← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

القِراءَةِ. ثُمَّ قال بَعْدُ: وَإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١). ٧٨١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن أَبِي شعَيْبٍ، حَدَّثَنا محَمَّد بْنُ فضَيْلٍ، عَنْ عُمارَةَ ح، وحَدَّثَنا أَبُو كامِلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ، عَنْ عُمارَةَ -الْمَعْنَى- عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ إِذا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَكَتَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ فَقُلْتُ لَهُ: بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ أَخْبِرْنِي ما تَقُولُ. قال: "اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطايايَ كَما باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ اللَّهُمَّ أَنْقِنِي مِنْ خَطايايَ كالثَّوْبِ الأَبْيَضِ مِنَ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي بِالثَّلْجِ والماءِ والبَرَدِ" (٢). * * * باب في السكتة عند الاستفتاح [٧٧٧] (ثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (ثنا إسماعيل) ابن علية [(عن يونس) بن عبيد أحد أئمة البصرة. (عن الحسن) بن أبي الحسن البصري] (٣) (قال: قال سمرة) بن جندب (حفظت) بكسر الفاء أي (٤): من رسول الله ﷺ (سكتتين في الصلاة) سيأتي أن السكتات أربعة (سكتة) بالنصب على البدل، ويجوز الرفع، أي: إحداهما سكتة كما قال تعالى: ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ

стр. 2487

تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). (إذا كبر الإمام) تكبيرة الإحرام (حتى (٢) يقرأ) استدل به على أن الإمام يسكت بعد التكبير بمقدار ما يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب، وذلك وقت قرائته لدعاء الاستفتاح، فإنه إن لم يسكت تفوتهم استماع قراءة الفاتحة فيكون عليه ما نقص من صلاتهم، وهذِه السكتة أطول السكتات، ولا يمتنع تسمية هذا سكوتًا مع إتيانه بدعاء الاستفتاح؛ لأنه سكوت بالنسبة إلى الجهر قبله وبعده، فهو سكوت عن الجهر لا عن الإسرار. (وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب) ليتمم من لم يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى فاتحته، قال الغزالي: وهو (٣) نصف السكتة الأولى (٤). قال النووي عن الأصحاب: يسكت قدر قراءة المأمومين الفاتحة. قال السرخسي في "الأمالي": [ويستحب أن يدعو] (٥) كما سيأتي في الحديث الثاني: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي" إلى آخره، قال النووي: ويختار الذكر والدعاء والقراءة سرًّا؛ لأن الصلاة ليس فيها سكوت حقيقي في حق الإمام، وبالقياس على قرائته في انتظاره في صلاة الخوف (٦).

стр. 2488

(و) أراد (١) أن يقرأ (سورة (٢) عند الركوع) ويحتمل أن تكون هذِه السكتة بعد قراءة السورة؛ فإن القراءة بعد الفاتحة ستأتي، وعلى هذا فإن هذِه حرف مصدري، ويقال: موصول حرفي، وعليها (٣) فتقدر هي وما بعدها بمصدر مجرور بالعطف على فاتحة الكتاب (٤) والتقدير: وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب، وقراءة سورة عند الركوع، أي: قبل الركوع، وهن (٥) أخف من السكتتين اللتين قبلهما، وذلك بمقدار ما تنفصل القراءة عن التكبير، فقد نهى رسول الله ﷺ عن الوصل فيه. (قال: فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين) قال شيخنا العراقي: رواية الإمام أحمد (٦): كانت لرسول الله ﷺ سكتتان في صلاته، وقال عمران: أنا أحفظهما عن رسول الله ﷺ ، فكتبوا بذلك إلى أبي. ثم (٧) قال: هكذا (٨) وجدته في غير ما نسخة صحيحة من "المسند" (٩). (قال: فكتبوا في ذلك (١٠) إلى المدينة) شرفها الله تعالى (إلى أبي) بن

стр. 2489

كعب (فصدق سمرة) بن جندب. (قال أبو داود: كذا قال حميد) عن (١) الحسن في روايته (في [هذا] (٢) الحديث: وسكتة) بالنصب (إذا فرغ من القراءة) وأراد أن يركع. [٧٧٨] (ثنا أبو بكر بن خلاد) اسمه محمد، قال: (ثنا خالد بن الحارث) أبو عثمان الهجيمي (٣). (عن أشعث) (٤) [بن عبد الملك الحمراني] (٥) (عن الحسن) [بن أبي الحسن] (٦) البصري (عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ ؛ أنه كان يسكت سكتتين إذا استفتح) الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها) رواية ابن ماجه (٧) من طريق قتادة، عن الحسن: كان يعجبهم إذا فرغ من القراءة يسكت حتى يتراد إليه نفسه (فذكر معنى حديث يونس) بن أبي إسحاق السبيعي (٨).

стр. 2490

[٧٧٩] (ثنا مسدد) قال: (ثنا يزيد) بن زريع (١) قال: (ثنا سعيد) بن أبي عروبة مهران العدوي، روى عن قتادة في قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢): مصر، وجعل أبو زرعة يستعظم هذا (٣). قال أبو داود الطيالسي: كان أحفظ أصحاب قتادة. قال: (ثنا قتادة، عن الحسن) البصري. (أن سمرة بن جندب، وعمران بن حصين ﵄ تذاكرا) فيه فضيلة المذاكرة في العلم وفي الحديث والتفسير وغير ذلك من العلوم الشرعية (فحدث (٤) سمرة بن جندب، أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبر) للإحرام، والغرض من هذِه السكتة ليفرغ المأمومون (٥) من النية وتكبيرة الإحرام؛ لأنه لو قرأ الإمام عقب التكبير الفاتحة ربما يكون بعض المأمومين مشتغلًا بالنية والتكبيرة فيفوته بعض سماع قراءة الإمام الفاتحة (وسكتة إذا فرغ) الإمام (من قراءة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) (٦) وبعد آمين أيضًا، والغرض من هذِه السكتة ليقرأ المأمومون الفاتحة بعد فراغ الإمام منها، وليرجع إلى الإمام النفس ويستريح. وروى الدارقطني من حديث

стр. 2491

أبي هريرة، وضعفه: "من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ فاتحة الكتاب في سكتاته" (١) (فحفظ ذلك سمرة) أي: تذكره من حفظه. (وأنكره عمران بن حصين عليه فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب فكان في كتابه إليهما أو في رده) الجواب (عليهما) يحتمل أن يكون على بمعنى إلى فإنه يقال: رددت عليه قوله، وردد إليه جوابه، أي: رجعته وأرسلته (أن سمرة قد حفظ) وفيه العمل (٢) بالمكاتبة وأنه حجة، وبه قال أيوب ومنصور والليث، وغير واحد من الفقهاء والأصوليين، حتى قال ابن السمعاني (٣): إنها أقوى من الإجازة خلافًا لجماعة منهم الماوردي حيث قطع به في "الحاوي" (٤). [٧٨٠] (ثنا ابن المثنى) قال: (ثنا عبد الأعلى) قال: (ثنا سعيد) بن أبي عروبة (بهذا) الإسناد (قال) فيه: (عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة) بن جندب. (قال: سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ) تقدم أن [السكتات أربع] (٥)، فتقدم في الحديث ثلاثة والرابعة وذكرها أصحابنا أو جماعة منهم وهي: السكوت (٦) بين ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وبين آمين، فيستحب أن

стр. 2492

لا يصل آمين بقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، بل يفصل بينهما بسكتة لطيفة جدًّا ليعلم المأمومون أن لفظة آمين ليست من القرآن، لئلا يعتقد في وصلها بالقراءة، وأنها منه، ولهذا الفصل اللطيف نظائر في التكبير (١)، وهو أن يستحب للملبي أن يقف وقفة (٢) لطيفة عند قوله لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، ثم يقول لا شريك لك، وكذا في غير التلبية، وممن نص على استحباب هذِه السكتة (٣) القاضي حسين والواحدي والبغوي والرافعي وغيرهم. وأما قول إمام الحرمين يتبع التأمين القراءة. قال النووي: فيمكن حمله على موافقة الجماعة ويكون معناه لا يسكت طويلًا (٤) انتهى. وكما يسكت ليفصل بين القراءة وآمين تستحب هذِه السكتة لمن قال عقب آخر البقرة ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٥): آمين، وعند آخر المؤمنون (٦)، ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٧) آمين وكذا كل دعاء وقف عليه يقول بعده: آمين، ويسكت بين القراءة (٨) وآمين سكتة لطيفة قياسًا على آخر الفاتحة، ولم أجده منقولًا والله أعلم. (قال فيه: قال سعيد قلنا لقتادة ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته) يدخل فيه الفرض والنفل والجنازة وغيرهما، لكن ينبغي أن يكون

стр. 2493

هذا في الصلاة التي يستحب فيها دعاء التوجه إن قلنا أتى (١) بسكتة ليؤتي فيها بدعاء التوجه فيما لا توجه فيه، كصلاة الجنازة لا يستحب فيه على هذا (وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد) بضم الدال، أي: بعد ذلك. (وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) (٢) آمين، أي (٣): يسكت كما تقدم، وهذا عند الشافعي (٤) وأحمد (٥) يسكت كما يسكت بعد التكبيرة الأولى. وكره ذلك أبو حنيفة (٦) ومالك (٧) رحمهما الله تعالى. [٧٨١] (ثنا أحمد بن) عبد الله بن (أبي شعيب) (٨) الحراني، أبو الحسن (٩)، شيخ البخاري. قال: (ثنا محمد بن فضيل) (١٠) بن غزوان (عن عمارة، ح (١١) وثنا أبو كامل) الجحدري قال: (ثنا عبد الواحد) بن زياد (عن عمارة) بن القعقاع (المعنى (١٢) عن أبي زرعة) هو ابن عمرو بن جرير البجلي. (عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت)

стр. 2494

بفتح السين والكاف، من السكوت، ورواية البخاري (١): يسكت (٢). بفتح الياء أوله، وحكى الكرماني: بضم أوله وكسر الكاف من الإسكات. قال الجوهري: يقال تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف وإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت (٣): أسكت (٤) (بين التكبير والقراءة) إسكات (٥) بكسر أوله، سياق الحديث يقتضي أنه أراد السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول أو السكوت عن القراءة لا عن الذكر. (فقلت له: بأبي) الباء متعلقة بمحذوف اسم أو فعل والتقدير (أنت) مفدى أو أفديك (٦) أبي (وأمي) واستدل به على جواز قول: فداك. بل على استحبابه وزعم بعضهم أنه من خصائصه ﷺ ، والأصل عدم التخصيص حتى يثبت. (أرأيت) بفتح تاء المخاطب، بمعنى أخبرني (٧)، كما تقول: أرأيت زيدًا: كيف حاله؟ قال الفاكهي: روايتنا فيه ضم التاء يعني: مع حذف الهمزة قبله من رؤية القلب لا (٨) العين. (سكوتك) هذِه رواية مسلم (٩) (بين التكبير والقراءة، أخبرني ما تقول) فيه [ما] (١٠) يشعر بأن هناك قول.

стр. 2495

قال ابن دقيق العيد (١): ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم كما استدل غيره على القراءة باضطراب لحيته (٢)، نقل ابن بطال (٣) عن الشافعي أن سبب هذِه السكتة للإمام أن يقرأ المأموم فيها الفاتحة. وهذا النقل غير معروف عن الشافعي، وفي "الإحياء" (٤) أن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الاستفتاح، وخولف (٥) في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهة تقديم المأموم قراءة الفاتحة عن الإمام، وفي وجه إن قرأها (٦) قبله بطلت صلاته [ووافق الغزالي على قراءة الفاتحة في هذِه السكتة الفارقيُّ وابن أبي عصرون] (٧). (أخبرني ما تقول) في سكوتك؛ فيه: استعمال المجاز بتسمية الكلام السر سكوتًا، وفيه سؤال العلماء عما يحدث وعما يشاهدوه من أفعالهم، ولم يتضح لهم أمره، وفيه ملاحظة العاملين في تعبداتهم (٨) ليقتدوا بهم فيها، فإن العلماء ورثة الأنبياء. (قال) أقول (اللهم) فيه تقديم اللهم في الدعاء حتى قال بعضهم: إنها أبلغ من يا الله، وقيل: إنها إياها ثم حذف منها وعوض.

стр. 2496

(باعد بيني وبين) قال الكرماني (١): كرر لفظ بين (٢)؛ لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض سواء جرًّا بالحرف أو الإضافة. (خطاياي) بفتح الياء على الأفصح، كما تقدم في محياي ومماتي. (كما باعدت بين المشرق والمغرب) فيه مجازان الأول: استعمال المباعدة التي هي في الأصل من العوارض التي تعرض في الزمان والمكان للأجسام، ثم استعملها في المعاني. المجاز الثاني: استعمال المباعدة في الإزالة بالكلية مع أن أصلها لا يقتضي (٣) الزوال أو في معنى الانتفاء الكلي، كما في قوله تعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٤) إذ (٥) المراد التبري منه (٦) بالكلية، يعني: من الخطايا الصادرة منه والعصمة (٧) منها في المستقبل، وموضع التشبيه أن التقاء (٨) المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يقع له منها اقتراب كما لا (٩) يقع بين المشرق والمغرب بالكلية. (اللهم أنقني) بفتح الهمزة وكسر القاف، ورواية البخاري (١٠) وغيره: "نقني". بتشديد القاف، وهو مما يتعدى بالهمزة والتضعيف كقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ

стр. 2497

التَّوْرَاةَ﴾ (١) (من خطاياي) من الخطأ بكسر أوله قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢) قال أبو عبيد: خطئ وأخطأ بمعنى (٣). وقال غيره: المخطئ من أراد الصواب فوقع في غيره، والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي، وفرق بعضهم بين الخطية والذنب بأن الخطية فيما بين العبد وبين ربه، والذنب فيما بينه وبين المخلوقين (كالثوب الأبيض) أي: كما ينقى الثوب الأبيض كرواية الصحيحين (٤)، وهو أيضًا مجاز عن زوال الذنوب، ومحو آثارها بالكلية (من الدنس) وهو الوسخ، تدنس الثوب إذا (٥) اتسخ. (اللهم اغسلني بالثلج والماء والبرد) بفتح الراء، ولما كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان، وقع التشبيه به، ولهذا ندب لبس البياض للجمعة؛ لأنه يظهر فيه النجاسة أكثر من غيره من الألوان. قال الهروي: سمي البرد بردًا؛ لأنه يبرد وجه الأرض، أي: يقشره (٦). ويحتمل أن يكون لما فيه من البرودة، قال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما يحملكم على نوم الضحى؟ قال: أنها مبردة في الصيف مسخنة (٧) في الشتاء (٨).

стр. 2498

وجمع بين النقاء والغسل وإن كان كل واحد منهما كافيًا في المقصود (١) تأكيدًا ومبالغة كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ (٢) والمراد: الارتقاء في أرفع الدرجات في الثلاث من ذلك فلذلك طلب أولًا ما يليق بالعبودية، وهو المباعدة من الخطايا، ثم ترقى وطلب التنقية من الدنس، ثم طلب ما هو الأبلغ وهو الغسل، ولهذا أكده بقوله: (بالماء والثلج والبرد). وورد في مسلم (٣) زيادة وصف الماء بالبرودة، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها منتشئة (٤) عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات. قال التوربشتي (٥): خص هذِه الثلاثة بالذكر لأنها مُنَزَّلة من السماء (٦). وقد استدل بالحديث على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة خلافًا للمشهور عن مالك، ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجه (٧) والتسبيح وهو اختيار ابن خزيمة وجماعة من الشافعية، واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافًا

стр. 2499

للحنفية (١)، واستدل به بعض الشافعية (٢) على أن الثلج والبرد مطهران أي: قبل أن يذوبا، واستبعده ابن عبد السلام، وأبعد منه استدلال بعض الحنفية (٣) على نجاسة الماء المستعمل (٤). والله أعلم. * * *

стр. 2500

١٢٦ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الجَهْرَ بِـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ٧٨٢ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْن إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا هِشامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمانَ كانُوا يَفْتَتِحُونَ القِراءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ (١). ٧٨٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ المعَلِّمِ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي الجَوْزاءِ، عَنْ عائِشَةَ قالتْ: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ والقِراءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وَكانَ إِذا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ ولكن بَيْنَ ذَلِكَ وَكانَ إِذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قائِمًا وَكانَ إِذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قاعِدًا وَكانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ: "التَّحِيّاتُ". وَكانَ إِذا جَلَسَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ اليُمْنَى وَكانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطانِ وَعَنْ فِرْشَةِ السَّبُعِ وَكانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْلِيمِ (٢). ٧٨٤ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنا ابن فُضَيْلٍ، عَنِ المُخْتارِ بْنِ فلْفُلٍ قال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُنْزِلَتْ عَلي آنِفًا سُورَةٌ". فَقَرَأَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حَتَّى خَتَمَها. قال: "هَلْ تَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ". قالوا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: "فَإنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي فِي الجَنَّةِ" (٣). ٧٨٥ - حَدَّثَنا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، حَدَّثَنا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنا حُمَيْدٌ الأعْرَجُ المكِّيُّ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ وَذَكَرَ الإِفْكَ قالتْ: جَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وقال: "أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ". الآيَةَ.

стр. 2501

قال أَبُو داوُدَ: وهذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. قَدْ رَوَى هذا الحَدِيثَ جَماعَةٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوا هذا الكَلامَ عَلَى هذا الشَّرْحِ وَأَخافُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ الاسْتِعاذَةِ مِنْ كَلامِ حُمَيْدٌ (١). * * * باب الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [٧٨٢] (ثنا مسلم بن إبراهيم) قال: (ثنا هشام) الدستوائي (٢) (عن قتادة، عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان) أجمعين (كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله) بضم الدال على الحكاية (٣)، وقد استدل به (٤) مالك (٥) وغيره على ترك التسمية في ابتداء الفاتحة، وأنها ليست منها (٦)، ونقله القرطبي عن الجمهور، وتأوله الشافعي (٧) والأكثرون القائلون بأنها من الفاتحة أن المراد يفتتحون القراءة بسورة الحمد لا بسورة غيرها، وقد قامت (٨) أدلة على أن البسملة منها، والخلاف في ذلك طويل مشهور صنف فيه أبو شامة (٩) المقدسي مجلد ضخم، وقبله

стр. 2502

سليم الرازي والخطيب، وابن عبد البر من المالكية (رب العالمين) مما يقوي أن المراد به السورة لئلا يتوهم أن المراد بالحديث الابتداء بمجرد الحمد كما في قوله ﵇: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد (١) الله فهو أجذم" (٢). [٧٨٣] (ثنا مسدد) قال: (ثنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان التميمي مولاهم (عن حسين المعلم، عن بديل (٣) بن ميسرة، عن أبي الجوزاء) أوس (٤) بن عبد الله (عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير) وهو: الله أكبر ونحوه على ما بُيِّن في الفقه، وفيه رد على من يقول: يدخل في الصلاة بغير لفظ التكبير من أنواع التعظيم؛ كما يقوله أبو حنيفة (٥)، نحو: الله أجل. الله أعظم. ويدل للجمهور: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٦) ولأن [فعله بيان لمجمل] (٧) واجب فكان واجبًا، وهو (٨) قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٩) إذا قيل بأنها مجملة، والحكمة في افتتاح الصلاة بالله أكبر

стр. 2503

تنبيه (١) المصلي على معنى هذِه الكلمة التي (٢) معناها أنه الموصوف بالعظمة والجلال وعظمة الشأن، وأن كل شيء دون جلاله حقير، فإذا تذكر الآدمي هذِه الكلمة استحقر أن يذكر معه غيره (٣) أو يحدث نفسه بسوى ما أمره به مما يقربه إليه. ويفتتح (القراءة) [بالنصب ويجوز الجر بتقديره: بالتكبير والقراءة] (٤) (بالحمد لله رب العالمين) تقديره عند (٥) الشافعي (٦): يفتتح الصلاة بسورة الحمد التي أولها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وأجاب بعض المخالفين عن هذا التأويل بأن لفظ الحديث إن أجري مجرى الحكاية اقتضى البدأة به بعينه، ولا يكون قبله دعاء الافتتاح ولا غيره؛ لأن الغير يكون حينئذ هو المفتتح به، وإن جعل اسمًا [للفاتحة، فالفاتحة] (٧) لا تسمى بمجموع الحمد لله رب العالمين بل سورة الحمد، وقوله: لا يسمى بهذا المجموع. غلط، فقد روى المصنف عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الحمد لله رب العالمين أم القرآن والسبع المثاني" (٨) وأجاب بعض المخالفين أيضًا عن تقدير الشافعي إنما كان

стр. 2504

يحتمل لو كانت الرواية [بخفض الدال] (١)، وأما على الضم على الحكاية حكاية لفظه ﷺ ، فكأنها قالت: كان يبتدئ الصلاة. بهذا اللفظ. فائدة تتعلق بإثبات البسملة في الفاتحة روى الروياني في "البحر" (٢) عن أبي سهل الأبيوردي أن خطيبًا ببخاري من العلماء الزهاد رأى خبرًا عن رسول الله ﷺ ، أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ألف مرة رفع الله عنه وجع الضرس والسن فوجع سنه فقرأها ألفًا، فلم يزل الوجع بل زاد، فرأى رسول الله ﷺ في المنام فسأله عن وجع السن، وعما فعل وأنه لم يسكن وجعه، فقال ﵇: إنك قرأتها بلا تسمية فاقرأها بالتسمية. فانتبه فقرأها فزال وجع سنه ولم يعد، قال هذا الخطيب: فاعتقدت مذهب الشافعي في هذِه المسألة، فلا أُصَلِّ إلا بها (٣). ولعل المراد بهذِه القراءة أن تكون في ليلة واحدة، وإن كانت الصلاة فهو أبلغ، قيل لبعض العارفين: بماذا ارتفع مذهب الشافعي وغلب ذكره، فقال: بإظهار بسم الله في البسملة لكل صلاة، وكذا بوجوب الصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة. (وكان إذا ركع لم يشخص) بضم أوله وكسر ثالثه، لم يرفع، ومنه الشخص لارتفاع قامته، وأشخص بصره رفعه، والهمزة فيه للتعدية (٤)،

стр. 2505

والأصل شخص (رأسه) لازمًا (ولم يصوبه) أي: ولم ينكسه، ومنه الصيب (١) من المطر، والمراد بنفي (٢) التشخيص والتصويب أن يكون معتدل العنق والساق مع الظهر، وهو معنى قوله (٣) (ولكن بين ذلك) [وفيه إشارة إلى أن المسنون في الركوع استواء الظهر والعنق] (٤). وفي "مجمع الغرائب" لعبد الغافر الفارسي: [يصبي رأسه] (٥) بفتح الصاد وكسر الباء المشددة وزيادة ياء بعدها، يقال: صبا رأسه يصبي إذا خفضه جدًّا، وقوله: (بين ذلك) فيه إضافة بين إلى اسم الإشارة مع كونها لا تضاف إلا لمتعدد؛ لأن ذلك متضمنة متعدد كما قال تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٦) (وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد) بالتحتانية، أي: لم يشرع ﷺ في السجود حتى يستوي ظهره. (حتى يستوي قائمًا) فيه دليل على أن الرفع من الركوع والاعتدال فيه بأن يستوي قائمًا، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: يجب، وثانيها: يستحب، وثالثها: يجب إلى ما هو إلى للاعتدال أقرب، ويستحب ما زاد عليه. (وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي جالسًا) (٧) فيه

стр. 2506

دليل على الرفع من السجود، والاستواء في الجلوس بين السجدتين، أما الرفع فلا بد منه لعدم (١) تصور عدد السجدتين بدونه، واستحب بعض المالكية (٢) كشف الكفين (٣). (وكان يقول في كل ركعتين التحيات) [بالرفع على الحكاية] (٤) أطلقت على التشهد كله من باب إطلاق الجزء على الكل، وسيأتي شرح معناها. (وكان إذا جلس يفرش) بضم الراء وكسرها والضم أشهر، وعد ابن مكي (٥) الكسر من لحن العوام (٦)، وليس كذلك. (رجله اليسرى) أي: تحته (وينصب رجله اليمنى) أي ينصب قدمه اليمنى بحيث يضع أصابع رجله اليمنى على الأرض ويرفع عقبها، واستدل به أصحاب أبي حنيفة (٧) على الافتراش في جميع الجلسات، وفيه دليل على فضيلة نقل (٨) أفعاله وأقواله وأحواله كما فعلته عائشة، واستدل الشافعي (٩) برواية البخاري: فإذا جلس في الركعتين جلس

стр. 2507

على رجله (١) اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في (٢) الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته (٣). وحمل هذا (٤) الحديث على الجلسة التي قبل الأخير، جمعًا بينه وبين حديث أبي حميد (وكان ينهى عن عقب) بفتح العين وكسر القاف، وحكي ضم العين مع فتح القاف، جمع عقبة بسكون القاف، وبالإفراد رواية الصحيح (٥) (الشيطان) وتسمى هذِه الهيئة الإقعاء، وتفسيره أن يفرش قدميه، ويجلس بأليتيه على عقبيه كما يجلس الرجل عند الإهواء، أما الإقعاء الذي هو سنة كما في "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس (٦)، فهو أن ينصب أصابع قدميه ويجلس بوركه على عقبه. (و) ينهى (عن فرشة) بفتح الفاء وإسكان الراء، مصدر فرش يفرش، كقتل، وفي لغة كضرب (السبع) رواية الصَّحيحين: "أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع" (٧). وهو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، ويفضي [بمرفقيه وكفيه] (٨) إلى الأرض والسنة أن يرفع

стр. 2508

مرفقيه ويكون الموضوع على الأرض كفيه، وإنما نهى عن ذلك لأنها صفة المتكاسل المتهاون بأمر الصلاة مع ما فيه من التشبه بالسباع والكلاب، كما نهى عن التشبه بهما في الإقعاء، وفيه دليل على مخالفة الحيوان كالكلب والسبع والغراب، وبروك الجمل، وغير ذلك خصوصًا في الصلاة، ولا شك أن الله تعالى جبل الحيوان على أحوال محمودة ومذمومة فبين الشرع ما كان محمودًا ومذمومًا للاكتساب والاجتناب، فمن الأفعال المحمودة عشرة في الكلاب وقد صنف بعض العلماء كتابًا سماه "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب" (١). (وكان يختم الصلاة) أي: يتحلل منها (بالتسليم) (٢) كما في الحديث الآخر: "وتحليلها التسليم" (٣). والتسليم هو: السلام عليكم. أو: سلام عليكم (٤) وفيه دليل على أن السلام ركن من أركان الصلاة، وليس ذلك بالقوي الظهور، وادعى (٥) الرافعي الاتفاق على ركنيته وليس كما ادعى،

стр. 2509

فقد حكى القاضي مجلي (١) وجهًا أنه شرط، ولو قال المصلي: سِلْمٌ عليكم. بكسر السين وسكون اللام، قال ابن الملقن (٢): لم أره منقولًا، ولكن ظاهر كلامهم المنع لكنها لغة في السلام حكاها الخطابي (٣). واعلم أن هذا الحديث أورده في "العمدة" (٤) عن الصحيحين (٥). قال ابن دقيق العيد: وهو سهو منه (٦)، فإنه مما انفرد به مسلم عن البخاري (٧). [٧٨٤] (ثنا هناد بن السري) قال: (ثنا) محمد (بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم الكوفي. (عن المختار بن فلفل، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : أنزلت) زاد مسلم (٨) قبله: فقال: عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا فقلنا: ما

стр. 2510

أضحكك يا رسول الله؟ قال: "أنزلت" (عليَّ آنفًا) (١) بالمد والقصر لغتان أي: قريبًا (سورة) عظيمة (فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ حتى ختمها) استدل به على أن البسملة في أوائل السور من القرآن، وهو مقصود مسلم بإدخال هذا الحديث في كتاب الصلاة، وبوب عليه: باب حجة من قال: البسملة آية من [أول] (٢) كل سورة سوى برآءة. ولهذا ذكره المصنف في هذا الباب ثم (قال: هل تدرون ما الكوثر؟ ) فيه فضيلة التعليم لمن هو محتاج إليه وإن لم يسأل عنه. (قالوا: الله ورسوله أعلم) فيه: حسن الأدب في مخاطبة أهل العلم والصلاح (قال: فإنه نهر) بفتح الهاء، وحكي بإسكان الهاء، هو الماء الجاري المتسع. (وعدنيه ربي في الجنة) زاد مسلم: "عليه خير كثير" وجاء في هذا الحديث تفسير الكوثر بأنه نهر في الجنة. وروى البخاري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قلت لسعيد: فإن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (٣). وفيه دليل على إثبات الحوض، وأن الإيمان به واجب على كل مؤمن (٤) مكلف.

стр. 2511

[٧٨٥] (ثنا قطن) بفتح القاف والطاء (ابن نسير) بضم النون وفتح السين المهملة، مصغر، الغبري، بضم الغين وفتح الباء الموحدة، شيخ مسلم. قال: (ثنا جعفر) بن سليمان الضبعي، نزل في بني ضبعة (١) فنسب إليهم، أخرج له البخاري في "الأدب" وبقية الجماعة، قال: (ثنا حميد الأعرج المكي، عن) محمد (بن شهاب، عن عروة، عن عائشة) ﵂. [(وذكر) حديث (الإفك) والإفك الكذب يقال: أفك كضرب فهو أفاك، وكل امرء صرف عن وجهه فقد أفك] (٢) (قالت) عائشة (جلس رسول الله ﷺ ) على المنبر، ثم قام (وكشف عن وجهه) الكريم للناس (وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) فيه استحباب التعوذ بهذا اللفظ، وروى الترمذي، عن عائشة: "لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر فذكر ذلك، وتلا القرآن" (٣). وفيه: الجهر بالتعوذ قبل القراءة خارج الصلاة، وقد تقدم أنه موافق لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (٤) ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ فيه دليل لمن يقول: أن الأفضل لمن ابتدأ القراءة بجزء من أثناء السورة أن يترك البسملة؛ لأنه لم يرد في ذلك ما ورد في أول السور (٥) من نزول جبريل بالبسملة وأمره ﷺ بالإتيان بها،

стр. 2512

قال أبو عبد (١) الله القابسي شارح "الشاطبية": كان شيخنا أبو العباس أحمد بن موسى الفروخاني يأخذ علينا في الأجزاء (٢) المذكورة بترك البسملة ويأمرنا بها في مثل: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٣) لما فيها بعد الاستعاذة من قبح اللفظ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ (٤)، وأجاز (٥) بعضهم الإتيان (٦) بالبسملة. قال أبو القاسم المسيبي: كنا إذا افتتحنا الآية على مشايخنا من بعض السورة نبدأ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وروى نحوه عن حمزة (٧). قال عاصم ابن (٨) يزيد الأصبهاني: سئل حمزة عن أصحاب محمد ﷺ . فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (٩) وروي عن ابن عباس أنه كان يفتتح القراءة ببسم الله [الرحمن الرحيم] (١٠) وهو عام في أوائل السور وأبعاضها. ﴿بِالْإِفْكِ﴾ وهم عبد الله بن أُبي ومن تبعه، والإفك أعظم ما يكون من الكذب، وسمي إفكًا لعظمه؛ لأن عائشة زوجة المعصوم ومحصنة،

стр. 2513

وبنت أبي بكر، والإجماع على أن المراد بهذِه الآية ما كذب به على عائشة، ولم يشك النبي ﷺ في أمرها، وضيق صدره إنما هو من قول الكفار والمنافقين، وهذا الكلام إنما صدر من المنافقين، وهم أعداء، وكلام الأعداء لا يقبل. (﴿عُصْبَةٌ﴾) وهم الجماعة من العشرة إلى الأربعين. (﴿مِنْكُمْ﴾) أي: من المؤمنين الذين يظهرون الإيمان، وأنه لا يكفر أحد بذنب (١) سوى الشرك (الآية) وتبويب المصنف على هذا الحديث يشعر أنه بسمل سرًّا ولم يجهر به فلم يسمعه الحاضرون، ولو سمعوا (٢) لنقلوه ووصل إلينا. (قال أبو داود: هذا حديث منكر) ثم ذكر وجه الإنكار وهو أنه (قد روي هذا الحديث عن) محمد بن شهاب (الزهري) (٣) - أحد رواته - جماعة و (لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح) بذكر الاستعاذة (وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة) منه هكذا الرواية، أي: مدرج (من كلام حميد) الأعرج، لكن إذا احتمل واحتمل فالأصل (٤) أن لا مدرج حتى يثبت، والله أعلم. * * *

стр. 2514

١٢٧ - باب مَنْ جهَرَ بِها ٧٨٦ - أَخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ يَزِيدَ الفارِسِيِّ قال: سَمِعْتُ ابن عَبّاسٍ قال: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما حَمَلَكمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى بَراءَةَ وَهِيَ مِنَ الِمئِينَ وَإلَى الأَنْفالِ وَهِيَ مِنَ المثانِي فَجَعَلْتُمُوهُما فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ قال عُثْمانُ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ مِمّا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآياتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كانَ يَكْتُبُ لَهُ وَيَقُولُ لَهُ: "ضَعْ هذِه الآيَةَ فِي السُّورَةِ التِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وَكَذا". وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والآيَتانِ فَيَقولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَكانَتِ الأَنْفال مِنْ أَوَّلِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِالمدِينَةِ وَكانَتْ بَراءَةُ مِنْ آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ وَكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَظَنَنْتُ أَنَّها مِنْها فَمِنْ هُناكَ وَضَعْتُهُما فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١). ٧٨٧ - حَدَّثَنا زِيادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنا مَرْوانُ -يَعْنِي: ابن مُعاوِيَةَ- أَخْبَرَنا عَوْفٌ الأَعْرابِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الفارِسِيِّ، حَدَّثَنا ابن عَبّاسٍ بِمَعْناهُ قال فِيهِ: فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنا أَنَّها مِنْها (٢). قال أَبُو داوُدَ: قال الشَّعْبِيُّ وَأَبُو مالِكٍ وَقَتادَةُ وَثابِتُ بْنُ عُمارَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ النَّمْلِ هذا مَعْناهُ. ٧٨٨ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ وابْنُ السَّرْحِ قالوا: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -قال قُتَيْبَةُ فِيهِ- عَنِ ابن عَبّاسٍ قال: كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى تُنَزَّلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.

стр. 2515

وهذا لَفْظُ ابن السَّرْحِ (١) * * * باب من جهر بها هذا في بعض النسخ. [٧٨٦] (أخبرنا عمرو بن عون) قال: (أنا هشيم) ابن بشير الواسطي (عن عوف) (٢) بن أبي جميلة، بندويه، ويقال: رزينة، يعرف بالأعرابي، وليس بأعرابي الأصل (عن يزيد) البصري (الفارسي) كتب مصحفًا لعبيد الله بن زياد، وروى له الترمذي والنسائي. (قال: سمعت ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم) على (أن عمدتم) بفتح الميم، كضرب أي: قصدتم وتعمدتم. (إلى) سورة (براءة) لها عشرة أسماء براءة والتوبة، والمقشقشة؛ لأنها تقشقش من النفاق (٣)، أي: [تتبرأ منه] (٤)، والمبعثرة؛ لأنها تبعثر عن أحوال المنافقين وتبحث عنها، والفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، وسورة العذاب، والمخزية؛ لأن فيها خزي المنافقين (٥).

стр. 2516

(وهي من المئين) والمراد والله أعلم بالمئين (١) ما زادت عدد آياته على المائة، فجعلوا الزائد على المائة الذي هو بعضها منزل منزلة المائة بكمالها؛ لأن الشيء يذكر بلفظ الكل، ويراد به بعضه، كما قال النبي ﷺ : "أيام منى أيام أكل وشرب" (٢) وإنما هي يومان وبعض (٣) الثالث، ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٤) وإنما هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وتقول: جئتك العام ورأيتك اليوم، وإنما رآه في بعضه، وجعل [الاثنين جمع] (٥) على ما ذهب إليه مالك والأستاذ والغزالي محتجين بأن الجمع مشتق من اجتماع الشيء بالشيء، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة لا يطلق على الاثنين جمع إلا (٦) مجازًا. [قال الشيخ برهان الدين المقرئ الجعبري: سميت المئين لمقاربتها المائة وهي إحدى عشرة سورة: يونس، وهود، ويوسف، والنحل، وسبحان، والكهف، وطه، والأنبياء، والمؤمنون، والشعراء، والصافات. وقيل: من سبحان إلى المؤمنين] (٧). (و) عمدت (إلى الأنفال، وهي من المثاني) قيل: هي السور التي

стр. 2517

تقصر (١) عن المئين وتزيد على المفصل، قال ابن الأثير: كأن المئين جعلت مبادي يعني: بعد الطول، والتي تليها مثاني (٢). وهذا يرجح أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٣) أن المثاني هي السور التي هي (٤) دون الطول، وفوق المفصل، وهي المئين، وحجة هذا القول ما أخرجه البغوي بإسناد الثعلبي، عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أعطاني السبع الطول مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل" (٥). قال برهان الدين (٦) الجعبري: سميت المثاني لقصورها عن المئين وهي عشرون سورة: الرعد، وإبراهيم، والحجر، ومريم، والحج، والنور، والفرقان، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس، وص، والزمر، ومحمد ﷺ (فجعلتموهما) أي: قرنتم (٧) بينهما وجعلتموهما سورة واحدة (في السبع الطول) بضم الطاء وفتح الواو، جمع طولى، ككبرى وكبر،

стр. 2518

وفضلى وفضل. (ولم تكتبوا بينهما سطرًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فيه دليل على أن البسملة إذا كتبت بين سورتين [تكتب سطرًا واحدًا بمفردها بينهما، يفصل بين السورتين] (١) ليعلم الناظر انتهاء الأولى وابتداء الثانية، وعلى هذا فالأولى أن تستعمل في المكاتبات وغيرها سطرًا بمفردها، بل إفرادها في المكاتبات أولى فلا يخلط بها بعدها غيرها تفضيلًا لها على ما يأتي بعدها من كلام الآدميين. (قال عثمان: كان النبي ﷺ مما ينزل عليه) يحتمل أن يكون في هذا شاهد لما قاله ابن خروف والسيرافي وابن طاهر والأعلم: أن (من) تأتي بمعنى رُبَّ إذا اتصلت بـ (ما) كقوله: وإنا (٢) لمَّا نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان من الفم (٣) والتقدير على هذا ربما (٤) ينزل عليه، وكذا تحتمله رواية الترمذي: كان رسول الله ﷺ مما يأتي الزمان وهو ينزل عليه السور (٥) ذوات العدد (٦) (الآيات) من السورة (فيدعو بعض من كان يكتب له) قد يستدل به على أن النبي ﷺ كان لا يحسن الكتابة.

стр. 2519

(ويقول ضع هذِه الآية في السورة) (١) فيه دليل على أن ترتيب الآيات في السور (٢) على ما هو عليه في مصحفنا توقيف (٣) من النبي ﷺ . قال القرطبي (٤): وقراءة القرآن منكوسًا فيبتدئ من آخر السورة إلى أولها حرام محظور؛ لأن فيه إفساد لنظم السورة، ومخالفة لما قصد منها. (التي يذكر فيها كذا وكذا) قد يستدل به لما قاله بعض السلف كما حكاه النووي، وهو أنه يكره أن يقول: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة العنكبوت، وكذلك البواقي بل يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، [والسورة التي يذكر فيها آل عمران] (٥) والسورة التي يذكر فيها النساء كما في هذا الحديث. قال النووي: والصواب أن ذلك جائز لا كراهة فيه، وهو قول جماهير المسلمين من سلف الأمة وخلفها (٦). والأحاديث فيه أكثر من أن تحصر لقوله ﷺ : "من قرأ الآيتان من آخر سورة البقرة كفتاه" (٧) وعلى هذا فأقل مراتب هذا الحديث أن يحمله على أنه خلاف الأولى، وأن الأولى أن يقول: السورة التي يذكر فيها كذا، بل يقال

стр. 2520

بالكراهة، فإنها أدنى مراتب الحديث، ويكون فيه (١) جمع بين الأحاديث؛ فإن هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن، وابن حبان، وأحمد، ويدل عليه أيضًا قوله (وتنزل عليه الآية والآيتان، فيقول مثل ذلك) أي: ضعوها في مكان كذا، وروي عن ابن عباس: آخر ما نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) فقال جبريل: يا محمد ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة. (وكانت الأنفال (٣) من أول ما أنزل عليه بالمدينة) فيه التصريح بأنها نزلت بالمدينة يعني إلا سبع آيات فإنها نزلت بمكة، وهي من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) هذا هو الأصح، وإن كانت (٥) الواقعة مكية. وفي الصَّحيحين من رواية سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة (٦) الأنفال؟ قال: نزلت في بدر (٧). (وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن) ونزلت جملة واحدة كما روى الثعلبي بإسناد واهٍ، عن عائشة: "ما نزل عليّ القرآن إلا آية آية،

стр. 2521

ما خلا سورة براءة، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾؛ فإنهما نزلتا عليّ ومعهما سبعون ألف ملك من الملائكة" (١). والإجماع منعقد على أن براءة أيضًا نزلت بالمدينة سوى آيتين. (وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها) زاد إسحاق بن راهويه في "مسنده": فلذلك قرنت بينهما. وهذا الحديث رواه أصحاب السنن، وابن حبان، وأحمد، وإسحاق، وأبو يعلى، والبزار من طريق يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وذكروا الحديث سوى قوله: تدعى القرينتين. فلم يذكرها إلا إسحاق (٢). (فمن هناك وضعتها (٣) في السبع الطول) قال الزجاج: والشبه (٤) الذي بين السورتين أن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نقضها (٥)، وكان قتادة يقول: هما سورة واحدة (٦)، وقيل: إن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة براءة هل هما سورة واحدة أم سورتان؟ فقال بعضهم: سورة واحدة؛ لأنهما نزلتا في القتال، ومجموعهما معًا مائتان وخمس آيات، فكانت هي السابعة (٧) من السبع الطول، وقال

стр. 2522

بعضهم: هما سورتان، فلما حصل هذا الاختلاف من الصحابة تركوا بينهما فرجة تنبيهًا (١) على قول من يقول هما (٢) سورتان، ولم يكتبوا بينهما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تنبيهًا (٣) على قول من يقول: هما سورة واحدة. (ولم أكتب بينهما سطرًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فيه دلالة على أنهم كانوا يكتبون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بين غير هاتين السورتين سطرًا، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أحسن ما يحتج به أصحابنا أن البسملة من القرآن في فواتح السور كتابتها في المصاحف في غير براءة، فكيف يتوهم عليهم أنهم كتبوا مائة وثلاثة عشر آية ليست من القرآن (٤). وقال الغزالي: أظهر الأدلة كونها مكتوبة بخط القرآن، ونحن نقنع في هذِه المسألة (٥) بالظن ولاشك أنه حاصل قالوا: أثبتت (٦) للفصل بين السور؟ قلنا: كان الفصل ممكن بدون هذِه الزيادة في كتابة القرآن، وهو ما فصل به بين الأنفال وبراءة، لم (٧) ينتقض بكتابتها في أول الفاتحة (٨).

стр. 2523

[٧٨٧] (ثنا زياد بن أيوب) قال: (ثنا مروان بن معاوية) بن الحارث الفزاري الكوفي. قال أبو داود عن أحمد: ما كان أحفظه، كان يحفظ حديثه، قال: (أنا عوف) بن أبي جميلة (الأعرابي، عن يزيد الفارسي) قال: (حدثني ابن عباس بمعناه) و (قال فيه: فقبض (١) رسول الله ﷺ ولم يبين أنها منها) ولا بكتابتها في أولها، وقد كان رسول الله ﷺ يأمر في كل سورة بكتابة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيها، فضمت إلى الأنفال لشبهها بها (٢)، قاله أبي بن كعب. (قال الشعبي) واسمه عامر (وأبو مالك) سعد بن طارق الأشجعي (وقتادة وثابت بن عمارة) بضم العين الحنفي البصري، وثقه ابن معين وغيره وكذلك روى الأعمش. (إن رسول الله ﷺ ) كان يكتب باسمك اللهم حتى أُمِرَ أن يكتب بسم الله فكتبها فلما نزلت ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٣) كتب بسم الله الرحمن. و(لم يكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قد يستدل به أن النبي ﷺ كان يكتب؛ لأن مفهومه كان يكتب غيرها، وقد يجاب عنه بأن التقدير لم يأمر كاتبه أن يكتبها في شيء من كتبه (حتى نزلت سورة النمل) فكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (هذا معناه).

стр. 2524

فائدة: روى القرطبي، عن ابن مسعود: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يجعل الله بكل حرف منها جُنَّة من كل واحد، فالبسملة تسعة عشر حرفًا على عدد الزبانية، قال الله فيهم: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ (١)، وهم يقولون في كل أفعالهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فمن هنالك قوتهم (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن أحمد بن حنبل، أنه قال: من لم يقرأ في كل سورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فقد ترك مائة وثلاثة عشر آية من كتاب الله تعالى (٣). قال الشهرزوري في "المصباح": إنما لم يقل: [أربعة عشر] (٤)؛ لأن براءة لا بسملة فيها (٥). [٧٨٨] (ثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن محمد المروزي، و) أحمد بن عمرو (بن السرح) المصري (قالوا: ثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بن دينار (عن سعيد بن جبير (٦)، قال قتيبة) بن سعيد (عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة) أي: انقضائها تدل عليه رواية ابن حبان: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: إن المؤمنين كانوا في

стр. 2525

عهد رسول الله ﷺ لا يعلمون انقضاء السورة (١) (حتى تنزل (٢) عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) زاد ابن حبان: فإذا نزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ علموا أن السورة قد انقضت، ونزلت سورة أخرى. وأخرج الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" ثلاثة أحاديث كلها عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. الأول: أن النبي ﷺ كان إذا جاءه جبريل فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ علم أنها سورة (٣). الثاني: كان النبي ﷺ لا يعلم ختم السورة حتى تنزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٤). الثالث: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فإذا نزلت علم أن السورة قد انقضت (٥). * * *
следующие страницы →