← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

باب إذا صلى الإمام قاعدا [٦٠١] (حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ ركب فرسا) بالمدينة كما في الحديث بعده (فصرع عنه) بضم الصاد وكسر الراء أي سقط عنه كما في رواية الصحيح (١) (فجحش) قال النووي: بجيم مضمومة وحاء مكسورة مهملة أي خدش (٢) والخدش قشر الجلد، قال ابن حبان إنه حين جحش شقه كان في ذي الحجة آخر سنة خمس (٣) (شقه) بكسر الشين، أي جانبه (الأيمن) من السقطة. (فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد) وقد صلى النبي (٤) ﷺ قاعدًا في ثلاثة (٥) مواضع حين جحش شقه، وفي مرض موته، وفي غزوة أحد [في رواية سفيان عن الزهري: فحضرت الصلاة، وكذا رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي، قال القرطبي: اللام للعهد ظاهر أو المراد الفرض؛ لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة (٦)] (٧). وفي رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود: فصلى بنا يومئذٍ (٨) فذكر

стр. 2032

اليوم يدل على أنها كانت ظهرًا أو عصرًا (وهو قاعد) قال القاضي عياض: يحتمل أنه كان أصابه من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام (١). قال ابن حجر: وليس كذلك إنما كانت قدمه منفكة كما في رواية بشر بن المفضل عن حميد، عن أنس عند الإسماعيلي، وكذا لأبي داود وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابر، وأما رواية يزيد عن حميد عن أنس: جُحش ساقه أو كتفه فلا ينافي كون قدمه انفكت (٢)؛ لاحتمال الأمرين (٣). (فصلينا وراءه قعودًا) ظاهره (٤) مخالف لحديث عائشة الآتي: فصلى وراءه قومٌ قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، والجمع بينهما أن رواية هذا الحديث فيها اختصار، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس (فلما انصرف) من صلاته، وإلا فهو في بيته بسبب مرضه (قال: إنما جعل الإمام) المفعول (٥) الثاني لجَعَلَ محذوف؛ لأنها في معنى صُيِّر (٦) فيتعدى إلى مفعولين، والتقدير: إنما جعل الإمام إمامًا (ليؤتم) أي ليقتدى (به) في أفعاله وأقواله، ومعنى الحصر بإنما ظاهر. (فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا) الفاء في قوله: "فصلوا" وكذا ما بعدها

стр. 2033

فاء (١) التعقيب فيقتضي (٢) أن يكون أفعال المأموم عقب (٣) أفعال الإمام القولية والفعلية إلا في التأمين؛ فإنه معه لا قبله ولا بعده. (وإذا ركع فاركعوا) الظاهر من قوله: فإذا ركع أي كمل ركوعه فاركعوا عقبه، ويدل عليه حديث البراء المتفق عليه: كنا نصلي خلف النبي ﷺ فإذا قال: "سمع الله لمن حمده" لم يحن أحدٌ منا ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الأرض". (٤) وهذا هو المعتبر عند أصحابنا في المتابعة في الأفعال حيث (٥) فسروا المتابعة بأن (٦) تجري على أثر الإمام بحيث يكون (٧) ابتداؤه بكل واحد منهما متقدمًا على فراغه منه، وذلك كله في غير تكبيرة الإحرام، وفي السلام يجوز المقارنة فيه على الأصح؛ لأنه لم يذكره في الحديث (وإذا (٨) رفع) رأسه من الركوع (فارفعوا) وهو يتناول الرفع من الركوع والرفع من السجود في جميع السجدات، والرفع لا يكون إلا بعد كمال ركوع الإمام كما في سائر الانتقالات كما دلت عليه الأحاديث. (وإذا قال سمع الله لمن حمده) أي تقبل منه وجازاه به، ولهذا عدي

стр. 2034

باللام مع أنه متعدٍّ في الأصل بنفسه لكن لما ضمن معنى استجاب، ومن مجيء السمع (١) بمعنى الإجابة ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (٢) أي: اسمعوا مني سمع الطاعة والقبول، ثم هذا الكلام يحتمل أن يكون دعاء من الإمام للمأمومين لأنهم يقولون: ربنا لك الحمد، و [هذا على] (٣) قول من يقول أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده، ومذهب الشافعي أن سمع الله لمن حمده ذكر النهوض، وربنا ولك الحمد ذكر الاعتدال سواء في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد (٤). (فقولوا: ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو في ولك الحمد، وإثباتها أحسن لدلالتها على معنى وهو النداء بالاستجابة فكأنه يقول: يا ربنا استجب أو تقبل ونحوهما، ثم استأنف خبرًا بقوله: ولك الحمد الكامل، أو بأنك مستحق الحمد الكامل، ومع حذف الواو لا يكون في الكلام إلا معنى واحد، ومثله أيضًا في السلام الواو في وعليكم السلام إثباتها يتضمن الدعاء لنفسه ولمن سلم عليه؛ لأن تقديره: علينا وعليكم السلام، فحذف علينا لدلالة العطف عليه بخلاف إسقاطها فإنه (٥) لا يقتضي إلا إثبات الدعاء لنفسه خاصةً. (وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا) استدل به على صحة إمامة

стр. 2035

الجالس، وادعى بعضهم أن المراد بالأمر أن يقتدى به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين؛ لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع والرفع منه والسجود، فيحمل على أنه لما جلس بين السجدتين قاموا تعظيمًا له فأمرهم بالجلوس تواضعًا، وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه لو كان المراد الأمر بالجلوس في الركن لقال: وإذا جلس فاجلسوا (١) ليناسب قوله: فإذا سجد فاسجدوا، فلما عدل عن ذلك إلى قوله: "وإذا صلى جالسًا" كان كقوله: وإذا صلى قائمًا والمراد بذلك جميع الصلاة، ويؤيد ذلك قول أنس: فصلينا وراءه قعودًا. (أجمعون) هكذا (٢) وقع أجمعون بالرفع في الرواية وحقه من جهة العربية (٣) النصب؛ لأنه حال، وقد جاء في رواية ضعيفة أجمعين بالنصب، وفيه نظر لما سيأتي، والمراد بكونه حالًا أن يكون حالًا من الضمير في الحال الأولى وهي جلوسًا لا [مؤكدًا لجلوسًا] (٤) لأنه نكرة فلا يؤكد، وبالجملة فالظاهر الرفع؛ لأنه توكيد للضمير في فصلوا، أو للضمير المستتر في الحال وهو جلوسًا، ومما يرد كونه حالًا أن المعنى لا يرد عليه، وأنه (٥) لم يجئ في أجمعين إلا التأكيد في المشهور، نعم أجاز ابن درستويه حالية أجمعين، وعليه تتخرج رواية النصب، والأحسن رواية النصب، إن صحت أنها على بابها

стр. 2036

للتأكيد، لكن توكيد لضمير مقدر منصوب كأنه قال: عنيتكم (١) أجمعين، ولا يخفى ما فيه من البعد. [٦٠٢] (ثنا عثمان بن أبي شيبة) قال: (ثنا جرير) بفتح الجيم (ووكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان) طلحة بن نافع، روى له البخاري مقرونًا بغيره وبقية الجماعة (عن جابر ﵁ قال: ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة) وأتى الغابة (٢) فسقط عن فرسه وفي هذا الشهر دفَّت دافَّةُ بني عامر ابن صعصعة فأمرهم أن لا يدخروا من ضحاياهم شيئًا ليواسوا (٣) المحتاجين، ثم قال لهم: "كلوا وادخروا بعد ثلاث" (٤) فهذان النقلان يدلان على أنه انقطع غير مرة وصلى بهم جالسًا ساكتًا غير مرة من سقطه، وأن أمرهم (٥) بالصلاة خلفه جلوسًا مقدم على قصة الصديق وصلاته بالناس. (فصرعه) صرع الرجل عن دابة (٦) إذا سقط عن ظهرها، فيه ركوب الخيل لأهل الفضل والدين لما في ذلك من العزة والعون على الجهاد في سبيل الله كما ركب ﷺ فرسًا لأبي طلحة عريانًا (٧) (على جذم) بكسر

стр. 2037

الجيم وسكون الذال المعجمة، وهو أصل الشيء، والمراد هنا أصل (نخلة) [ذهب أعلاها وبقي أصلها] (١)، ورواية ابن حبان: على جذع نخلة (٢). في الأرض، وحكى الجوهري فتح الجيم (٣) وهي ضعيفة فإن الجذم بالفتح القطع مصدر جذم يجذم ومنه يقال: جُذِمَ الإنسان بالبناء للمفعول إذا أصابه الجذام؛ لأنه يقطع اللحم ويسقطه. (فانفكت) الفك نوع من الوهن والخلع، وانفك العظم انتقل من مفصله، يقال: فككت الشيء أبنت بعضه من بعض. (قدمه) لا يخالف رواية خُدش، لاحتمال الخدش والفك، فإن الخدش بمفرده لا يمنع القيام وقد تقدم (فأتيناه نعوده) فيه فضل (٤) عيادة المريض جماعة وفضيلة المشي إليه وأن العيادة لا تختص بالمرض بل يعاد مَنْ خُدِشَ رجله أو دَمِيَت أو انفكت (٥) عضوٌ من أعضائه أو رمد فانقطع، وقد سمى من الذين عادوه أنس كما في رواية البخاري (٦)، وأبو بكر وعمر كما في رواية الحسن مرسلًا عند عبد الرزاق (٧). (فوجدناه في مشربة) بضم الراء وفتحها هي الغرفة، وقيل: كالخزانة فيها الطعام والشراب، ولهذا سميت مشربة؛ فإن المشربة بفتح الراء فقط

стр. 2038

هي الموضع الذي يشرب منه الناس (لعائشة ﵄)، أي في المشربة [التي في حجرة عائشة] (١) (يسبح) أي يصلي نافلة سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من التسبيح، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٢) ومنه سبحة الضحى. (جالسًا قال: فقمنا خلفه) صلاة القائم في النفل خلف إمامٍ جالس إجماع، قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على جواز صلاة الجالس خلف الإمام القائم في النافلة، لكن صلاته جالسًا وهو قادر نصف صلاته قائمًا (٣). (فسكت عنا) سكوته عنهم دليل على جواز ما فعلوه؛ فإنه ﷺ لا يقر على باطل (ثم أتيناه) يحتمل أن يكون هم الزائرون أولًا بأعيانهم، ويحتمل أن يكون تغير بعضهم فيدخله المجاز (مرة أخرى نعوده) فيه تكرار عيادة المريض، لكن لا يلزم أن يكون ذلك ثاني (٤) يوم فقد روى ابن أبي الدنيا بإسنادٍ ضعيف من حديث جابر ﵁: "أغبوا في العيادة وأربعوا إلا أن يكون مغلوبًا" (٥). والغبُّ أن يأتي يومًا ويترك يومًا، كما في حمى الغب والأرباع أن يعوده يومًا وينقطع يومين ثم يأتي في الرابع كما في حمى الربع، ويشبه أن يكون حديث ابن أبي الدنيا على حالين وهي أن من كانت حماه غبًّا فيغب في عيادته وعلى

стр. 2039

هذا فيأتيه في يوم تأتيه الحمى فيغتنم (١) أجر دعاء المحموم، ومن كانت حماه ربعًا أن يتركه يومين ويأتيه في الرابع في اليوم الذي تأتيه. (فصلى المكتوبة جالسًا) فيه جواز صلاة الفرض جالسًا لعذر وله أجر القائم (فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا) فيه جواز الإشارة باليد وغيرها والعمل القليل في الصلاة لحاجة وإن كانت الإشارة المفهمة لكل الناس في البيع وغيره من المعاملات كالنطق (٢) حتى لو باع في الصلاة بالإشارة أو اشترى صح البيع، ولا تبطل الصلاة. (قال: فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس) هم جيل من الناس كالروم (بعظمائها) جمع عظيم، وهو من يعظمه الناس، وإنما أتى بهاء التأنيث في إعادته إلى أهل فارس ولم يقل بعظمائهم (٣)؛ لأن فارس غلب عليهم التأنيث (٤) فيقال: هي فارس، وإليهم ينسب التمر الفارسي وهو جنس من التمر جيد. وقوله: "لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس" هو العلة في إشارته إليهم بالقعود لئلا يشابهوا الكفار في تعظيمهم رؤسائهم وملوكهم، ولهذا ذكر ابن حبان هذا الحديث بلفظه وبوَّب عليه باب ذكر العلة التي من أجلها أمر المأموم بالصلاة قعودًا إذا صلى إمامهم جالسًا.

стр. 2040

[٦٠٣] (ثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم المعنى، عن وهيب) ابن خالد بن عجلان الباهلي الحافظ أحد الأعلام (عن مصعب بن محمد، عن أبي صالح) السمان (عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به). قال ابن عبد البر: واختلفوا فيمن كانت نيته مخالفة لنية الإمام، فقال مالك وأصحابه (١): لا يجزئ أحدًا أن يصلي الفريضة خلف المتنفل، ولا يصلي عصرًا خلف من يصلي ظهرًا ومتى اختلفت نية الإمام والمأموم في الفريضة بطلت صلاة المأموم دون الإمام، وكذلك من صلى فرضه خلف المتنفل. (٢) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٣)، وهو قول أكثر التابعين بالمدينة والكوفة؛ لقوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به" فمن خالفه في نيته فلم يأتم به. وقال: "لا تختلفوا" ولا اختلاف أكبر وأشد من اختلاف النية التي عليها مدار الأعمال (٤). وقال الشافعي والأوزاعي والطبري، وهو المشهور عن أحمد: يجوز أن يقتدي في الفريضة بالمتنفل، وأن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر، فإن كل مصلٍّ مصل (٥) لنفسه وله ما نواه من صلاته والأعمال بالنيات، وأجابوا عن الحديث بأنا إنما أمرنا أن نأتم بالإمام فيما يظهر

стр. 2041

من أفعاله إلينا، فأما النية فمغيبة عنا، ومحال أن نؤمر باتباعه فيما يخفى علينا من أفعاله، قالوا: وفي الحديث نفسه ما يدل على ذلك فإنه قال: "فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا" (١)، ويدل على هذا التأويل أيضًا قوله ﷺ : "فإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٢) فنهى أصحابه وسائر أمته أن يشتغلوا بنافلة وقد أقيمت الصلاة، فكيف يظن بمعاذ أن يترك صلاة لم يصلها بعد، وهي مفروضة عليه ويتنفل، وتلك الصلاة تقام في مسجد رسول الله ﷺ وهو قد قال: "لا صلاة إلا المكتوبة" التي تقام (٣). (فإذا كبر فكبروا) وفي رواية لمسلم: "لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا" (٤) وجزم ابن بطال وابن دقيق العيد أن الفاء في قوله: "فكبروا" للتعقيب. قالوا: ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع عقب فعل الإمام، ولو سبق إمامه بتكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، وهي ركن أو شرط، وخرج المالكية على هذا الإحرام قبل دخول الوقت أو غيره، وتعقب القول بالتعقيب بالفاء (٥) التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط؛ لأنها وقعت جوابًا للشرط فعلى هذا لا يقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام إلا (٦) على القول بتقديم الشرط

стр. 2042

على الجزاء، وقد قال قومٌ أن الجزاء يكون مع الشرط فعلى هذا لا تنتفي (١) المقارنة (ولا تكبروا حتى يكبر) أي ينتهي تكبير الإمام جميعه، فإن التكبير يطلق على جميعه حقيقة، هذِه من زيادة أبي داود على الصحيحين، وهي زيادة من الثقة (٢) مقبولة وهي حسنة في المعنى تنتفي توهم جواز مقارنة الإمام والتقدم على أفعاله وأقواله. (وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع) أي إذا كمل ركوعه فاركعوا عقبه فإنه جعل لجواز ركوعهم غاية وهي إذا انتهى كمال ركوعه فلا يقارنه ولا يتقدم عليه، وقد قال أصحابنا صاحب "التهذيب" (٣) وغيره: مقارنة المأموم الإمام جائزة مع الكراهة، وتفوت به فضيلة الجماعة، قال السبكي: وقد يقال تصريحهم بعدم فساد الصلاة يقتضي أن الصلاة لا تخرج بذلك عن كونها صلاة جماعة وإلا لزم الفساد بمتابعة من ليس بإمام ومع الحكم بالجماعة كيف لا تحصل فضيلتها. (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم) فيه فضيلة ابتداء الدعاء بقوله: اللهم، وبوب ابن حبان على هذا الحديث، باب (٤) ذكر الإباحة للمرء أن يجعل ابتداء دعائه اللهم (ربنا لك الحمد) احتج به مالك ومن تبعه على ما قال به أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي وأحمد على أن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، كما يقول المنفرد،

стр. 2043

بل يقتصر الإمام على سمع الله لمن حمده دون أن يقول: ربنا لك الحمد، ويقتصر المأموم على ربنا لك الحمد، دون أن يقول: سمع الله لمن حمده، كما في هذا الحديث، حكاه ابن عبد البر (١)، وقال: لا أعلم خلافًا أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد أو ولك الحمد، وإنما اختلفوا في الإمام والمأموم (٢). وقال الشافعي: يقول المأموم أيضًا: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، كما يقول الإمام والمنفرد (٣)؛ لأن الإمام إنما جعل ليؤتم به. وقال مالك (٤) وأبو حنيفة (٥) وأصحابهما والثوري وأحمد (٦): لا يقول المأموم سمع الله لمن حمده، وإنما يقول: ربنا لك الحمد فقط. (قال مسلم) بن إبراهيم في روايته: ربنا (ولك الحمد) وفيه زيادة فائدة كما تقدم بالواو (وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد) ويتكامل سجوده (وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون) في بعضها أجمعين فيه حجة لمذهب أحمد بن حنبل، وهو وجوب اتباع الإمام في جلوسه إذا صلى الفريضة جالسًا لعذر (٧) كما

стр. 2044

هو ظاهر الحديث. والمسألة فيها مذاهب: أحدها هذا، وبه قال من الصحابة جابر وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قهْد بفتح القاف وإسكان الهاء، وبه أفتى جابر بن زيد أبو الشعثاء، وهو من سادات التابعين، وهو قول الأوزاعي [في شعبة] (١) ومذهب مالك بن أنس ومقلديه، واختيار أحمد بن حنبل في موافقته، وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وأبي أيوب الهاشمي وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن إسماعيل البخاري ومن تبعه من أئمة أصحاب الحديث، وهو اختيار محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، حكى هذا كله (٢) ابن حبان (٣)، وقال به سائر مشايخنا. قال: ويلزم بعض أئمتنا -يعني: الشافعي ﵁ القول به ضرورة على مذهبه، وذلك أن عنده أن الصحابة إذا أفتى واحد منهم بشيء ولم يوجد له خلاف من سائر الصحابة كان ذلك القول إجماعًا يلزم قبوله، وقد أفتى من الصحابة أربعة أن الإِمام إذا صلى قاعدًا يجب على المأمومين أن يصلوا قعودًا كما تقدم، ولم يرو عن أحد من الصحابة لا بسند صحيح ولا واهٍ خلاف لهؤلاء، فكأن الصحابة أجمعوا على ذلك، ويلزمه من جهة أخرى وذلك أن عنده أن التابعي إذا أفتى بشيء ثم لم يخالف فيه من أقرانه أن ذلك القول إجماع. وقد أفتى بهذا القول أبو الشعثاء جابر بن زيد وهو من سادات

стр. 2045

التابعين بالبصرة ولم يخالفه أحد من التابعين ولا روي عن (١) أحد من التابعين لا بسندٍ صحيح ولا واهٍ خلاف له، فكأن التابعين أيضًا قد أجمعوا على أن الإِمام إذا صلى قاعدًا [أن يصلوا] (٢) خلفه قعودًا. ويلزمه من جهة ثالثة، وذلك أنه عمد إلى الخبرين المرويين في نكاح ميمونة فقبل أحدهما إذ هو موافق لنهي المصطفى ﷺ عن نكاح المحرم وإنكاحه، وقد روي عنه في صلاته خبران تضادا في الظاهر كما تضاد الخبران في نكاح ميمونة في الظاهر، فيجب على مقالته أن يأخذ أحدهما؛ إذ هو موافق لأمر المصطفى المأمومين أن يصلوا قعودًا إذا صلى إمامهم جالسًا، فمن أتى (٣) ما وصفت فقد باعد الإنصاف. قال: ولا يظن أن هذا مضاد (٤) لقول الشافعي، وإن كان المشهور في كتبه (٥) خلافه؛ لأن كل ما يصح من الحديث فهو قوله، وذلك أني سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا صحّ لكم الحديث عن النبي ﷺ فخذوا به ودعوا قولي (٦). والقول الثاني قول أبي حنيفة والثوري وأبي ثور، وإحدى الروايتين عن مالك قال النووي: وهو قول الشافعي وجمهور السلف أنه لا يجوز

стр. 2046

صلاة القادر خلفه إلا قائمًا (١)، ولو صلى إمامه جالسًا، والقول الثالث وهو رواية عن مالك أنه لا يجوز إمامة المجالس أصلًا لا للقائمين ولا للجالسين. (قال أبو داود: اللهم ربنا لك الحمد) بغير واو (أفهمني بعض أصحابنا، عن سليمان) بن حرب (ثنا محمد بن آدم المصيصي، قال: ثنا أبو خالد) سليمان بن حيان الأحمر. (عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم به) يحتمل أن يكون جعل بمعنى سمي؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (٢)، والتقدير: إنما سمي الإِمام إمامًا؛ لأنه يؤتم به، والأظهر أنه بمعنى صير كما تقدم. (بهذا الخبر زاد) فيه: (وإذا قرأ) يعني الإِمام (فأنصتوا) بفتح الهمزة يتعدى بحرف الجر أي للقارئ الإِمام احتج به الحنفية وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٣) على كراهة قراءة المأموم خلف الإِمام بكل حالة؛ لأن الأمر للوجوب فوجب الاستماع والإنصات إذا قرأ الإِمام جهرًا ووجب الإنصاف إذا لم يجهر (٤). وأجاب أصحابنا عن الآية بأنها في الخطبة في الجمعة، ونحن نقول

стр. 2047

بذلك في خطبة الجمعة على أن عندنا نقرأ في سكتات الإِمام وعند قراءته نستمع وننصت، فإن قالوا: فإذا لم يسكت الإِمام قلنا: نقرأ ويكره للإمام أن لا يسكت، فإن لم يسكت فالوبال عليه لا على المأموم، وعلى هذا يخرج (١) جواب هذِه الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" على أن الأصح في هذا الخبر كما قال ابن السمعاني وغيره أنه خالي (٢) عن هذِه اللفظة، وإنما وردت هذِه اللفظة الزائدة في بعض الروايات وعلى ذلك فنحن قائلون به (٣) كما تقدم، ويدل على عدم صحتها، قال أبو داود: (وهذِه الزيادة ليست بمحفوظة والوهم) فيها (عندنا من أبي خالد) الأحمر. قال المنذري: في هذا نظر؛ فإن أبا خالد هو: سليمان بن حيَّان الأحمر من الثقات، احتج به البخاري ومسلم في صحيحيهما ولم ينفرد بل تابعه عليها (٤) أبو سعد محمد بن سعد الأنصاري وخرج هذِه الزيادة النسائي (٥) من رواية أبي خالد الأحمر (٦). [٦٠٥] (ثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام. (عن عائشة ﵂ أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته) وهو شاكٍ

стр. 2048

المكتوبة (وهو جالس، وصلى وراءه قومٌ قيامًا) نصب قيامًا على الحال من الفاعل وهو قوم، وفيه شاهد لقول سيبويه إن الحال يكون من النكرة بلا مسوغ من صفة ونحوها وإن كان في غير الشعر (١) قليلًا، كقولهم: عليه مائة بِيضًا أي مائة درهم بِيضًا بكسر الباء جمع أبيض (٢)، لكن مذهب يونس والخليل أن ما سمع من ذلك لا يقاس عليه (٣). (فأشار إليهم أن اجلسوا) أن المفتوحة في هذا الحديث تفسيرية تسبق ما في "أشار" من معنى القول دون حروفه فهو مثل ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ (٤)، ويدل لكون الإشارة فيها معنى القول قول الشاعر: أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبًا ... وأهلًا وسهلًا بالحبيب المتيم (فلما انصرف) من الصلاة وإلا فهو في بيته شاكٍ. (قال: إنما جُعل الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا) وإذا رفع فارفعوا، وفي الحديث دلالة على أن الإشارة المفهمة باليد لا تبطل الصلاة، وأن إشارة الإِمام قائمة مقام إشارة الأخرس بجامع ما بينهما من المنع من الكلام باللسان، وكذا إشارة غير الإِمام حتى لو تبايعا

стр. 2049

في الصلاة بالإشارة صح البيع (١) ولم تبطل الصلاة، وفيه وجوب متابعة المأموم للإمام إذا لم يأت بما يبطل الصلاة. (وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا) زعم جماعة من العلماء أن المراد بقوله: "إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" إذا تشهد جالسًا فتشهدوا أجمعين، قال ابن حبان: في قوله ﷺ في الأحاديث المتقدمة الأمر للمأمومين أن يصلوا قيامًا إذا صلى إمامهم قائمًا، وبالأمر بالصلاة قعودًا إذا صلى قاعدًا أبين البيان أنه لم يرد به في الأمرين جميعًا التشهد إذا تشهد (٢)؛ لأن التشهد لا يكون في حالة القيام، فلما استحال هذا المعنى في قوله ﷺ : "إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا" استحال ذلك في قوله ﷺ : "وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين" لا ينكر هذا [إلا من جاهَدَ] (٣) العقل وكابر العيان. [٦٠٦] (ثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب) بفتح الميم والهاء (المعنى أن الليث حدثهم، عن أبي الزبير) محمد بن [مسلم المكي] (٤). (عن جابر ﵁ قال: اشتكى النبي ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يكبر لِيُسمع) بكسر اللام ونصب العين بالناصب المقدر (الناس تكبيره) تكبير (٥) النبي ﷺ . قال ابن حبان: إن هذا لم يكن إلا في مرض

стр. 2050

موته؛ لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشربة عائشة ومعه نفر من أصحابه (١) لا يحتاجون إلى من يسمعهم تكبيره بخلاف صلاته في مرض موته فإنها كانت في المسجد بجمع أكثر من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التكبير (٢)، لكن إسماع (٣) التكبير في هذا لم يتابع أبا الزبير عليه وعلى تقدير أنه حفظه فلا مانع أن (٤) يسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة؛ لأنه يحمل (٥) أن صوته في ذلك الوقت كان خفيًّا من الوجع فكان أبو بكر يجهر عنه بالتكبير، وفي مرسل عطاء: أنهم استمروا قيامًا إلى أن انقضت الصلاة (٦) (ثم ساق الحديث) المتقدم. [٦٠٧] (حدثنا (٧) عبدة بن عبد الله) بن عبدة الخزاعي، أخرج له البخاري. (قال: أنا زيد بن الحباب) العكلي (٨) الحافظ، أخرج له مسلم. (عن محمد بن صالح) المدني الأزرق، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٩). (قال: حدثني حصين) بمهملتين مصغر، ابن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاري (من ولد سعد بن معاذ) كما تقدم، قال ابن

стр. 2051

سعد: مات (١) سنة ١٢٦ (٢). (عن أسيد بن حضير ﵁ أنه كان يؤمهم): يؤم قومه بني عبد الأشهل وغيرهم. (قال: فجاء رسول الله ﷺ يعوده) فيه عيادة (٣) الكبير أصحابه (٤) ماشيًا (قالوا (٥): يا رسول الله، إن إمامنا مريضٌ) وفي الحديث جواز صلاة المريض قاعدًا إذا خشي زيادة مرضه. وقال ابن مهران: من لم يطق القيام لزمه (٦) يصلي قاعدًا (٧) (فقال: إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا) أجمعون، يؤخذ منه جواز صلاة المريض المنفرد قاعدًا؛ لأن القعود إذا جاز مع الإِمام [القادر فللمريض] (٨) أولى (هذا الحديث ليس بمتصل (٩)؛ لأن حصينًا لم يدرك أسيد بن حضير. قال الذهبي: روى عن أسيد: محمد بن إبراهيم وحصين الأشهلي (١٠)، ولم يدركاه (١١)، والله أعلم. * * *

стр. 2052

شرح سنن أبي داود لابن رسلان تصنيف شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسين بن علي بن رسلان المقدسي الرملي الشافعي (المتوفى سنة ٨٤٤ هـ) أشرف عليه وشارك في تحقيقه خالد الرباط تحقيق ياسر كمال - أيمن السيد عبد الفتاح - وائل إمام عبد الفتاح - أحمد فوزي إبراهيم بمشاركة الباحثين بدار الفلاح كتاب الصلاة ٦٠٨ - ٨٧٩ [المجلد الرابع]

стр. 2053

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2054

شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُد لِابْنِ رَسْلَان [٤]

стр. 2055

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميعُ الحقوقِ مَحْفوظَة لِدَارِ الفَلَاحِ وَلَا يجوز نشر هَذَا الْكتاب بِأَيّ صِيغَة أَو تَصْوِيره PDF إِلَّا بِإِذن خطي من صَاحب الدَّار الْأُسْتَاذ/ خَالِد الرَّباط الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الكتُب ١٧١٦٤/ ٢٠١٥ دَارُ الفَلَاحِ لِلبحثِ العِلمي وتَحْقِيق التُّرَاثِ ١٨ شَارِع أحمس - حَيّ الجامعة - الفيوم ت: ٠١٠٠٠٠٥٩٢٠٠ Kh_rbat@hotmial.com تطلب منشوراتنا من: • دَار الْعلم - بلبيس - الشرقية - مصر • دَار الأفهام - الرياض • دَار كنوز إشبيليا - الرياض • مكتبة وتسجيلات ابْن الْقيم الإسلامية - أَبُو ظَبْي • دَار ابْن حزم - بيروت • دَار المحسن - الجزائر • دَار الْإِرْشَاد - استانبول • دَارُ الفَلَاحِ - الفيوم

стр. 2056

٧٠ - باب الرَّجُلَين يَؤمُّ أَحَدهما صاحبهُ كيْفَ يقُومان ٦٠٨ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا ثابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دخل عَلَى أُمِّ حَرام فَأَتَوْه بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ فَقال: "رُدُّوا هذا في وِعائِهِ وهذا في سِقائِهِ فَإنِّي صائِمٌ". ثمَّ قامَ فَصَلَّى بِنا رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَقامَتْ أمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَرامٍ خَلْفَنا. قال ثابِتٌ: وَلا أَعْلَمهُ إِلا قال: أَقامَنِي عَنْ يَمِينِهِ عَلَى بِساطٍ (١). ٦٠٩ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْن عُمَرَ، حَدَّثَنا شعْبَة، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المخْتارِ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ يحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَّهُ وامْرَأَةً مِنْهُمْ فَجَعَلَهُ، عَنْ يَمِينِهِ والمرْأَةَ خَلْفَ ذَلِكَ (٢). ٦١٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمانَ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال بِتُّ في بَيْتِ خالتِي مَيْمُونَةَ فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَأَطْلَقَ القِربَةَ فَتَوَضَّأَ ثمَّ أَوْكَأَ القِرْبَةَ ثُمَّ قامَ إِلَى الصَّلاةِ فَقُمْت فَتَوَضَّأْتُ كَما تَوَضَّأَ ثمَّ جِئْتُ فَقمْتُ، عَنْ يَسارِهِ فَأَخَذَني بِيَمِينِهِ فَأَدارَنيِ مِنْ وَرائِهِ فَأَقامَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ (٣). ٦١١ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْن عَوْنٍ، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ في هذِه القِصَّةِ قال: فَأَخَذَ بِرَأْسِي أَوْ بِذؤابَتِي فَأَقامَنِي عَنْ يَمِينِهِ (٤). * * * باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان [٦٠٨] (ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، قال: أنا ثابت)

стр. 2057

[بن عجلان] (١)، أخرج له البخاري وغيره. (عن أنس: أن رسول الله ﷺ دخل على أم حرام) بنت ملحان، وأم حرام هذِه: هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك، وكان اسم أم (٢) حرام الرميصاء، وقيل: الغميصاء، وإنما الرميصاء أم سليم، وكذا ذكره البخاري، ودخول النبي ﷺ على أم حرام؛ لأنها كانت إحدى خالاته من الرضاعة كما قال ابن وهب، وقال غيره: بل كانت خالته لأبيه (٣) أو لجده؛ لأن أم عبد المطلب من بني النجار (٤). وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت. (فأتوه) أم حرام ومن معها (بسمنٍ وتمر) فيه دليل على جواز تصرف المرأة في إطعام الضيف ومن في معناه من طعام زوجها؛ لأن الأصل في أطعمة الدار إنما هي من مال الزوج، وفيه جواز ادخار (٥) الأطعمة في البيت لما يرد عليهم من ضيف ونحوه وليأكل منه أهل الدار إذا احتاجوا إليه ليقل الخروج إلى السوق عند كلِّ ما احتيج الأكل (٦)، وفيه خلوة الرجل مع ذات محرمه. (فقال: ردوا هذا) يعني التمر (في وعائه) الوعاء ما يوعى فيه الشيء

стр. 2058

أي يجمع من قوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ (١)، (وهذا) يعني السمن (في سقائه) بكسر السين والمد، وهو يكون للماء واللبن والسمن ونحوها من المائعات، فيه أنه إذا سكب من الوعاء شيء لضيف ونحوه فلم يؤكل أو أكل مثله وبقي بعضه أن يرد إلى الوعاء الذي أخذ منه ليجتمع الطعام بعضه على بعض، وليجعل (٢) البركة فيه ولا يترك في الإناء الذي سكب فيه؛ لأنه يتطرق إليه الفساد من جهات، وفيه إرشاد الضيف لأهل المنزل بما فيه صلاح لهم من أمر الدين والدنيا. (فإني) امرؤٌ (صائم) محمول على أنه يقوله لهم اعتذارًا عن عدم أكل طعامهم وإعلامًا لهم بحاله، كما أنه يعتذر لمن أهديت له هدية وله عذر كقوله ﷺ : "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" (٣) وفيه أن الصائم إذا قدم إليه طعام لا يلزمه الأكل وإن كان متنفلًا، ويكون الصوم عذرًا في ترك الأكل بخلاف المفطر فإنه إذا دعي لوليمة أنه يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا، قاله النووي (٤)، وأما الأفضل للصائم قال أصحابنا: إن كان يشق على صاحب (٥) الطعام صومه استحب له الفطر وإلا فلا (٦)، هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صومّا واجبًا حرم الفطر. وفي هذا الحديث أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادة من الصلاة

стр. 2059

والصوم ونحوهما إذا دعت إليه حاجة والمستحب إخفاؤها إذا لم يكن حاجة (ثم قام فصلى بنا ركعتين) الظاهر: أن هذا في وقت الضحى تطوعًا فيه جواز النافلة جماعة، وتبريك (١) الرجل الصالح والعالم أهل المنزل بصلاته في منزله، قال بعضهم: ولعله أراد تعليمهم أفعال الصلاة مشاهدة مع تبركهم فإن المرأة قل ما تشاهد أفعاله في المسجد، فأراد أن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها. (فقامت أم سليم) بنت ملحان واسم ملحان مالك بن خالد النجاري، واختلف في اسمها فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: مليكة وقيل: الغميصاء، وقيل: الرميصاء، وقيل غير ذلك (وأم حرام) أختها (خلفنا) خلف ابنها المقتدي بالنبي ﷺ فيه أنه إذا اجتمع رجال ونساء قدم الرجال لفضلهم (٢) ثم النساء. (قال ثابت: ولا أعلمه (٣) إلا قال: أقامني عن يمينه)، فيه أن الذكر يقف عن يمين الإِمام رجلًا كان أو صبيًّا؛ فإن أنسًا يحتمل أنه كان صبيًّا، فإن جاء بعده آخر أحرم عن يساره (على بساط) معروف، ويكون من صوف وغيره وهو فعال بمعنى مفعول ككتاب بمعنى مكتوب وفراش بمعنى مفروش، وفيه دليل على أن الأصل في البسط والحصر والثياب ونحوها الطهارة، وأن حكم الطهارة مستمر للصلاة ونحوها حتى تتحقق نجاسته وفيه جواز الصلاة على ما بسط (٤) على الأرض لكن الحصير والسجادة التي من قطن أو من سعف النخل

стр. 2060

ونحوه مما تنبته الأرض مجمع عليه، وما روي عن عمر بن عبد العزيز خلاف ذلك، وعن مالك (١) أنه كره الصلاة على غير الأرض أو ما نبت (٢) منها محمول على استحباب التواضع بمباشرة نفس الأرض أو ما نبت (٣) منها للجبهة التي [هي] أشرف أعضاء الآدمي الظاهرة. [٦٠٩] (ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن المختار) البصري، وثقه ابن معين والنسائي (٤). (عن موسى بن أنس) بن مالك (يحدث عن) أبيه (أنس ﵁ أن النبي ﷺ أَمَّه) أي صلى به إماما (وامرأة) بالنصب عطف [على هاء] (٥) الضمير المنصوب في أمه، وفيه شاهد على أن ضمير النصب في العطف عليه كالظاهر بلا ضمير فاصل بخلاف الضمير المرفوع (منهم) هذِه المرأة هي أمه أو خالته، ورواية مسلم والنسائي: أنه ﷺ صلى به وبأمه أو خالته فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا (٦). (فجعله عن يمينه) فيه أن الإِمام يتولى (٧) ذلك إذا لم يعرفه المأموم (وجعل المرأة خلف ذلك) فيه أن الذكر يقف خلف الإِمام والمرأة خلف الرجال، وإن كان فيهم صبيان خلف الصبيان. [٦١٠] (ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى) القطان (عن عبد الملك بن أبي

стр. 2061

سليمان) الكوفي، أخرج له مسلم. (عن عطاء، عن ابن عباس قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونة) جاء في رواية ضعيفة أن خالته كانت حائضًا (١)، ولذلك نام ابن عباس عندها بحضور (٢) زوجها؛ بسبب مراقبة أفعال النبي ﷺ والتعلم منه والاقتداء بأفعاله، ولو كانت طاهرة لما بات عندها (٣) وهو معنى حسن وأدب معتبر، وكان ابن عباس سنه حين ذلك عشر سنين كما رواه أحمد (٤)، وفي "معجم الطبراني الأوسط": أن سبب مبيته تلك الليلة أن النبي ﷺ كان وعد العباس بذودٍ من الإبل فأرسل ابنه (٥) عبد الله بن عباس يتقاضاه فبات تلك الليلة وأخذ الذود (٦). (فقام رسول الله- ﷺ من الليل) الظاهر أن مِنْ ظرفية بمعنى في كقوله تعالى: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ و (٧) أي في يوم الجمعة، وجوَّز بعضهم التبعيض لرواية الصحيح: فلما كان في بعض الليل (٨)، ولعله بعد نصف الليل كما في الحديث (فأطلق) أي حل سياق القربة، وهو الخيط الذي توكأ به وتعلق.

стр. 2062

(فتوضأ) وضوءًا يخففه عمرو ويقلله أي يصفه بالتقليل (١) والتخفيف، [وعمرو هو ابن الحارث المدني (٢)] (٣) كذا وقع عند أبي نعيم، قال ابن المنير: يخففه أي: لا يكثر الدلك. ويقلله (٤)، أي: لا يزيد على مرة مرة (٥). (ثم أوكأ) بهمز آخره (القربة) دليل على أن اللغة الفصحى أوكأ السقاء بالألف أي: سد فيه بالوكاء وكيته من باب: وعد لغة قليلة (ثم قام إلى الصلاة) فيه فضيلة قيام الليل، وكان واجبًا عليه ثم نسخ (فقمت فتوضأت كما توضأ) وفي رواية للبخاري: فصنعت مثل ما صنع (٦)، وفي رواية: فتوضأت نحوًا مما توضأ (٧). قال الكرماني: لم يقل مثلًا؛ لأن حقيقة (٨) مماثلته ﷺ لا يقدر عليها غيره (٩)، وفيه نظر كما تقدم، ولأنه لا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل جهة. (ثم جئت فقمت عن يساره فأخذني بيمينه) فيه جواز الائتمام بمن لم

стр. 2063

ينو الإمامة فإن إحرامه بعد دخوله ﷺ في الصلاة منفردًا، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ نوى الإمامة لما اقتدى به فلا دلالة فيه إذًا. قال القاضي: واختلفوا في الائتمام بمن لم ينو أن يؤمك فذهب مالك إلى جوازه، وذهب بعضهم إلى منعه لغير الإِمام والمؤذن، وذهب أبو حنيفة إلى منع ذلك للنساء دون الرجال (١)، ومذهبنا أنها مستحبة. (فأدارني من ورائه) وفي رواية: أخذ برأسي (٢)، وفي رواية: أخذ بذؤابتي (٣)، وفي رواية بعضدي (٤)، وفي رواية: فأخذ بأذني اليمنى يفتلها (٥)، وفي رواية: أخذ برأسي من ورائي (٦). قال المازري (٧): قيل في أخذه بأذنه أنه أراد أن يذكره القضية بعد ذلك لصغر سنه، وقيل: لينفي عنه النوم، وفي رواية: فأخذ بشحمة أذني (٨)، أي: لينبهه (٩) من النوم، وهذا الأخذ كله باليمين كما في الحديث، وفي الحديث دليل على أن الجماعة تحصل بصبي مميز، وأن موقف الرجال في الصف عن يمين الإِمام، وأن قيام المأموم عن

стр. 2064

يسار الإِمام لا يبطل صلاته؛ لأن النبي ﷺ لم يبطل صلاة ابن عباس مع كونه وقف عن يساره. وعن أحمد أنها تبطل؛ لأنه ﷺ لم يقره على ذلك (١)، والأول قول الجمهور، بل قال سعيد بن المسيب: إن موقف المأموم عن يسار الإِمام (٢). ولم يتابع عليه، وأن الإِمام إذا اطلع على مخالفة من (٣) المأموم يرشده إليها بالفعل وهو في الصلاة، وأن العمل اليسير لا يبطل الصلاة ولا يسجد لسهوه. (فأقامني عن يمينه) فيه أن المأموم إذا وقف في غير موقفه تحول إلى غيره سواء كان في الصلاة أو غيرها بشرط عدم تكرار أفعال متوالية ثلاث (فصليت) معه (٤) فيه فضيلة صلاة الليل في (٥) جماعة. [٦١١] (ثنا عمرو بن عون) بالنون آخره الواسطي البزاز (قال: أنا هشيم، عن أبي بشر) جعفر بن إياس اليشكري. (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في هذِه القصة قال: فأخذ برأسي أو بذؤابتي) بضم الذال المعجمة وفتح الهمزة أي: من الشعر (فأقامني عن يمينه) أي أداره من خلفه من جهة اليسار إلى اليمين إكرامًا للجهة اليمنى، واستدل به على أنه لا يُبطِل الصلاة والله أعلم. * * *

стр. 2065

٧١ - باب إِذا كانوا ثَلاثةً كيْف يَقُومُونَ ٦١٢ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ جَدَّتَة مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعامٍ صَنَعَتْهُ فَأكلَ مِنْهُ ثُمَّ قال: "قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ". قال أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنا قَدِ اسوَدَّ مِن طُولِ ما لبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِماءٍ فَقامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَفَفْتُ أَنا واليَتِيمُ وَراءَهُ والعَجُوزُ مِنْ وَرائِنا فَصَلَّى لَنا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ (١). ٦١٣ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ فُضَيْلٍ عِنْ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قال: اسْتَأذَنَ عَلْقَمَةُ والأسْوَدُ عَلَى عَبْدِ اللهِ وَقَدْ كُنّا أَطَلْنا القُعُودَ عَلَى بابِهِ فَخَرَجَتِ الجارِيَةُ فاسْتَأذَنَتْ لَهُما فَأَذِنَ لَهُما ثُمَّ قامَ فَصَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهُ ثُمَّ قال: هَكَذا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ (٢). * * * باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون [٦١٢] (ثنا القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري النجاري (٣) المدني قال ابن معين: ثقةٌ حجة (٤) (عن) عمه لأمه (أنس بن مالك ﵁ أن جدته) الضمير في الجدة لا يصح عوده على أنس على الراجح؛ لأنها أم أنس، وإنما يعود على إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة؛ لأنها جدته أم أبيه عبد الله (٥)

стр. 2066

(مُلَيكة) بضم الميم على التصغير على المشهور، ويروى مَليكة بفتح الميم على التكثير وهي أم سليم بنت ملحان، قال أبو الحسن بن الحصار في "تقريب المدارك": أنها جدة أنس أم أبيه وجدة إسحاق أم أبيه أيضًا، وعلى هذا فلا اختلاف [إن ثبت] (١)، وهي في غاية البعد. (دعت رسول الله ﷺ لطعام) أي: لأكل طعام ونحوه من المضافات المصححة للمعنى واللام [لتعليل (صنعته)] (٢) لأجله فأكل منه، عطف على جملة محذوفة أي فجيء به (فأكل منه) فيه أن من دعي لوليمة (٣) أو أضيف فلا يأكل جميع ما تقدم منه بل يبقي منه ويدل على هذا قوله منه، فإن من للتبعيض، فإنه إذا أكل الجميع توهم صاحب المنزل أنه لم يشبع منه ولم يكفه وعلى هذا فمسح الإناء مخصوص بغير الضيف. (ثم قال: قوموا) وفيه دليل على عظم تواضعه ﷺ في إجابة دعوة الرجل والمرأة، وعلى إجابة الداعي لغير العرس، لكن إجابتها عندنا غير واجبة على الأظهر، وظواهر الأحاديث الإيجاب، قال بعض المالكية: المقصود بهذِه الدعوة: إنما كان للصلاة لهم ليتخذوا مكانه مصلى، والطعام تبع، ولهذا بدأ بالطعام قبل الصلاة (٤)، ولكن يرده لام التعليل في قوله: لطعام. (فلأصلي لكم) روي بكسر اللام ونصب الياء في (أصلي) على أنها

стр. 2067

لام كي والفاء زائدة كما في: زيد فمنطلق، وقيد (١) الفراء والأعلم (٢) وجماعة جواز زيادتها يكون الخبر أمرًا أو نهيًا، وحمل عليه الزجاج ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ (٣) والنهي: زيد فلا تضربه (٤). والفاء في قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُد﴾ (٥) زائدة عند الفارسي، وقدم المنصوب على الفاء إصلاحًا للفظ كيلا تقع الفاء صدرًا، وذهب الأخفش إلى أنه قياسي، وروي بكسر اللام وحذف الياء للجزم، لكن أكثر ما يجزم بلام الأمر الفعل المبني للفاعل إذا كان للغائب ظاهرًا (٦) [كما في] (٧) ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٨) أو ضميرًا نحو: "مره فليراجعها" وأقل منه أن يكون مسندًا للضمير المتكلم نحو: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٩) ومثله في هذا الحديث: "فلأصلي لكم" وأقل من ذلك ضمير المخاطب، كقراءة: [فبذلك فلتفرحوا] (١٠) بتاء الخطاب. فإن قيل: في إسناده إلى ضمير المتكلم أمر الشخص نفسه، فهو مستحيل. قيل: أوله السهيلي بوجهين:

стр. 2068

أحدهما: أن يكون من باب قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (١) أف أمرٌ ومعناه الخبر. الثاني: أن يكون أمرًا بالائتمام لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعله بفعلهم (٢). ورواية ثالثة بفتح اللام من (لَأُصلي) والياء ساكنة وهي أبعد من الأوليين؛ لأن اللام تكون حينئذٍ جوابًا للقسم المحذوف فيلزمها نون التوكيد في الأشهر، قال البطليوسي: كثير من الناس يتوهمون في الكلام قسمًا وهو غلط؛ لأنه لا وجه للقسم ها هنا, ولو كان قسمًا لقال لأصلين، وإنما الرواية الصحيحة: (فلأصل) على معنى الأمر (٣). وحكى صاحب "المطالع": فلنصل بالنون وكسر اللام الأولى (٤) والجزم (٥)؛ لأنه أمر للجميع (لكم) اللام فيه للتعليل، و (٦) المراد: أَلا أصلي لتعليمكم وتبليغكم ما أمرني به ربي، وليس فيه تشريك في العبادة فيؤخذ منه أن المصلي [لا يضره] (٧) أن يكون مع نية صلاته إرادة التعليم فإنه عبادة أخرى، ويدل على جواز (٨) مثل هذا ما رواه

стр. 2069

البخاري عن أبي قلابة: جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة (١)، وبوب عليه البخاري: باب من صلى بالناس وهو لا (٢) يريد إلا أن يعلمهم. (قال أنس: فقمت إلى حصير) يحتمل (٣) أن يكون فعيل بمعنى مفعول، وهي تطلق على ما عمل من سعف النخل والقصب والأسل المسمى سمار (٤)، وغير ذلك، وجمعها حصر مثل بَريد وبُرُد بضم الباء والراء وتأنيثها بالهاء آخرها عامِّيٌّ (٥) (لنا) يحتمل أن يكون الضمير له ولأبويه (قد اسود من طول ما لبس) فيه أن الافتراش يطلق عليه (٦) لباس؛ لأن لبس كل شيء بحسبه وإن كان لا يسمى افتراش الحصير في العرف لباسًا (٧) حتى لو حلف لا يلبس شيئًا لا يحنث بافتراش الحصير، أو لا يلبس ثوبًا فافترشه خلافًا لمالك (٨)، واحتج بالحديث، والشافعية: لا يحنث (٩)؛ لأن الأيمان مبناها (١٠) العرف،

стр. 2070

وهذا لا يسمى في العرف لباسًا (١)، ويلزم على قاعدة مالك في رواية البخاري عن حذيفة: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير (٢). أن يجوز الجلوس عليه وافتراش الحرير للنساء؛ لأن الافتراش لبس، ولهذا صحح النووي جواز افتراش الحرير للنساء (٣)؛ لأنه يسمى لباسًا، وقد أحل لهن اللباس، وأصحهما عند الرافعي المنع؛ لأن اللباس العرفي في البدن (٤)، وفي "المدخل" لابن الحاج المالكي أنه يجوز لها (٥) استعمال ذلك خاصة، وأما زوجها فسمعت سيدي أبا محمد يقول: أنه لا يجوز له ذلك إلا على التبع لها فلا يدخل الفراش إلا بعد دخولها ولا يقيم في الفراش بعد قيامها، ويجب عليها أن توقظه إذا قامت أو تزيله عنه (٦). (فنضحته) بفتح الضاد والحاء المهملة ومضارعه ينضحه بكسر الضاد، وهو الرَّشّ كما قال الجوهري (٧)، وقيل: هو الغَسْل، وهذا (٨) النضح يجوز أن يكون لأجل [تليينه وتهيئته] (٩) للجلوس عليه فإنه كان
следующие страницы →