← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فقطعَت (١)، وهذا الحَدِيث فيه مُعْجزة ظاهِرة لإخباره ﷺ عَما سَيَقَع بَعْدَهُ، فإن تزويق المسَاجد والمبَاهَاة بزخرفتها (٢) كثر (٣) من الملوك والأمَراء في هذا الزمَان بالقاهرة، والشام، وبيت المقدس، وغَيرهَا بأخذهم أمَوال الناس ظلمًا وعدوانًا (٤) وعمارَتهم بهَا المدَارس على شكل بديع، فنَسأل الله السَّلامة والعَافيَة. (كمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى) (٥) في كنَائسهم وبيَعهم، وهذا يُؤيِّد قوله ﷺ "لتتبعن سُنن مَنْ كَانَ قبلكم" (٦). [٤٤٩] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله) بن عُثمان (الْخُزَاعِيُّ) قالَ النسَائي: لا بأسَ بهِ. قال: (ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عَبد الله بن زَيد الجرمي. (عَنْ أَنَسٍ) بن مَالك. (و) أيوب أيضًا عَن (قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى يَتَبَاهَى النَّاسُ) أي: يتفاخَرُون (فِي المَسَاجِدِ) أي: في بِنَاء المَسَاجِد، وكذَا في روَاية. أي: في حُسن بنَاءهَا وَزيَادَة زُخْرفها (٧) وفي "مسند أبي يَعْلى" (٨)، و"صَحيح ابن خزيمة" (٩) من

стр. 1612

طريق أبي قلابة أنَّ أنسًا قال: سَمعته يَقول: "يَأتي عَلى أُمّتي زمَان يتبَاهَون بالمَسَاجد ثم لا يعمرونَها إلا قَليلًا" (١). ومعنى: (لا يعمرونها) المراد عمارتها بالصَلاة، وكثرة ذكر الله تعالى والاعتكاف فيهَا، وليسَ به بنيَانها، وكذا روَاية البخَاري: "يتبَاهَونَ بهَا" (٢) أي بنقش المسَاجد وكثرتها، وروى في "شَرح السُّنَّة" بسنده عَن صَالح بن رستم قال: قال أبو قلابة: غدونا مَعَ أنَس بن مَالك إلى الزاوية فحَضَرت صَلاة الصبح، فَمررنا بمَسْجِد فقالَ أنَس: أي مَسْجد هذا؟ قالوا: مَسْجِد أحدَث الآن. فقال أنس: إنَّ رَسُول الله ﷺ قال: "سَيَأتي على الناس زَمَان يَتَبَاهَونَ في المَسَاجد، ثم لا يَعْمُرونهَا إلا قَليلًا" (٣). [٤٥٠] (ثَنَا رَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى) قال: (ثَنَا أَبُو هَمَّامٍ) مُحَمَّدُ بن مُحَبَّب بن (الدَّلالُ) البصري ثقة (٤) مَاتَ سنة ٢١٢. قال: (ثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عِيَاضٍ) الطائفي ذكرهُ ابن حبانَ في "الثقات" (٥). (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ) بن بشر الثقفي، استَعملهُ النبي ﷺ عَلى الطائف حَيَاته (٦) (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ) أي: أمَره حين وَلَّاهُ الطائف أن يجعَل مَسْجد أهل الطائف الذي يتخذهُ بهَا

стр. 1613

لإقامة الصلوات (١) فيه. (حَيثُ كَانَ طَوَاغِيتُهُمْ) جَمع طَاغوت، وهو بيَت للصنم (٢) الذي كانُوا يتعبدونَ فيهِ للهِ تعَالى، ويتقَربون إليه بالأصنام عَلى زَعْمهم؛ لأنها أنشئت وجددت عَلى اسم العِبَادَة، وكذَلكَ فعل كثير منَ الصَّحَابة حين فتحوا البلاد، جَعَلوا متعبدَاتهم مُتَعبدَات للمُسْلمين (٣) وغَيرُوا محاربيها، وكذَا فعَل صَلاح الدين بن أيوب حِينَ افتتح بيت المَقدس. وقَد رَوَى الطبراني في "الكبير" و"الأوسط": أنه جَاء بإدَاوَة مِن عند النبي ﷺ قد غسَل النبي ﷺ وَجهه ومَضمض (٤) وبَزَق فيهِ وقَال لهُ: "إذا أتَيتَ بِلادك فَرش به تلك البيعة (٥) واتخذهُ مَسْجدًا". والبيعَة بِكَسْر البَاء للنصَارى، والجَمع بِيَع، مِثل سدرة وسدر، وفي الحَدِيث أنه كانَ يُصَلى في البيعة (٦) وهي كنيسَة أهل الكتَاب. [٤٥١] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى) بْنِ عَبد الله (بْنِ فَارِسٍ) شيخ البخاري قال [الحُسَين بن الحَسَن] (٧) سَمعتُهُ يَقولُ: ارتحلت ثَلاث رحلات وأنفقت على العلم (٨) مائة وخَمسين ألفًا.

стр. 1614

(وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى) بن فَروخ الخوَارزمي، شَيخ مُسْلم (وَهُوَ أَتَمُّ) إسنادًا منه (قَالَا: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سَعْد الزهري، حجة وَرع مَات سنة ٢٠٨ (١). قال: (ثَنَا أَبِي) إبرَاهيم (٢) بن سَعْد بن إبراهيم بن عَبد الرحمَن بن عَوف (عَنْ صَالِح) بن كيسَان، قال: (ثَنَا نَافِعٌ) مَولى ابن عُمر (أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ) بفتح اللام وكَسر البَاء المُوَحَّدَة: مَا يُعمل منَ الطين ويبنى به قبل أن يُشْوى، وَيجوز التخفيف بإسْكان البَاء (٣). فيه ترك المغالاة في المسَاجِد وأمَاكن العِبَادَة. (وَالْجَرِيدِ) رِوَاية البخَاري: وسَقفه الجَريد (٤). بِفتح الجيم: وهوَ سَعَف النخل، الوَاحدة (٥) جَريدة، فَعيلَة بِمَعنَى مَفعُولة، وإنما يسَمى جريدًا (٦) إذا تجرَّدَ عنهُ خُوصه. (قَالَ مُجَاهِدٌ: عَمَدُهُ) بفتح أوله وثانيه، ويَجوز ضَمُّهمَا، واحده عمود، وقُرِئَ بالوَجهَين في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (٧) (خَشَبِ) يجوز فيه أيضًا الوَجْهَان يَعني: فتحهما وضمهما مُفْرَدًا وجمعًا.

стр. 1615

قال ابن بَطال (١) وغَيره: وهذا يَدُل على أن السُّنَّةَ في بنيان المَسْجد القصد (٢) وترك الغلُو في تحسينه فقد كانَ عُمرُ مَعَ كثرة الفتوح في أيامه، وسَعة المال عندَهُ لم يغَير المَسْجد عَما كانَ عَليه ([النخل] (٣) فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيئًا) حِينَ جدَّدهُ، وإنما احتاجَ إلى تجديده؛ لأنه كانَ قد تنخر في أيامه. (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ ﵁ وَبَنَاهُ عَلَى بنيَانه) أي: حِيَطانه بجنس الآلات المَذكورة، ولم يغَير شَيئًا من هيئتهِ إلا توسعته. (فِي عَهْدِ) صِفَة للبنيان، وإمَّا حَال (رَسُولِ الله ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عَمَدَهُ) بِوَجهَين كما تقدم، أي: كَما كَانَت. (قَالَ مُجَاهِدٌ): وَجَعَل (عُمُدَهُ خَشَبًا) كما كانت، (وَغَيرَهُ) روَاية البخَاري: "ثم غَيَّرَهُ" (٤) (عُثْمَانُ) مِنَ الوَجهَين [التوسيع وتغيير] (٥) الآلات (٦) (فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ) بفتح القَاف وتشديد الصَّاد المهملة: وهوَ (٧) الجِصّ بلُغَة أهل الحجَاز.

стр. 1616

قال الخطابي: يشبه الجصّ، وليسَ بهِ (١) انتهى. فلعَلهُ أراد به الشيد فإنه أصْل الجِصِّ. (وَجَعَلَ عَمَدَهُ حِجَارَةً مَنْقُوشَةً) بالنصب في الثلاثة مَفعُول أول، ومَفعُول ثان، وصفته. (وَسَقَّفَهُ) بلفظ الماضي: عَطفًا عَلى جَعل. وبإسكان القاف (٢) عطفًا على عَمَده (بِالسَّاجِ) نَوع مِن الخشب مَعروف يؤتى به منَ الهند. (قَالَ مُجَاهِدٌ: وَسَقَفَهُ) بفتحهما (السَّاج) ويُشبهُ أن يَكون سَقَّفهُ بتشديد القَاف، فَإنَّ سَقَفْتُ البَيتَ بالتخفيف مُتَعَدِّ إلى وَاحِد، وبالتَّشدِيد يتعَدى إلى ثَانٍ كما أنَّهُ بالهَمزة يتعدى إلى اثنَين، ويجوز أن يكونَ السَّاج مَنصُوب بحَذف حَرْف الجر، وأصلهُ سَقفهُ بالسَّاج كما في الروَاية المتقَدمَة. (قَالَ أَبُو دَاودَ: القَصَّةُ الجِصُّ) وأهْل بلادنا يُفَرقونَ بَيْنَ الجِصِّ والشيد، وَحُمِل فِعْلُ عثمان ﷺ عَلى أنهُ حسن المسْجد بمَا لا يقتضي الزخرفة التي أخبرَ عَنهَا ﷺ ، ومَعَ ذلك فَقَد أنكر بَعضُ الصَّحَابة عَلَيه، وسَكت كثير من أهل العِلم عَن إنكار ذَلكَ خَوفًا مِن الفتنة، ورَخَّصَ في ذَلك بَعضهم، وهوَ قول أبي حَنيفةٍ (٣) إذَا وَقَع ذَلك عَلىَ سَبيل التعظيم للمسَاجِد، ولم يَقع الصَّرفُ عَلى ذَلك من بَيت المال. قال ابن المنير: لمَّا شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسَبَ أن يُصنع ذَلك بالمسَاجِد صوْنًا لها عَن الاستهانة. وتُعقب بأن المنع إن كان

стр. 1617

للحث على اتباع السَّلف في ترك الرفاهية فهوَ كما قَال، وإن كانَ لخَشية شَغْل [القلب للمصَلي] (١) بالزخرفة فلا تبقى (٢) هذِه العلة، وأول مَن زخرف المَسَاجد الوَليد بن عَبد الملك بن مَروَان، وذلك في أوَاخِر عَصْر الصحَابة. [٤٥٢] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) (٣) قال: (ثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى) العَبْسي (عَنْ شَيْبَانَ) بن عَبْد الرحمَن التميمي النحوي. (عَنْ فِرَاسٍ) (٤) بن محَيى الهمدَاني المُكتب (عَنْ عَطِيَّةَ) بن (٥) سعْد صدوق يخطيء (٦). (عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ سَوَارِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ [وأَعْلَاهُ مُظلل بِجَرِيدِ النَّخْلِ] (٧) ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ) بكَسْر الخاء مِثل لعِبَت (٨) بوزنه أي: بليت وتفتتت مِن طُولْ المدة ([في خلافة أبي بكر] (٩) ﵁ فَبَنَاهَا بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَبِجَرِيدِ النَّخْلِ) كما تقدم. (ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ﵁ فَبَنَاهَا بِالآجُرِّ) بِمدِّ الهَمزة وتشديد

стр. 1618

الراء، وهوَ أشهرَ منَ التخفيف: وهوَ اللبِن إذا شُوي بالنار، الوَاحِدَة آجُرَّةٌ، وهوَ مَعرب (١) ومَا كرهَ أبُو بَكر وعُمَر تَشييدَهُ وتحسينه إلا لعلمهَما بكرَاهة النَّبِي ﷺ لذلك وليقتديَ بهَما مَن بَعدهما في الأخذ مِنَ الدنيا بالكفَاية المحصلة للمَقصُود، والزهد عَن مَعَالي أمُورِهَا، وإيثار البلغة منها في القوت واللباس والمكان ﵄. (فَلَمْ تزَلْ ثابتة حَتَّى الآنَ) حتى أتى زمَان عَبد الله بن عُمَرَ. [٤٥٣] (ثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سَعيد التميمي (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) يَزيد بن حُمَيد مصَغر الضُبَعي بضم الضَاد المُعجمة وفتح الموحدة. (عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ المَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي عُلْوِ) بضم العَين وكسْرهَا لغتان مَشهورتان (الْمَدِينَةِ) والعُلْو ضِدُّ السُّفل. (في قَوم يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بن (٢) الخزرَج الأكبر أخي الأوس. (فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً) وفي روَاية المُستملي والحموي: "أربعًا وَعشرين ليلة". والصَّوَابُ: أربع عَشرة ليلة كما ذكرهُ المصَنف [ومسلم (٣) هنا، (٤) وهذا هوَ المناسب في المعنى؛ لأنه بدر والبدر كماله في أربع عَشرة، فلما ازدَاد كماله في هذِه المدة شَرع في بنَاء بَيت يَعبُد الله تعالى فيه.

стр. 1619

(ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى) مَلأ (١) (بَنِي النَّجَّارِ) بفَتح النون وتشديد الجيم (٢) واسْم النجار تيم اللات بن ثعلبة بن عَمرو (٣) بن الخَزرَج، وهم بَطن مِنَ الأنصَار، وروَاية مُسْلم: أرسَل إلى مَلأ بني النجار (٤) يَعني: أشرافهم التي تملؤ رُؤيتهم الأعين (٥). (فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ سُيُوفَهُمْ) بِنَصْب الفاء مَفعُول مُتَقَلِّدِين؛ لأنه اسْم فاعِل يَعمل عَمل الفِعْل. وَروَاية مُسْلم: "مُتقلدين بسُيُوفهم" (٦). بزيَادَة البَاء، ومُتقَلدين نُصب على الحَال، وهذِه الروَاية المَشهورة، وفي روَاية كريمة للبخَاري: متقلدي السُيُوف (٧). بحَذف النونِ للإضافة، والسُيوف مَجْرُور بالإضَافة. والتقليد: جعَل نجاد السيوف على المنكب. قالَ الزَّركشي: يحتمل تقلدهم السيوف ليرهبُوا اليَهُود وليروهم مَا أعدُّوا لنصرته ﷺ . (قَالَ أَنسٌ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ) مُبتَدَأ خَبَره (رِدْفُهُ) بِكَسْر الراء وسُكون الدال. وفي روَاية النسَائي: رديفهُ (٨) بفتح

стр. 1620

الراء وكسْر الدال وزَيادَة ياء بعَد الدَال، وهي روَاية النسَائي، وهُما لغتان، والردف والرديف: الذي تحملهُ خلفك عَلى ظهر الدَابة. وفيه (١) إردَاف الدَابة إذا كانت مُطيقة. (وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى) بفتح الهمزة والقَاف، أي: ألقى رَحله، أي: طَرحَهُ بالأرض. (بِفِنَاءِ) بِكَسْر الفاء والمد، وفناء الدَار مَا امتَد من جَوَانبهَا (أَبِي أَيُّوبَ) خَالد الأنصَاري، والمشهور أن الفناء هوَ المتسع الذي أمَام الدَار (وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ ) يحبُّ أن (يُصَلِّي) كذَا في البخَاري (٢) (حَيثُ) وقَد نص الفُقهاء والأصُوليُّون على أنَّ (حَيْثُ) من صيغ العموم في الأمكنَة، كما أن (أَين) مِن صِيغ العُموم للأزمنة (٣) فالتقدير: كانَ يُصَلي في أي مكَان (أَدْرَكتْهُ) أي: دَخَل عَليْه وَقت (الصَّلَاة) وهوَ فيهَا، لكن يخص عمُوم الأمكنَة بمَا رَوَاهُ ابن خزيمة والحَاكم والمصَنف مِن روَاية أبي سَعيد أن رَسُول الله ﷺ قال: "الأرض كلهَا مَسْجد إلا المقبرَة والحمام" (٤). (ويُصَلِّي فِي مَرَابِضِ) (٥) جَمْع مَرْبِضْ بِوَزن مَجْلِس، وقالَ ابن حَجر (٦): بكَسْر الميم مَأوى (الْغَنَمِ) ليلًا، ورُبُوض الدابة مِثل بُروك الإبل، وقد بَين البخَاري بَما رَوَاهُ مِن حَدِيث أنَس أيضًا أن النَبي ﷺ

стр. 1621

كانَ يصلى في مِرابض الغَنَم قبل أن (١) يبني المَسْجِد (٢). والمعنى (٣): أن رَسُول الله ﷺ كانَ يحب أن يُصَلي الصلاة (٤) حَيث دَخَل عَليه وقتها، سَوَاء كانَ في مرَابض الغَنم أو غَيرهَا، وَبين في هذا الحَدِيث [أن ذلك كانَ قبل أن يبنى] (٥) المَسْجد، ثم بَعْد بنَاء المَسْجْد صَار لا يحب الصَّلَاة في غَيره إلا لضَرورَة. قَال ابن بَطال (٦): هذا الحَدِيث حجَّة عَلى الشَافعي في قَوله بنجَاسَة أبوَال الغَنم؛ لأن مرابض الغنم لا تَسلم مِن ذلك، وتعقب بأن الأصل الطهَارة، وعدَم السَّلَامة منهَا غالبًا (٧) وإذا تعارَضَ الأصْل والغالب قدم الأصْل (٨). (وإنَّهُ) بِكَسْر الهَمزَة (أَمَرَ) بفتح الهَمزة والميم عَلى البِنَاء للفاعِل، وروي بضم أوله وكسْر ثانيه عَلى البنَاء للمفعُول أي: أمر من عند الله (بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) بعد ذَلك. (فَأَرْسَلَ) حِينَ أرَادَ بناءهُ (إِلَى بَنِي النَجَّارِ وقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي) بالثاء المُثَلثة أي: اذكروا لي ثمنه لأشتَريه منكم، وبَوَّبَ عَلَيه البُخَاري

стр. 1622

صَاحب السِّلعة أحَقُّ بالسَّوم يَعني منَ المشتري في ذكر الثمن؛ لأنه المالك وفي مَعناهُ المؤجر. (بِحَائِطِكُمْ هذا) والحَائط البُستان الذي عَليْه مَا يحوطه. (فَقَالُوا: والله لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا) استثناء مُنقطع أي: لكن نكل الأمر فيه (إِلَى الله) وإلى بمعنى من (١) وكذَا وَقع عندَ الإسَماعيلي (٢): لا نطلبُ ثمنهُ إلا منَ الله. ورواية ابن مَاجه: لا نأخذ له ثمنا أبدًا (٣). وظاهِر الحَديث أنهُم امتنعُوا أن يأخذوا منهُ ثمنًا، لكن ذكر محَمد بن سَعد، عَن الوَاقدي أنَّ النبي ﷺ اشتراهُ منهم بَعشرة دَنانير دَفعَهَا عنهُ أبو بكر ﵁ (٤). ويَحتمل أنهم لما امتنعُوا من أخذ ثمنه لم يقبل، بَل ألح عَليهم حَتى أخَذُوا ثَمنه عَشرة دَنَانير. (قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: كَانَتْ فِيهِ) أي: في الحَائط الذي بنى في مكانه المَسْجد (قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَكانَتْ فِيهِ خِرَبٌ) قال ابن الجَوزي (٥): المعَرُوف فيه فتح الخَاء وكسْر الراء بعدهَا بَاء موَحدة، جَمع خربة، كَكَلم وكلمة، وحكى الخطابي (٦) أيضًا كسْر أوله وفتح ثانيه، جمع خِربة، كعنَب وعنَبة. قالَ ابن حجر: والمشهور في "سُنَن

стр. 1623

أبي دَاود" فتح أوله وكسْر ثانيه (١). (وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِقُبُورِ المُشْرِكينَ فَنُبِشَتْ) فيه جَوَاز نَبش القُبور الدارسة، وأَنَّهُ إذا أزيل ترابهَا المختلط بِصَديدهم ودمَائهِمْ جَازت الصَّلاة في تلك الأرض، وجَوَاز اتخاذ مَوْضعهَا مَسْجِدًا إذا طُيِّبَت أرضه. وفيه أَن الأرض التي دفن فيها الموتى ودرسَت يَجُوز بَيْعهَا وهبتها، وإن لم يذكر البَيع في الأرض؛ لأنه لو لم يَجُز لم يطلبه النبي ﷺ وأنها بَاقية عَلى ملك صَاحبهَا وورثته من بَعده إذا لم تُوقَفْ. [(وبالخِرب فسُوِّيت)] ومَعنى التسوية أن يكون فيهَا بنَاء هَدم (٢) أو ارتفاع وانهبَاط من مَوضع الأشجار، فسُوّيت الأرض بإزالته لتَصير جَميع الأرض مُسْتَوية مَبسُوطَة للمصَلين (وَبِالنخْلِ فَقُطِعَ) فيه جَوَاز قطع الأشجار المُثمرَة للحَاجَة، وتعقب لاحتمال أن تكون تلك الأشجار (٣) (فَصَفُّوا النَّخْلَ) التي قُطِعَت (قِبْلَةً للْمَسْجِدِ). قال الكرمَاني في قوله: (فَصفوا النخل) أي: مَوَاضع النخل، والظاهر أنهمُ صَفوا النخل قائمة في مَوْضع المحراب وغيره مِن جهة القبلَة سُترة للمصَلين، ويدل على ذلك قوله: (وَجَعَلُوا عِضَادَتَيهِ) بِكَسْر المُهملة أي: جَانبا العَتبَة مِنَ البَاب، ويحتمل أن يَكون عضادَتي المِحْراب. (حِجَارَةً، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصخر) (٤) روَاية ابن مَاجَه: فكانَ النبي ﷺ

стр. 1624

يَبنيه وهمُ يناولونَه والنَّبي ﷺ يَقول (١) (وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ) ويقَالُ: يُرجِزُون بوَزن: يُقْبلون أي: يقولُون (٢) شعر الرَّجز، وهو نَوع مِن أنواع الشعر، وَقيل: لَيْسَ الرجز من أبحر (٣) الشعر (وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ وَ) هُوَ (يَقُولُ) لأن النبي ﷺ لا يقول الشعر (اللَّهُمَّ لَا خَيرَ إلا خَيرُ الآخِرَهْ) روَاية ابن مَاجَه: "إن العَيشَ عَيشُ الآخِرَة" (٤). (فَانْصُرِ الأنَصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ) وأكثَر روَاة البخَاري: "فاغفر للأنصَار والمُهَاجره" (٥). وَروَاه المُستملي والحمَوي "فاغفر الأنصار" (٦). بحَذف اللام، [توَجه بأن] (٧) أغفر ضمن مَعنى أستر، وفيه جَوَاز قَول الأشعار في (٨) حَال البنَاء وغَيره مِنَ الأعمال والأسفار تَنشيطًا للنفوس وتَسهيلًا للأعمال، واختَلفُوا في أنَّ الرَّجز شعر أمْ لَا، واتفقوا على أنَّ الشعر لا يكون شِعرًا إلا بالقَصد، أمَا إذا جَرى كلام مَوزُون بِغَير قصد فلا يكون شِعرًا، وعَليه يحمل مَا جَاء عَن النبي ﷺ من ذلك. [٤٥٤] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي، قال: (ثَنَا حَمَّادُ) بْنُ سَلَمَةَ (عن أَبِي التَّيَّاحِ) يزيد بن حمَيد.

стр. 1625

(عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كانَ مَوْضِعُ المَسْجِدِ حَائِطًا (١) لِبَنِي النَّجَّارِ فِيه خِرَب) (٢) تقدم (٣). (وَنَخْلٌ وَقُبُورُ المُشْرِكينَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ثَامِنُونِي بِهِ. فَقَالُوا: لا نَبْغِي) أي: لا نطلب ثمنه (فَقَطَعَ النَّخْلَ) بفتح القَاف والطاء [من قطع] (٤) ونَصب النخل مَبني للفاعِل أي: أمر بالقطع (وَسُوِّيَ الحَرْثُ) بفتح الحَاء المهملة وآخرهُ ثاء مثَلثة، هَكذا روَاية حَماد عَن أبي التياح (٥). قال ابن حجرَ: وهم من روى في البخاري بالمهملة (٦) والمثَلثَة؛ لأنها إنما جَاءت من روَاية ابن سَلمة عن أبي التياح (٧)، والبخَاري إنما أخرَجَهُ مِن رِوَاية عَبد الوَارث (٨). قالَ الخَطابي (٩): لعَلَّ صَوَابه خُرَبٌ بضم الخاء المُعجمة، جَمع خُرْبة بالضم، وهي الخروق في الأرض، أو لَعَلهُ جرف (١٠). قال القاضي: [مَا أدرِي] (١١) مَا اضطره إلى هذا المعنَى (١٢) يعني:

стр. 1626

أن هذا تكلف لا حَاجَة إليه، فإن الذي ثبت في الروَاية صَحيح المَعْنَي لا حَاجَة إلى تغييره (١). (وَنُبِشَ قُبُورُ المُشْرِكينَ) مِنَ الجَاهلية وغَيرهم أي: دونَ غَيرهَا مِن قبور الأنبيَاء وأتباعهم لما في نبش القبر وإخرَاج الميت من إهَانة لهُ، فلهَذا جَاز نَبش قُبور المشركين وغَيرهم ممن لا حُرمة له. (وَسَاقَ الحَدِيثَ) المتَقدم (وَقَالَ) في هذِه الروَاية (فَاغْفِرْ) الأنصَار (مَكَانَ فَانْصُرْ) الأنصَار، وسَبَقَ تَوجيهه (٢) بأن اغفر ضمن معنى استُر؛ فَإنَّ الغفر هوَ الستر، ومنهُ سُميَ المِغْفَر؛ لأنهُ يَسْتر الرأس. (قَالَ مُوسَى) بن إسماعَيل (وَثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) التنوري (بِنَحْوِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الوَارِثِ يَقُولُ) في روَايته (٣) (خَرِبٌ) بِفَتح الخاء المُعجمة وكَسْر الرَّاء، (وَزَعَمَ عَبْدُ الوَارِثِ أَنَّهُ أَفَادَ حَمَّادًا) يَعني: ابن سَلمة (هذا الحَدِيثَ) واللهُ أعلم.

стр. 1627

١٣ - باب اتخاذ المَساجِدِ فِي الدُّورِ ٤٥٥ - حَدَّثَنا محَمَّد بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا حُسَين بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زائِدَةَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُروَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أَمَرَ رَسُول اللهِ ﷺ بِبِناءِ المَساجِدِ في الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ (١). ٤٥٦ - حَدَّثَنا محَمَّد بْنُ داودَ بْنِ سُفْيانَ، حَدَّثَنا يحيَى -يَعْنِي ابن حَسّانَ- حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْن مُوسَى، حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِيهِ سَمُرَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابنهِ أَمّا بَعْدُ فَإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَأمُرُنا بِالمَساجِدِ أَنْ نَصْنَعَها فِي دِيارِنا وَنُصْلِحَ صَنْعَتَها وَنُطَهِّرَها (٢). * * * باب اتخاذ المساجد في الدور [٤٥٥] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) قال: (ثَنَا حُسَينُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الأسْوَد العجلي، قَالَ أبُو حَاتم: صَدُوق (٣) (عَنْ زَائِدَةَ) بن قدامة - أو ابن نشيط (٤) - وهما ثقتان (٥).

стр. 1628

(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عُروَة بن الزبير أخي عبْد الله، (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ ) أي: أذِنَ (بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ). قَالَ في "شَرح السُّنَّة" (١): يُريْدُ المحَال التي فيها الدُّور، وَمنهُ قَوله تَعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢)؛ لأنهم كانُوا يسمونَ المحلة (٣) التي اجتمعت فيهَا قبيلة دَارًا، ومِنهُ الحَديث: مَا بقيت دَار إلا بني فيها مَسْجِد. قَالَ سُفيان: بنَاء المسَاجِد في الدور يَعني القبائل (٤). أي: منَ العَرب يتصل بعضها ببعْض، وهم بنو أب وَاحِد يبنى لكل قَبيلة مَسْجِدٌ، هذا ظاهِر مَعْنى تفسير سُفيان الدور، ويَدخل في المسَاجِد التي يقَام فيهَا الجُمعَة. قال أهل اللغَة: الأصْل في إطلاق الدُّور عَلى الموَاضِع، وقد تُطلق عَلى القَبائل مجَازًا (٥). قالَ بَعض المحدثين: والبَسَاتِين في معَنى الدور، وعلى هذا فيُستحب بنَاء المَسْجد من حَجر، أو طُوب، أو لبِن، أو مدر، أو خشب، أو غَير ذَلك في كل محلة يحلهَا المقيمون بهَا، وهي مائة بَيت فما فَوقَها، كَذَا قيَّدَهُ بَعض أهل اللغَة، وكل قبيلَة وكل بَسَاتِين مُجتمعَة. قالَ البغَوي في "شَرح السُّنَّة": في هذا الحَدِيث دَليل على أن المَكان

стр. 1629

لا يصير مَسْجِدًا بالتسمِيَة (١) حَتى يُوقفهُ صَاحِبه أو يسبله (٢) ولو صَار مَسْجِدًا لزَال عنهُ ملك المالك (٣). (وَأَنْ تُنَظَّفَ) بالظاء المشالة لا بالضاد كما في بعض النسَخ المُصَحفة، ومَعْنَاهُ: تطهر، كما في روَاية ابن مَاجَه (٤) يَعني تنظف مِنَ الوَسَخ والدنس، واختلاف اللغتَين يَدُل عَلى أن الطهَارة والنظافة بِمعنى واحِد كما تقول الفقهاء، وعَلى هذا فَتُحمل روَاية ابن مَاجَه على الطهَارة اللغَوية والشرعية. (وتُطَيَّبَ) أي: بطيب الرجَال، وهوَ مَا خفي لونه وظهرَ ريحهُ، فإن اللون رُبما شغل نظرَ (٥) المُصَلي، والأولى في تطييب المسَاجِد (٦) مَوَاضِع المُصَلين، ومَوَاضِع سُجودهِمْ أولى، وَيجوز أن يحمل التطييب على التجمير في المَسْجد، فَقَد ذكر الحَافظ عَبد الغَني المقدسي [وَرَوَاهُ أبو يَعلى عَن ابن عُمَر] (٧) أن عُمرَ ﵁ جَعَل نعيم بن عبَد الله عَلى إجمَار المَسْجد. أي: تبخيره (٨) ولهذا سُمي نعيم المجمر بضم الميم وسُكون الجيم (٩) هكذا ضَبَطهُ ابن دقيق العِيد (١٠)، وأما الحَافظ

стр. 1630

أبُو حَاتم محمد ابن حبان فجزم بأن المجمر صفة لأبيه (١)، وتبعَهُ النوَوي في "شرح مسلم" (٢). [٤٥٦] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاودَ (٣) بْنِ سُفْيَانَ) قال: (ثَنَا يَحْيىَ بْن حَسَّانَ) التنيسي مُتفق عَليه. قال: (ثَنَا سُلَيمَانُ (٤) بْنُ مُوسَى) الزهري صَالح الحَديث (٥). قال: (ثَنَا جَعْفَرُ (٦) بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ) بن جندب، قال: (ثنا خُبَيبُ) بِضَم الخَاء المُعجمَة ثمَّ بموَحدَة مُصَغر (بْنُ سُلَيمَانَ) بن سَمرة، وليسَ في السِّتة إلا خبيب هذا، وخبيب بن عَبد الله بن الزبير (٧) انفرد به النسَائي، وخبيب بن عَبد الرحمَن عندَ الجماعة. (عَنْ أَبِيهِ سُلَيمَانَ بْنِ سَمُرَةَ) بن جندب (عَنْ أَبِيهِ سَمُرَةَ) بن جندب، (أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بنيه) بعدَ السَّلام والحَمْدُ لله والصَّلاة عَلى رَسُول الله ﷺ (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْمَسَاجِدِ أَنْ نَصْنَعَهَا) أي: نَعْمَلهَا فِي دِيَارِنَا. (في (٨) دورنا) هذا الحَديث روَاهُ أحمَد بإسْناد صحيح عَن عروة بن

стр. 1631

الزبير [عَمَّن حدثه] (١) من أصحَاب رَسُول الله ﷺ قال (٢): كانَ رَسُول الله ﷺ يَأمُرُنا أن نصنع (٣) المسَاجد في دورنا، وأن نصْلح صَنعتها ونطهرَها. [وجدة عُروَة بن الزبَير هي صَفية بنت المُطلب رَوَت عَن النَّبي ﷺ عَند (٤) أحمد فالظاهِر أنها هي] (٥) ويشبهُ أنَّ المراد بِصنَاعَة المَسَاجد في الدُّور للصَّلاة فيهَا التطوُّع، أو الفَرض إذا لم يذهب إلى المَسجِد الجَامع، وكذا للاعتكاف عندَ مَن يقول به، وقد يُؤخذ منهُ صحة اعتكاف المرأة في مَسْجِد بَيتها؛ وهو المعتزل المهَيأ للصَّلاة فيه، وقد اختلف مَذهَب الشافعي فيه، فالجَديد أنه لا يصح كما لا يَصح مِنَ الرجُل، وهذا هوَ المذهب الذي به قطعَ الجمهُور، والقديم يَصح اعتكاف المرأة في مَسْجِد بَيتها؛ لأنه يُسَمى مَسْجدًا، وقَد أمَر النبي ﷺ باصطناع المَسَاجِد في الدور للصَّلاة فيه (٦). قالَ شارح "المصَابيح": يحتمل أَنَّ رَسُول الله ﷺ أذنَ أن يَبني الرجُل في دَاره مَسْجِدًا يصَلي فيه أهل بَيته، ولا يصير المَوْضع مَسْجدًا بالصَّلاة

стр. 1632

فيه. وقالَ أبو حنيفة (١): يَصح؛ لأنهُ موضع مسنون صَلاتها فيه، فأشبهَ المَسْجِد في حق الرجُل، وأجَاب الشافعية بأن البَيت مَوضع مَسْنون (٢) الرجُل، ولَا يَصح اعتكافه فيه بالنفل (٣). (وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا) بِضم النُّون مَن نُصلح أي: يحسن صناعتها لا بالنقش والتزويق. (وَنُطَهِّرَهَا) مِنَ النجَاسَة والوَسَخ والدَّنَس، ويُؤخَذ مِنَ الحَدِيث الذي قبلهُ أنها تطيَّب كما تقدم. * * *

стр. 1633

١٤ - باب فِي السُّرُجِ فِي المَساجِدِ ٤٥٧ - حَدَّثَنا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنا مِسْكِينٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ زِيادِ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ أَفْتِنا فِي بَيْتِ المَقْدِسِ فَقالَ: "ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ -وَكانَتِ البِلادُ إِذْ ذاكَ حَربًا- فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ فابْعَثُوا بِزَيْتِ يُسْرَجُ فِي قَنادِيلِهِ" (١). * * * باب في السُّرُجِ في المساجد (السُّرج) بِضَم السِّين والراء، جَمع سِرَاج، مثل كتَاب وكُتُب. [٤٥٧] (ثَنَا النُّفَيلِيُّ)، قال: (ثَنَا مِسْكِينٌ) بن بكير، رَوَى له الشيخَان، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) مُفتي دمشق وعالمها، روى لهُ مُسْلم. (عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ) قالَ الشيخ صَلاح الدين العَلائي (٢) في "وَسَائل الأنس إلى (٣) فضَائل القدس": هذا فيه انقطاع، وقد رَوَاهُ مُعَاوية بن (٤) صَالح، وثور بن يَزيد، عَن زياد بن أبي سودة، عَن أخيه عُثمان (عَنْ مَيمُونَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أَفْتِنَا) بفتح الهمزة. (فِي بَيتِ المَقْدِسِ) قالَ: وزياد بن أبي سَودة ذكرَهُ ابن حبان في

стр. 1634

"الثقات" (١) وأخوهُ عُثمان مَشهُورَان (٢) بالروَاية عَن الصحابة كأبي الدرداء وَعبَادَة بن الصَّامِت وأبي هُرَيرَة (٣). روى عَنهُ جَمَاعَة كَثيرُون، وقالَ مروان بن محمَّد الدمشقي: هُوَ وأخوهُ ثبتَان (٤) لم يتكلم فيهمَا أحَدٌ أصلا. والحديث أخرجَهُ ابن مَاجَه وزادَ: قلتُ: يَا رَسُولَ الله أفتنا في بَيت المقدس (٥) (فَقَالَ: ) "أرْض المحشَر والمنشر (ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ) فإن صلاة (٦) فيه كألف صَلاة في غَيره" قلت: أرَأيتَ إن لم أسْتَطع أن أتحمَّل (٧) إليه؟ قالَ: "فتهدي إليه زَيتًا". (وَكَانَتِ البِلاد إِذْ) بمَعنى حين (٨) [كقوله تعالى] (٩): ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (١٠) أي: حين (١١) تفيضون فيه. (ذَاكَ) الوَقت (حَرْبًا) يَعني مَعَ الكفار الذين فيه. (فَإِنْ لَمْ تَأتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ) ويشبه أن

стр. 1635

يَكون الجَامع بين (١) الصلاة والزيت عند عَدَمهَا أن الصَّلاة نُور كما في "صحيح مسلم" (٢) وغَيره، فكذلك الزيت نور كما قال تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ (٣) وقَالَ ابن عَباس: يَكادُ الزيت الصَّافي يضيء قَبل أن تمسَّهُ النار ازدَادَ ضَوءًا عَلى ضَوءٍ (٤). زادَ ابن مَاجَة في روَايَته: "فمن فعل ذلك -يَعني بعَث الزيت إليه- فَهْو كمن أتَاهُ" (٥). ثم قالَ العَلَائي (٦): هذا حَديث حَسَن -أو (٧) صَحيح- إن شاء اللهُ، ثم قَالَ: وهوَ أقوى ما وَرَدَ في مقدَار المضَاعفة في الصَّلاة بالمَسْجِد الأقصى (٨). وميمونة هذِه بنت سَعد، ويقال: بنت سَعيد، مولاةُ النبي ﷺ ، ولهَا في كتُب السنَن أربع أحَاديث هذا أحَدُهَا. وقَد رَوَاهُ محمد بن عبد الرحمَن بن ثوبَان، عن ثور بن يزيد، عن (٩) مكحول: أنَّ ميمونة سَألت رَسُول الله ﷺ عَن بَيت المقدس؟ قال: "نعم المسكن (١٠) بَيت المقدس، ومن صَلى فيه صَلاة كانت كألف صَلاة فيمَا

стр. 1636

سواهُ". قالت: فمَن لم (١) يُطق ذلك؟ قَال: "فليُهد لهُ زَيتًا" (٢). ثم قالَ: وهذا مُرْسَل؛ لأنَّ مَكحولًا لم يَسْمَع من ميمونة انتهى. قُلتُ: وهذا الكتَاب "وسَائل الأنس (٣) " سَمعته في الحضرة الموسَويَّة عندَ ضَريحه ﷺ عند الكثيب (٤) الأحمر بقراءة عَبد الرحمن بن الشيخ [الإمام العَلامَة] (٥) شمس (٦) الدين [محمد بن العَلامة فقيه المذهَب تقي الدين] (٧) القلقشندي، بروَايته عَن شيخنا الشيخ المعمر شهاب الدين (٨) أحمد ولد العَلائي المصَنف رَحمهُ (٩) اللهُ، وفي هذا الحَدِيث فَضِيلة إسرَاج القناديل في المَسَاجد. وروى ابن مَاجَه "أن (١٠) أول من أسْرَج (١١) في المساجد تميم الداري ﵀" (١٢). * * *

стр. 1637

١٥ - باب فِي حَصَى المَسْجِدِ ٤٥٨ - حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ تَمّامِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ سُلَيْمٍ الباهِلِيُّ، عَنْ أَبِي الوَلِيدِ سَأَلت ابن عُمَرَ، عَنِ الحصَى الذِي فِي المَسْجِدِ فَقالَ: مُطِرْنا ذاتَ لَيْلَةٍ فَأَصْبَحَتِ الأَرْضُ مُبْتَلَّةً فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالحَصَى فِي ثَوْبِهِ فَيَبْسُطُهُ تَحْتَهُ فَلَمّا قَضَى رَسُول اللهِ ﷺ الصَّلاةَ قالَ: "ما أَحْسَنَ هذا" (١). ٤٥٩ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبيِ شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ وَوَكِيعٌ قالا: حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبيِ صالِحٍ قالَ: كانَ يُقالُ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذا أَخْرَجَ الحَصَى مِنَ المَسْجِدِ يُناشِدُهُ (٢). ٤٦٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحاقَ أَبُو بَكْرٍ -يَعْنِي: الصّاغانِيَّ- حَدَّثَنا أَبُو بَدْرٍ شُجاعُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنا شَرِيكٌ، حَدَّثَنا أَبُو حَصِينٍ عَنْ أَبِي صالِحٍ عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ -قالَ أَبُو بَدْرٍ- أُراهُ قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إنَّ الحَصاةَ لَتُناشِدُ الذِي يُخْرجُها مِنَ المَسْجِدِ" (٣). * * * باب في حصى المسجد [٤٥٨] (ثَنَا سَهْلُ (٤) بْنُ تَمَّامِ) بفتح المثَناة وتشديد الميم (بْنِ بَزِيعٍ)

стр. 1638

بِفتح البَاء الموَحَّدة، وكسْر الزاي، ثم مثَناة تحت الطفاوي ذكره ابن حبان في "الثقات" (١) وقَالَ أبُو حَاتم وأبُو (٢) زرعة: ليسَ بكذاب (٣). قال: (ثَنَا عُمَرُ بْنُ سُلَيمٍ) بِضَم السِّين مُصَغر (الْبَاهِلِيُّ) صَدَّقَهُ أبُو زرعة (٤) (عَنْ أَبِي الوَلِيدِ) عَبد الله بن الحَارث البصري نَسِيب (٥) محمد بن سيرين قاله المنذري (٦). والأرجح أنهُ مَولى بَني روَاحَة، وهو (٧) مَجهُول، بخلاف عَبد الله بن الحَارث فإنهُ [في الستة] (٨) (٩). (قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ ﵁ عَنِ الحَصَى) الصِّغَار (التي فِي المَسْجِدِ؟ فَقَالَ: مُطرنا (١٠) ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَصْبَحَتِ الأَرْضُ) يَعني: أرض المَسْجد (مُبْتَلَّةً) بإسْكان المُوَحدة وفتح المثناة فَوق (فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْحَصَى فِي ثَوْبِهِ) فيه توَاضُع الصَّحَابة، واحتراصهم عَلى فِعْل الخَير (فَيَبْسُطُهُ تَحْتَهُ ليُصَلي عليه ويَجلس. (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ الله ﷺ الصَّلاة) الظاهر أنها صَلاة الصُّبح (قَالَ: مَا

стр. 1639

أَحْسَنَ هذا) فيه أن الكبير وإمَام المَسْجِد يُسْتَحبُّ لهُ إذا رَأى شخصًا أو جَمَاعَة فعَلوا في المَسْجِد شَيئًا مِن مَصالحه و (١) مَصَالح المُسْلمين أن يثني عَليهم، ويحسن فعلهم، ويدْعُو لهم. [٤٥٩] (ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محَمد بن خازم الضرير (٢) (وَوَكِيعٌ قَالا: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوَان السمان (٣) التابعي (قَالَ: كَانَ يُقَالُ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَخْرَجَ الحَصَى مِنَ المَسْجِدِ يُنَاشِدُهُ) بالله، أي: يستعْطفه ويسألهُ بالله مُقسمة عليه أن لا يخرجهَا مِنَ المَسْجِد. [٤٦٠] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبو بَكْرٍ الصَّاغَانِي) شيخ مُسْلم، قال: (ثَنَا أَبُو بَدْرٍ (٤) شُجَاعُ بْنُ الوَلِيدِ) بن قيس السكوني (٥)، قال: (ثَنَا شَرِيكٌ) ابن عَبد الله النخعي، قال: (ثَنَا أَبُو حُصيبن) بضم الحَاء وفتح الصَّاد (٦) المهمَلتَين، واسْمهُ عُثمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) الزيات (٧). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أَبُو بَدْرٍ أراه) أي: أظُنهُ (قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الحَصَاةَ) الوَاحِدة والله (لَتُنَاشِدُ (٨) الذِي يُخْرِجُهَا مِنَ

стр. 1640

المَسْجِدِ) إذَا أرَادَ إخرَاجهَا مِنهُ، يَجوز أن يَكون هذا بِوَحيٍ من الله تَعَالى، ويجوز أن يَكونَ إخبَارًا عَن سَمَاعهَا مُناشدَتها لآخذهَا، فيَكون هذا مِنْ مُعجِزَاته كما كانَ يُسَبح (١) الحَصَى في كفه ﷺ . وفي هذا النهيُ عَن إخرَاج تراب المَسجد وحجارته وسَائر أجزائه منه إلى غَير المَسْجِد، وإذا صَدَر هذا مِنَ الجماد فما ظنك أيهَا الآدمي بأن يكون قد أكرمَك الله بإدخَاله بَيته، فتخرج مِنه بنَفسك لغَير ضَرُورَة ولا إكرَاه، ورُبمَا خرَجَ منهُ لغَير حَاجَة أكيدَة.

стр. 1641

١٦ - باب فِي كَنْسِ المَسْجدِ ٤٦١ - حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْن عَبْدِ الحَكَمِ الخَزّازُ، أَخْبَرَنا عَبْدُ المجِيدِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوّادٍ، عَنِ ابن خرَيْجٍ عَنِ المطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عُرِضَتْ عَلي أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذاةُ يُخْرِجُها الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلي ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَها رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَها" (١). * * * باب في كنس المسجد [٤٦١] (ثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ) الوَراق (الْخَزَّازُ) ثقة صَالح، قالَ أحمد: قل من يَرى مثله (٢)، قالَ: (أَخْبَرَنَا [عَبْدُ المَجِيدِ] (٣) بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ [أَبِي رَوَّاب]) (٤) بتشديد الوَاو الأزدي مَولاهُم المكي، وثقهُ يَحيى بن معين (٥)، (عَن) عَبد الملك (ابن جريج (٦)، عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ حَنْطَبٍ) بفتح الحَاء المُهملَة وسُكون النون، وفي نُسَخ "الموَطأ" حوَيْطب بِدَل حنطب، وهو خَطأ، (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ

стр. 1642

قال: (١) قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي) أي: أُجُور أعمال أُمتي جَميعها (حَتَّى) لانتهاء غاية مَا عرضت عَليه. (الْقَذَاةِ) بتخفيف الذال المعجمة والقَصر [والجَر بِحَتَّى] (٢): الوَاحِدَةُ مِنَ التبن والتراب وغَير ذَلك. (يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ) أو المرأة. (مِنَ المَسْجِدِ) وهذا فيهِ تَرغيب في تنظيف المَسَاجِد مما يَحصُل فيهَا مِنَ القمامَات القَليلة، وأنهَا تكتب في أُجورهم وتعرض عَلى نَبيِّهم، وإذا كتب هذا القَليل وعرض، فيكتب الكثير ويُعرض من بَاب الأولى، ففيه تنبيه بالأَدنى عن الأعلى، وبالطَّاهِر عن النَّجس، والحَسَنَات عَلى قدر الأعمال، وسَمعتُ من (٣) بَعض المشايخ أنهُ يَنبغي لمن أخرجَ قذاة مِنَ المَسْجِد، أو أذى مِنْ طَريق المُسْلمين أن يقول عندَ أخذهَا لإزَالتها: لا إله إلا الله، لِيَجْمَع بينَ أدنَى شعَب الإيمان وأعلاهَا، وهي كلمَة التوحيد، وبَيْنَ الأفعَال والأقوال، وإن اجتمع القَلب مَعَ اللسَان كانَ ذلك أكمل. (وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ) جَميع (أُمَّتِي) فأضافَهم إليه تَكريمًا لهُمْ، وأنهم مَعَ الذنوب دَاخلون في أمته. (فَلَمْ أَرَ) منهَا حين عرضت علي (ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ (٤) سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ أَوْ آيَةٍ) من القرآن (أُوتِيَهَا رَجُلٌ) (٥) أي: امتنَّ الله تعالى عليه بِتَعلمِهَا.

стр. 1643

(ثُمَّ نَسِيَهَا) فيه دَليل عَلى جَوَاز قَول الإنسَان: نسيت [آية كذا، أو سورة كذا من غير كراهة، أما ما رواه مسلم: "بئسما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت] (١) بَل هوَ نُسِّي" (٢). قَال المازري: أولى (٣) مَا يُؤَوَّلُ به أن يَكونَ هذا مِن ذَم الحال و [كراهته، لا ذم] (٤) القول، أي: بئستِ الحَالة والصِّفة لمن أُوتي القرآن أن يغفل عنهُ حتى نَسيهُ، فقال: نَسيته وهوَ لم ينسَ مِنْ قبَل نفسه، إذ ليْسَ النسْيان من فِعله، لكنَّهُ مِن فِعْل الله الذي نَساهُ إيَّاهُ عُقوبة لإعراضه عنهُ واستخفافه بحقه، وحكاهُ النوَوي عَن القاضي عياض وقال: يُكرَهُ أن يَقول نَسيت آية كَذَا وَكذَا كَرَاهة تَنزِيه انتَهى (٥). قال شارح "المصَابيح": قولهُ في الحَديث: "فَلَمْ أرَ ذَنبًا أعظم" أي: مِن سَائر الذنوب الصَّغَائر؛ لأن نسيَان القرآن مِنَ الحفظ لَيْسَ بِذَنب كبير، إن لم يَكن مِن استخفاف وقلة تَعظيمه للقرآن، وإنما قال ﵇ هذا التشديد العَظيم تَحريضًا منهُ على مُرَاعَاة حِفظ القُرآن (٦). * * *

стр. 1644

١٧ - باب فِي اعْتزالِ النِّساءِ فِي المَساجدِ عَنِ الرِّجالِ ٤٦٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، حَدَّثَنا أَيُّوبُ، عَنْ نافِع، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ تَرَكْنا هذا البابَ لِلنِّساءِ". قالَ نافِعٌ: فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابن عُمَرَ حَتَّى ماتَ. وقالَ غَيْرُ عَبْدِ الوارِثِ: قالَ عُمَرُ، وَهُوَ أَصَحُّ (١). ٤٦٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نافِعٍ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ وَهُوَ أَصَحُّ (٢). ٤٦٤ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ -يَعْنِي ابن سَعِيدٍ- حَدَّثَنا بَكْرٌ -يَعْنِي ابن مُضَرَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ نافِع أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يَنْهَى أَنْ يُدْخَلَ مِنْ بابِ النِّساءِ (٣). * * * باب في اعتزال النساء في المساجد عن الرجال [٤٦٢] (ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمرو) بن أبي الحَجاج مَيسرَة المنقري (أَبُو مَعْمَرٍ) شيخ البخَاري، قال: (ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سَعيد، قال: (ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ تَرَكنَا) يُشبهُ أن يَكون معْنى (لو) التمني فإن عَلامتهَا أن يَصح مَوضعهَا "ليت"

стр. 1645

كقوله تعَالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (١) والتمني فى مَعنَى (٢) الطلب أن يكون (هذا البَابَ لِلنِّسَاءِ) ولما فهمَ منهُ ابن (٣) عمر ذَلك. ([قال نافع: ] (٤) فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابن عُمَرَ حَتَّى مَاتَ) لشدة تمسكه بأقوَال النبي ﷺ وأفعَاله وَإرَادَته، وكما جَعَل للنسَاء بَاب يَدْخلن منهُ، ويخرُجنَ منهُ، جَعل لَهُنَّ في الطريق حَافات الطرِيق، كما في روَاية أبي أسيد من قوله ﷺ : "عَلَيكُن بحَافات الطريق" (٥). وكَذا يَجعَل لهُنَّ في مَسْجِد الأقصىَ ونَحْوه مَوَاضع مُعدة يُصَلِّين فيهن ويَعتكفنَ فيهن لئَلا يَخْتَلطنَ بالرجَال. (وَقَالَ غَيرُ عَبْدِ الوَارِثِ: قَالَ عُمَرُ، وَهُوَ) أي: ترك البَاب لَهُنَّ (أَصَحُّ) (٦) مِن اجتماعِهِن في بَاب وَاحِد (٧). [٤٦٣] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أعين) (٨) المصيصي مَوْلى بَني هَاشِم، قالَ الدَارقطني: ثقَة (٩). (قال: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة (عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ

стр. 1646

الخَطَّابِ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ أَصَحُّ) (١) وأولى. [٤٦٤] (ثَنَا قُتَيبَةُ بن سَعِيدٍ) قال: (ثَنَا بَكْر (٢) بْنَ مُضَرَ) رَوَى لهُ الشَّيخَان (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارث) (٣) روى له الجَماعة (عَنْ بُكَيرٍ) (٤) ابن عَبْد الله (عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَنْهَى) الرجال (أَنْ يُدْخَلَ مِنْ بَابِ النِّسَاءِ)، وكذا ينهى النسَاء أن يدخلنَ مِن بَاب الرجَال، وإذا مُيِّز الرجَالُ عَنِ النسَاء في الأبوَاب والطرُق، فَبالأولى أن يمَيزن في مَوَاضِع الصَّلوَات في المسَاجد ومُصلَّى العِيد وفي المطَاف. * * *

стр. 1647

١٨ - باب فِيما يقولُهُ الرَّجُلُ عِنْدَ دُخُولِهِ المَسْجدَ ٤٦٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ عُثْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ -يَعْنِي الدَّراوَرْدِيَّ- عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبا حُمَيْدٍ أَوْ أَبا أُسَيْدٍ الأنصارِيَّ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذا دَخَلَ أَحَدُكمُ المَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَ لْيَقُلِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوابَ رَحْمَتِكَ فَإِذا خَرَجَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ" (١). ٤٦٦ - حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ بْن بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قالَ: لَقِيتُ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ لَه: بَلَغَنِي أَنَّكَ حَدَّثْتَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كانَ إِذا دَخَلَ المَسْجِدَ قالَ: "أَعُوذُ باللهِ العَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ وَسُلْطانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم". قالَ: أَقَطُّ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَإِذا قالَ ذَلِكَ قالَ الشَّيْطانُ: حُفِظَ مِنِّي سائِرَ اليَوْمِ (٢). * * * باب ما يقوله الرجل عند دخوله المسجد [٤٦٥] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ) أبُو الجَماهِر (الدِّمَشْقِيُّ) قالَ عُثمَان الدارمي: هُوَ أوثق مَن أدركنا بِدمشق (٣)، وَرَوَى أبُو دَاود عَن محمود بن خالد عنهُ. قَالَ أبُو حَاتم الرازي: مَا رَأيتُ أفصَح من أبي الجَماهِر (٤).

стр. 1648

قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِي، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فَروخ مَوْلى آل المُنكدِر فَقِيه المدِينَة (١)، (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ) الأنصَاري صَدُوق (٢). قَالَ: (سَمِعْتُ أَبَا حُمَيدٍ) عَبد الرحمَن بن سَعْد السَّاعدي (أَوْ أَبَا أُسيدٍ) بِضَم الهَمزة مُصَغر مَالك بن ربيعَة السَّاعدي (الأَنْصَارِيَّ) رَوَاهُ أبو عوَانة (٣) [وابن مَاجَه (٤)] (٥) مِن حديث أبي حميد وَحده، ولفظة (٦) أبي عوانة: أن النبِي ﷺ كانَ يقول: "اللهم افتح لنا أبواب رَحْمَتك وسَهل لنا أبواب رزقك". (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أي (٧) بعد الصلاة عَلَيه كما قالَ تعَالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٨) وروَاية ابن السُّني عَن أنَس، كانَ رَسُول الله ﷺ إذَا دخَلَ المَسْجِد قالَ: "بسم الله اللهم صَل عَلى محمد"، وإذا خرج قالَ: "بسم الله اللهُمَّ صَل على محَمد" (٩).

стр. 1649

قَالَ النووي: وروينا الصَّلاة عَلى النبي ﷺ [عند دخول المسجد] (١) والخروج منهُ مِن روَاية ابن عمر أيضًا (٢). وروى ابن مردويه السَّلام عَلى رَسُول الله ﷺ عندَ دخوله المَسجد والخروج منهُ، وزَادَ في الموضعَين بَعد قَوله والسَّلام عَلى رَسُول الله ﷺ : "اللهم صَل عَلى محَمد وعَلى آل محَمد". (ثُمَّ لْيَقُلِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي) روَاية أبي عوَانة المتقدمة: "اللهم افتح لنا" (٣) (أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) وقَد يجمعَ بيَنهما بأن المنفرد يقول: اللهم افتح لي أبوَاب رَحمَتك، وإذا دَخل ومَعَهُ غَيره يقول: اللهم افتح لنا (٤) أبواب رَحمتك. زاد أبو عوَانة في الروَاية المتقدمة: "وسَهل لنا أبواب رزقَك" (٥). وروَاية ابن مَاجه فيهَا زيَادَة ولفظه عَن فاطمة بنت رَسُول الله ﷺ قالت: كانَ رسُولُ الله ﷺ إذا دَخل المَسْجِد قال: "بِسْمِ الله والسَّلام على رَسُول الله ﷺ اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبوَاب رَحمتك" (٦). (فَإِذَا خَرَجَ) مِنَ المَسْجد (فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ) وروَاية الطبراني في "الأوسط" عَن ابن عمر: وإذَا خَرَجَ قال: "اللهم افتح لنَا

стр. 1650

أبوَاب فَضلك" (١). وفي سَنَده سَالم بن عَبْد الأعلى (٢). وهذا يَدُل على أن مَن خرجَ مَعَهُ غَيره فليَأت بصيغة الجَمع: اللهمُ إنا نسألك من فَضلكَ، وسُؤَال الفَضل عند الخُروج مِنَ المَسْجد مُوَافِقٌ لِقَوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣) يَعني: الرزق الحَلال، وقيل: ابتغُوا مِنْ فَضل الله، هُوَ طَلبُ العِلم، والوَجهَان مُتَقَاربَان، فَإنَّ العِلم هُو مِن رزق الله تعالى، فإن الرزق لا يختَص بقوت (٤) الأبدَان؛ بَل يَدْخل فيهِ قوت الأرواح والأسمَاع وغَيرهَا، وقيل: فضل الله عيَادَة مَريض وَزيَارة أخٍ صَالح (٥). [٤٦٦] (ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ) السُّليمي (٦) ثقة. روى عنهُ ابن مَاجَه وابن خزيمة (٧). قال: (ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ حَيوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: لَقِيتُ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ) التُّجِيبي بِضَم التاء فوقَها نُقطتَان وكَسر الجيم المصري التابعي (فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ) بِفَتح الهَمزة؛ لأنهَا تقدر هي (٨) وَمَا بَعْدَهَا بالمَصْدر
следующие страницы →