← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

احترق بالنار، ولو أريد حرق البيوت فقط لَأُسقطت لفظة: "عليهم" ويشهد لهذا ما في "مسند أحمد": "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت (١) صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت" (٢). (بيوتهم بالنار) وبوب عليه البخاري: باب وجوب صلاة الجماعة، وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، لكن الأثر الذي ذكره عن الحسن ﵁: إن منعته أمه عن العشاء في جماعة شفقة لم يطعها (٣). يشعر بكونه يريد وجوب عين، وهو مذهب عطاء وأحمد والأوزاعي وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان، وبالغ داود ومن تبعه (٤) فجعلها شرطًا في صحة الصلاة (٥). وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه ينبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا لها، ولما كان الوجوب قد ينفك (٦) عن الشرطية قال أحمد بالوجوب دون الشرط (٧). وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من

стр. 1892

أصحابه (١)، وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عن الباقين أنها سنة مؤكدة (٢)، وأجابوا عن ظاهر هذا الحديث بأجوبة منها: أن بعضهم استنبط منه عدم الوجوب لكونه ﷺ هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما همَّ بتركها، وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه. ومنها ما قاله ابن بطال: لو كانت (٣) فرضًا لقال حين توعد بالإحراق: من تخلف عن الجماعة لم تجز صلاته؛ لأنه وقت البيان (٤). وتعقبه ابن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالنص (٥) وقد يكون بالدلالة، فلما قال: "فلقد (٦) هممت .. " إلى آخره، دل على وجوب الحضور وهو كاف في البيان (٧). ومنها ما قاله الباجي وغيره: أن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة. ويرشد (٨) إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار (٩)، وقد

стр. 1893

[انعقد الإجماع] (١) على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب: بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا. ومنها قال عياض: ليس في الحديث حجة؛ لأنه ﵇ همَّ ولم يفعل (٢)، زاد النووي: ولو كانت (٣) فرض عين لما تركهم (٤)، وضعفه ابن دقيق العيد؛ لأنه ﵇ لا يهمُّ إلا بما يجوز فعله (٥). [٥٤٩] (ثنا النفيلي) قال: (ثنا أبو المليح) الحسن بن عمرو الرقي، وثقه (٦) أحمد وأبو زرعة (٧). قال: (حدثني يزيد بن يزيد) كلاهما من الزيادة، ابن جابر الأزدي، احتج به مسلم، وكان ثقة (٨) صالحًا. قال: (حدثني يزيد) من الزيادة (بن الأصم) العامري، أحتج به مسلم أيضًا، قال: (سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لقد هممت) (٩) اللام جواب القسم، والهم (١٠) العزم، وقيل دونه، زاد مسلم في أوله:

стр. 1894

أنه فقد ناسًا في بعض الصلوات فقال: "لقد هممت" (١)، فأفاد ذكر سبب الحديث. (أن آمر فتيتي) بكسر الفاء جمع فتى، جمع قلة، وفي الكثرة فتيان، وهي رواية ابن حبان وغيره، والأصل فيه أن يقال للشاب الحدث فتى، ثم استعير للعبد وإن كان شيخًا، والأول الأصل، وهو المراد هنا، وفي هذا أن الأمور المهمة التي تحتاج إلى قوة ونشاط خصوصًا إن كانت ليلًا يجهر فيها الشباب الأقوياء دون الشيوخ. (فيجمعوا حزمًا من حطب) رواية "الموطأ": "أن آمر بحطب فيحطب" (٢). وهي رواية البخاري (٣) (٤). ومعنى يحطب أن يكسر ليسهل اشتعال النار به. (ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم) فيه دلالة على أن هذا الحديث في المسلمين المنافقين نفاق معصية لا نفاق كفر؛ لأن المنافق الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، ويدل على هذا ما في الحديث "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" (٥) لأنهم ما (٦) كانوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في البيوت.

стр. 1895

(ليست بهم علة) أي: عذر يمنعه من الحضور، وسيأتي في الحديث الآتي، وما العذر؟ خوف أو مرض، وللجماعة والجمعة أعذار كثيرة غير هذين كما سيأتي بعضها (فأحرقها) بنصب القاف عُطِفَ على ما قبله (عليهم قال يزيد بن يزيد: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف) فيه نداء الرجل بكنيته؛ لأن فيه نوع إكرام (الجمعة) بالنصب مفعول مقدم (عَنَى) لأن الجماعة شرط فيها (أو غيرها؟ ) من الصلوات (قال: صَمَّتَا) بفتح الصاد والميم والتاء مبنيًّا للفاعل، والألف علامة التثنية (١) مع كون الفاعل ظاهر وهو (أذناي) على لغة: أكلوني البراغيث، ورواية الطبراني على اللغة الفصحى: صمت أذناي (٢)، وصمت أصلها صَمِمَتْ بكسر الميم الأولى كتعِبَ (٣) ومعناه: بطل سمعها، كذا فسره الأزهري وغيره، ويتعدى بالهمزة فيقال: أصمه الله، ولا يستعمل الثلاثي متعديًا، فلا يقال: صَمَّ الله الأذن، ولا ينبني (٤) للمفعول، فلا يقال: صُمَّتْ، هكذا نقله أهل اللغة، وعلى هذا فلا يجوز أن يقرأ الحديث صُمَّتَا (٥) بضم الصاد، ولا يعتبر بضبط (٦) بعض النسخ. (إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره) بضم المثلثة لا غير، يقال: أثرت

стр. 1896

الحديث (١) بقصر الهمزة آثره بالمد (٢) وضم المثلثة أثرًا، كقتلته (٣) قتلًا، وَأصل آثَرهُ بالمد أأثُرُه بهمزتين، لكن أبدلت الثانية ألفًا، ومعنى يأْثَره أي يحدث به ويثقله، والأثر بفتحتين اسم منه، وحديث مأثور أي: منقول. (عن رسول الله ﷺ ما ذكر) في (جمعة ولا غيرها) فيه دلالة على أن هذا التهديد يعم سائر الصلوات المفروضة، وقد أورد الحديث مسلم من طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عنه (٤). وساقه الترمذي وغيره من هذا الوجه بإبهام الصلاة (٥)، وكذا رواه السراج وغيره من طرق عن جعفر، وخالفهم معمر عن جعفر فقال: الجمعة. أخرجه عبد الرزاق عنه (٦)، والبيهقي من طريقه، وأشار إلى ضعفها لشذوذها (٧)، وهذه الرواية هنا ورواية الطبراني من طريق يزيد بن يزيد. قال ابن حجر: فظهر بهذا أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها غير الجمعة، وأما حديث ابن أم مكتوم فسيأتي (٨). [٥٥٠] (ثنا هارون بن عباد)، بتشديد الباء الموحدة الأزدي المصيصي الأنطاكي، قال: (ثنا وكيع) بن الجراح، قال عباس (٩)

стр. 1897

الدوري: قال لي أحمد: حدثني من لم تر عيناك مثله (١). قدم وكيع مكة فرآه (٢) الفضيل (٣) بن عياض (٤) فقال: ما هذا السِّمَنُ وأنت [راهب العراق؟ ] (٥) قال: مِنْ فَرَحِي بالإسلام. فأفحمه وقال: لو علمت (٦) أن الصلاة أفضل من الحديث ما حدثتكم. (عن) عبد الرحمن بن عبد الله (المسعودي، عن علي بن الأقمر) (٧) الوادعي (عن أبي الأحوص) عوف بن مالك، (عن عبد الله بن مسعود، قال: حافظوا على) أداء (هؤلاء الصلوات) الخمس اللاتي كتبهن الله عليكم في كل يوم وليلة، (حيث) أي: في المكان الذي (ينادى بهن) فيه، وهي المساجد والجوامع. وزاد النسائي أوله: "من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث (٨) ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيه ﷺ سنن الهدى" (٩). (فإنهن من سنن الهدى) قال القرطبي روي السَّنن بفتح السين وهو الطريق، وبضمها جمع سنة وهي الطريقة التي سنها رسول الله ﷺ (١٠)،

стр. 1898

وهي طريق الصواب التي من سلكها فقد هدي إلى صراط مستقيم. (وأن الله شرع لنبيه ﷺ سُنن) بضم السين وفتحها (الهدى) قال ابن عبد البر في قول ابن مسعود في الصلوات الخمس في جماعة: إنها من سنن نبيكم دليل واضح على أن شهود الجماعة في غير الجمعة سنة من مؤكدات السنن، ومما يوضح لك أنها سنة وفضيلة لا فريضة قوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعَشاء" رواه ابن عمر وعائشة وأنس عن النَّبِي ﷺ من وجوه ثابتة (١)، ومثله الرخصة [لآكل الثوم] (٢) من التخلف عن الجماعة (٣). (ولقد رأيتنا) (٤) هذا من غرائب الضمائر، وهي الجمع بين ضميرين كلاهما للمتكلم، وإن كان أحدهما للمتكلم خاصة، والآخر للمتكلم ومعه (٥) غيره، كما في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ (٦) في الأنعام في موضعين ليس لها في العربية نظير، وهي الجمع بين علامتي خطاب، وهما التاء والكاف. (وما يتخلف عنها إلا منافق بَيِّنُ النفاق، ولقد رأيتنا وإن الرجل) منا (ليهادى) رواية النسائي: لقد رأيت الرجل يهادى (٧) (بين الرجلين)

стр. 1899

أي: يعتمد عليهما متكئًا على كل واحد منهما من جهة في مشيه (حتى يقام في الصف) قال النووي: في هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل أمر (١) المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصُّل إليها استحب له حضورها (٢)، وإن كان مع مشقة. (وما منكم من أحدٍ إلا وله مسجد) أي: مكان (في بيته) معدٌّ للصلاة فيه يستحب تنظيفه وتطييبه كما تقدم. (ولو صليتم في بيوتكم) الفرائض (وتركتم مساجدكم) التي للجمعة والجماعة (تركتم) رواية النسائي: "لتركتم" (٣) بزيادة اللام (سنة نبيكم). وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد رجال الصحيح عن ابن عباس، قال: من سمع حي على الفلاح فلم يجبه فقد ترك سنة محمد ﷺ (٤). انتهى (٥) ومن ترك سنة محمد ﷺ فقد ضلَّ. (ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم) بالسنة، ولم تروها سنة، ولا ترجون ثوابها، فيئول ذلك (٦) بكم إلى الكفر بأن تتركوا شيئًا فشيئًا حتى تخرجوا من الملة وتضلوا عن الإسلام، رواية (٧) مسلم والنسائي وغيرهما: لضللتم (٨).

стр. 1900

وفي هذا الحديث تأكد شهود الصلوات في الجماعة، ولذلك قال جماعة: أنها فرض كفاية كما تقدم. قال القاضي عياض: اختلف في المتمادي (١) على ترك ظاهر السنن هل يقاتل عليها أم لا؟ قال: والصحيح قتالهم؛ لأن في (٢) التمادي على تركها إماتتها (٣). وقال أصحابنا في كتاب الشهادات: أن من ترك السنن الراتبة وتسبيح الركوع والسجود أحيانًا لم ترد شهادته، أو اعتاد تركها رُدت شهادته (٤). [٥٥١] (ثَنَا قُتَيبَةُ) قال: (ثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، بن عبد الحميد الضبي. (عَنْ أَبِي جَنَابٍ) بفتح الجيم وتخفيف النون، واسمه يحيى بن أبي حية - ضد ميتة - الكلبي، قال النسائي: ليس بالقوي (٥)، وحصل له عمى في بصره فدعا له بعض أصحابه برده (٦) فعطس فرد، وكان ذلك يوم الجمعة. (عَنْ مَغْرَى) بفتح الميم وإسكان الغين المعجمة وفتح الراء مقصور (الْعَبْدِيِّ) (٧) أبي المخارق (٨)، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٩). (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَال

стр. 1901

رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ سَمِعَ المُنَادي) بالنصب (فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ) رواه ابن ماجه (١)، وابن حبان (٢)، والدارقطني (٣)، والحاكم (٤)، عن عبد الحميد بن بيان، عن هشيم، عن شعبة بلفظ: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له" (إلا من عُذْر) مرفوعًا هكذا، وإسناده صحيح (قَالوا: وَمَا العُذْرُ) المانع؟ وهذا استفهام تصور، فإن الاستفهام ينقسم إلى قسمين؛ لأنه إما أن يطلب منه التصور أو التصديق، فالتصور كقولك: أعسلٌ في الزق (٥) أم دِبْس؟ وهذا الحديث، والتصديق مثل: أقام زيد؟ ومنه في حديث ذي اليدين: "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين" (٦). (قَال: خَوْفٌ) هذا خبر مبتدأ محذوف، حذف (٧) للعلم به، والتقدير: هو خوف. قال في "شَرح السُّنَّة": اتفق العلماء على أنه لا رخصة في ترك الجماعة إلا من عذر (٨)، فإنها تسقط به سواء قلنا سنة [أم فرض عين] (٩) أم فرض كفاية، ومعنى السقوط سقوط الإثم على قول الفرض، والكراهة على قول السنة، وليس معناه أنه إذا ترك الجماعة لعُذْر أنه يحصل له فضيلتها، وقد قطع النووي بأنه لا تحصل له فضيلتها (١٠)، وذلك ظاهر فيما إذا لم تكن له عادة، أما إذا كان

стр. 1902

ملازمًا للجماعة وحبسه عنها عذر فينبغي أن يحصل له فضيلتها لحديث: "إن العبد إذا مرض أو سافر يكتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" (١) والعذر إما عام كالمطر والريح العاصف بالليل؛ لأنه ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن ثم يقول على أثره: "ألا صلوا في رحالكم" في الليلة المطيرة أو الباردة رواه البخاري (٢). أو خاص كالخوف، ويدخل فيه الخوف من ظالم على نفسه أو ماله، أو على مريض عنده بلا متعهد، ولا عِبْرَة (٣) بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه، بل عليه حضور الجماعة وتوفية الحق. (أَوْ مَرَضٌ) وضابط المرض أن يحصل من الذهاب إلى الجماعة مشقة كمشقة المشي في المطر، فإن كانت مشقة المرض يسيرة كوجع الضرس والصداع اليسير والحمى الخفيفة فليس بعذر إذا لم يصل (٤) مشقته كمشقة المشي في المطر. (لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ (٥) الصَّلاةُ التِي صَلَّاها) في غير الجماعة، هكذا رواية أبي داود، والرواية المتقدمة: "فلا صلاة له" وكذا رواية الحاكم في الشواهد التي ذكرها من طريق أبي [بكر بن] (٦) عياش، عن أبي حصين، عن (٧) أبي بردة، عن أبيه بلفظ: "من سمع النداء فارغًا

стр. 1903

صحيحًا فلم يجب فلا صلاة له" (١) أي لا صلاة كاملة لمن صلى منفردًا. [٥٥٢] (ثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال: (ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ) بن أبي النجود، أحد القرَاء السبعة. (عَنْ أَبِي رَزِينٍ) بفتح الراء وكسر الزاي، هو مسعود بن مالك التابعي الأسدي الكوفي، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة (٢). (عَنِ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ) تقدم الخلاف في اسمه (أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ شَاسِعُ) أي: بعيد (الدَّارِ) من المسجد، من شسع بفتحتين. (وَلِي [قَائِدٌ لا يُلاومُنِي)] (٣) قال الخطابي: هكذا يروى في الحديث يلاومني بالواو، والصواب يلائمني أي: يوافقني (٤). وهو بالهمزة المرسومة بالواو، والهمزة فيه أصلية من لأمت الخرق أصلحته، و [لاءمت] (٥) بين القوم ملاءمة مثل صالحت (٦) ووافقت بينهم وزنًا ومعنى، وأما الملاومة بالواو فهي من اللوم، وليس هذا موضعه، ورواية الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة قال: أقبل ابن أم مكتوم

стр. 1904

وهو أعمى، وهو الذي أنزل الله فيه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (١) فقال: يا رسول الله بأبي وأمي أنت (٢) كما تراني قد كبر (٣) سني، ورق عظمي، وذهب بصري، ولي قائد لا يلائمني قياده (٤) إياي (٥). (فَهَلْ) تجد (لِي رُخْصَةٌ) بوزن غرفة، وبضم الخاء للاتباع مثل ظلمة وظلمة، والرخصة التسهيل في الأمر والتيسير. وفي هذِه الأحاديث دلالة على أن السائل إذا سأل المفتي عن حكم هو عزيمة، وسأل عن الرخصة فيه يذكر له الأسباب التي يطلب بها الرخصة (أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ ) الصلوات، وفي رواية في (٦) "الأوسط" و"الكبير": إني أسمع النداء فلعلي لا أجد قائدًا ويشق عليّ، أفأتخذ مسجدًا في داري؟ (٧). (قَال) رسول الله ﷺ : (هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ) يعني: الأذان كما في رواية ابن حبان (٨). (قَال: نَعَمْ. قَال: لا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً) رواية ابن حبان: "فأتها ولو حبوًا". زاد الطبراني: "على يديه ورجليه" (٩)، وفي رواية عن أحمد

стр. 1905

وأبي يعلى: "ولو حبوًا أو زحفًا" (١). وفي هذا الحديث دلالة لمن قال الجماعة فرض عين، وأجاب الجمهور عنه بأنه سأل هل له رخصة في أن يصلي في بيته ويحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره فقال (٢): لا، ويؤيد هذا أن حضور الجماعة تسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ومن العذر العمى إذا لم يجد قائدًا فيسقط عنه الجمعة والجماعة، وأجاب عنه بعضهم بأن النَّبِي ﷺ علم منه أنه يمشي بلا قائد لشدة حِذقه وذكائه كما هو مشاهد في بعض العميان يمشي بلا قائد، لا سيما إذا كان يعرف المكان قبل العمى، أو تكرر المشي إليه بقائد، فلكثرة عادته في التردد استغنى عن القائد. [٥٥٣] (ثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ) أبو موسى التغلبي الموصلي نزيل الرملة، قال أبو حاتم: صدوق (٣)، قال: (ثَنَا أَبِي) زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، الزاهد المحدث كثير الرحلة، صدوق، قال: (ثَنَا سفيان (٤)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ) روى له الشيخان. (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁ قَال: قلت يَا رَسُولَ الله إِنَّ المَدِينَةَ كثِيرَةُ الهَوَامِّ) بتشديد الميم جمع هامة، وهوام الأرض حشراتها التي لا يقتل سمها (وَالسِّبَاعِ) ورواية أحمد: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخل وشجر ولا أقدر على قائد كل ساعة (٥).

стр. 1906

(فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : أَتَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الفَلاحِ) خصهما بالذكر في هذا الحديث؛ لأن فيهما (١) الدعاء إلى الصلاة، زاد النسائي: قال: نعم (٢). قال: (فَحَيَّ) حي كلمة مفردة بمعنى هلم، و (هَلا) بتخفيف اللام مع النون بمعنى عجِّل وأسرع، فجُعِلا معًا كلمة واحدة، وبنيت حي على الفتح (٣)، وهَلًا مشبهة بصَهْ ومَهْ. اعتمد ابن خزيمة وغيره على هذا الحديث على فرضية الجماعة في الصلوات كلها، وحمله جمهور العلماء على أنه كان لا يشق عليه التصرف بالمشي (٤) وحده ككثير من العميان (٥) وتقدم. (كَذَا رَوَاهُ (٦) القَاسِمُ) بن يزيد (الْجَرْمِيُّ) الموصلي (عَنْ سُفْيَانَ) عن عبد الرحمن بن عابس .. إلى آخره. * * *

стр. 1907

٤٨ - باب فِي فَضْلِ صَلاة الجَماعَةِ ٥٥٤ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا شعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قال: صَلَّى بِنا رَسُول اللهِ ﷺ يَوْمًا الصُّبْحَ فَقال: "أَشاهِدٌ فُلانٌ". قالوا لا. قال: "أَشاهِدٌ فُلانٌ؟ ". قالوا: لا. قال: "إِنَّ هاتَينِ الصَّلَاتينِ أَثْقَلُ الصَّلَواتِ عَلَى المُنافِقِينَ وَلَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيهِما لأَتَيْتُمُوهُما وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ وَإنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ المَلائِكَةِ وَلَوْ عَلِمْتُمْ ما فَضِيلَتُهُ لابْتَدَرْتُمُوهُ وَإِنَّ صَلاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلاِتهِ مَعَ الرَّجُلِ وَما كثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله تَعالى" (١). ٥٥٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا إِسْحاقُ بْن يُوسُفَ، حَدَّثَنا سُفْيان، عَنْ أَبِي سَهْلٍ -يَعْنِي عُثْمانَ بْنَ حَكِيمٍ- حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى العِشاءَ فِي جَماعَةٍ كانَ كَقِيامِ نِصفِ لَيْلَةٍ وَمَنْ صَلَّى العِشاءَ والفَجْرَ فِي جَمِاعَةٍ كانَ كَقِيامِ لَيْلَةٍ" (٢). * * * باب فَضْلِ الجَمَاعَةِ [٥٥٤] (ثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) قال: (ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) [سليمان بن أبي سليمان الشيباني، ثقة حجة] (٣) (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي

стр. 1908

بصير) العبدي الكوفي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، لكن لم يرو عنه غير أبي إسحاق فقط. (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا) صلاة (الصُّبْحَ، فَقَال: أَشَاهِدٌ) رواية النسائي: "أَشَهِدَ" (٢) (فُلانٌ) الصلاة؟ (قَالوا: لا) قال: ففلان (٣). قالوا: لا. (قَال: أَشَاهِدٌ فُلانٌ؟ قَالوا: لا. قَال: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ) يعني الفجر والعشاء، وتقدم ذكر الصبح دون العشاء؛ لأنهما قرينتان، وقد ورد التصريح بهما في البخاري وغيره. (أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى المُنَافِقِينَ) دل هذا على أن الصلوات كلها ثقيلة على المنافقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالى﴾ (٤)، وإنما كانت العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلى تركهما؛ لأن العشاء وقت السكون والراحة، والصبح وقت لذة النوم، وقيل: وجهه كون المؤمنين [يفوزون بما ترتب] (٥) عليهما من الفضل لقيامهم بحقهما دون المنافقين. (وَلَوْ يعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا) أي: من الفضل العظيم (لأَتَوهُمَا) أي: لأتوا المسجد الذي يصليان فيه جماعة (وَلَوْ حَبْوًا (٦) عَلَى الرُّكَبِ) أي: يزحفون (٧) إذا منعهم مانع من المشي كما يزحف الصغير، وفي رواية

стр. 1909

ابن أبي شيبة من (١) حديث أبي الدرداء: ولو حبوًا على المرافق والركب (٢). (وَإنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ) في الفضيلة (عَلَى مِثْلِ) الصف الأول من (صَفِّ المَلائِكَةِ) عند ربهم، وروى الإمام أحمد والبزار بسندٍ رجاله ثقات عن النعمان بن بشير: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأول" (٣) (وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ) عند الله تعالى (لابْتَدَرْتُمُوهُ) أي: لأسرعتم المبادرة إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ (٤) وروى الطبراني في "الكبير" عن عبد العزيز بن رفيع، قال: حدثني عامر بن مسعود القرشي، وزاحمني بمكة أيام ابن الزبير عند المقام في الصف الأول فقلت له (٥): كأنَّ في الصف الأول خير؟ قال: أجل (٦) والله لقد قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في الصف الأول ما صفوا فيه إلا بقرعة أو سهم" (٧). ورجاله ثقات إلا أن عامر بن مسعود اختلف في صحبته (وَإِن صَلاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى) أي: أكثر

стр. 1910

أجرًا، أو أبلغ في تطهير المصلي وتكفير ذنوبه (مِنْ صَلاِتهِ وَحْدَهُ) لما في الاجتماع في بيت الله تعالى على الصلاة وتلاوة القرآن والذكر من نزول الرحمة والسكينة دون الانفراد (وَصَلاتُهُ) أي: صلاة الرجل كما في النسائي (١) (مَعَ الرَّجُلَيْنِ) خصت هذِه الفضيلة بالرجال، يدل على أن النساء ليست لهن (٢) هذِه الفضيلة في حضور الجمعة والجماعة، ويشبه (٣) أن يدخل الصبيان المأمورون بالصلاة في هذِه الفضيلة (أَزْكَى) أي: أكثر ثوابًا (مِنْ صَلاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ) الواحد، وروى البزار والطبراني، ورجال الطبراني موثقون، عن قباث، بضم القاف وتخفيف الباء الموحدة وآخره ثاء مثلثة، ابن أشيم الليثي الكناني، وهو من أمراء يوم اليرموك الصحابي، قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترا، وصلاة أربعة يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترا، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عند الله من مائة تترا" (٤). (وَمَا كَثُرَ جمعه فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله تَعَالى) استدل به أصحابنا وغيرهم على أن ما كثر جمعه في الصلوات والعبادات مرغوبٌ فيه، وهو أفضل مما قل جمعه وإن كان بعيدًا، إلا إذا كان إمام ذلك المسجد مبتدعًا، أو تعطل مسجد قريب منه لغيبته عنه، أو كان إمام الجمع فاسقًا، أو يعتقد عدم وجوب بعض أركان الصلاة، ففي هذِه الأحوال المسجد

стр. 1911

القليل الجماعة أولى، فإن لم تحصل الجماعة إلا مع هذِه الأحوال، قال السبكي: فكلامهم يشعر بأنه أفضل من الانفراد (١). [٥٥٥] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) قال: (ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ) الأزرق الواسطي، قال: (ثَنَا سُفْيَانُ، عن (٢) أَبِي سَهْلٍ عُثْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ) بن عباد (٣) الأوسي، روى له مسلم، قال: (ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) [الأنصاري القاص] (٤). (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَال رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ) ذكر في "الموطأ" أوله: جاء عثمان بن عفان إلى صلاة العشاء فرأى أهل المسجد قليلًا، فاضطجع في مؤخر المسجد ينتظر (٥) الناس أن يكثروا، فأتاه ابن أبي عمرة فجلس إليه فسأله من هو؟ فأخبره، فقال له: ما معك من القرآن؟ فأخبره، فقال له عثمان: من شهد العشاء في جماعة .. (٦). (كَانَ كقِيَامِ) رواية "الموطأ": فكأنما قام (٧) (نِصْفِ لَيلَةٍ). وحكى ابن عبد البر عن عمر ﵁: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إليَّ (٨) من أن أقوم ليلة (٩)، وكذلك قول عثمان: من قدم العشاء

стр. 1912

فكأنما قام نصف الليل، ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة (١). وروى ابن عبد البر بسنده عن عثمان قال رسول الله ﷺ : "صلاة العشاء في جماعة تعدل قيام ليلة، وصلاة الفجر في جماعة تعدل قيام نصف ليلة" (٢). ثم (٣) قال: هكذا قال في صلاة العشاء قيام ليلة وفي صلاة الفجر نصف ليلة. (وَمَنْ صَلَّى العِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كقِيَامِ لَيْلَةٍ) قال ابن عبد البر: فيه دليل على أن أعمال الفرائض والسنن وإقامتها على وجوهها أفضل من النوافل والتطوع كله، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز: أفضل الفضائل أداء الفرائض واجتناب المحارم. وهذا شيء لا خلاف فيه، وترتيب الفضائل عند العلماء: الفرائض المتعينة كالصلوات الخمس وما أشبهها، ثم ما كان فرضًا على الكفاية كالجهاد وطلب العلم والصلاة على الجنائز (٤) والصلاة في الجماعة، قد قلنا أنها من هذا القسم أو من وكيد السنن كالعيدين والكسوف، ثم كل ما واظب عليه من النوافل كصلاة الليل وركعتي الفجر، ثم سائر التطوع فقِفْ (٥) على (٦) هذا الأصل فإنه يشهد له سائر الأصول (٧). [والله أعلم] (٨). * * *

стр. 1913

٤٩ - باب ما جاءَ فِي فَضْلِ المَشْي إلى الصَّلاةِ ٥٥٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "الأَبْعَدُ فالأَبْعَدُ مِنَ المَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا" (١). ٥٥٧ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنا زهَيْرٌ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ أَنَّ أَبا عُثْمانَ حَدَّثَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قال: كانَ رَجُلٌ لا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ يُصَلِّي القِبْلَةَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ أَبْعَدَ مَنْزِلًا مِنَ المَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَكانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ فِي المَسْجِدِ فَقُلْتُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمارًا تَرْكَبُهُ فِي الرَّمْضاءِ والظُّلْمَةِ. فَقال ما أُحِبُّ أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ فَنُمِيَ الحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلهُ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ فَقال: أَرَدْتُ يا رَسُولَ اللهِ أَنْ يُكْتَبَ لي إِقْبالِي إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِلَى أَهْلي إِذا رَجَعْتُ. فَقال: "أَعْطاكَ الله ذَلِكَ كُلَّهُ أَنْطاكَ الله جَلَّ وَعَزَّ ما احْتَسَبْتَ كُلَّهُ أَجْمَعَ" (٢). ٥٥٨ - حَدَّثَنا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنا الهَيْثَمُ بْن حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الحارِثِ، عَنِ القاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الحاجِّ المُحْرِمِ وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لا يُنْصِبُهُ إِلَّا إِيّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ المُعْتَمِرِ وَصَلاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلاةٍ لا لَغْوَ بَينَهُما كِتابٌ فِي عِلِّيِّينَ" (٣). ٥٥٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي

стр. 1914

هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَماعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ بِأَنَّ أَحَدَكُمْ إِذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوضُوءَ وَأَتَى المَسْجِدَ لا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلاةَ وَلا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِها دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ فَإِذا دَخَلَ المَسْجِدَ كانَ فِي صَلاةٍ ما كانَتِ الصَّلاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ والمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ ما دامَ فِي مَجْلِسِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ أَوْ يُحْدِثْ فِيهِ" (١). ٥٦٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْن عِيسَى، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنْ هِلالِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصَّلاةُ فِي جَماعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلاةً فَإِذا صَلَّاها فِي فَلاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَها وَسُجُودَها بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلاةً". قال أَبُو داودَ: قال عَبْدُ الواحِدِ بْن زِيادٍ فِي الحَدِيثِ: "صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الفَلاةِ تُضاعَفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي الجَماعَةِ". وَساقَ الحَدِيثَ (٢). * * * باب فَضْلِ المَشْي إِلَى الصَّلاةِ [٥٥٦] (ثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (ثَنَا يَحْيَى) القطان (عَنِ) محمد بن عبد الرحمن (ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ) بكسر الميم (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ) الأعرج أبي حميد المقعد، أخرج له مسلم في سجود التلاوة. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [قَال: الأَبْعَدُ فَالأَبْعَدُ) داره (مِنَ المَسْجِدِ) التي تقام فيه الجماعة (أَعْظَمُ أَجْرًا) من البعد لما يحصل في

стр. 1915

البعد عن المسجد من كثرة الخُطَى، وفي كل خطوة عشر حسنات، كما رواه أحمد من رواية عقبة بن عامر (١)، لكن بشرط أن يكون متطهرًا. [٥٥٧] (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيلِيُّ) قال (ثَنَا زُهَيْرٌ) بن معاوية الجعفي، قال (ثَنَا سُلَيمَانُ التَّيْمِيُّ، أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ النهدي (٢) حَدَّثَهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَال: كَانَ رَجُلٌ) من الأنصار كما في مسلم (٣) ([لا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ] (٤) مِمَّنْ يُصَلِّي) إلى (الْقِبْلَةَ) أي من المسلمين (مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ أَبْعَدَ مَنْزِلًا مِنَ المَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ) الأنصاري (وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ) بضم أوله وكسر ثالثه، أي: لا يفوته (صَلاة) ولا يتركها، من قولهم: أخطأ السهم الرمية إذا حاد عنه وتجاوز عنه فلم يصبه (فِي المَسْجِدِ) مع رسول الله ﷺ . (فقلت (٥) له: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكبُهُ فِي الرَّمْضَاءِ؟ ! ) وهي الحجارة الحامية من حر الشمس، وكذا التراب والرمل (وَالظُّلْمَةِ) في الليل (فَقَال: مَا أُحِبُّ أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ) رواية مسلم: لو أنك اشتريت حمارًا يقيك من هوام الأرض؟ ! فقال: أما والله ما أحب بيتي (٦) مطنب ببيت

стр. 1916

محمد ﷺ (١). ومطنب بضم الميم وتشديد النون المفتوحة، أي: ما أحبه أنه مشدود بالأطناب، وهي الحبال إلى بيت النَّبِي ﷺ ، بل أحب أن يكون بعيدًا ليكثر ثوابي وخطاي إليه. (فَنمى الحَدِيثُ) بفتح النون والميم المخففة (٢) (إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ) النامي للحديث هو أبي بن كعب راوي الحديث؛ لأن في مسلم قال: فحملت حملًا حتى أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته قال: فدعاه (٣) (فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: أَرَدْتُ يَا رَسُولَ الله أَنْ يُكْتَبَ لِي إِقْبَالِي) في المشي (إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي) منه (إِلَى أَهْلِي إِذَا رَجَعْتُ. فَقَال: أَعْطَاكَ الله) تعالى (ذَلِكَ كُلَّهُ) أكده بكله ليدل على أنه يكتب له أجر الذهاب والإياب، لدفع توهم أن يحصل له أجر الإقبال فقط، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون أجر الرجوع كأجر الإقبال. (أَنْطَاكَ الله) الإنطاء هو الإعطاء بلغة أهل اليمن، وقرئ في الشواذ ﴿إنا أنطيناك الكوثر﴾ رواها الهذلي عن الحسن البصري (٤) (مَا احْتَسَبْتَ) أي: أدخرته عند الله لا يرجو له ثوابًا في الدنيا (كُلَّهُ أَجْمَعَ) تأكيد بعد تأكيد للمبالغة في حصول ذلك كله. [٥٥٨] (ثَنَا أَبُو تَوْبَةَ) بالمثناة أوله المفتوحة والموحدة بعد الواو (٥)،

стр. 1917

الربيع بن نافع، روى له الشيخان بواسطة عن معاوية بن سلام، وهو آخر من روى عنه، وعاش نيفًا وتسعين سنة. قال: (ثَنَا الهَيْثَمُ بْنُ حُمَيدٍ) الغساني مولاهم الدمشقي، قال أبو داود: قدري ثقة (١). (عَنْ يَحْيَى بْنِ الحَارِثِ) الذماري (٢) أبي عمرو إمام جامع دمشق، قرأ القرآن على عبد الله بن عامر، وثقه دحيم وابن معين (٣) وأبي حاتم (٤). (عَنِ القَاسِمِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الشامي، أدرك أربعين من المهاجرين، وقيل: أربعين بدريًّا. (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: (مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ) من الخمس، ويحتمل أن يكون في معناه من خرج إلى المصلى بجنازة (٥) (فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الحَاجِّ المُحْرِمِ) الحاج لا يكون إلا محرمًا، ولعل المراد كأجر الحاج إذا أحرم من دويرة أهله (وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ) أي: صلاة (الضُّحَى) سميت الصلاة سبحة (٦) لما فيها من تسبيح الله تعالى وتنزيهه، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٧) أي من (٨) المصلين، وفيه دلالة على أن صلاة الضحى

стр. 1918

في المسجد أفضل، ويحتمل أن يراد به أحد المساجد الثلاثة، ويدل على عموم المساجد رواية الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو: بعث رسول الله ﷺ سرية فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم وسرعة رجعتهم وكثرة غنيمتهم، فقال رسول الله ﷺ : "من توضأ ثم غدا إلى المسجد لسبحة الضحى فهو أقرب منهم مغزى، وأكثر غنيمة، وأوشك رجعة" (١) ويحتمل أن يراد بتسبيح الضحى [صلاة الضحى] (٢) في يوم الجمعة دون غيره لأدلة وردت به (٣) (٤). (لا يُنْصِبُهُ) بضم أوله وكسر ثالثه، أي: لا يزعجه ويخرجه، ويجوز فتحها (إِلَّا إِيَّاهُ) (٥) أي: تسبيح الضحى، وأصله من التعب، يقال: أنصَبَهُ ينْصِبُه (٦)، قال ابن دريد: يقال: أنصبه (٧) المرض ونصبه، وأنصبه أعلا (٨)، قال صاحب "الأفعال": هو تغير الحال من مرض أو نَصِب (٩) ينصب بالكسر أعيا من التعب (١٠).

стр. 1919

(فأَجْرُهُ كَأَجْرِ المُعْتَمِرِ) فيه أن أجر التطوعات المؤكدة دون أجر الفرائض، فإنه جعل في الحديث الذاهب إلى المكتوبة كالحاج، والذاهب إلى المؤكدة كالمعتمر، وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة، قال رسول الله ﷺ : "الغدو والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله" (١). لكن في سنده أيضًا القاسم بن عبد الرحمن (٢). (وَصَلاةٌ عَلَى أَثَرِ) بفتح الهمزة والثاء (٣)، وكسر الهمزة وسكون الثاء لغتان (صَلاةٍ لا لَغْوَ) اللغو (٤) هو الهَذَر من الكلام وأخلاطه (بَينَهُمَا كِتَابٌ) أي: مكتوب (فِي عِلِّيِّينَ) تصعد به الملائكة المقربون إلى عليين لكرامة المؤمن وعمله الصالح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ (٥) وورد في حديث البراء: أن عليين في السماء السابعة (٦) تحت العرش، وقيل: هو أعلى مكان في الجنة، والمراد بالصلاة على أثر الصلاة، أي: صلاة تتبع صلاة وتتصل بها، ويدخل فيه الصلوات في الليل والنهار، ونفل بعد فرض وعكسه. [٥٥٩] (ثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، بالخاء

стр. 1920

والزاي المعجمتين، الضرير (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال رَسُولُ الله ﷺ : صَلاةُ الرَّجُلِ) لا شك أن المرأة هنا كالرجل، وإنما هو على جهة التمثيل كما في: "من أعتق شركًا له في عبد" (١) فالجارية مثل العبد، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (٢) وأشباهه، فإن المراد الرجال والنساء، وإن كان القوم خاصًّا بالرجال. قال الماوردي: وهل يكون جماعة النساء في الفضل والاستحباب كجماعة الرجال؟ وجهان: أظهرهما أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾) (٣) (٤). (فِي جَمَاعَةٍ) وأقل الجماعة اثنان إمام ومأموم (تضعف عَلَى صَلاِتهِ فِي بَيتِهِ، وَصَلاِتهِ فِي سُوقِهِ) أي: تزيد على من صلى في البيت أو في السوق منفردًا، هذا هو الصواب. قال النووي: وما سواه باطل (٥). أي: كما نقل ابن التين في "شرح البخاري": أنه لو صلى في سوقه جماعة كان كالمنفرد أخذًا بظاهر الحديث؛ لأن السوق مأوى الشياطين. (خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) في الجنة، زاد ابن حبان من وجه آخر عن أبي سعيد: "فإن صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين

стр. 1921

صلاة" (١). وكأنَّ السر في ذلك أن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود مشقة السفر، وقد جاء عن بعض الصحابة قَصْر (٢) التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد الجامع، مع تقرير التفضل (٣) في غيره، فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن، عن أوس المعافري (٤) أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل. قال (٥): فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاة. قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون (٦). واعلم أن رواية الصحيحين: "تضعف على صلاته". قال البرماوي: يحتمل أن تضعف الصلاة فتصير ثنتين، ثم تضعف الاثنان أربعة، ثم الأربعة ثمانية، ثم الثمانية ستة عشر، وهكذا إلى أن تنتهي إلى خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك شيء كثير من فضل الله. قال: وحمله على هذا أجود. (وَذَلِكَ بِأَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ) ظاهر في أن الأمور المذكورة علة للتضعيف المذكور إذ (٧) التقدير: وذلك لأن أحدكم، ويدل عليه أن

стр. 1922

الباء قد جاءت للسببية (١) والتعليل، كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ (٢) ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ (٣) ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ (٤) فكأنه يقول: هذِه الزيادة المذكورة بسبب (٥) كيت وكيت، وإذا كان كذلك فما رتب على أسباب متعددة لا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا منها، أو ليس مقصودًا لذاته، وهذِه المعاني التي في الحديث معقولة المعنى مناسبة، فالأخذ بها متوجه. (فَأَحْسَنَ الوضُوءَ) أي: أتى به كاملًا بسننه وشرائطه وآدابه، ولا شك أن هذا على الغالب، وإلا فالغسل (٦) مراد كالوضوء (وَأَتَى المَسْجِدَ) المسجد وصف معتبر فلا يصح إلغاؤه، ويشبه أن يكون المصلي لصلاة (٧) الجنازة في معناه. (لا يُرِيدُ) بخروجه (إِلَّا الصَّلاة) أي: قصد الصلاة في الجماعة، واللام فيها للعهد الذهني، وفيه الإخلاص في العبادة بأن لا يريد مع الخروج تجارة ولا شغلا آخر، فليس من خرج له فقط كمن خرج له ولغيره، لكن قد يلحق بالصلاة ما في معناها مما فيه إظهار شعار الإسلام كالعمرة والأذان (٨) ونحوهما.

стр. 1923

(ولا يَنْهَزُهُ) يعني بفتح الياء والهاء، أي: لا ينهضه، وينهضه شيء (إِلَّا الصَّلاةُ) يقال: نهز الرجل، أي: نهض (لَمْ يَخْطُ) بفتح أوله وضم الطاء، أي: لم يمش، وهو على وزن علا يعلو (خُطْوَةً) ضبطه القرطبي بضم الخاء (١)، وهي واحد الخطا، وهي ما بين القدمين، وضبطه ابن التين شارح البخاري واليعمري بفتحها، وقال غيرهما: القياس الأوجه الثلاثة في جَذْوَة المقروء بها في السبع؛ لأن كل ما كان فَعْلَة لامه واو، وبعدها تاء التأنيث كان في أولها التثليث. (إِلَّا رفعَ) الله لَهُ (بِهَا دَرَجَةٌ) يحتمل أن هذِه الدرجة معنوية بمعنى ارتفاع رتبته ومنزلته (٢) عند الله تعالى، أو في الجنة، ويجوز أن تكون حقيقية وهي درج الجنة، لكن ما بعده يرجح الأول (أو حُطَّ بِهَا) أي: بسببها أو لأجلها ([عنه خطيئة]) (٣) أي محيت من صحيفته. قال الداودي: إن كان له خَطِيئَةٌ وإلا رفعت (٤) له درجات، وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة درجة واحدة إما بالحط وإما بالرفع، وتكون الواو بمعنى "أو" كقولهم الكلمة اسمٌ وفعلٌ وحرف، وخالفه غيره فقال: الحاصل بالخطوة ثلاثة أشياء كما في الحديث الآخر: "كتب له بكل خطوة حسنة، ورفع بها درجة، وحط عنه خطيئة" (٥).

стр. 1924

ورواية أبي يعلى من حديث أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يمشي إلى بيتٍ من بيوت الله تعالى يصلي فيه صلاة مكتوبة، إلا كتب له بكل خطوة حسنة، ويمحى عنه بالأخرى سيئة، ويرفع بالأخرى درجة" (١)، وفي سنده (٢) عبد الأعلى بن أبي المساور وهو ضعيف. (حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ) رواية البخاري: "فإذا صلى" (٣) (كَانَ فِي صَلاةٍ (٤) مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ) عن الذهاب في حاجته ويشبه أن يكون في معناه أن كل من حبس (٥) لانتظار عبادة، كقراءة (٦) وذكر وعيادة مريض واعتكاف، أو وجد المسجد مغلوقًا وانتظر فتحه، فهو في تلك العبادة إلى أن يحصل له حقيقتها. (وَالْمَلائِكَةُ) يحتمل أن يكونوا غير الحفظة، وقد اختلف في حقيقة (٧) الملائكة فقيل: أجسام لطيفة قادرة على التشكل فيما شاءت، وقيل: غير ذلك، وهل (٨) هي متحيزة أو لا؟ وهل يستقل العقل بمعرفتها أو لا؟ وفي ذلك خلاف مشهور في علم الكلام.

стр. 1925

(يُصَلُّونَ) رواية البخاري: (تصلي (١) عَلَى أَحَدِكُمْ مَا) مصدرية ظرفية (دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ) من المسجد، وهذا خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة (٢) أخرى من المسجد مستمرًا على انتظار الصلاة كان كذلك، وقد تقدم معناه عن ابن عبد البر. (يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) أي: تقول الملائكة ذلك في صلاتهم عليه، (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيهِ) والدعاء بالتوبة في رواية لمسلم وابن ماجه (٣)، واستدل به على فضيلة (٤) الصلاة على غيرها من الأعمال لما ذكر من صلاة الملائكة عليه، ودعاءهم بالرحمة والمغفرة والتوبة، وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة؛ لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات في عبادتهم والملائكة مشغولون (٥) بالاستغفار والدعاء. (مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) أي: ما لم يصدر منه ما يتأذى به بنو آدم والملائكة، قاله القرطبي (٦). (أَوْ يُحْدِثْ) فسره أبو هريرة بحدث الوضوء، وابن أبي أوفى: بحدث الإثم (فِيهِ) أي في ذلك المجلس. [٥٦٠] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى) بن الطباع، نزل أذنة، كان يحفظ نحوًا

стр. 1926

من أربعين ألف حديث، علق له البخاري. قال: (ثَنَا أَبُو (١) مُعَاوِيَةَ) الضرير (عَنْ هِلالِ بْنِ مَيمُونٍ) الجهني الفلسطيني الرملي، حدث بالكوفة، وثقه ابن معين وغيره (٢). (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد (الْخُدْرِيِّ، قَال رَسُولُ الله ﷺ ) "الصَّلاةُ) المكتوبة (فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلاةً) أشار (٣) ابن عبد البر إلى (٤) أن بعضهم حمله على صلاة النافلة، ورده بحديث: "أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" (٥) واستدل به على تساوي الجماعات في الفضل، سواء كثرت الجماعة أم قلت؛ لأن الحديث دل على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه كل جماعة، كذا قال بعض المالكية وقواه، لما رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن إبراهيم النخعي قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة، لهما التضعيف (٦) خمسًا وعشرين (٧). وهو مُسلَّم في أصل الحصول، لكن لا يبقى مزيد الفضل لما كان أكثر لا سيما مع وجود النص في الحديث المتقدم الذي صححه ابن خزيمة وغيره من حديث أُبَيِّ مرفوعًا: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده،

стр. 1927

وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر جمعه (١) فهو أحب إلى الله تعالى" (٢). (فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلاةٍ) وهي الأرض المتسعة لا ماء فيها، والجمع فَلَا، مثل حَصاة وحَصَا (فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا) بكمال الطمأنينة، وبقية شروطها وسننها وآدابها (بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلاةً) عند الله تعالى. (قَال عَبْدُ الوَاحِدِ بْن زِيَادٍ) العبدي (٣) مولاهم البصري (٤) (فِي هذا الحَدِيثِ) دلالة على أن: (صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الفَلاةِ تُضَاعَفُ عَلَى صَلاِتهِ فِي الجَمَاعَةِ .. وَسَاقَ الحَدِيثَ) وكأنه أخذه من إطلاق قوله في الحديث: "فإن صلاها (٥) " لتناوله الجماعة والانفراد، لكن (٦) حمله على الجماعة أولى، وهو الذي يظهر من السياق، وتقدم أن السر في تفضيل الصلاة في الفلاة أن الجماعة (٧) لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، فإن (٨) صلاها المسافر مع حصول المشقة جماعة تَضَاعَفَ أجرها على المقيم. * * *

стр. 1928

٥٠ - باب ما جاءَ فِي المَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ فِي الظُّلَمِ ٥٦١ - حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنا أَبُو عُبَيْدَةَ الحدّادُ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ أَبُو سُلَيْمانَ الكَحّال، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "بَشِّرِ المَشّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَساجِدِ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ" (١). * * * [باب ما جاء في المشي إلى المساجد في الظلم] (٢) [٥٦١] (ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بفتح الميم، قال: (ثَنَا أَبُو عُبَيْدَة) بالتصغير، عبد الواحد بن واصل (الْحَدَّادُ) روى له البخاري، قال: (ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن سُلَيمَانَ الكَحَّال) الضبي، قال أبو حاتم: صالح الحديث (٣) (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ) بن الحصيب ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: بَشِّرِ المَشَّائِينَ) بالهمز والمد، فيه فضيلة المشي على الرجلين إلى المساجد سريعًا كان المشي أو بطيئًا (فِي الظُّلَمِ) فيه فضيلة المشي إلى مساجد الجماعات في ظلمة الليل وهو يعم ظلمة العشاء والفجر، لكن رواية الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة: "بشر المدلجين إلى المساجد [في الظلم] (٤) " (٥) والإدلاج بتخفيف الدال هو

стр. 1929

المشي في جميع الليل، وبالتشديد المشي آخر الليل. (إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ) يعني من جميع جوانبهم، فإنهم يختلفون في النور على قدر أعمالهم (يَوْمَ القِيَامَةِ) على الصراط، ويحتمل أن يراد بالنور المنابر التي من النور لرواية الطبراني: "بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة يفزع الناس ولا يفزعون" (١) والله أعلم. * * *

стр. 1930

٥١ - باب ما جاءَ في الهَدْيِ فِي المَشْي إِلَى الصَّلاةِ ٥٦٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن سُلَيْمانَ الأَنْبارِيُّ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُمْ عَنْ داودَ بْنِ قَيْسٍ قال حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِسْحاقَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ المقْبُرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو ثُمامَةَ الحنّاطُ أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُرِيدُ المَسْجِدَ أَدْرَكَ أَحَدُهُما صاحِبَهُ قال: فَوَجَدَنِي وَأَنا مُشَبِّكٌ بِيَدَيَّ فَنَهانِي عَنْ ذَلِكَ، وقال إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إِذا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عامِدًا إِلَى المَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَنَّ يَدَيهِ فَإِنَّهُ فِي صَلاةٍ" (١). ٥٦٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعاذِ بْنِ عَبّادٍ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيبِ قال حَضَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصارِ الموْتُ فَقال إِنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا ما أُحَدِّثُكُمُوهُ إِلَّا احْتِسابًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "إِذا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الوضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ اليُمْنَى إِلَّا كَتَبَ الله لَهُ حَسَنَةً وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ اليُسْرَى إِلَّا حَطَّ الله عَنْهُ سَيِّئَةً فَلْيُقَرِّبْ أَحَدُكمْ أَوْ لِيُبَعِّدْ فَإِنْ أَتَى المَسْجِدَ فَصَلَّى فِي جَماعَةٍ غُفِرَ لَهُ فَإِنْ أَتَى المَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ صَلَّى ما أَدْرَكَ وَأَتَمَّ ما بَقِيَ كانَ كَذَلِكَ فَإِنْ أَتَى المَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا فَأَتَمَّ الصَّلاةَ كانَ كَذَلِكَ" (٢). * * * باب الهَدْي فيِ المَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ والهدي بسكون الدال طريقة النَّبِي ﷺ .
следующие страницы →