стр. 1961
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 131521
شرح سنن أبي داود لابن رسلان
ابن رسلان
Полный текст (13 108 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1962
٥٧ - باب فِيمَنْ صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أدْرَكَ الجَماعَةَ يُصَلِّي مَعَهُمْ
٥٧٥ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْن عَطاءٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ غُلامٌ شابٌّ فَلَمّا صَلَّى إِذا رَجُلانِ لَمْ يُصَلِّيا فِي ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَدَعا بِهِما فَجِيءَ بِهِما تُرْعَدُ فَرائِصُهُما فَقال: "ما مَنَعَكُما أَنْ تُصَلِّيا مَعَنا". قالا: قَدْ صَلَّيْنا في رِحالِنا. فَقال: "لا تَفْعَلُوا إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّها لَهُ نافِلَةٌ" (١).
٥٧٦ - حَدَّثَنا ابن مُعاذٍ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطاءٍ عَنْ جابِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ بِمِنًى بِمَعْناهُ (٢).
٥٧٧ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنا مَعْنُ بْن عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ نُوحِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عامِرٍ قال: جِئْتُ والنَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّلاةِ فَجَلَسْتُ وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلاةِ - قال - فانْصَرَفَ عَلَيْنا رَسُولُ الله ﷺ فَرَأَى يَزِيدَ جالِسًا فَقال: "أَلَمْ تُسْلِمْ يا يَزِيدُ". قال: بَلَى يا رَسُولَ الله قَدْ أَسْلَمْتُ. قال: "فَما مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النّاسِ فِي صَلاِتهِمْ". قال: إِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي وَأَنا أَحْسِبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ. فَقال: "إِذا جِئْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَوَجَدْتَ النّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ وِإنْ كنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نافِلَة وهذِه مَكْتُوبَةً" (٣).
٥٧٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ قال: قَرَأْت عَلَى ابن وَهْبِ قال: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ
стр. 1963
بُكَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَفِيفَ بْنَ عَمْرِو بْنِ المُسَيَّبِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبا أَيُّوبَ الأنصارِيَّ فَقال: يُصَلِّي أَحَدُنا فِي مَنْزِلِهِ الصَّلاةَ ثُمَّ يَأْتيِ المَسْجِدَ وَتُقامُ الصَّلاةُ فَأُصَلِّي مَعَهُمْ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَقال أَبُو أَيُّوبَ: سَألْنا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقال: "ذِلِكَ لَهُ سَهْمُ جَمْعٍ" (١).
* * *
باب منْ صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الجَمَاعَةَ يُصَلِّي مَعَهُمْ
[٥٧٥] (ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن (٢) الحارث النمري، شيخ البخاري، قال (ثنا شُعْبَةُ) قال (أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ) العامري، قدم من الطائف واسطًا فأقام بها في سلطان بني أمية، روى له مسلم.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ) السوائي (٣)، وثقه النسائي (٤) (عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن الأسود، ويقال: [ابن أبي] (٥) الأسود، حليف قريش (٦)، نزل الكوفة: "أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَا أن صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ) بضم أوله وفتح ثالثه.
(فَرَائِصُهُمَا) جمع فريصة بالصاد المهملة وهي اللحمة من الجنب
стр. 1964
والكتف التي لا تزال ترعد أي تتحرك من الدابة، واستعير للإنسان؛ لأن له فريصة وهي ترجف عند الخوف.
وقال الأصمعي: الفريصة اللحمة بين الكتف والجنب (١)، وسبب ارتعاد (٢) فرائصهما لما اجتمع في رسول الله ﷺ من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة لكل من رآه مع كثرة تواضعه.
(فَقَال: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالا: ) يا رسول الله، إنا كنا (قَدْ صَلَّينَا فِي رِحَالِنَا) فيه أن الصلاة أمانة فيصدق (٣) من ذكر أنه صلاها ولا يطالب (٤) ببينة على فعلها.
(فَقَال: لَا تَفْعَلُوا) أي مثل هذا، فيه أن الاثنان جمع، ولهذا أعاد الواو في ضميرهما، والواو ضمير جمع، ومنه قول الشاعر:
يُحيى بالسلام غَنيُّ قوم ... ويُبْخَل بالسلام على الفقير
أليس الموت بينهما سواءٌ ... إذا ماتوا وصاروا في القبور
وجاء في رواية أحمد والترمذي: "فلا تفعلا" (٥).
(إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ)، رواية أحمد: "ثم أتيتما
стр. 1965
مسجد جماعة" (١).
(وَلَمْ يُصَلِّ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ) لفظ ابن حبان: "إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الصلاة فصليا" (٢) فيه الأمر بإعادة الصلاة مع الإمام لمن صلى في رحله، سواء كان صلى في رحله في جماعة أو صلى منفردًا، فإطلاقه في الأمر بالإعادة من غير تفصيل عن صلاته في بيته يدل على الأمر بالإعادة في الحالين؛ لأن ترك الاستفصال في المقال منزل منزلة العموم في المقال كما هو مقرر عند الأصوليين.
قال ابن عبد البر: قال جمهور الفقهاء: إنما يعيد الصلاة مع الإمام في جماعة من صلى وحده في بيته وأهله أو في غير بيته، وأما من صلى في جماعة وإن قلت فإنه لا يعيد في جماعة أكثر منها ولا أقل، وكل من صلى عندهم مع آخر فقد صلى في جماعة، فلا يعيد في أخرى قلَّت أو كثرت، ولو أعاد في جماعة أخرى لأعاد (٣) في ثالثة ورابعة إلى ما لا نهاية له، وهذا لا يخفى فساده. قال: وممن قال هذا القول مالك بن أنس وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم، ومن حجتهم قوله ﷺ : "لا تصلى صلاة في يوم مرتين" (٤).
(فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ) فيه تصريح في أن الثانية في الصلاة المعادة نافلة، وهو
стр. 1966
حجة للقول الجديد الصحيح من مذهب الشافعي أن الأولى (١) فرض والثانية نفل، والقديم كما قال أبو إسحاق إن الله يتقبل أيتهما (٢) شاء (٣). وقال القاضي: إنه قولٌ مخرج، وقيل: إنه منصوص عليه في الإملاء، ووراء القولين (٤) وجهان:
أحدهما: عن بعض الأصحاب أن الفرض هي الثانية، لأنه استحب له إعادة الفريضة ليكملها بالجماعة ولو كانت نفلًا لما حصل بها الكمال فتبين أن الأولى وقعت نفلًا.
والثاني: حكاه في "التتمة"، أن كلا الصلاتين فرضٌ؛ لأن الخطاب يسقط بالأولى وكانت فرضًا، وقد فاتت صفة الصلاة فيها فأمرنا بإعادتها، وليس يمكن إعادة الصفة وحدها فحكمنا بأن الجميع فرض (٥).
[٥٧٦] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (بْنُ مُعَاذٍ) بن معاذ العنبري شيخ مسلم، وروى له البخاري، قال: (ثنا أَبِي) معاذ بن معاذ العنبري، قال: (ثنا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ (٦) بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن الأسود (قَال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ )، رواية ابن حبان عنه قال: شهدت مع رسول الله ﷺ حجته، فصليت معه صلاة. (الصبح)
стр. 1967
في مسجد الخيف في منى (١). (بمنى) فالباء بمعنى في كقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ (٢) أي في بدر ... (بمعناه).
ولابن حبان: فلما قضى صلاته إذا رجلان في آخر الناس لم يصليا .. الحديث (٣). وبوب عليه باب: بيان أن حكم صلاة الغداة في الإباحة للمأموم أن يتنفل بصلاته خلف من يؤدي فرضه حكم غيرها من الصلوات. قال أصحابنا: هذا الحديث كالمصرح بأنه لا فرق في الصلاة المعادة بين أن تكون مما تكره الصلاة بعدها أو لا؛ لأنه نص في الصبح، وهي مما يكره الصلاة بعدها، فغيرها أولى (٤)، وهو مذهب الشافعي، وحكي عن بعض الأصحاب: أنه لا يعيد صلاة الصبح والعصر، ويعيد ما سواهما؛ لأن الصلاة بعد الصبح والعصر مكروهة (٥) بغير سبب، ولا سبب هنا، وحكى الإمام عن شيخه وجهًا: أن المغرب لا تعاد؛ لأنها وتر النهار (٦).
قال أبو بكر الصيدلاني: ولو كانت الصلاة المعادة مغربًا، وقلنا بالحديث الذي هو الجديد عند الشافعي أن المعادة نفل زاد فيها حال الإعادة ركعة، فإن الأحب (٧) في النوافل أن يكون شفعًا، وهذا ما
стр. 1968
حكاه القاضي حسين لا غير، وقال الإمام: إنه حسن بالغ.
قال ابن عبد البر: وقد اختلف في ذلك عن سعيد بن المسيب كما اختلف عن ابن (١) عمر، فروى همام عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: إذا صليت وحدي ثم أدركت الجماعة. فقال: أعد غير أنك إذا أعدت المغرب فاشفع بركعة، واجعل صلاتك وحدك تطوعًا، ثم قال أبو عمر: وهذا شيء لا يعرف وجهه كيف يشفع المغرب بركعة وتكون الأولى تطوعًا، وقد أجمع العلماء على أن المغرب إذا نوى
بها الفريضة لم يشفعها بركعة، وما أظن الحديث والله أعلم إلا والأولى فريضة، فإن صح ما ذكرناه عنه فهو وهمٌ من قتادة أو ممن دونه في الإسناد، وقد كان جماعة من العلماء يضعفون أشياء من حديث قتادة عن ابن المسيب (٢).
[٥٧٧] (ثنا قُتَيْبَةُ) بن سعيد، قال: (ثنا مَعْنُ بْنُ عِيسَى) بن يحيى الأشجعي، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ السَّائِبِ) الثقفي، قال أبو داود: لا بأس، كانت دموعه جارية، إن صلى فهو يبكي، وإن طاف فهو يبكي، وإن قرأ في المصحف فهو يبكي، فعوتب في ذلك فبكى وقال: ينبغي أن تعتبوني على التقصير والتفريط اللذين استوليا علي. قال ابن حرب: كنا نراه من الأبدال (٣).
(عَنْ نُوحِ بْنِ صَعْصَعَةَ) الطائفي ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، (عَنْ
стр. 1969
يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ) بن الأسود السوائي، شهد حنينًا، قيل: إن يزيد بن الأسود ويزيد بن عامر رجل واحد. (قَال: جِئْتُ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ فَجَلَسْتُ وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، قَال: فَانْصَرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ) فيه أنه لا يكره أن يقال: انصرفنا من الصلاة لقوله تعالى ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (١). (فَرَأَى يَزِيدَ جَالِسًا) لم يصل معهم (فَقَال: أَلَمْ) فيه تقرير لإسلامه؛ لأن الاستفهام إنكار، ونفي النفي إثبات (تُسْلِمْ) في رواية "الموطأ" قال لبشر بن محجن حين جلس ولم يصل مع الناس: "ألست برجل مسلم" (٢) (يَا يَزِيدُ؟ قَال: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَدْ أَسْلَمْتُ).
قال ابن عبد البر: فيه من الفقه أن من لم يصل فليس بمسلم، ومن صلى الصلاة مواظبًا عليها شهد له بالإسلام، وأجمع المسلمون أن جاحد فرض الصلاة كافر، واختلفوا في المقر بها التارك عمدًا لعملها وهو على القيام بها قادر، فروي عن علي وابن عباس وجابر وأبي الدرداء تكفير تارك الصلاة (٣).
(قَال: فَمَا مَنَعَكَ (٤) أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاِتهِمْ؟ ) فيه سؤال تارك الصلاة هل له عذر يظهره قبل أن يقضى عليه (قَال: إِنِّى كُنْتُ قَدْ (٥) صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي)، فيه أن من أقر بعمل الصلاة وإقامتها على ما يجب
стр. 1970
منها وكل إلى قوله، ويقبل منه؛ لأنه ﷺ قبل من يزيد بن عامر ومن محجن الديلي في رواية "الموطأ": صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي.
(وَأَنَا أَحْسبُ) بكسر السين (أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ) فصليت في منزلي قبل أن أحضر (فَقَال: إِذَا جِئْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَوَجَدْتَ النَّاسَ) يصلون (فَصَلِّ مَعَهُمْ وَإنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيتَ) في منزلك، وخص بعضهم هذا بالمساجد الثلاثة. قال ابن عبد البر: وفي رواية قال مالك: ومن صلى في جماعة ولو مع واحد فإنه لا يعيد تلك الصلاة إلا أن يعيدها في مسجد النَّبِي ﷺ ، أو المسجد الحرام، أو مسجد بيت المقدس. قال مالك: فإن دخل الذي صلى وحده المسجد فوجد القوم جلوسًا في آخر صلاتهم فلا يدخل معهم إلا إن علم أنه يدرك من صلاتهم ركعة يسجد فيها (١).
(تكن) بالجزم جواب الأمر الذي قبله، وهو "فَصَلِّ" (لك) أي الصلاة الأولى التي في منزلك (نَافِلَةً، وهذِه) تكن لك (مَكْتُوبَةٌ).
قال في "الذخائر": هذا الخبر موافق للقول المنسوب للقديم (٢) من مذهب الشافعي، وحكاه الإمام عن رواية شيخه عن بعض الأصحاب أن الفرض هو الثانية والأولى (٣) وقعت نافلة، وهذا الحديث حجة لهذا القول، ووجهه كما تقدم أن من دخل فوجد الجماعة يصلون استحب (٤) له إعادة الفريضة ليكملها بالجماعة، ولو كانت الثانية نفلًا
стр. 1971
لما حصل بها الكمال فتبين بالأخيرة التي حصل بها كمال صلاته أن الأولى وقعت نفلًا.
[٥٧٨] (ثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَال: قَرَأْتُ عَلَى) عبد الله (بْنِ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو) بن الحارث الأنصاري أحد الأعلام.
(عَنْ بُكَيرٍ) بن عبد الله بن الأشج (أَنَّهُ سَمِعَ عَفِيفَ (١) بْنَ عَمْرِو بْنِ المُسَيِّبِ) وثقه النسائي (٢).
(يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ فَقَال: يُصَلِّي أَحَدُنَا فِي مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَأْتِي المَسْجِدَ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَأُصَلِّي مَعَهُمْ) تلك الصلاة التي صليتها في منزلي (فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) في أيتهما أجعل صلاتي الأولى أو الثانية؟ (فَقَال أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: وذَلِكَ لَهُ سَهْمُ جَمْعٍ) قال الخطابي: يريد بقوله: "له (٣) سهم جمع" أي له سهمه (٤) من الخير جمع له فيه حظان. قال: وقال الأخفش (٥): يريد به سهم الجيش (٦). قال: والجمع الجيش ها هنا (٧)، [وقيل: جمع أي جماعة] (٨)، واستدل بقوله ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ (٩)
стр. 1972
وبقوله ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ (١) يعني الجيش، وقيل: ثوابه كمن شهد جمعًا، وهي المزدلفة، وذكر مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وعن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب بمعنى واحد، أن سائلًا سأل كل واحد منهما قال له: إنه يصلي في بيته ثم يأتي المسجد فيجد الناس يصلون، أنصلي معهم؟ فقالا: نعم، فقال: فأيهما (٢) أجعل من (٣) صلاتي؟ فقال: ذلك إلى الله يجعلها (٤) أيتهما (٥) شاء.
قال ابن عبد البر بعد هذا: وذكر بعض أصحاب مالك أن هذا مذهبه لا يدري أي الصلاتين فريضة ولا أيتهما (٦) هي النافلة، وإنما ذلك إلى الله (٧).
* * *
стр. 1973
٥٨ - باب إِذا صَلَّى ثُمَّ أدْرَكَ جَماعَةً أَيُعِيدُ
٥٧٩ - حَدَّثَنا أَبُو كامِلٍ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنا حُسَيْنٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ -يَعْنِي: مَوْلَى مَيْمُونَةَ- قال: أَتَيْتُ ابن عُمَرَ عَلَى البَلاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَقُلْت: أَلا تُصَلِّي مَعَهُمْ قال: قَدْ صَلَّيْتُ، إِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا تُصَلُّوا صَلاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْن" (١).
* * *
باب إذا صلى ثم أدرك جماعة يعيد؟
[٥٧٩] (ثنا أبو كامل) الجحدري (٢)، قال: (ثنا يزيد بن زريع) قال: (ثنا حسين) بن ذكوان المعلم (عن عمرو بن شعيب، عن سليمان) بن يسار (مولى ميمونة) أم المؤمنين، وهو أخو عطاء (قال: أتيت ابن عمر) ﵄، لفظ النسائي: رأيت ابن عمر جالسًا (٣) (على البلاط)، وهو موضع مفروش بالبلاط بين المسجد والسوق بالمدينة (وهم يصلون فقلت: ألا تصلي معهم؟ ) لفظ النسائي: فقلت: يا أبا عبد الرحمن لم لا تصلي؟ (٤). وفيه تنبيه الآدمي من هو أعلم منه وأجلُّ بما يظهر أنه من العبادات والقُرَب.
(قال: قد صليت)، ثم ذكر حجته فقال: (إني سمعت رسول الله ﷺ
стр. 1974
يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) لفظ النسائي: "لا تعاد الصلاة في يوم مرتين" (١). فيه حجة للوجه الذي صححه الصيدلاني والغزالي وصاحب المرشد وغيرهم، أن من صلى في جماعة ثم أدرك جماعة يصلون لا يصلي معهم كيف كانت؛ لأن الإعادة لتحصيل فضيلة الجماعة وقد حصلت [له، ولو] (٢) قيل أنه يعيدها (٣) لقيل يعيدها ثانية وثالثة ورابعة، وهو مخالف لما كان عليه الأولون (٤)، والحديث الذي قبله مختص بحالة الانفراد، وفيه جَمْعٌ بين الأحاديث.
قال في "الاستذكار": اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه على أن معنى قوله ﷺ : "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه ثم يقوم بعد الفراغ منها فيعيدها على جهة الفرض أيضًا، قال: وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة اقتداء بالنبي ﷺ في أمره بذلك وقوله للذين أمرهم بإعادة الصلاة في جماعة: "إنها لكم نافلة" فليس ذلك من إعادة الصلاة في يوم مرتين؛ لأن الأولى فريضة والثانية نافلة فلا إعادة حينئذٍ (٥).
* * *
стр. 1975
٥٩ - باب فِي جِماعِ الإمامَةِ وَفَضْلِها
٥٨٠ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المهْرِيُّ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الهَمْدانيِّ، قال: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَمَّ النّاسَ فَأَصابَ الوَقْتَ فَلَهُ وَلَهُمْ وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ وَلا عَلَيْهِمْ" (١).
* * *
باب في فضل الإمامة
[٥٨٠] (ثنا سليمان بن داود المهري) (٢) قال: (ثنا ابن (٣) وهب) قال: (أخبرني يحيى بن أيوب) الغافقي مولى بني أمية أحد علماء مصر.
(عن عبد الرحمن بن حرملة) الأسلمي، أخرج له مسلم (عن أبي علي) [ثمامة بن شُفَي] (٤) (الهمداني) بسكون الميم التجيبي.
(قال: سمعت عقبة بن عامر ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أمَّ الناس فأصاب الوقت) استدل به بعضهم على صحة [الائتمام بمن] (٥) يخل بشيء من الصلاة، ركنًا كان أو غيره، إذا أتم المأموم وصلى الإمام بعد دخول الوقت وقبل خروجه؛ لأنه لم يشترط في
стр. 1976
إصابة الإمام إلا الوقت.
قال إمام الحرمين: اختار المزني القول (١) القديم أنه يصح اقتداء القارئ بالأمي الذي لا يحسن حرفًا بأن اقتداء القائم بالقاعد العاجز عن القيام صحيح (٢)، وكذلك اقتداؤه بالمريض المومئ، وكذا اقتداء المتوضئ بالمتيمم، فإذا كانت القدوة تصح [مع أداء] (٣) صحت صلاة الإمام سواء كان بعض (٤) صلاته راجعًا إلى ركن أو شرط فليكن العجز عن القراءة الشديدة بهذِه المثابة، ثم قال: ولا شك في نصرة هذا القول في اتجاه القياس، ومما يدل على أن إصابة الوقت هي المعتبرة بحديث ابن مسعود مرفوعًا: " لعلكم تدركلون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها، فإذا أدركتموهم (٥) فصلوا في بيوتكم في الوقت، ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة". أخرجه النسائي وغيره (٦)، فالتقدير على هذا: فإن أصاب الوقت، وإن أخطأ الوقت.
(فله) أي: فتحصل الصلاة التي في الوقت وثوابها للإمام (ولهم) أي: وللمأمومين وفي رواية لأحمد في هذا الحديث: "فإن صلوا
стр. 1977
الصلاة لوقتها وأتموا الركوع والسجود فهي لكم ولهم" (١). وهذا يدل على أن المراد ما هو أعم من إصابة الوقت.
قال ابن المنذر: هذا الحديث (٢) يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه (٣)، أي ارتكبوا الخطيئة ولم يرد به الخطأ المقابل للعمد؛ لأنه لا إثم فيه. قال المهلب: فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر، أي ما أصاب الوقت إذا خيف (٤) منه، ووجَّه غيره قوله إذا خيف منه، بأن الفاجر إنما يَؤُم إذا كان صاحب شوكة (٥). قال في "شَرح السُّنَّة": فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدثًا أنه يصح صلاة المأمومين وعليه الإعادة (٦).
(ومن انتقص من ذلك) ظاهر الانتقاص لا يقابل الوقت، فيشبه أن يكون كما تقدم ليس المراد إصابة الوقت فقط، بل كما في رواية أحمد المذكورة، بل إصابة الوقت وإتمام الركوع والسجود (٧)، ويكون المراد بالانتقاص هنا من الركوع والسجود [(شيئًا فعليه] (٨) ولا عليهم) (٩)
стр. 1978
يحتمل أن يكون فيه حذف تقديره: ولهم الثواب لا عليهم الإثم، والمراد أن الإمام إن كان في صلاته نقص وخلل بأن (١) كان جنبًا أو محدثًا أو عليه نجاسة، ولم يعلم المأموم بحاله فللمأمومين الثواب وصلاتهم صحيحة ولا إثم عليهم. ورواية ابن ماجه: أن أبا علي الهمداني خرج في سفينة فيها عقبة بن عامر الجهني، فحانت صلاة من الصلوات فأمرناه أن يؤمنا وقلنا له: إنك أحقنا بذلك، أنت صاحب رسول الله ﷺ ، فأبى وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أمّ الناس فأصاب فالصلاة له ولهم، وإن انتقص من ذلك فعليه ولا عليهم" (٢) أي عليه الإثم من النقص.
* * *
стр. 1979
٦٠ - باب فِي كَراهيَةِ التَّدافُعِ على الإِمامَةِ
٥٨١ - حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبّادٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنا مَرْوانُ، حَدَّثَتْنِي طَلْحَةُ أُمُّ غُرابٍ، عَنْ عَقِيلَةَ -امْرَأةٌ مِنْ بَنِي فَزارَةَ مَوْلاةٌ لَهُمْ- عَنْ سَلامَةَ بِنْتِ الحرِّ أُخْتِ خَرَشَةَ بْنِ الحرِّ الفَزارِيِّ قالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السّاعَةِ أَنْ يَتَدافَعَ أَهْلُ المَسْحِدِ لا يَجِدُونَ إِمامًا يُصَلِّي بِهِمْ" (١).
* * *
باب في كراهية التدافع في الإمامة
[٥٨١] (ثنا هارون بن عباد الأزدي) المصيصي الأنطاكي مقبول، قال: (ثنا مروان) بن معاوية الفزاري، قال: (حدثتني طلحة أم غراب) روى لها ابن ماجه، وروت عن عقيلة وغيرها، وروى عنها ابنها عبد الله بن معاوية، ووكيع (عن عقيلة) بفتح العين، يقال: هي جدة لعلي (٢) بن غراب (امرأة من بني فزارة) بفتح الفاء اسم قبيلة منقولة من أنثى الببر بفتح الباء الأولى وإسكان الثانية، سميت بذلك لشدتها، (مولاة لهم) أي لبني فزارة (عن سلامة بنت الحر) ضد العبد الفزاري، قال أبو داود: لها ولأخيها خرشة صحبة (أخت خرشة) بمفتوحات والخاء والشين معجمات، مات خرشة سنة أربع وسبعين ﵁ (ابن الحر (٣) الفزاري ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من
стр. 1980
أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد) رواية (١) ابن ماجه (٢) من طريق وكيع عن أم غراب بلفظ: "يأتي على الناس زمان يقومون ساعة".
(لا يجدون إمامًا يصلي بهم) فيه أنه لا ينبغي تدافع أهل المسجد في الإمامة، بل يصلي بهم من يظهر أنه أحقهم؛ لقوله ﷺ : "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله". رواه الدارقطني عن ابن عمر، وهو في الطبراني (٣).
وفيه معجزة ظاهرة لإخباره ﷺ -عما يقع بعده، فقد وجد وشوهد مرارًا (٤) أقوام (٥) يقومون (٦) للصلاة لا يوجد فيهم من يصلح للإمامة، وذلك من قلة العلم، وكما في الحديث "من أشراط الساعة أن يقل العلم ويكثر الجهل" (٧) والله أعلم.
* * *
стр. 1981
٦١ - باب مَنْ أَحَقُّ بِالإِمامَةِ
٥٨٢ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسِيُّ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي إِسْماعِيلُ بْنُ رَجاءٍ سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ يُحدِّثُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ قال: قال رَسُول الله ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتابِ الله وَأَقْدَمُهُمْ قِراءَةً فَإِنْ كانُوا فِي القِراءَةِ سَواءً فَلْيَوُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كانُوا فِي الهِجْرَةِ سَواءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَلا يُوَمُّ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ وَلا فِي سُلْطانِهِ وَلا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ". قال شعْبَةُ فَقُلْتُ لإِسْماعِيلَ: ما تَكْرِمَتُهُ قال: فِراشُهُ (١).
٥٨٣ - حَدَّثَنا ابن مُعاذٍ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنا شُعْبَة بهذا الحَدِيثِ قال: فِيهِ: "وَلا يَوُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطانِهِ".
قال أَبُو داوُدَ: كَذا قال يَحْيَى القَطّانُ، عَنْ شُعْبَةَ: "أَقْدَمُهُمْ قِراءَةً" (٢).
٥٨٤ - حَدَّثَنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ رَجاءٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ الحَضْرَمِيِّ قال: سَمِعْتُ أَبا مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بهذا الحَدِيثِ قال: "فَإِنْ كانُوا فِي القِراءَةِ سَواءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كانُوا فِي السُّنَّةِ سَواءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً". وَلَمْ يَقُلْ: "فَأَقْدَمُهُمْ قِراءَةً". قال أَبُو داوُدَ: رَواهُ حَجّاجُ بْنُ أَرْطاةَ، عَنْ إِسْماعِيلَ قال: "وَلا تَقْعُدْ عَلَى تَكْرِمَةِ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ" (٣).
٥٨٥ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمِّادٌ، أَخْبَرَنا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قال: كُنّا بِحاضِرٍ يَمرُّ بِنا النّاسُ إِذا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَكانُوا إِذا رَجَعُوا مَرُّوا بِنا فَأَخْبَرُونا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: كَذا وَكَذا وَكُنْتُ غُلامًا حافِظًا فَحَفِظْتُ مِنْ ذَلِكَ
стр. 1982
قُرْآنًا كَثِيرًا فانْطَلَقَ أَبِي وافِدًا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَعَلَّمَهُمُ الصَّلاةَ فَقال: "يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ". وَكُنْتُ أَقْرَأَهُمْ لمِا كُنْتُ أَحْفَظُ فَقَدَّمُونِي فَكُنْتُ أَؤمُّهُمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَغِيرَةٌ صَفْراءُ فَكُنْتُ إِذا سَجَدْتُ تَكَشَّفَتْ عَنِّي فَقالتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّساءِ: وارُوا عَنّا عَوْرَةَ قارِئِكُمْ. فاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمانِيًّا فَما فَرِحْتُ بِشَيءٍ بَعْدَ الإِسْلامِ فَرَحِي بِهِ فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَأَنا ابن سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمانِ سنِينَ (١).
٥٨٦ - حَدَّثَنا النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا عاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ بهذا الخَبَرِ قال: فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مُوصَلَةٍ فِيها فَتْقٌ فَكُنْتُ إِذا سَجَدْت خَرَجَتِ اسْتِي (٢).
٥٨٧ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ حَبِيبٍ الجَرْمِيِّ، حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ، عَنْ أَبِيهِ أنَّهُمْ وَفَدُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمّا أَرادُوا أَنْ يَنْصَرِفُوا قالوا: يا رَسُولَ اللهِ مَنْ يَؤُمُّنا قال: "أَكْثَرُكُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنٍ". أَوْ: "أَخْذًا لِلْقُرآنِ". قال: فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ جَمَعَ ما جَمَعْتُهُ -قال- فَقَدَّمُوني وَأَنا غلامٌ وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ لِي فَما شَهِدْتُ مَجْمَعًا مِنْ جَرْمٍ إِلَّا كُنْتُ إِمامَهُمْ وَكُنْتُ أُصَلِّي عَلَى جَنائِزِهِمْ إِلَى يَوْمِي هذا.
قال أَبُو داوُدَ: وَرَواهُ يَزِيدُ بْن هارُونَ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ حَبِيبٍ الجرْمِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قال: لّمَا وَفَدَ قَوْمِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ (٣).
٥٨٨ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنا أَنَسٌ يَعْنِي ابن عِياضٍ ح، وحَدَّثَنا الهَيْثَمُ بْنُ خالِدٍ الجُهَنِيُّ - الْمَعْنَى - قالا: حَدَّثَنا ابن نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ قال: لمَّا قَدِمَ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ نَزَلُوا العَصْبَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ فَكانَ يَؤُمُّهُمْ سالِمٌ
стр. 1983
مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَكانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا. زادَ الهَيْثَمُ وَفِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ (١).
٥٨٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ ح، وحَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ - الْمَعْنَى واحِدٌ - عَنْ خالِدٍ عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَن مالِكِ بنِ الحوَيرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لَهُ أَوْ لِصاحِبٍ لَهُ: "إِذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأَذِّنا ثُمَّ أَقِيما ثُمَّ لْيَؤُمَّكُما أَكْبَرُكُما". وَفِي حَدِيثِ مَسْلَمَةَ قال وَكُنّا يَوْمَئِذٍ مُتَقارِبَيْنِ فِي العِلْمِ. وقال فِي حَدِيثِ إِسْماعِيلَ: قال خالِدٌ: قُلْتُ لأبِي قِلابَةَ: فَأَيْنَ القُرْآنُ؟ قال: إِنَّهُما كانا مُتَقارِبَيْنِ (٢).
٥٩٠ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنا الحَكَمُ بْنُ أَبانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرّاؤُكُمْ" (٣).
* * *
باب: من أحق بالإمامة
[٥٨٢] (ثنا أبو الوليد) هشام (الطيالسي) قال: (ثنا شعبة) قال: (أخبرني إسماعيل بن رجاء، قال: سمعت أوس بن ضمعج) بفتح الضاد المعجمة والعين، أي: ناقة غليظة، الكوفي شيخ مسلم.
(يحدث عن أبي (٤) مسعود) عقبة بن عمرو (البدري) الأنصاري ﵁، (قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم) فيه تقديم الأقرأ (لكتاب الله).
стр. 1984
قال الشافعي ﵁: والمخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كان أقرؤهم أفقههم فإنهم يسلمون كبارًا ويتفقهون قبل أن يقرؤوا (١) فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه، وكان يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ فإنه قيل: لم يحفظ القرآن من الصحابة إلا خمسة [أو قريب منها، والخمسة] (٢): أبو بكر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، قيل: وعبد الله بن عباس، فلذلك ذكر الأقرأ وأمر بتقديمه، ولم يذكر الأفقه وهو مما تقدم به؛ لأنهم كلهم كانوا ذوي أنساب، ويشهد لقول الشافعي: إن أَقرؤُهم حينئذٍ أفقههم قول ابن مسعود: كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها (٣)، وقول ابن عمر: ما كانت السورة تنزل على رسول الله ﷺ إلا ونتعلم أمرها ونهيها.
فإن قلت: قول الشافعي: إن أقرأهم كان أفقههم أعامٌّ في كل أحد من القراء أو (٤) هو الأغلب؟ فالذي أشار إليه (٥) الإمام الثاني؛ لأجل أن (٦) عمر ﵁ لم يُعَدَّ ممن يحفظ القرآن؛ لأنه كان يعسر عليه الحفظ، وهو مفضل على عثمان وعلى عَلِيٍّ مع حفظهم القرآن.
стр. 1985
قال ابن الرفعة: ويحتمل أن يبقى كلام الشافعي على عمومه؛ لأن المراد بالأقرأ أصحهم قراءةً لا أكثرهم حفظًا، وإذا كان كذلك فيجوز أن يكون عمر أصح قراءةً من غيره، أي وهو الأَوْلى، لكن قول الإمام فيه إشارة أن الأقرأ أكثر حفظًا، والأول هو المصرح به، لكن على قول الإمام ما رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصحيح، عن عمرو بن سلمة: انطلقت مع أبي إلى النبي ﷺ بإسلام قومه فكان فيما أوصانا: " ليؤمكم أكثركم قرآنًا"، فكنت أكثرهم قرآنًا فقدموني (١). وهو في "الصحيح" في حديثه عن أبيه، [والطبراني عنه نفسه] (٢)، وفي رواية الطبراني عن مرثد (٣) الغنوي: "إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم علماؤكم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم عز جل" (٤).
(وأقدمهم قراءة) أي: من تقدمت قراءته مقدم على من قرأ بعده؛ لأنه متقن للقراءة أكثر وأبعد في الخطأ منه والنسيان، وأكرم على الله، والإمامة سفارة (٥) بين الله تعالى وبين الخلق. (فإن كانوا في القراءة سواء) أي استويا في القراءة، رواية مسلم فيها زيادة ولفظه: "فإن كانت القراءة واحدة فأعلمهم بالسنة، فإن كانت السنة سواء واحدة فليؤمهم أقدمهم هجرة" (٦).
стр. 1986
فإن قلت: إذا كان المراد بالأقرأ الأفقه كما تقدم في كلام الشافعي، فكيف قال في الحديث بعد القراءة: أعلمهم بالسنة؟ فالجواب: أن القرآن والسنة من مشرع (١) واحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) فكلاهما وحي، ولأن الإنسان يقرأ القرآن ويتفقه فيه، ثم يتعلم السنة والأحاديث.
(فليؤمهم) بفتح الميم المشددة، ويجوز ضمها اتباعًا للهاء التي بعدها (أقدمهم هجرة)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ (٣) أي لا يستوي في الفضل من أنفق ماله وقاتل العدو في الإسلام قبل فتح مكة مع من أنفق وقاتل بعد الفتح ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ (٤).
قال الأصحاب: ثم الهجرة المقدم (٥) بها في الإمامة لا تنقطع إلى يوم القيامة (٦). فإذا أسلم اثنان وتقدم أحدهما في الهجرة، فإنا نقدمه عليه (٧) في الإمامة، [ونقدم أولاد المهاجرين] (٨) على أولاد غيرهم، ونقدم أولاد المهاجرين بعضهم على بعض لتقدم هجرة آبائهم.
стр. 1987
(فإن كانوا في الهجرة سواء) أي: استويا في القراءة وتقدمها والسنة والهجرة (فليؤمهم أكبرهم سنًّا) أي: فيقدم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام، لأنها فضيلة يرجح بها، فالمسن المراد في الشريعة هو في الإسلام، فمن أسلم من شهر وهو ابن عشرين سنة، يقدم على من أسلم بعده، وإن كان ابن ثلاثين سنة (١).
قال البغوي: ومن أسلم أحد آبائه قبل آباء الآخر فهو المقدم، نعم من أسلم بنفسه أولى ممن أسلم بأحد أبويه، وإن تأخر إسلامه (٢) عن إسلام من أسلم أبواه؛ لأنه إذا أسلم بنفسه فقد اكتسب هو تلك الفضيلة، وهذا ظاهر إذا كان إسلام من أسلم بنفسه قبل بلوغ من حكمنا بإسلامه تبعًا لأبيه، أما إذا كان بعد بلوغ من حكمنا بإسلامه تبعًا لأبيه، فالذي يظهر كما قال ابن الرفعة تقديم من حكمنا بإسلامه تبعًا لأبيه.
(ولا يُؤَم) بضم أوله وفتح الهمزة على البناء للمفعول (الرجل في بيته) والمراد بصاحب البيت مستحق منافعه مالكًا كان أو مستأجرًا لكن يقدم المعير على المستعير؛ نعم (٣) لو كان الساكن عبدًا فسيده أحق منه، ولا يكون صاحب البيت مقدمًا إلا إذا وجدت فيه شرائط الإمامة، سواء كان غيره أكمل منه بفضيلة أخرى أم لا؛ لإطلاقه في الحديث.
(ولا) يؤم الرجل (في سلطانه) أي: في بيته ومحله؛ لأنه موضع
стр. 1988
سلطنته. قال النووي: معناه ما ذكره أصحابنا وغيرهم أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأكبر سنًّا (١).
فإن لم يتقدم قدم من شاء ممن يصلح للإمامة، وإن كان غيره أصلح منه؛ لأن الحق فيها له فاختص بالتقدم والتقديم، ويراعى في الولاة تفاوت الدرجة الأعلى فالأعلى من الولاة والحكام.
(ولا يُجْلَسُ) بضم أوله (على تكرمته) بفتح التاء وكسر الراء، وهي الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل، ويختص به دون أهله، وقيل: هي الوسادة، وفي معناها السرير ونحوه (إلا بإذنه) رواية مسلم: "ولا تجْلِسْ على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك (٢)، فإذا أذن فلا بأس بالجلوس، فإن أقسم تعين عليه وتأكد.
(قال شعبة: فقلت لإسماعيل) ابن رجاء (فما تكرمته؟ قال) في (٣) (فراشه) الذي يختص به.
[٥٨٣] (ثنا) عبيد الله (٤) (بن معاذ) قال: (ثنا أبي) معاذ بن معاذ، (عن شعبة بهذا الحديث) و (قال فيه: لا يَؤُمُّ) بضم الهمزة (الرجل الرجل) الأول مرفوع والثاني منصوب (في سلطانه).
زاد في بعضها (قال أبو داود: وكذا قال يحيى القطان عن شعبة:
стр. 1989
أقدمهم قراءة) يعني (١) أن السلطان أو نائبه في محل ولايته أولى من غيره إذا كان يعلم من القرآن والفقه ما يصح به الصلاة، وإن كان غيره أقرأ وأفقه منه.
[٥٨٤] (ثنا الحسن بن (٢) علي) قال: (ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج (٣) الحضرمي) نسبةً إلى حضرموت.
قال الصاغاني: حضرموت بلدة وقبيلة (٤) (قال: سمعت أبا مسعود ﵁، عن النبي ﷺ بهذا الحديث) و (قال) فيه: (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) أي: بالأحاديث ومعانيها وما يتعلق بها من العلوم كما تقدم عن رواية مسلم.
(فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) فإذا استوى اثنان في القراءة والسنة وأحدهما من أولاد أولاد أولاد (٥) من تقدمت هجرته والآخر من أولاد من تأخرت هجرته قدم الأول (ولم يقل) في هذِه الرواية (فأقدمهم قراءة) أي: تقدم من تقدم في القراءة وسبق إليها كما تقدم.
[٥٨٥] (ثنا موسى بن إسماعيل) قال: (ثنا حماد) قال: (أنا أيوب، عن عمرو بن سلمة) بكسر اللام، واختلف في صحبة عمرو، فروى
стр. 1990
الطبراني ما يدل على أنه وفد مع أبيه إلى النبي ﷺ (قال: كنا بحاضر) (١) الحاضر: القوم النزول على [الماء مقيمون به ولا يرحلون عنه] (٢). قال الخطابي: ربما جعلوا الحاضر (٣) اسمًا للمكان المحضور، فهو فاعل بمعنى المفعول (٤) حاضر بمعنى محضور (٥).
(يمر بنا الناس إذا أتوا النبي ﷺ ، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا) فنسألهم ما قال (فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال كذا وكذا)، فيه تبليغ الشاهد الغائب (وكنت غلامًا حافظًا) لما أسمعه (فحفظت) بكسر الفاء (من ذلك قرآنا كثيرًا، فانطلق أبي) سلمة - بكسر اللام - ابن قيس، وقيل: ابن نفيع بن قدامة البصري (وافدًا إلى النبي ﷺ ) وجمع الوافد وفد، وهم القوم يأتون الملوك (٦) ركبانًا، قال الله تعالى ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (٧) (في نفر من قومه) فيه الرحلة لقراءة القرآن وحفظ السنة.
(فعلمهم الصلاة) فيه فضيلة تعليم الإمام آحاد (٨) الرعية شرائع الإسلام كالصلاة والزكاة والصيام (وقال: يؤمكم أقرؤكم) أي: فكل
стр. 1991
من اتصف بذلك جازت إمامته من عبد وصبي وغيرهما، واستدل بقوله: "أقرؤهم" على أن إمامة الكافر لا تصح؛ لأنه لا قراءة له. (وكنت أقرؤهم لما كنت أحفظ) من كتاب الله تعالى (فقدموني).
يدل على أن من ارتضاه القوم وقدموه فهو أولى، وإنما قدموا عَمْرًا وهو صبي على (١) غيره من البالغين؛ لأن النبي ﷺ لما قال لهم: "يؤمكم أقرؤكم" نظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا منه، والذي قال الأصحاب أن البالغ أولى من الصبي وإن كان أفقه وأقرأ؛ لأن البالغ مكلف فهو أحرص على المحافظة على حدودها، ولأنه مجمع على صحة الاقتداء به بخلاف الصبي، فقد كره الصلاة (٢) خلفه جماعة منهم الشعبي، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، والشافعي أجاز الصلاة خلفه في غير الجمعة (٣)، وأجاب الأصحاب عن هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم ينص لهم على تقديم عمرو إنما هم فعلوه بعد رجوعهم من عند النبي ﷺ باجتهادهم وحملهم الحديث على عمومه.
فإن قلت: فيرد على الأصحاب احتجاجهم به في جواز إمامة الصبي، وأجاب السبكي بأن الجواز مستند إلى ذلك مع القياس فإن صلاته صحيحة في نفسه مع غلبة الظن بوصول الأخبار إلى النبي ﷺ بذلك، ولو لم يكن جائزًا لما أقره، وأما كونه أفضل فلا يلزم.
(فكنت أؤمهم وعلي بردة لي صغيرة). والبردة كساء صغير مربع،
стр. 1992
ويقال: كساء أسود صغير، وبه كني أبو بردة واسمه هانئ بن [نيار البلوي] (١) (صفراء) هذا يرجح القول الأول بأنها كساء مربع (فكنت إذا سجدت تكشفت) (٢) الشملة (عني فقالت امرأة من النساء) هذا يدل على أنه كان يقتدي به رجال ونساء. (وَارُوا) أي استروا (عنا) ورواية البخاري: ألا تغطوا عنا (٣). قال السفاقسي فيه: صوابه تغطون؛ لأنه مرفوع على أصله (٤).
(عورة قارئكم) رواية البخاري أصرح وهي: است قارئكم (٥)، (فاشتروا لي قميصًا عمانيًّا) منسوب إلى عمان بتخفيف الميم بوزن غراب بلدة باليمن على ساحل البحر بين مهرة والبحرين ينسج بها الثياب، وأما عَمَّان [بتشديد الميم وفتح العين بلد] (٦) بطرف الشام من بلاد البلقاء.
(فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به) فيه أن الإنسان لا يُسَرُّ بشيء ولا يرى (٧) نعمة أعظم من الإسلام (فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع) بتقديم السين على [الباء (سنين) (٨) أو ثمان سنين). ورواية البخاري: "قدموني
стр. 1993
بين أيديهم وأنا ابن ست -أو سبع سنين" (١). ورواية النسائي بلفظ (٢): فكنت أؤمهم وأنا ابن ثمان سنين (٣)، ورواية الطبراني: وأنا ابن ست سنين (٤).
[٥٨٦] (ثنا النفيلي، قال: ثنا زهير، قال: ثنا عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة) بكسر اللام (بهذا الخبر، قال: فكنت أؤمهم). ظاهره أنه يؤمهم في جميع الصلوات الفرائض والنوافل، الجمعة وغيرها، وبه قال الحسن إذا كان ممن يعقل (٥) (في بردة موصلة) أي من قطع وصل بعضها ببعض كالمرقعة (فيها فتق) بفتح الفاء وسكون التاء، أي: موضع تفتقت (٦) خياطته، وقال الجوهري: الفتق الشق. (٧)
(فكنت إذا سجدت خرجت) أي: برزت (استي) بهمزة وصل ولامه محذوفة، وهي العجز (٨)، ويراد به حلقة الدبر، وأصلها سته بفتح التاء، ولهذا تجمع على أستاه، ويصغر على سُتَيهَة، وفي الحديث: "العينان وكاء السه" (٩) بالهاء (١٠) ويروى بالتاء.
стр. 1994
[٥٨٧] (أنا قتيبة، قال: ثنا وكيع، عن مسعر) بكسر الميم (بن حبيب الجرمي) بفتح الجيم أبي الحارث البصري، وثقه ابن معين وغيره (١) قال: (ثنا عمرو بن سلمة، عن أبيه) (٢) سلمة بن قيس كما تقدم (أنهم وفدوا) بفتح الفاء، أي: قومه جرم (إلى النبي ﷺ ) فأسلموا (فلما أرادوا أن ينصرفوا) من عنده (قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟ قال): يؤمكم (أكثركم جمعًا للقرآن، أو) أكثركم (أخذًا للقرآن). بهذا قال سفيان الثوري (٣) وأحمد (٤) خلافًا للشافعي وأبي حنيفة فإنهما يقولان: الأفقه أولى (٥).
قال: (فلم يكن أحد (٦) من القوم جمع ما جمعته) من القرآن، إنما اعتبر في الحديث الكثرة من القرآن؛ لأن القوم كانوا عَرَبًا ويأخذون القرآن من معدنه، فكانوا كلهم مجيدون القراءة، وأما أكثر أهل (٧) زماننا فإنهم لا يجيدون القرآن في آدابه وإتقان حروفه حتى يكون لها إلمام بالقراءة. قال: ولست (٨) أعني بذلك المخارج الظاهرة (٩) فإن
стр. 1995
تلك واجبة، وأكثر الناس يحسنونها، وإنما الخفي من ذلك كالإخفاء والإقلاب والهمس والاسترخاء (١) وغير ذلك، ولم أر الأصحاب تعرضوا، قال: وعندي أنه أهم من كثرة الحفظ فينبغي أن من يكون بهذِه الصفة إذا كان يحفظ ما يجب في الصلاة أولى ممن لا يحسن ذلك ممن يحفظ أكثر منه.
(قال: فقدموني وأنا غلام وعليَّ شملة لي) والشملة (٢): كساء صغير يؤتزر به، والجمع شملات بفتح الميم مثل [سجدة وسجدات] (٣) (فما شهدت مجمعًا من) قَوْمي (جرم إلا كنت إمامهم) أخذًا بالعموم في الحديث أنه يؤم الأقرأ، وإن كان في غيره صفات أكثر بأن يكون غيره بالغًا وهو صبي، أو يكون غيره مالك البيت أو المنفعة أو أقدم هجرة أو أكبر سنًّا ونحو ذلك [فيه أنه لا يكره أن يؤم قومًا فيهم أبوه، فإن سلمة كان يقتدي بابنه] (٤).
(وكنت أصلي على جنائزهم) قد يؤخذ منه أن الأقرأ يقدم على وليه من أبٍ وجدٍّ ونحوهما.
والحديث (٥) من مذهب (٦) الشافعي أن القريب أولى؛ لأنه يختص
стр. 1996
بمزيد شفقة فدعاؤه (١) أقرب إلى الإجابة (٢)، لكن هذا إذا كان القريب يحسن الصلاة على الجنازة، فلعل قومه لم يكن منهم (٣) من يحسنها غيره (إلى يومي هذا) قال الذهبي: صلى بقومه أيام النبي ﷺ (٤).
(ورواه يزيد بن هارون) بن زاذان، أحد الأعلام.
(عن مسعر بن حبيب، عن عمرو بن سلمة قال: لما وفد قومي إلى النبي ﷺ ) رواية الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات قال: انطلقت مع أبي إلى النبي ﷺ بإسلام قومه، فكان فيما أوصانا: "ليؤمكم أكثركم قرآنا" (٥) ورواية الحديث من حديثه عن أبيه، وهنا عنه نفسه (فلم يقل عن أبيه) وعَنَى نفسه.
[٥٨٨] (ثنا القعنبي، قال: ثنا أنس بن عياض.
ح وثنا الهيثم بن خالد الجهني) الكوفي أبو الحسن، وثقه أبو داود (٦)، حدث سنة خمس وثلاثين ومائتين، وفي "المشايخ النبل" أنه مات سنة ٢٣٧. (المعنى قال (٧): ثنا) عبد الله (بن نمير، عن [عبيد الله) بالتصغير العمري] (٨).
стр. 1997
(عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه لما قدم المهاجرون الأولون) أي من مكة إلى المدينة، وصرح به في رواية الطبراني.
(نزلوا (١) العصبة) بالنصب على الظرفية لقوله: نزلوا (٢) أي المكان المسمى بذلك وهو بإسكان الصاد المهملة بعدها باء موحدة، واختلف في أوله فقيل: بفتح العين، وقيل بضمها. قال أبو عبيد: لم يضبطه الأصيلي في روايته، والمعروف المعصب بتشديد الصاد (٣)، وفي "صحيح البخاري" أنه موضع بقباء (قبل مقدم) بفتح الميم والدال المخففة. (النبي ﷺ ) المدينة.
(فكان يؤمهم سالم مولى) آمرأة من الأنصار فأعتقته وكان إمامته فيهم قبل أن يعتق، ولذلك بوب عليه البخاري: باب إمامة العبد والموالي، وقوله: ولا يمنع العبد من الجماعة بغير علة، وإنما قيل له مولى (أبي حذيفة)؛ لأنه لازم أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بعد أن عتق فتبناه، فلما نُهُوا عن ذلك قيل له مولاه، واستشهد سالم باليمامة في خلافة أبي بكر ﵁ (وكان أكثرهم قرآنًا) أشار إلى سبب تقدمهم له على غيره.
(زاد الهيثم) بن خالد: (وفيهم عمر بن الخطاب) زاد في "الأحكام" من رواية ابن جريج عن نافع: وفيهم أبو بكر وعمر (وأبو سلمة) أي (ابن عبد الأسد) المخزومي، أحد السابقين عبد الله أخو النبي ﷺ من الرضاعة، وزيد بن حارثة وخارجة بن ربيعة، واستشكل ذكر أبي بكر
стр. 1998
فيهم إذ كان رفيقه ووَجَّهَه البيهقي باحتمال أن يكون سالم المذكور استمر على الصلاة بهم فيصح ذكر أبي بكر ووجه الدلالة منه اجتماع كبار الصحابة القرشيين على تقدمة سالم عليهم (١).
[٥٨٩] (ثنا مسدد قال: ثنا إسماعيل ح.
وثنا مسدد قال: ثنا مسلمة (٢) بن محمد المعنى واحد عن خالد) الحذاء (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (عن مالك بن الحويرث: أن النبي ﷺ قال له أو لصاحب له) رواية النسائي عن مالك: أتيت النبي ﷺ أنا وابن عمٍّ لي. وقال مرة: أنا وصاحب لي (٣).
وهذه الرواية تدل على أن رواية المصنف: قال له ولصاحب له أنه ابن عمٍّ له (إذا حضرت الصلاة) رواية النسائي: "إذا سافرتما (٤) فأذِّنا" (٥).
قال أبو الحسن بن القصار: أراد به الفضل وإلا فأذان الواحد يجزئ فكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذنا جميعًا كما هو ظاهر اللفظ، فإن أراد أنهما يؤذنان (٦) معًا فليس ذلك بمراد؛ لأن المنقول عن السلف خلافه، وإن أراد أن (٧) كلًّا منهما يؤذن على حِدَةٍ ففيه نظر فإن أذان الواحد يكفي الجماعة، نعم يستحب لكل أحد إجابة المؤذن والأولى حمل الأمر على أن أحدهما يؤذن والآخر يجيب (٨).
وللطبراني من طريق حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء في هذا
стр. 1999
الحديث: "إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم" (١). انتهى كلام ابن حجر (٢). وهذا الذي قاله يبعده ما بعده.
(ثم أقيما) وحمل اللفظ على أذانهما معًا كما هو الظاهر أولى، إلا أن يأتي في صريح لفظ ما يحوج إلى خروجه عن ظاهره (ثم ليؤمكما أكبركما) استدل بهذا الحديث على أفضلية الإمام على الأذان، وعلى وجوب الأذان عند من قال به، وهذا يرد النقل للإجماع على عدم وجوب الأذان.
(وفي حديث مسلمة) بن محمد [(وكنا يومئذٍ] (٣) متقاربين في العلم) فإذا تقاربوا في العلم وتساووا فيه فيقدم أكبرهم سنًّا في الإسلام، والصحيح أنه لا يعتبر الشيخوخة، بل المعتبر تقارب السن.
(وقال في حديث إسماعيل) بن علية (قال خالد) الحذاء (قلت لأبي قلابة: فأين) كثرة (القرآن) المذكورة في الحديث؟ (قال: فإنهما كانا متقارنين) بالنون عند ابن حزم، وبالباء الموحدة للخطيب في موضعين في حفظ القرآن.
[٥٩٠] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا حسين بن عيسى) بن مسلم (الحنفي) أبو عبد الرحمن الكوفي أخو سليم القارئ.
(قال: ثنا الحكم ابن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ : ليؤذن لكم خياركم) أراد بالخيار الصلحاء؛ لأن الخِيار جَمْع خَير؛
стр. 2000
لأنه يؤذن على موضع عالٍ فإذا لم يكن خيرًا لم يُؤْمَنْ أن ينظر إلى العورات.
قال الشافعي: أحب أن لا يكون مؤذن الجماعة إلا عدلًا ثقة (١)، قيل: أراد عدلًا في دينه ثقة في معرفة المواقيت.
[وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر فزاد بدل هذِه: ولا يؤذن لكم غلام لم يحتلم (٢)] (٣).
(وليؤمكم [قراؤكم) هذا] (٤) رواية ابن ماجه (٥): وروايةُ البزار بإسناد حسن: "فليؤمكم أقرؤكم وإن كان أصغركم، فإذا أمَّكم فهو أميركم" (٦)، وروى الطبراني في الأوسط: "من أَمَّ قومًا وفيهم من هو أقرأ لكتاب الله منه لم يزل في سفال (٧) إلى يوم القيامة" (٨)، والله تعالى أعلم.