← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

- ﷺ نهى عن الصفد والصفن (١)؛ فالصفد أن يجمع بين رجليه بعضهما إلى بعض من قوله تعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ (٢)، والصفن أن يرفع إحدى رجليه في الصلاة من قوله تعالى: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ (٣). وروى سعيد بن منصور، عن ابن (٤) مسعود رأى رجلًا صافًّا (٥) أو صافنًا قدميه، فقال: أخطأ هذا السنة (٦). ويؤخذ من قوله "ليجعلهما بين رجليه" ترجيح طهارتهما بالمسح أو بماء بعدهما؛ فإنه إذا جعلهما بين رجليه لابد أن يباشرهما بدن المصلي أو ثوبه، ولو كانا نجسين ما أمر بذلك (أو ليصل فيهما) (٧) ففي البخاري، عن أنس أن النبي ﷺ

стр. 2172

كان يصلي في نعليه (١). قال ابن بطال: هو محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة (٢)، وهي من الرخص كما قال ابن دقيق العيد (٣)، لا من المستحبات؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهو إن كان من ملابس الزينة. وروى الطبراني عن ابن (٤) مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: "من تمام الصلاة الصلاة في النعلين" (٥)، وله عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، أنه نزع خفيه، وقال: "إني مللت (٦) منهما" (٧). قال ابن دقيق العيد: وإن قلنا أنهما من ملابس الزينة لكن ملامسة الأرض التي تكثر فيها النجاسة قد يقصر (٨) به عن هذِه الزينة (٩)، وإذا تعارضت (١٠) مراعاة التحسين، ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية؛ لأنها من باب دفع المفاسد، والأخرى من باب جلب المصالح.

стр. 2173

وورد في كون الصلاة في النعال من الزينة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ (١) حديث ضعيف أورده ابن عدي في "الكامل"، وابن مردويه في "تفسيره" من حديث أبي هريرة، والعقيلي من حديث أنس (٢). * * *

стр. 2174

٩٣ - باب الصَّلاةِ عَلَى الخُمْرة ٦٥٦ - حَدَّثَنا عَمْرو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنا خالِدٍ، عَنِ الشَّيْباني، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدّادٍ، حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَة بِنْتُ الحارِثِ قالتْ: كانَ رَسول اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنا حِذاءَهُ وَأَنا حائِض وَرُبَّما أَصابَنِي ثَوْبُهُ إِذا سَجَدَ، وَكانَ يُصَلِّي عَلَى الخمْرَةِ (١). * * * باب الصلاة على الخُمرة [٦٥٦] (ثنا عمرو بن عون) بالنون آخره (قال: ثنا خالد) بن عبد الله الواسطي (عن) سليمان (الشيباني، عن عبد الله بن شداد قال: حدثتني) خالتي (٢) (ميمونة بنت الحارث ﵄ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا حذاءه) أي: موازية له فيه دليل على أن محاذاة المرأة لا تفسد الصلاة (وأنا حائض) وفي لغة ضعيفة: حائضة (٣). (وربما أصابني ثوبه) فيه أن عين (٤) الحائض وجسمها طاهر، وأن ملاقاة بدن الطاهر وثيابه لا تفسد الصلاة، ولو كان ملتبسًا بنجاسة حكمية، وفيه إشارة إلى أن النجاسة إذا كانت عينية قد تضر (إذا سجد)

стр. 2175

لأنها كانت مفترشة، فإذا دنا من الأرض للسجود أصابه ثوبها (وكان يصلي على الخمرة) بضم الخاء المعجمة وإسكان الميم، وهي السجادة يسجد عليها المصلي، سميت خمرة لأنها تخمر وجه المصلي، أي: تستره عن الأرض. قال أبو عبيد: الخمرة شيء منسوج من سعف النخل ينسج بالخيوط وهي صغيرة على قدر ما يسجد عليه المصلي بوجهه أو فوق ذلك فإن عظم حتى يكفي لجسده كله في صلاته أو مضجعه أو أكثر من ذلك فهو حينئذٍ حصير، وليس بخمرة. (١) والصلاة على الخمرة رخصة ولا خلاف بين العلماء، كما قال ابن بطال (٢) في جواز الصلاة عليها إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليه (٣). ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع والخشوع فلا يكون فيه مخالفة للجماعة. وقد روى ابن أبي شيبة، عن عروة بن الزبير، أنه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض (٤). وكذا روى عن غير عروة كما تقدم روايته عن مالك، وعلى هذا فتكون الكراهة كراهة تنزيه. والله أعلم. * * *

стр. 2176

٩٤ - باب الصّلاةِ عَما الحَصِيرِ ٦٥٧ - حَدَّثَنا عُبَيْد اللهِ بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنا أَبي، حَدَّثَنا شُعْبَة، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيِرينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قال: قال رَجلٌ مِنَ الأنصارِ: يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي رَجُلٌ ضَخْم -وَكانَ ضَخْمًا- لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ -وَصَنَعَ لَهُ طَعامًا وَدَعاهُ إِلَى بَيْتِهِ- فَصَلِّ حَتَّى أَراكَ كَيْفَ تُصَلِّي فَأَقْتَدِيَ بِكَ. فَنَضَحُوا لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ كانَ لَهُمْ فَقامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قال فُلانُ ابْن الجارُودِ لأنسِ بْنِ مالِكٍ: أكَانَ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قال: لَمْ أَرَهُ صَلَّى إِلا يَوْمَئِذٍ (١). ٦٥٨ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا المُثَنَّى بْنُ سَعِيدِ الذَّرّاعُ، حَدَّثَنا قَتادَة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَزُورُ أُمَّ سُلَيْمٍ فَتُدْرِكُهُ الصَّلاة أَحْيانًا فَيُصَلِّي عَلَى بِساطٍ لَنا، وَهوَ حَصِيرٌ نَنْضَحهُ بِالماءِ (٢). ٦٥١ - حَدَّثَنا عُبَيْد اللهِ بْن عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَعُثْمان بْن أَبي شَيْبَةَ -بِمَعْنَى الإِسْنادِ والحدِيثِ- قالا: حَدَّثَنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ يُونسَ بْنِ الحارِثِ، عَنْ أَبي عَوْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ المغِيرَةِ بْنِ شعْبَةَ قال: كانَ رَسول اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الحصيرِ والفَرْوَة المدْبُوغَةِ (٣). * * * باب الصلاة على الحصير [٦٥٧] (ثنا عبيد الله بن معاذ قال: ثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري

стр. 2177

(قال: ثنا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: قال رجل من الأنصار) قيل: إنه عتبان (١) بن مالك (يا رسول الله إني رجل ضخم) أي عظيم الجسم، ثقيل البدن سمين (وكان) رجلًا (ضخمًا) كما ذكر (لا أستطيع أن أصلي معك) كل وقت من ثقل جسمي، فيه أن السمن المفرط الذي لا يستطاع (٢) معه المشي (٣) إلا بمشقة شديدة عذر عن الجماعة و [به] (٤) صرح ابن حبان في "صحيحه" حيث (٥) قال: الأعذار عشرة، وعَدَّ منها هذا، وذكر الحديث (٦). (وصنع له طعاما، ودعاه إلى بيته) فيه جواز الدعاء إلى الطعام، وإن لم يكن وليمة، واستدعاء الكبير إلى الطعام القليل (فصل) في بيتي (حتى أراك كيف تصلي) فيه أن التعليم بالفعل كالتعليم بالقول بل هو أبلغ. (فأقتدي) بالنصب [جواب الأمر] (٧) الذي هو: فَصل ويحتمل أن ينصب (٨) بالعطف على محل (٩) أراك فإنها منصوبة بحتى (١٠) لكن لا يظهر فيها الإعراب.

стр. 2178

فيه دعاء الإنسان إلى منزله (١) العالِمَ ليتبرك (٢) به، وليقتدي بأفعاله هو وأهله وأولاده (بك فنضحوا) بفتح الضاد المعجمة ينضح بكسرها (٣) وهو (٤) الرش كما قال الجوهري (٥) أو الغسل، وهذا النضح يجوز أن يكون لأجل تليينه وتهيئته للجلوس عليه، (له (٦) طرف) بفتح الراء أي جانب (حصير) هو المعمول من سعف النخل ونحوه، ويحتمل أن يكون النضح للتطهير والأول أولى؛ لأن الأصل الطهارة (كان لهم) لكن كون أهل البيت هم الذين نضحوا حصيرهم يفهم منه أنهم إنما نضحوه لما يعلموا (٧) في الحصير من الشك في (٨) الطهارة. (فقام فصلى ركعتين) زاد عبد الحميد: وصلينا معه (٩). فيه دليل على الاقتصار في صلاة النهار النافلة على ركعتين خلافًا لمن اشترط أربعًا، والنكتة في هذا الباب إشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره، من طريق شريح بن هانئ أنه سأل عائشة: أكان النبي ﷺ يصلي على الحصير؟ والله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ

стр. 2179

حَصِيرًا﴾ (١) فقالت: لم يكن يصلي على الحصير (٢)، لكنه لم يثبته أكثر المحدثين، أو رأوه شاذًّا مردودًا لمعارضة ما هو أقوى منه بهذِه الأحاديث، وللبخاري من طريق أبي سلمة، عن عائشة أن النبي ﷺ كان له حصير يبسطه ويصلي عليه (٣). (قال فلان ابن الجارود) كذا رواية البخاري في الضحى (٤)، وروايته في باب هل يصلي الإمام بمن حضر، فقال رجل من آل الجارود (٥)، قال ابن حجر: كأنه عبد الحميد بن المنذر بن الجارود المصري، وذلك أن ابن ماجه وابن حبان أخرجاه من رواية أنس بن سيرين، عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، عن أنس (٦)، وقد صرح ابن سيرين بسماعه من أنس، فرواية ابن ماجه إما من المزيد في متصل الأسانيد أو (٧) يكون فيها وهم؛ لكون ابن الجارود كان حاضرًا عند أنس لمَّا (٨) حدث بهذا الحديث، وسأله عما سأله من ذلك فظن بعض الرواة أن له فيه رواية (٩) (لأنس بن مالك، أكان يصلي الضحى؟ قال: لم أره يصلي (١٠)

стр. 2180

إلا يومئذ) ليس في هذا ما يرد الأحاديث الواردة في صلاة الضحى؛ لأن من لم ير ليس بشاهد، ولا يحتج بمن لم يرَ على من رأى أو علم. قال ابن عبد البر: ليس أحد من الصحابة إلا وقد فاته من علم السنن ما وجد عند غيره، ممن هو أقل ملازمة لرسول الله ﷺ منه (١). [٦٨٥] (ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا المثنى بن سعيد) البصري القسام (الذَّارع) الضبعي ولم تكن ضبعة من قومه إنما نزل فيهم. (قال: ثنا قتادة، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يزور أم سليم) (٢) فيه زيارة النساء المحارم والمرأة الصالحة الكبيرة (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ (٤)، وفي رواية النسائي أن أم سليم سألته أن يأتيها فيصلي في بيتها (٥)، وهي كانت أم خادمهِ أنس. (فتدركه الصلاة) لعلَّ الصلاة صلاة الضحى فإن الزيارة في أول النهار أو أوسطه أفضل كما سيأتي، (أحيانًا) جمع حين فهو الزمان قل أو كثر. (فيصلي على بساط) البساط الذي يفرش، فعال بمعنى مفعول النا وهو حصير) من سعف النخل ونحوه (ننضحه) بكسر الضاد المعجمة كما تقدم (بالماء).

стр. 2181

قال ابن عبد البر: قال بعض أصحابنا: إن النضح طهارة لما شك فيه لتطيب النفس للصلاة عليه اتباعًا لعمر في قوله: أغسِلُ ما رأيت، وأَنضَحُ ما لم أرَ (١). ثم قال أبو عمر (٢): والذي أقول به أن ثوب المسلم محمول على الطهارة، حتى يستيقن النجاسة، وأن النضح فيما هو نجس لا يزيده إلا شرًا، وقد يسمى الغسل نضحًا، وما جاء عن السلف فهو احتياط غير ضار (٣). [٦٥٩] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (بن عمر بن ميسرة) القواريري روى له الشيخان (٤) (وعثمان (٥) بن أبي شيبة بمعنى الإسناد، والحديث) دون لفظه (قالا: ثنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير بن محمد الأسدي مولاهم (الزبيري)، وثقه ابن معين وغيره (٦). (عن يونس بن الحارث) الثقفي الطائفي، قال ابن معين: ليس به بأس يكتب حديثه (٧). (عن أبي عون) محمد بن عبيد الثقفي، روى له الشيخان (عن أبيه)

стр. 2182

عبيد الله بن سعيد الثقفي من أفراد أبي داود (عن المغيرة بن شعبة) (١) قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير، والفروة) التي تلبس جمعها فراء، كسهم وسهام، (المدبوغة) (٢) فإن دباغها طهورها، وفيه رد على من كره الصلاة على غير الأرض أو ما خلق منها؟ وهو منقول عن مالك (٣). * * *

стр. 2183

٩٥ - باب الرَّجُل يَسْجُدُ على ثَوْبِهِ ٦٦٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، حَدَّثَنا بِشْرٌ -يَعْنِي ابن المُفَضَّلِ- حَدَّثَنا غالِبٌ القَطّان، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قال: كنّا نُصِلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الحرِّ فَإذا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ (١). * * * باب الرجل يسجد على ثوبه [٦٦٠] (ثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا غالب القطان) هو: ابن خُطاف (٢) بضم المعجمة، ابن أبي غيلان، روى له الجماعة، (عن بكر بن عبد الله) بن عمرو البصري (٣) أحد الأعلام، (عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر) وفي معناه شدة البرد إذا كان يصلي على حجارة ونحوها، لكن القائل بجواز الصلاة على ما يتحرك بحركته لا يقيده بالحاجة. في هذا الحديث أن قول الصحابي: "كنا نفعل" من قبيل المرفوع، لاتفاق الصحيحين وغيرهما على تخريج هذا الحديث في صحيحيهما (٤).

стр. 2184

وفي البخاري: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة، ويداه في كمه (١)، أي: ويد كل واحد منهم في كمه. ووصل هذا عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن الحسن أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على قلنسوته وعمامته، وهكذا رواه ابن أبي شيبة، عن هشام (٢). (فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه) والاستطاعة الطاقة والقدرة، والمراد بالوجه هنا الجبهة كما في رواية ابن حبان: "إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرًا" (٣)، ويدل عليه الحديث الصحيح:

стр. 2185

"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، الجبهة .. " (١) وحديث الخباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكُفّنا (٢). (من الأرض) فيه دليل لمذهب الشافعي (٣) والجمهور كما قال النووي على وجوب وضع الجبهة على الأرض، وأن الأنف لا يجزئ عنها (٤)، ولا يجب السجود عليه لكن يستحب. وقال أبو حنيفة: هو مخير بينها وبين الأنف (٥). وعن مالك (٦) وأحمد (٧) روايتان كالمذهبين. (بسط ثوبه) هكذا رواية مسلم، و (٨) رواية البخاري: يضع أحدنا طرف كمه (٩)، وفي رواية من طريق غالب: سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر (١٠). والثوب في الأصل يطلق على غير المخيط، وفيه إشارة إلى أن (١١) مباشرة الأرض في السجود هو الأصل عند عدم الضرورة؛ لأنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة، وفيه جواز استعمال الثياب

стр. 2186

والبسط، والخمرة، وغيرها، في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض كما تقدم، وفيه جواز العمل القليل في الصلاة. قال ابن أبي جمرة (١): وهل يكون الفعل اليسير في الصلاة معفوًّا عنه لعذر، أو لا يكون هنا عذر، أو لا يكون إلا مع العذر؟ ينظر (٢) إن كانت العلة هنا قلة الشغل (٣) ليس إلا، فعلى هذا يجوز لعذر ولغير عذر، وإن كانت العلة رعي زوال التشويش في الصلاة فيجوز الشغل في الصلاة وإن كثر، ما لم يتفاحش، فإنه إذا تفاحش خرج أن يكون صلاة، ولذلك لم يختلفوا أن الشغل اليسير إذا كان لصلاحها أنها لا تبطل، واختلفوا إذا كثر ولم يتفاحش، ولم يختلفوا أنها تبطل إذا تفاحش وقد حد التفاحش بمثل أن يأكل (٤) بقدر ما يقارب الشبع. قال: وهذا الشيء المفعول هل لا يفعله إلا أن [لا يجدَ] (٥) بد، منه؟ أو يفعله مع وجود البدل؟ أو (٦) هو جائز مع وجود البدل؟ أو فعل البدل أحب؟ مثاله أن يقول: لا نتقي بفضل ثيابنا إلا حتى لا نجد شيئًا نتقي به الأرض، أو هو من باب الأولى، فإن نظرنا إلى لفظ الحديث أجزناه (٧) مع وجود غيره وفعل غيره يكون أحب، ولا أظن أحدًا اختلف في أن هذا هو المستحب، وإن نظرنا لما نعلم من حال

стр. 2187

الصحابة ﵃ فهم لم يكن لهم من الدنيا إلا قدر الضرورة، وأنهم في الغالب ليس لهم فضل عن ثيابهم، قلنا: لا يجوز مع (١) وجود غيره، ولعل هذا الحديث لم يكن إلا بعد أن ظهر الإسلام، وكثر عليهم الخير، فلا يترك لفظ الحديث لشيء محتمل. (٢) وقوله: "كنا نصلي" بلفظ الجمع لأنهم كانوا الكل على ذلك، أو عبَّر بالأكثر عن الجميع كما هو شائع، وقوله: مع النبي ﷺ . أخبر هنا بالفعل؛ لأنهم كانوا يفعلون مع رسول الله ﷺ مع قوله: "إني أراكم في الصلاة خلفي كلما أراكم أمامي" (٣) فإقراره على ذلك حكم. (فسجد (٤) عليه) (٥) استدل به مالك (٦)، وأبو حنيفة (٧)، وأحمد (٨) في رواية أنه يصح السجود على الذيل والكم واليد، وإن كان متصلًا به، واستدل أيضًا بما رواه أحمد في "مسنده" عن ابن عباس: لقد رأيت رسول الله ﷺ في يوم مطير (٩) وهو ينقي الطين إذا سجد بكساء عليه. (١٠) وقياسًا على باقي الأعضاء.

стр. 2188

واحتج أصحابنا على أنه لا يصح السجود على ما يتصل إذا كان [يتحرك لحركته] (١) في القيام والقعود، وغيرهما لحديث خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يشكنا (٢)، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه محمول على ثوب منفصل. وأما حديث ابن عباس في "مسند أحمد" فضعيف في إسناده (٣)، وأجاب البيهقي والأصحاب عن هذا الحديث بأن الرجل يسجد على العمامة مع بعض جبهته. وأيد البيهقي مذهب الشافعي (٤) بما رواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: فيأخذ أحدنا الحصى في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه (٥). قال: فلو كان السجود على المتصل جائزًا لما احتاجوا إلى تبريد (٦) الحصا، وتعقب بأن يكون الذي كان يبرد الحصا لم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها مع بقاء سترته. وفيه: تقديم الظهر في أول الوقت، وظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد يعارضه، فمن قال الإبراد بالظهر رخصة فلا إشكال، وإلا فنقول: هذا منسوخ بالإبراد، والله أعلم. * * *

стр. 2189

تفريع أبواب الصفوف ٩٦ - باب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ ٦٦١ - حَدَّثَنا عَبْد اللهِ بْن محَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنا زهَيْرٌ قال: سَألت سُلَيْمانَ الأعمَشَ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِي الصُّفوفِ المقَدَّمَةِ، فَحَدَّثَنا عَنِ المسَيَّبِ بْنِ رافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرْفَةَ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمرَةَ قال: قال رَسول اللهِ ﷺ : "أَلا تَصُفُّون كما تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَلَّ وَعَزَّ". قُلْنا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الملائِكَة عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قال: "يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ وَيَتَراصُّونَ فِي الصَّفِّ" (١). ٦٦٢ - حَدَّثَنا عُثْمان بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيّا بْنِ أَبِي زائِدَةَ، عَنْ أَبِي القاسِمِ الجَدَلِيِّ قال: سَمِعْتُ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ أقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النّاسِ بِوَجْهِهِ فَقال: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ" ثَلاثًا "والله لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ". قال: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يلْزِق مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صاحِبِهِ وَركْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ (٢). ٦٦٣ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ قال: سَمِعْتُ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسَوِّينا فِي الصُّفوفِ كَما يُقَوَّمُ القِدْحُ حَتَّى إِذا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَخَذْنا ذَلِكَ عَنْه، وَفَقِهْنا أَقْبَلَ ذاتَ يَوْمٍ بِوَجْهِهِ إِذا رَجُلٌ مُنْتَبذٌ بِصَدْرِهِ فَقال: "لتسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (٣).

стр. 2190

٦٦٤ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْن السَّرِيِّ وَأَبُو عاصِمِ بْنِ جَوّاسٍ الحَنَفِيُّ، عَنْ أَبِي الأحوَصِ، عَنْ مَنْصورٍ، عَنْ طَلْحَةَ اليامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قال: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَتَخَلَّل الصَّفَّ مِنْ ناحِيَةٍ إِلَى ناحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنا وَمَناكِبَنا وَيَقُولُ: "لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوُبكُمْ". وَكانَ يَقُول: "إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأُوَلِ" (١). ٦٦٥ - حَدَّثَنا ابن مُعاذٍ، حَدَّثَنا خالِدُ بْن الحارِثِ، حَدَّثَنا حاتِم -يَعْنِي ابن أَبِي صَغِيرَةَ- عَنْ سِماكٍ قال: سَمِعْتُ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ قال: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنا إِذا قُمْنا لِلصَّلاةِ فَإِذا اسْتَوَيْنا كَبَّرَ (٢). ٦٦٦ - حَدَّثَنا عِيسَى بْن إِبْراهِيمَ الغافِقِي، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ ح، وحَدَّثَنا قُتَيْبَة بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنا اللَّيْث -وَحَدِيثُ ابن وَهْبٍ أَتَمُّ- عَنْ معاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ، عَنْ أَبِي الزّاهِرِيَّةِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -قال قُتَيْبَة: عَنْ أَبِي الزّاهِرِيَّةِ، عَنْ أَبِي شَجَرَةَ لَمْ يَذْكُرِ ابن عُمَرَ- أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: "أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحاذُوا بَيْنَ المَناكبِ وَسُدُّوا الخَلَلِ وَلينُوا بِأَيْدِي إِخْوانِكُمْ". لَمْ يَقلْ عِيسَى: - "بِأَيْدِي إِخْوانِكُمْ"- "وَلا تَذرُوا فُرُجاتٍ لِلشَّيْطان، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ ". قال أَبو داوُدَ: أَبُو شَجَرَةَ: كَثِيرُ بْنْ مرَّةَ. قال أَبو داوُدَ: وَمَعْنَى: "وَلينُوا بِأَيْدِي إِخْوانِكُمْ": إِذا جاءَ رَجُلٌ إِلَى الصَّفِّ فَذَهَبَ يَدْخل فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُلَيِّنَ لَه كلُّ رَجُل مَنْكِبَيْهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّفِّ (٣).

стр. 2191

٦٦٧ - حَدَّثَنا مُسْلِم بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا أَبانُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قال: "رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقارِبُوا بَيْنَها وَحاذُوا بِالأعْناقِ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأرَى الشَّيْطانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّها الحَذَفُ" (١). ٦٦٨ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسِيُّ وَسُلَيْمانُ بْن حَرْبٍ قالا: حَدَّثَنا شعْبَةُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمامِ الصَّلاةِ" (٢). ٦٦٩ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إِسْماعِيلَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ السّائِبِ صاحِبِ المقْصُورَةِ قال: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ يَوْمًا فَقال: هَلْ تَدْرِي لِمَ صُنِعَ هذا العُودُ؟ فَقلْتُ: لا والله. قال: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهِ فَيَقولُ: "اسْتَوُوا وَعَدِّلُوا صُفُوفَكُمْ" (٣). ٦٧٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حميْدُ بْن الأسوَدِ، حَدَّثَنا مُصْعَب بْن ثابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مسْلِمٍ، عَنْ أَنَسٍ بهذا الحَدِيثِ، قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إِذا قامَ إِلَى الصَّلاةِ أَخَذَهُ بِيَمِينِهِ ثمَّ التَفَتَ فَقال: "اعْتَدِلُوا سوُّوا صُفُوفَكُمْ". ثُمَّ أَخَذَهُ بِيَسارِهِ فَقال: "اعْتَدِلُوا سوُّوا صُفُوفَكُمْ" (٤). ٦٧١ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ سُلَيْمانَ الأنبارِيُّ، حَدَّثَنا عَبْد الوَهّابِ -يَعْنِي ابن عَطَاءٍ- عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: "أَتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ ثُمَّ الذِي يَلِيهِ فَما كانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ

стр. 2192

المُؤَخَّرِ" (١). ٦٧٢ - حَدَّثَنا ابن بَشَّارٍ، حَدَّثَنا أَبُو عاصِمٍ، حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ يحيَى بْنِ ثَوْبانَ قال: أَخْبَرَني عَمِّي عُمارَةُ بْنُ ثَوْبانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خيارُكُمْ أَلْيَنكُمْ مَناكِبَ فِي الصَّلاةِ". (٢) قال أَبو داوُدَ: جَعْفَرُ بْنُ يحيَى مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. * * * [تفريع أبواب الصفوف] (٣) باب في تسوية الصفوف [٦٦١] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: ثنا زهير، قال: سألت سليمان الأعمش عن حديث جابر بن سمرة في الصفوف المقدمة) يتم صفوفها قبل ما بعدها. (فحدثنا عن المسيب بن رافع) الضرير الكاهلي، روى له الشيخان. (عن تميم بن طرفة) بفتح الطاء المهملة والراء والفاء، الطائي التابعي من أهل الكوفة. (عن جابر بن سمرة: قال: قال رسول الله ﷺ : ألا) للعرض والتحضيض، ومعناها طلب الشيء بحث (٤)، ولكن العرض طلب

стр. 2193

بلين (١) والتحضيض وتختص ألا (٢) هذِه بالفعلية، كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٣) ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٤). (تصفون) بفتح التاء وضم الصاد، وبضم أوله مبني للمفعول أي: في صلاتكم (كما تصف الملائكة) فيه الاقتداء بأفعال الملائكة في صلاتهم وتعبداتهم وغير ذلك، كما استدل بقوله تعالى: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (٥) على أنه يستحب أن يكون للمجاهدين علامة يعرفون بها من غيرهم، لرواية ابن عباس: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض ويوم حنين (٦) عمائم خضر، ولم تقاتل الملائكة في يوم (٧) سوى يوم بدر إنما يكونون في سواه مددًا (٨). وفيه الحث على الاصطفاف في الصلاة وفي الجهاد (عند ربهم) كذا للنسائي، ولابن حبان: عند ربها (٩). وفيه مشروعية الاصطفاف في الجلوس عند الكبير، ولو بالتحليق. (قلنا) كذا لابن حبان، وللنسائي (١٠) (وكيف تصف الملائكة عند

стр. 2194

ربهم؟ قال: يتمون الصفوف) الأُوَل (١) (المقدمة) أي (٢): المتقدمة (٣) ولابن حبان والنسائي: "يتمون الصف الأول" (٤)، ورواية الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر: "صفوا كما تصف الملائكة عند ربهم" قالوا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: "يقيمون الصفوف، ويجمعون مناكبهم" (٥). وبوَّب عليه ابن حبان: باب استحباب إتمام الصف الأول إقتداءً بالملائكة في صفوفها (٦). وفيه: فضيلة الصف الأول والأمر بسد الفرج فيه، لكن بحيث أن لا يجيء المتأخر، فيزاحم من سبق إلى الصف الأول ويؤذيه، وربما أدته المزاحمة إلى ترك سنة من سنن (٧) الصلاة وهي [ .... ] (٨) في الركوع والسجود، ويدل على ذلك ما رواه الطبراني في "الأوسط"، عن ابن عباس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي أحدًا أضعف الله له أجر الصف الأول" (٩).

стр. 2195

(ويتراصُّون) بضم الصاد المشددة، أصله يتراصصون بفتح الأولى وضم الثانية، ثم أدغمت الصاد الأولى فسكنت وأدغمت في الثانية وجوبًا، واستمرت ضمة الثانية على حالها، فإن القاعدة أنه يجب إدغام أول المثلين المحركين (١) في كلمة واحدة سواء كان يحرك أول المثلين بالضمة (٢) أو الفتحة أو الكسرة، وسواء كانت الكلمة اسمًا أو فعلًا أو حرفًا إلا ما استثني مما هو مذكور في كتبه (في الصف) (٣) أي في كل صف، وتراص القوم في الصفوف مأخوذ من رصصت البنيان رصًّا من باب قتلت قتلًا، إذا ضممت بعضه إلى بعض، وفيه دليل على استحباب انضمام المصلين بعضهم إلى بعض ليس بينهم فرجة ولا خلل كما يصفون في قتالهم لا يزولون عن أماكنهم كأنهم بنيان مرصوص رص بعضه إلى بعض، وألزق بعضه إلى بعض وأحكم. [٦٦٢] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن زكريا (٤) بن أبي زائدة، عن أبي القاسم) حسين (٥) بن الحارث الكوفي (الجدلي) بفتح الجيم والدال المهملة، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦)، أخرج له

стр. 2196

النسائي أيضًا، لعله نسبة إلى جديلة قبيلة من طيءٍ. (قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه) عند تسوية الصفوف كذا في تبويب البخاري (١). (فقال: أقيموا صفوفكم) أي سووها وعدلوها، يقال: أقام العود [إذا عدله] (٢) وسواه (ثلاثًا) رواية النسائي عن أنس بلفظ: "استووا استووا استووا"، وبوب عليه: باب كم مرة يقول: استووا (٣) (والله لتقيمُن) بضم الميم أصلها لتقيمُون (صفوفكم) قال ابن دقيق العيد: معناه: أو ليخالفن إن لم يساووا؛ لأنه قابل بين التسوية وبينه، أي: الواقع أحد الأمرين التسوية أو المخالفة (٤). فتكون أو فيه للتقسيم الذي عبر عنه ابن مالك بالتفريق (٥) المجرد، واختلف في معنى قوله (أو ليخالفن الله بين قلوبكم) [كذا رواية ابن حبان (٦)] (٧). قال النووي: اختلاف القلوب أن يوقع بينكم (٨) العداوة والبغضاء، كما يقال: لا تُغيِّر قلبك عليَّ (٩) (قال: فرأيت الرجل يلزق) بضم أوله

стр. 2197

يتعدى بالهمزة والتضعيف (١)، يقال: ألزقته ولزَّقته تلزيقًا فعلته من غير إحكام ولا إتقان (٢)، وأما ألصقته ففيه الإحكام والإتقان (٣)، يقال: ألصق الجرح على الدواء إذا شده على العضو للتداوي. (منكِبه بمَنكِب صاحبه) منكب الرجل هو مجتمع العضد والكتف؛ لأنه يعتمد عليه والمراد بإلصاق المنكب بالمنكب (وركبته بركبة صاحبه) والقدم بالقدم في الصف المبالغة في تعديل الصف وسد خلله، وقد (٤) ورد الأمر بسد خلل الصف، والترغيب فيه في أحاديث كثيرة (٥). (وكعبه بكعبه) (٦). استدل به على أن المراد بالكعب في قول تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٧) العظم الناتئ في جانبي الرجل عند مفصل الساق،

стр. 2198

والقدم وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي إلى جانبه خلافًا لمن ذهب إلى أن المراد بالكعب هو مؤخر القدم، وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية (١)، ولم يثبته (٢) محققوهم، وكذا أنكر الأصمعي قول من زعم أنه في ظهر القدم (٣). [٦٦٣] (ثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد، عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير) ﵄ فإنه صحابي ابن صحابي أمير الكوفة وحمص، وقاضي حمص، وأول مولود وُلد للأنصار بعد الهجرة، وكان جوادًا شاعرًا. (يقول: كان النبي ﷺ يسوينا في الصفوف كما يُقوَّم) أي: يُسوَّي (القدح) (٤) القداح جمع قِدْح، بكسر القاف وإسكان الدال، هو السهم قبل أن يُراش ويركب فيه النصل، [مبني للمفعول] (٥) جمعه قداح، وفيه إشارة إلى أنه يستحب لصانع السهام أن يجتهد في تقويم السهام وتسويتها؛ ليستقيم الرمي بها، وكذلك كل صاحب صنعة من الصنائع التي هي آلة للعبادة من جهاد وحج، وغير ذلك. وفيه: استحباب تسوية الإمام الصفوف وقبل الدخول في الصلاة ويأمرهم به، ملتفتًا يمينه ويساره.

стр. 2199

(حتى إذا ظن أن) مخففة من الثقيلة ولها شرطان: الأول: أن يكون اسمها ضميرًا مستورًا، تقديره: ظن أننا. الثاني: شرط خبرها أن يكون جملة، ويقع هذا (١) بعد اليقين، أو ما نزل منزلته نحو ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٢)، ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ﴾ (٣) فيمن رفع. (قد أخذنا ذلك عنه) هذِه الجملة الخبرية في موضع [رفعٍ، خبرٌ] (٤) لـ"أنْ" المخففة، (وفقهنا) بكسر القاف، ذلك أي: علمناه عنه. قال ابن فارس: كل علم بشيء (٥) فهو فقه (٦). والفقه (٧) على لسان (٨) حملة الشرع علم خاص (أقبل ذات يوم بوجهه) الكريم علينا؛ لتسوية الصفوف (إذا) هذِه الفجائية (رجل) مبتدأ، وهذا شاهد على ما ذكره النحاة أن من مسوغات الابتداء أن تقع النكرة بعد إذا (٩) الفجائية نحو: خرجت فإذا أسدٌ ورجلٌ بالباب؛ إذ لا توجب العادة أن لا يخلو الحال من أن يفاجئك عند خروجك أسد أو رجل (منتبذ) أي

стр. 2200

خارج (بصدره) قال الله تعالى: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١) أي خرجت من عند أهلها آخذة ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ورواية النسائي: كان رسول الله ﷺ يقوم الصفوف كما تقوم القداح، فأبصر رجلًا خارجًا صدره من الصف (٢). (فقال: لتسوُّنَّ) جواب قسم محذوف، والأصل في لتسوُّنَّ لتسوون الواو (٣) الأولى المشددة من أصل الفعل (٤)، والواو التي بعدها واو الضمير فحذفت استثقالًا، وأُبقيت الضمة على الواو قبلها دالة عليها، وحذفت أيضًا نون الرفع، والنون المشددة النافية هي نون التوكيد، لمَّا استثقل اجتماع النونين (٥) حذفت إحداها، وقيل: المحذوف إحدى نوني التوكيد، ووُجِّهَ أيضًا بوجوه مشهورة (٦) في العربية. (صفوفكم، أو ليخالفن الله) فيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة، لما خالف هذا المخالف بصدره صدور المصلين، ومقتضى هذا الوعيد وجوب استواء الصفوف إذ لا يحصل الوعيد إلا على محرم التفريط فيه، ويؤيده حمله على ظاهره حديث أبي أمامة (٧) بلفظ: "لتُسَوُّنَّ صفوفكم، أو لتطمسن (٨) الوجوه" (٩)؛

стр. 2201

ولهذا قال ابن الجوزي (١): الظاهر أنه مثل الوعيد الذي في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ (٢)، وحديث أبي أمامة أخرجه أحمد، وإن كان في إسناده ضعف (٣) (بين وجوهكم) (٤). قال القرطبي: معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجهًا غير الذي أخذ صاحبه (٥)؛ لأن تقدم (٦) الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة. [٦٦٤] (ثنا هناد بن السري، وأبو عاصم) أحمد (بن جواس) بفتح الجيم (الحنفي) أخرج له مسلم. (عن أبي الأحوص) سلام بن سليم الحنفي (٧) الكوفي. (عن منصور) ابن المعتمر بن عبد الله الكوفي أحد الأعلام. (عن طلحة) بن مصرف (اليامي، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف) (٨) رواية النسائي:

стр. 2202

يتخلل الصفوف (١). وهو من تخللت القوم إذا دخلت بين خللهم، وخلالهم (من ناحية إلى ناحية) من الصف (٢)، فـ (يمسح صدورنا) أي: يضع يده على صدورنا لتستوي صدورنا (ومناكبنا) في الصف، رواية ابن حبان: كان رسول الله ﷺ يأتينا فيمسح عواتقنا، وصدورنا (٣) (ويقول: لا تختلفوا) رواية ابن حبان: "لا تختلف صفوفكم" أي: بالتقدم والتأخر (فتختلف) منصوب بأن المقدرة؛ لأنها جواب للنهي (قلوبكم) أي بالعداوة والبغضاء كما تقول تغير وجه فلان عليَّ إذا ظهر في وجهه الكراهة؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. (وكان يقول: إن الله وملائكته يصلون) أي يستغفرون (على الصفوف الأول) (٤) رواية النسائي (٥): "الصفوف المتقدمة"، ولابن حبان: "على الصف الأول" (٦). وروى البزار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ استغفر للصف الأول ثلاثًا، وللثاني مرتين، وللثالث مرة (٧). [٦٦٥] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن معاذ) العنبري.

стр. 2203

(ثنا خالد بن الحارث قال: ثنا حاتم بن أبي صغيرة) ضد كبيرة ثقة (١). (عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا) بعد إقامة الصلاة؛ لأنه قال (إذا قمنا إلى الصلاة) لأن القيام إلى الصلاة لا يكون إلا بعد الإقامة؛ لأن المتقدم على الشيء متقدم على ما بعده (فإذا استوينا) أي: استوت صفوفنا (كبَّر) (٢) للإحرام، فيه: أن التسوية بعد الإقامة، وأن الإمام لا يكبر حتى تستوي الصفوف، وهذا هو المشهور، وذهب بعض أصحابنا كما قال الروياني في "تلخيصه": إلى أنه يسوي الصفوف في (٣) أواخر الإقامة، فإذا فرغ المؤذن كبر. قال: وهو خلاف النص، وظاهر هذا الحديث يخالفه. [٦٦٦] (ثنا عيسى بن إبراهيم) بن مثرود (٤) (الغافقي) بالغين المعجمة، وثقوه (٥). (قال: ثنا ابن وهب ح) تحويل سند (وثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا الليث، وحديث) عبد الله (بن وهب أتم) من حديث الليث. (عن معاوية بن صالح) الحضرمي، قاضي الأندلس أخرج له مسلم

стр. 2204

(عن أبي الزاهرية) بالزاي وكسر الهاء والراء وتشديد ياء النسب، واسمه: حُدير -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين (١) مصغر- ابن كريب الحميري، أخرج له مسلم في الصيد (٢). (عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر، قال: قتيبة) في روايته: (عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة) بفتح الشين المعجمة والجيم وسيأتي اسمه، و (لم يذكر) عبد الله (بن عمر) في روايته هذِه (أن رسول الله ﷺ قال: أقيموا الصفوف) أي: سووها فإن (٣) إقامة الصف من حُسْن (٤) الصلاة (٥)، وقد تقدم (وحاذوا) بالحاء المهملة والذال المعجمة، أي: اجعلوا بعضها حذاء بعض (بين المناكب) (٦) أي: بحيث يكون منكب كل واحد من المصلين موازيًا لمنكب الآخر، ومسامتًا له؛ فتكون المناكب والأعناق والأقدام على سمت واحد (وسدوا الخلل) بفتحتين: الفرجة بين الشيئين، أي: إذا كانت تسَع المصلي بلا مزاحمة مؤذية للمصلين مانعة من المجافاة المرفقين. (ولينوا) بكسر اللام وسكون المثناة تحت من لان الشيء يلين لينًا وليانًا فهو لين، ومنه الحديث: "خياركم ألينكم مناكب" (٧)، فإن أفعل

стр. 2205

التفضيل لا يستعمل إلا من الثلاثي (بأيدي إخوانكم) ورواية أحمد: "لينوا في أيدي إخوانكم" (١) أي: إذا جاء المصلي ووضع يده على منكب المصلي فيلين له بطبعه، وكذا إذا أمره من يُسوي الصفوف بالإشارة بيده أن يستوي في الصف، أو وضع يده على منكبه (٢) ليستوي فيستوي بطبعه كما أمره، وكذا لو أراد أحد أن يدخل في الصف فيوسع له بلين جانبه ليدخل ولا يمنعه. قال في "المفاتيح شرح المصابيح": وهذا أولى وأليق من معنى قول الخطابي أن معنى لين المنكب السكون والخشوع في الصلاة (٣). والله أعلم. [(لم يقل عيسى: بأيدي إخوانكم] (٤)، ولا تذروا) أي تتركوا، وأماتت (٥) العرب ماضيه ومصدره فإذا أريد الماضي قيل: تَرَكَ، ولا يستعمل منه اسم الفاعل (فُرُجَاتٍ) بالتنوين بضم الفاء والراء، جمع فرْجة بسكون الراء، ويجمع على فُرَج كغرفة وغُرُفات، وكل [منفرج بين شيئين] (٦) فرجة. ورواية أحمد: "وسدوا الخلل فإن الشيطان يدخل فيما بينكم" (٧). (للشيطان) فيه: الحث على المنع من كل سبب يؤدي

стр. 2206

إلى دخول الشيطان، وسد ذلك عنه، كما أمر عند التثاؤب بكظم يده على فيه لئلا يدخل الشيطان في فيِهِ (ومن وصل صفًّا وصله الله تعالى) برحمته. وروى الطبراني عن عائشة ﵂ قال ﷺ : "من سدَّ فرجة في صف رفعه الله بها درجة، وبنى له بيتًا في الجنة" (١). (ومن [قطع صفًا)] (٢) بِأَن كان في صف فخرج منه أو جاء إلى صف وترك بينه وبين من في الصف فرجة بغير حاجة. (قطعه الله) فيه أن الجزاء من قبيل العمل. (وأبو شجرة) اسمه (كثير (٣) بن مرة) (٤) الحضرمي الرهاوي الحمصي، [روايته المتأخرة] (٥) مرسلة وثقه ابن سعد (٦) (٧)،

стр. 2207

والعجلي (١) قيل: إنه أدرك سبعين بدريًّا، قال أبو الزاهرية عنه قال: دخلت المسجد يوم الجمعة فمررت بعوف بن مالك الأشجعي، وهو باسط رجليه فضمهما ثم قال: يا كثير أتدري لما بسطت رجلي؟ بسطتهما (٢) رجاء أن يجيء رجل صالح وإني أرجو أن تكون رجلًا صالحًا. قال أبو مسهر: بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان (٣). [٦٦٧] (ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان، عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: رصوا) بضم الراء (صفوفكم) الرص الاجتماع والانضمام، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٤) أي: متصل بعضه ببعض بحيث لا يكون بينهم فرجة يدخل الشيطان فيها. وفي رواية الطبراني، عن علي قال ﷺ : "استووا وتماسوا" (٥). قال سُرَيج: تماسوا يعني: ازدحموا في الصلاة. وقال غيره: تماسوا: تواصلوا (٦) (وقاربوا بينها) المقاربة ضد المباعدة، فيه: فضيلة المقاربة بين الصفوف ليشاهد كل صف أفعال ما (٧) أمامه في الانتقالات وغيرها، وليكونوا أقرب إلى الإمام، فإن القرب منه معتبر لسماع القراءة وغيرها.

стр. 2208

(وحاذوا بالأعناق) أي: تكون الأعناق محاذية، ومسامتة لبعض، ولا يتقدم بعضها على بعض (فو الذي نفسي بيده إني لأرى) هذِه اللام لام الابتداء، وفائدتها توكيد مضمون الجملة، ولهذا أخروها بعد إنَّ عن (١) صدر الكلام كراهية ابتداء الكلام بمؤكدين، وتخلص المضارع للحال، فإن النبي ﷺ أخبر بهذا حال رؤيته كما يقتضيه سياق الكلام، كذا قاله الأكثرون، واعترض ابن مالك على هذا بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)، ووجدت في بعض النسخ المعتمدة، فإني لا أرى، بزيادة ألف، وإن صح هذا فهو محمول على الزيادة كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ أن التقدير لَأُقسِمُ. قال الزمخشري: لأقسم هي لام الابتداء دخلت (٣) على مبتدأ محذوف تقديره: لأَنا أقسم (٤). ولم يقدرها لام القسم؛ لأنها عنده ملازمة لنون التوكيد. ورواية أبي يعلى، عن ابن عباس، قال رسول الله-صلي الله عليه وسلم-: "تراصوا الصفوف فإني رأيت (الشيطان) تخللكم كأنها أولاد الحذف" (٥). (يدخل من خلل) أي من فرج (الصف كأنها) أولاد (٦) (الحذف) (٧)

стр. 2209

قال النووي بحاء مهملة وذال معجمة مفتوحتين، ثم فاء (١)، أي: واحدتها: حذفة (٢) مثل: قصب وقصبة، وبمصغر الواحدة سُمِّي حذيفة، وهي غنم سود صغار تكون باليمن، والحجاز، والضمير في "كأنها" راجع إلى مقدار، أي: جعل نفسه شاة أو ماعزة كأنها أولاد (٣) الحذف، وقيل: هي غنم صغار ليس لها [أذناب و] (٤) لا آذان يُجَاء بها من جرش، سميت حَذَفًا، لأنها محذوفة عن مقدار الكبار، وتشبيهه ﷺ بالغنم الصغار ليدل على أن النهي حاصل في الفرجة الصغيرة، فتدخل في الفرجة الكبيرة من باب الأولى، والتشبيه بالسواد في الغنم أقرب إلى صورة الشيطان. [٦٦٨] (ثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي، وسليمان بن حرب قالا: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال رسول الله-صلي الله عليه وسلم-: سووا صفوفكم" فيه الأمر بتسوية الصفوف الأول فالأول، وهو اعتدال القائمين للصلاة على سمت واحد، والأمر في تسويتها موافقة للملائكة كما تقدم (فإنَّ) هذا كالتعليل لما قبله (تسوية الصف) فيه رد على من يقول أن المفرد المحلى بالألف واللام لا يعم، ووجهه أنه

стр. 2210

أضاف الصفوف بصيغة (١) الجمع فَعمَّت ثم أفرد؛ فلو لم يكن للعموم (٢) لتناقض بالعموم في الأول والتخصيص في الثاني، فدل على أن المراد بالصف العموم أيضًا (من تمام الصلاة) (٣) فيه، كما قال ابن دقيق العيد (٤) وغيره: قرينة صارفةٌ الأمرَ (٥) بالتسوية قبله، عن الوجوب إلى الندب خلافًا لمن يحمله على الوجوب كابن (٦) حزم (٧)؛ لأن تمام الشيء أمر زائد على حقيقة الوجوب. قال القاضي عياض: تمام الشيء وحسنه، وكماله بمعنى واحد؛ ولهذا جاء في رواية ابن حبان بلفظ: "من حسن الصلاة" (٨) [مكان "تمام"] (٩). [٦٦٩] (ثنا قتيبة) بن سعيد (قال: ثنا حاتم بن إسماعيل) المدني أبو إسماعيل (عن مصعب بن (١٠) ثابت بن عبد الله بن الزبير) الأسدي، قال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط (١١).
следующие страницы →