحِيحُ أن المعنى لا يخلص من عُهدتها عندَ التذكر إلا بفعلهَا، وإنما لَم يحمل عَلى نفي الكفارة الحقيقية؛ لأن ذلكَ يشعر بالإثم، والغَرض هنا ارتفاعه عَن النائم والناسِي، وفيه نَظَر فَإنَّ قتل (٢) الخَطَأ ونحوه فيه الكَفارة ولا إثم. [٤٤٣] (ثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقيَّةَ) الوَاسِطي روى عَنه (٣) مُسْلم. (عَنْ خَالِدِ) ابن عَبْد الله (عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ) البَصْري (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينِ ﵁ أَن رَسُولَ الله ﷺ كَانَ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَنَامُوا عَنْ صَلَاةِ الفَجْرِ) كما تقدم. (فَاستَيقَظُوا بِحَرِّ الشَمْسِ) يحتَمل أن تكونَ البَاء للتعليل بمَنزلة اللام كقَوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ (٤) ومنه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ (٥)، ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ (٦). (فَارْتَفَعُوا) أي: مِنَ الوَادي (قَلِيلًا) صِفةُ لمحذوف أي: ساروا (٧)

стр. 1599

سَيرًا قَليلًا كقَولهِ تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ (١). أي: ضحكًا قليلا وبكاء كثيرًا. (حَتَّى اسْتَقَلَّتِ الشَّمْس) بتشديد اللام استقلت ارتفعَت وتعالت (٢) ويقال: (٣) أَقَلَّ الشيء واستقله إذا رَفعَهُ. (ثُمَّ أمر (٤) مُؤَذِّنًا) لعَلهُ بلال كما في الروَايات المتقدمَة. (فَأَذَّنَ) للصبح وقد يُؤخذ منه أنهُ يقتَصر في السَّفر عَلى الأذَان الثاني. (فَصَلَّى رَكعَتَينِ قَبْلَ) صَلاة (الْفَجْرِ) لا قبل دخول وقته. (ثُمَّ أَقَامَ) الصَّلاة (ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ) الظاهِر أن ثم هُنَا بِمَعْنَى الفاء للتعقيب فإنه لا مُهْلة بَين الإقامَة والدخول فيهَا. كقول الشاعِر: كهزِّ الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطربَ لأن الهز مَتَى جرى في أنابيب الرمح، تعقبه الاضطراب، ولم يتراخ عنه. [٤٤٤] (حَدَّثَنَا عَباسٌ) بن عَبْد العَظيم (الْعَنْبَرِيُّ، ح (٥) وَثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِح) الطبَري (٦) الحافظ المصري شيخ البخاري (وهذا لَفْظُ عَبَّاسٍ) دُونَ

стр. 1600

أحمَد (أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ يَزِيدَ) المقريء القصير (١) مَولى آل عُمَر بن الخَطاب، أقرَأ القُرآن بالبصرة ستا وثلاثين سَنة، وبمكة خَمسًا وثلاثينَ سَنة، روى عَن نافع، وله اختيار في القراءة. (حَدَّثَهُمْ عَنْ حَيوَةَ بْنِ شُرَيْح، عَنْ عَيَّاشِ) [بالمثناة تَحت] (٢) والشين المُعجمة، ابن عَبَّاسٍ، بالبَاء الموَحدَة والسِّين المُهملة (الْقِتْبَانِيَّ) بِكَسْر القاف وسُكون المثناة مِن فَوق والبَاء الموحدة وبَعد الألف نون، روى لهُ مُسْلم. (أَنَّ كُلَيبَ بْنَ صُبْحٍ) بِضم الصَّاد وإسكان الموَحدَة، وثق (٣) (حَدَّثَهُمْ أَنَّ الزِّبْرِقَانَ) بكسْر الزاي والراء الضَّمْريَّ. (حَدَّثَهُ (٤) عَنْ عمه (٥) عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيّ ﵁ قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَنَامَ عَنِ الصُّبْحِ) تقدم الجَمع بَينه وبين: "إن عَينَيَّ تَنامَان ولَا ينام قلبي". (حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَاسْتَيقَظَ رَسُولُ الله ﷺ فقَالَ: تنَحُّوا (٦) عَنْ هذا المَكَانِ) الذي حَصَلت فيه الغفلة فإن بهِ شيطان، وتقدم. و(قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ تَوَضَّؤوا وَصَلَّوْا رَكعَتَي الفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ

стр. 1601

بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلاة) فيه أن الذي يقيم الصَّلاة غير الإمَام، وفيه أن المؤذن يقيم (فَصَلَّى بِهِمْ صَلاة الصُّبْحِ) فيه صَلاة الفائتة جَمَاعَة كما تقدم. [٤٤٥] (ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَسَنِ) بن الهَيثم الخثعمي المصيصي، ثقة ثبت (١) (قَالَ: ثَنَا حَجَّاجٌ (٢) بْن مُحَمَّدٍ) المصيصي (٣) الأعوَر الحافظ. (قَالَ: ثَنَا حَرِيزٌ) (٤) بفتح الحَاء المهملَة وآخره زَاي ابن عثمان الرحبي. (ح (٥) وَثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أَبِي الوَزِيرِ) هشام الحَلَبِي، قَال أبو حَاتم: صَدُوق (٦). (قَالَ: ثَنَا مُبَشِر) بن إسماعيل (الْحَلَبِي) ثقة (٧) قال: (ثَنَا حَرِيزٌ بنَ عُثْمَانَ) الرحَبي، قال: (حَدَّثَنِي يَزِيدُ) من الزيَادَة (ابن صُبْحٍ) ثقة (٨). (عَنْ ذِي مِخْبَرٍ) بِكَسْر الميم وإسكان الخاء المُعجمة وفتح الباء الموَحدة، ويقالُ: ذُو مخمر بالميم بدَل الباء، ابن أخي النجاشي (الْحَبَشِيِّ، وَكَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ ) وذكر (فِي هذا الخَبَرِ) الطبراني: كنتُ مَعَ النَّبي ﷺ في غزاة (٩) فسَرَوا مِنَ الليْل مَا سَرَوا، ثم نزلوا فقال رَسُول الله ﷺ : "يا

стр. 1602

ذا (١) مخبر" قلت: لبَّيك يَا رَسُول الله. فذكر قصة الناقة التي نعسَ عَنها فذهبَت، فدَعَا الله تَعالى أن ترد فجَاءت بِهَا إعصَار (٢) ريح تَسوقها. (٣) (قَالَ: فَتَوَضَّأَ النبِي ﷺ وضُوءًا لَمْ يَلُتَّ) بِضَم اللام وتشديد التاء المثناة. (مِنْهُ (٤) التُّرَابُ) أي: لم يبله بالماء جَميعه، وفي روَاية: يُلِث بِضم الياء أوله وكسْر اللام وسُكون الثاء المثلثة، مِن قولهم: ألَثت الشجرة مَا حَوْلهَا إذَا كان يَقطرُ منها الماء عَلَيه، قَالَ أبُو (٥) عَمرو (٦): اللَّثى مَاءٌ يَسيل منَ الشجر يشبه الندى. وفيه دَليل عَلى كراهة الإسراف في الماء والرفق فيه مَعَ التعميم، فقد رَوَى الطبرَاني في "الكبير" (٧) والبَيهقي (٨) من حَديث أبي أمَامة: أن رَسُول الله ﷺ توضأ بنصف مُد (٩). ومرَّ النّبي ﷺ بِسَعْد وهو يتَوضأ فقال: "مَا هذا السَّرف؟ " قال: أفي (١٠) الوضوء إسْراف؟ قالَ: "نعَم، وإن كنت عَلى نهر جَار". رَوَاهُ ابن مَاجَه وغَيره (١١).

стр. 1603

(ثُمَّ أَمَرَ بِلالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكَعَ رَكْعَتَينِ غَيرَ) مَنْصُوب عَلى الحَال، وذُو الحَال الضَّمير المُستتر في صَلى، كما في قراءة رَسُول الله ﷺ وعُمر بن الخَطاب، ورَوَيت عن ابن كثير: وذُو الحال فيهَا الضمِير في عَليهم (١). (عَجِلٍ) اسْم فاعل من عَجِلَ فَهو [كتعِبَ يتعب] (٢) فهوَ [تَعِبٌ و] (٣) فيه الطمأنينة في (٤) الصَّلاة، وعَدَم العَجلة بحَيث لا يتم ركوعهَا ولا سجُودهَا ولا يتوَاهن (٥) في السنن (٦) بَل يَنبغي إكمالَها كما (٧) تكمل الفَريضة. (ثُمَّ قَالَ لِبِلالٍ: أَقِمِ الصَّلاة) فأقامهَا (ثُمَّ صَلَّى) الفَرْضَ (٨) (وَهُوَ غَيرُ عَجِلٍ) الوَاو في (وهوَ) وَاو الحَال، والجملة بَعْدَهَا اسْمِيَّة مُرَكَّبَة من مُبتَدأ وخَبر في مَوْضع نَصْب عَلى الحَال، وفيه التَأني في الصلاة وترك الاسْتعجَال، فَإنَّ العَجَلة مِنَ الشيطَان لاسيَّما في الصَّلاة. (قَالَ) إبراهيم بن الحَسَن (عَنْ حَجَّاج، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُلَيح) بفتح اللام، وكَذا ذكرهُ ابن حبان في "الثقات" (٩) بخط الذهبي. (قَالَ: حَدَّثَنِي ذُو مِخْبَرٍ رَجُلٌ) بالرفع بَدل من (ذو) (مِنَ الحَبَشَةِ) لغة

стр. 1604

فارِسِيَّة (وَقَالَ عُبَيْدٌ) ابن أبي الوَزير هوَ (يَزِيدُ بْنُ صُلْح) (١) بإسْكان اللام بَدل البَاء، وقالَ الذهَبي في "الكاشف": هوَ يزيد بن صَالح، أو يزيد ابن صُبح (٢). [٤٤٦] (ثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الفَضْلِ) قال: (ثَنَا الوَلِيدُ، عَنْ حَرِيزٍ بْن عُثْمَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صَلِيحٍ، عَنْ ذِي مِخْبَرِ بْنِ أَخِي النَّجَاشِيِّ فِي هذا الخَبَرِ) و (قَالَ) فيه (فَأَذَّنَ وَهُوَ غَيرُ عَجِلٍ) فيه دَليل عَلى مَا قالهُ أصحَابنَا (٣) يُستحبّ للمؤَذن أن يرتل الأذان ويدرج الإقَامَة، فَبترتيل المؤذن يعلم السَّامع أنهُ آذان. [٤٤٧] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) قال (ثَنَا) غندر (مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) قال (ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ (٤) بْنِ شَدَّادٍ) المحَاربي رَوَى لهُ الجَماعَة. (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَلْقَمَةَ) ويقالُ ابن عَلقمة مختَلف في صُحبته (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ زمن الحُدَيْبِيَةِ) بتخفيف اليَاء الثانية. (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ ) كما قالَ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٥) أي: يحفظكم إذا نمتم وإذا تصَرفتم (٦) في مَعَايشكُم. روَاية مُسْلم: "مَن يُوقظنَا". فيه دَليل على أنَّ على الإمام أن يُرَاعيَ

стр. 1605

المصَالح الدينية والبَدَنِية والمالِية، والتَحرز على (١) العَسْكر من عَدُو يدهمهم، وأن الحراسَة لا تنافي التوكل. (فَقَالَ بِلَال: أَنا يَا رَسُول الله) وفيه دَليل على احتراز الإمَام عما يحتمل فوات العبَادَة وتضييعهَا (٢) عَن وَقتها سَفرًا وحَضرًا من بَاب الأولى، وفيه جَوَاز التزام الخادم القيام بمرَاقبَة مَا أمر الإمَام بمرَاقبته، وفيه الاكتفاء في الأمور المهمة بالوَاحد. (فَنَامُوا حَتَى طَلَعَتِ الشَّمْسُ) وفيه خروج الإمام بنَفسه في الغزو (فَاسْتَيقَظَ النبِي ﷺ ) وفي روَاية تقدمت: كانَ أول مَن استيقظ عمر، وفي روَاية: أول من استيقظ ذو مخبر، ولعَل هذِه [القَصة مُتعددَة] (٣) (فَقَالَ: افْعَلُوا) يعني: في الأذان والإقامَة والصَّلَاة (كمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ) قبل ذلك في صَلاة الأداء. (قَالَ: فَفَعَلْنَا) كذَلك (قَالَ: فكَذَلِكَ فَافْعَلُوا) دَائمًا كذلك (لِمَنْ) من مَوصُولَة بِمَعنَى الذي، وَهي من صيغ العُموم، وهذا بناء عَلى قول الجمهور أن للعُموم صيغ تختَص به، وعلى هذا فالتقدير فافعَلوا كذَلك لكل من (نَامَ أَوْ نَسِيَ) (٤) الصَّلاة فليُصلهَا إذا انتَبه أو ذكرهَا كما تقدم. * * *

стр. 1606

١٢ - باب فِي بناءِ المساجِدِ ٤٤٨ - حَدَّثَنا محَمَّدُ بْن الصَّبّاحِ بْنِ سُفْيانَ، أَخْبَرَنا سُفْيان بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبي فَزارَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "ما أُمِرْتُ بتَشْيِيدِ المَساجِدِ". قالَ ابن عَبّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّها كَما زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى (١). ٤٤٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ اللهِ الخُزاعِيُّ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْن سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَقَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى يَتَباهَى النّاسُ فِي المَساجِدِ" (٢). ٤٥٠ - حَدَّثَنا رَجاءُ بْنُ المُرَجَّى، حَدَّثَنا أَبُو هَمّامٍ الدَّلَّالُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَبَّبٍ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ السّائِبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِياضٍ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ أَبي العاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أَنْ يجعَلَ مَسْجِدَ الطّائِفِ حَيْثُ كانَ طَواغِيتهُمْ (٣). ٤٥١ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ يَحيَى بْنِ فارِسٍ وَمُجاهِدُ بْنُ مُوسَى -وَهُوَ أَتَمُّ- قالا: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا أَبي عَنْ صالِحٍ، حَدَّثَنا نافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ المَسْجِدَ كانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مبْنِيّا بِاللَّبِنِ والجَرِيدِ -قالَ مُجاهِدٌ: وَعَمَدُهُ مِنْ خَشَبِ النَّخْلِ- فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا وَزادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَناهُ عَلَى بِنائِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ باللَّبِنِ والجَرِيدِ وَأَعادَ عَمَدَهُ -قالَ مُجاهِدٌ: عُضدَهُ خَشَبًا- وَغَيَّرَهُ عُثْمان فَزادَ فِيهِ زِيادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدارَهُ بِالِحجارَةِ المَنْقُوشَةِ والقَصَّةِ وَجَعَلَ عَمَدَهُ مِنْ

стр. 1607

حِجارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَّفَهُ بِالسّاجِ. قالَ مُجاهِدٌ: وَسَقْفُهُ السّاجُ. قالَ أَبُو داودَ: القَصَّة الجِصُّ (١). ٤٥٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حاتِمٍ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبانَ، عَنْ فِراسٍ عَنْ عَطَيَّةَ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ كانَتْ سَوارِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ جُذُوع النَّخْلِ أَعْلاهُ مُظَلَّلٌ بِجَرِيدِ النَّخْلِ ثُمَّ إِنَّها نَخِرَتْ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ فَبَناها بِجُذُوع النَّخْلِ وَبِجَرِيدِ النَّخْلِ ثُمَّ إِنَّها نَخِرَتْ فِي خِلافَةِ عُثْمانَ فَبَناها بِالآجُرِّ فَلَم تَزَلْ ثابِتَةً حَتَّى الآنَ (٢). ٤٥٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي عُلْوِ المَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقال لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأقامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً ثمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجّارِ فَجاءُوا مُتَقَلِّدِينَ سُيُوفَهُمْ - فَقالَ أَنَسٌ - فَكأنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ علَى راحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ وَمَلأ بَنِي النَّجّارِ حَوْلَهُ حَتَّى ألقَى بِفِناءِ أَبِي أَيُّوبَ وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ ويُصَلِّي فِي مَرابِضِ الغَنَمِ، وَإنَّهُ أَمَرَ بِبِناءِ المَسجِدِ فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجّارِ فَقالَ: "يا بَنِي النَّجّارِ ثامِنُونِي بحائِطِكُمْ هذا". فَقالُوا: والله لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّا إِلَى اللهِ . قالَ أَنَسٌ: وَكانَ فِيهِ ما أقُولُ لَكُمْ كانَتْ فِيهِ قبُورُ المُشْرِكِينَ وَكانَتْ فِيهِ خِرَبٌ وَكانَ فِيهِ نَخْلٌ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ وَبِالِخرَبِ فَسُوِّيتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضادَتَيْهِ حِجارَةً وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ والنَّبِيُّ ﷺ مَعهُمْ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ لا خَيرُ إلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فانْصُر الأنصارَ والمُهاجِرَة (٣).

стр. 1608

٤٥٤ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي التَّيّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ مَوْضِعُ المَسْجِدِ حائِطًا لِبَنِي النَّجّارِ فِيهِ حَرثٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورُ المُشْرِكِينَ، فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "ثامِنُونِي بِهِ". فَقالُوا: لا نَبْغِي بِهِ ثَمَنًا. فَفطِعَ النَّخْلُ وَسُوِّيَ الحَرْث وَنُبِشَ قُبُورُ المُشْرِكِينَ. وَساق الحَدِيثَ وقالَ: "فاغْفِرْ". مَكانَ: "فانْصُرْ". قالَ مُوسَى: وَحَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ بِنَحْوِهِ، وَكانَ عَبْدُ الوارِثِ يَقُولُ: خِرَبٌ، وَزَعَمَ عَبْدُ الوارِثِ أَنَّهُ أَفادَ حَمّادًا هذا الحَدِيثَ (١). * * * باب في بناء المساجد [٤٤٨] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح بْنِ سُفْيَانَ) الجرجَرائي (٢). وجرجرايا بَين وَاسط وبغدَاد، وثقهُ أبُو زرعة وغيره (٣). قال: (أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عيينة (٤)، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي فزَارَةَ) (٥) رَاشد بن كيسَان الكوفي أخرَجَ له مُسْلم. (عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ) العَامري التابعي أخرَجَ له مُسْلم أيضًا (عَنِ) ابن خالته (ابْنِ عَباسٍ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَا أُمِرْتُ) بضم الهَمزة وكسْر الميم مَبني للمفعُول (بِتَشْيِيدِ المَسَاجِ). قال البغوي: في شرح هذا الحَديث المرَادَ (٦) مِنَ التشييد رَفع البِنَاء

стр. 1609

وتطويله ومنهُ قَولها تَعَالي: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (١) وهي التي طول بنَاؤهَا (٢) يقال: شدت الشيء (٣) أشيده مثل بعته (٤) أبيعُه إذا [بنيته بالشيد] (٥) وهوَ الجص، وشيدته تشييدًا: طَوَّلته ورَفعته، وقيل: المراد بالبُرُوج المشيدة: المجَصَّصَة، وهَذان القولَان في قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٦) أي: رَفيع طَويل عَال، وقيل: مجصَّص (٧)، والمشهور في الحَديث أن المُرَاد بِتَشييد المَسَاجِد هنا رَفع البِنَاء وتطويله كما قال البَغَوي. وفيه رَد على من حمل قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٨) على رَفع بنائه وَهوَ الحقيقة، بل المراد أن تعظم فلا يذكر فيهَا الخنا (٩) مِنَ الأقوال، وتطهر (١٠) من الأدناس والأنجاس (١١) ولا ترفع فيهَا الأصوَات. (قَالَ ابن عَبَّاسٍ: ) هَكذَا رَوَاهُ ابن حبَّان مَوقوفًا (١٢). وقبله حَديث ابن

стр. 1610

عباس (١) أيضًا مَرفوع، وظن الطيبي في "شرح المشكاة" أنهما حديث واحِد فَشَرحه عَلى أن اللام في (لتزخرفنها) (٢) مكسُورَة، قال: وهي لام التعليل للمنفي قبله، والمعنى: مَا أُمرت بالتشييد لِيُجعَل ذريعة إلى الزخرفة، قال: والنون فيه لمجَرد التأكيد، وفيه نَوع تأنيب وتَوبيخ، قَالَ: وَيَجوز فتح اللام على أنها جَوَاب القسَم، أي: المحذوف. قال ابن حجَر: وهذا يَعني فتح اللام وهو المعتَمد. والأول -يَعْني: كسْرَ اللام- لم تثبت به الرِّوَاية أصلا فلا يغتَر (٣) به، وكلام ابن عَباس فيه مَفصول مِن كَلام النَّبِي ﷺ في الكتبُ المشهورة وغَيْرهَا، وإنما لم يذكر البخاري المرفوع منه للاختلاف فيه (٤) عَلى يَزيد بن الأصم في وصله وإرسَاله انتهى (٥). والزخرفة الزينَة. قالَ مُحْيي السنَّة: إنهم زخرفوا المسَاجد عندَمَا بدلوا دينهم وَحَرفوا كتبهم، وأنتم تَصيرُونَ إلى مثل حَالهم، وسَيَصير أمركم إلى المراءَاة بالمسَاجِد، والمبَاهَاة بتشييدهَا وتزيينها (٦). قال أبُو الدرْدَاء: إذا حليتم مَصَاحفكم، وزوقتم مَسَاجدكم، فالدمَار عليكم (٧). وروي أن عُثمان رَأى أترجة من جِص مُعَلقة بالمَسْجِد فأمرَ بهَا

стр. 1611

فقطعَت (١)، وهذا الحَدِيث فيه مُعْجزة ظاهِرة لإخباره ﷺ عَما سَيَقَع بَعْدَهُ، فإن تزويق المسَاجد والمبَاهَاة بزخرفتها (٢) كثر (٣) من الملوك والأمَراء في هذا الزمَان بالقاهرة، والشام، وبيت المقدس، وغَيرهَا بأخذهم أمَوال الناس ظلمًا وعدوانًا (٤) وعمارَتهم بهَا المدَارس على شكل بديع، فنَسأل الله السَّلامة والعَافيَة. (كمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى) (٥) في كنَائسهم وبيَعهم، وهذا يُؤيِّد قوله ﷺ "لتتبعن سُنن مَنْ كَانَ قبلكم" (٦). [٤٤٩] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله) بن عُثمان (الْخُزَاعِيُّ) قالَ النسَائي: لا بأسَ بهِ. قال: (ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عَبد الله بن زَيد الجرمي. (عَنْ أَنَسٍ) بن مَالك. (و) أيوب أيضًا عَن (قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى يَتَبَاهَى النَّاسُ) أي: يتفاخَرُون (فِي المَسَاجِدِ) أي: في بِنَاء المَسَاجِد، وكذَا في روَاية. أي: في حُسن بنَاءهَا وَزيَادَة زُخْرفها (٧) وفي "مسند أبي يَعْلى" (٨)، و"صَحيح ابن خزيمة" (٩) من

стр. 1612

طريق أبي قلابة أنَّ أنسًا قال: سَمعته يَقول: "يَأتي عَلى أُمّتي زمَان يتبَاهَون بالمَسَاجد ثم لا يعمرونَها إلا قَليلًا" (١). ومعنى: (لا يعمرونها) المراد عمارتها بالصَلاة، وكثرة ذكر الله تعالى والاعتكاف فيهَا، وليسَ به بنيَانها، وكذا روَاية البخَاري: "يتبَاهَونَ بهَا" (٢) أي بنقش المسَاجد وكثرتها، وروى في "شَرح السُّنَّة" بسنده عَن صَالح بن رستم قال: قال أبو قلابة: غدونا مَعَ أنَس بن مَالك إلى الزاوية فحَضَرت صَلاة الصبح، فَمررنا بمَسْجِد فقالَ أنَس: أي مَسْجد هذا؟ قالوا: مَسْجِد أحدَث الآن. فقال أنس: إنَّ رَسُول الله ﷺ قال: "سَيَأتي على الناس زَمَان يَتَبَاهَونَ في المَسَاجد، ثم لا يَعْمُرونهَا إلا قَليلًا" (٣). [٤٥٠] (ثَنَا رَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى) قال: (ثَنَا أَبُو هَمَّامٍ) مُحَمَّدُ بن مُحَبَّب بن (الدَّلالُ) البصري ثقة (٤) مَاتَ سنة ٢١٢. قال: (ثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عِيَاضٍ) الطائفي ذكرهُ ابن حبانَ في "الثقات" (٥). (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ) بن بشر الثقفي، استَعملهُ النبي ﷺ عَلى الطائف حَيَاته (٦) (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ) أي: أمَره حين وَلَّاهُ الطائف أن يجعَل مَسْجد أهل الطائف الذي يتخذهُ بهَا

стр. 1613

لإقامة الصلوات (١) فيه. (حَيثُ كَانَ طَوَاغِيتُهُمْ) جَمع طَاغوت، وهو بيَت للصنم (٢) الذي كانُوا يتعبدونَ فيهِ للهِ تعَالى، ويتقَربون إليه بالأصنام عَلى زَعْمهم؛ لأنها أنشئت وجددت عَلى اسم العِبَادَة، وكذَلكَ فعل كثير منَ الصَّحَابة حين فتحوا البلاد، جَعَلوا متعبدَاتهم مُتَعبدَات للمُسْلمين (٣) وغَيرُوا محاربيها، وكذَا فعَل صَلاح الدين بن أيوب حِينَ افتتح بيت المَقدس. وقَد رَوَى الطبراني في "الكبير" و"الأوسط": أنه جَاء بإدَاوَة مِن عند النبي ﷺ قد غسَل النبي ﷺ وَجهه ومَضمض (٤) وبَزَق فيهِ وقَال لهُ: "إذا أتَيتَ بِلادك فَرش به تلك البيعة (٥) واتخذهُ مَسْجدًا". والبيعَة بِكَسْر البَاء للنصَارى، والجَمع بِيَع، مِثل سدرة وسدر، وفي الحَدِيث أنه كانَ يُصَلى في البيعة (٦) وهي كنيسَة أهل الكتَاب. [٤٥١] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى) بْنِ عَبد الله (بْنِ فَارِسٍ) شيخ البخاري قال [الحُسَين بن الحَسَن] (٧) سَمعتُهُ يَقولُ: ارتحلت ثَلاث رحلات وأنفقت على العلم (٨) مائة وخَمسين ألفًا.

стр. 1614

(وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى) بن فَروخ الخوَارزمي، شَيخ مُسْلم (وَهُوَ أَتَمُّ) إسنادًا منه (قَالَا: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سَعْد الزهري، حجة وَرع مَات سنة ٢٠٨ (١). قال: (ثَنَا أَبِي) إبرَاهيم (٢) بن سَعْد بن إبراهيم بن عَبد الرحمَن بن عَوف (عَنْ صَالِح) بن كيسَان، قال: (ثَنَا نَافِعٌ) مَولى ابن عُمر (أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ) بفتح اللام وكَسر البَاء المُوَحَّدَة: مَا يُعمل منَ الطين ويبنى به قبل أن يُشْوى، وَيجوز التخفيف بإسْكان البَاء (٣). فيه ترك المغالاة في المسَاجِد وأمَاكن العِبَادَة. (وَالْجَرِيدِ) رِوَاية البخَاري: وسَقفه الجَريد (٤). بِفتح الجيم: وهوَ سَعَف النخل، الوَاحدة (٥) جَريدة، فَعيلَة بِمَعنَى مَفعُولة، وإنما يسَمى جريدًا (٦) إذا تجرَّدَ عنهُ خُوصه. (قَالَ مُجَاهِدٌ: عَمَدُهُ) بفتح أوله وثانيه، ويَجوز ضَمُّهمَا، واحده عمود، وقُرِئَ بالوَجهَين في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (٧) (خَشَبِ) يجوز فيه أيضًا الوَجْهَان يَعني: فتحهما وضمهما مُفْرَدًا وجمعًا.

стр. 1615

قال ابن بَطال (١) وغَيره: وهذا يَدُل على أن السُّنَّةَ في بنيان المَسْجد القصد (٢) وترك الغلُو في تحسينه فقد كانَ عُمرُ مَعَ كثرة الفتوح في أيامه، وسَعة المال عندَهُ لم يغَير المَسْجد عَما كانَ عَليه ([النخل] (٣) فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيئًا) حِينَ جدَّدهُ، وإنما احتاجَ إلى تجديده؛ لأنه كانَ قد تنخر في أيامه. (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ ﵁ وَبَنَاهُ عَلَى بنيَانه) أي: حِيَطانه بجنس الآلات المَذكورة، ولم يغَير شَيئًا من هيئتهِ إلا توسعته. (فِي عَهْدِ) صِفَة للبنيان، وإمَّا حَال (رَسُولِ الله ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عَمَدَهُ) بِوَجهَين كما تقدم، أي: كَما كَانَت. (قَالَ مُجَاهِدٌ): وَجَعَل (عُمُدَهُ خَشَبًا) كما كانت، (وَغَيرَهُ) روَاية البخَاري: "ثم غَيَّرَهُ" (٤) (عُثْمَانُ) مِنَ الوَجهَين [التوسيع وتغيير] (٥) الآلات (٦) (فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ) بفتح القَاف وتشديد الصَّاد المهملة: وهوَ (٧) الجِصّ بلُغَة أهل الحجَاز.
следующие страницы →