← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

والزمان ولم يزل موجودًا ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، ولو كان قابلًا للمكان مختصًّا به فيحتاج إلى مخصص، ولكان فيه إما متحركًا أو ساكنًا، وهما أمران حادثان، وما يتصف بالحوادث (١) حادث ولما صدق قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ (٢)، وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي ﷺ إنما أطلقه على الله تعالى بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام (٣) المخاطبة القاصرة الفهم الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم فأراد النبي ﷺ أن يتعرف منها (٤) هل هي ممن يعتقد أن معبودها في بيت الأصنام أم لا؟ فقال لها: "أين الله؟ ". (قَالتْ: فِي السَّمَاءِ) فقنع منها بذلك وحكم بإيمانها إذ لم يتمكن من فهم غير ذلك منها وحملها على قولها في السماء أنها (٥) رأت المسلمين يرفعون أبصارهم وأيديهم إلى السماء عند الدعاء فقنع منها بذلك؛ إذ لو قيل لها في تلك الحالة: الله تعالى يستحيل عليه المكان والزمان لخيف عليها أن تعتقد النفي المحض والتعطيل؛ إذ ليس لها عقل يقبل هذا، بل إنما يعقل (٦) هذا العالمون الذين شرح الله صدورهم لهدايته، ثم (قَال) لها (مَنْ أَنَا؟ قَالتْ: أَنْتَ رَسُولُ الله) فيه دليل على أن الكافر لا يصير مؤمنًا إلا بالإقرار بالله تعالى وبرسالة رسول الله ﷺ ، وفيه أن من أقر بالشهادتين

стр. 2872

واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه، ولا يكلف مع هذا إقامة الدليل والبرهان على ذلك، ولا يلزمه معرفة الدليل، وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور. (قَال: أَعْتِقْهَا) بقطع الهمزة المفتوحة (فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) فيه دليل على أن عتق المؤمن أفضل من الكافر، ولا خلاف في جواز عتق الكافر في التطوع، وأنه لا يجزئ في كفارة القتل، نص"الله تعالى على المؤمنة، واختلف في كفارة اليمين والظهار وتعمد الوطء في رمضان فمالك والشافعي وعامتهم لا يجيزون إلا مؤمنة حملًا لمطلق هذِه الكفارات على مقيد كفارة القتل، وذهب الكوفيون إلى (١) أن ذلك ليس شرطًا [وهذا متوسط] (٢) في كتب الأصول. [٩٣١] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائِيُّ) بفتح النون والسين المهملة وثقه المصنف وتفرد بالرواية عنه (٣) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) القيسي (٤)، وهو أبو عامر العقدي البصري الحافظ، قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بالتصغير ابن سليمان (٥) العدوي (٦). (عَنْ هِلَالِ بن) أبي ميمونة (عَلِيٍّ) تقدم (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ

стр. 2873

مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ) الصحابي له أحاديث وأصل حديثه واحد وفرق فجعل أحاديث. (قَال: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ عُلِّمْتُ) بكسر اللام المشددة مبني للمفعول (أُمُورًا مِنْ أُمُورِ الإِسْلَامِ) فيه تعليم من أسلم شرائع الدين وأحكامه وإن لم يسأل عنها (فَكَانَ فِيمَا عُلِّمْتُ) بضم أوله مبني للمفعول أيضًا (أَنْ قيلَ (١) لِي: إِذَا عَطَسْتَ) بفتح الطاء (فَاحْمَدِ اللَّه) تعالى، يعني: على دفع الأذى عنك بالعطاس، وهذا الحمد في غير الصلاة جهرًا وفي الصلاة سرًّا. (وَإذَا عَطَسَ العَاطِسُ فَحَمِدَ اللَّه) تعالى (فَقُلْ) هذِه الفاء للتعقيب، ودخولها على الأمر بالتشميت (٢) يقتضي الفورية لكن قال ابن دقيق العيد: ينبغي إذا عطس العاطس أن يتأنى عليه حتى يسكن ما به (٣) ثم يشمته (٤) يعني: إذا حمد الله تعالى ولا تعاجلوه بالتشميت (يَرْحَمُكَ اللُّه) تعالى يعني بكاف الخطاب كما في هذا الحديث وما يفعله هؤلاء المتأخرون إذا شمتوا من يعظمونه قالوا: يرحم الله تعالى سيدنا أو مولانا أو نحو ذلك من غير خطاب مخالف لما دل عليه هذا الأمر قال ابن دقيق العيد: وبلغني عن بعض رؤساء أهل هذا (٥) العلم في

стр. 2874

زماننا أنه خوطب بهذا الذي جرت عادتهم به فقال: قل يرحمك الله يا سيدنا أو كما قال، وكأنه قصد الجمع (١) بين لفظ الحديث وبين ما اعتادوه (٢) من التعظيم، وذكر بعض أكابر الفقهاء (٣) فيما إذا علم من رجل أنه يكره التشميت فإنه لم يشمت وقال: لا إجلالا له بل (٤) إجلالًا للتشميت أن يؤهل له من يكرهه قال الله تعالى حكاية عن نوح: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (٥). فإن قيل: إذا كان التشميت سنة فكيف تترك السنة بكراهة من كرهها؟ قيل: هي سنة لمن أحبها لا لمن كرهها كمن (٦) كره أن يسلم عليه عند اللقاء لم يسلم عليه كما أن المريض إذا كره أن يعاد لم يعد (٧). (فَبَينَمَا أَنَا (٨) قَائِمٌ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي الصَّلَاةِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ فَحَمِدَ) بكسر الميم (اللَّه) تعالى (فَقُلْتُ له: يَرْحَمُكَ اللُّه) تعالى (رَافِعًا) منصوب على الحال من فاعل يرحمك أو فاعل فقلت (بِهَا) أي بكلمة يرحمك الله (٩).

стр. 2875

(صَوْتِي، فَرَمَانِي النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ) فيه ما (١) تقدم، ورواية ابن حبان: فحذفني الناس بأبصارهم (حَتَّى احْتَمَلَنِي ذَلِكَ) يجوز أن يكون احتملني من ورود افتعل بمعنى فعل كاقتدر بمعنى قدر، والمراد حملني ذلك على الكلام ثانيًا بالإنكار عليهم. (فَقُلْتُ مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِأَعْيُنٍ) [بالتنوين (شُزْرٍ) وتقدم] (٢) التنوين في أعين للإضافة أي نظر الغضبان بمؤخر العين من (٣) اليمين والشمال كنظر المبغض (قَال فَسَبَّحُوا) أي: قالوا: سبحان الله! فيه أنه يستحب لمن نابه (٤) شيء في (٥) صلاته أن يسبح إن كان رجلًا قال أصحابنا: ويستحب لمن سبح أن يقصد الذكر والإعلام (٦). (فَلَمَّا قَضَى النبي ﷺ الصَّلَاةَ قال: مَنِ المُتَكَلِّمُ؟ ) آنفًا (قِيلَ: هذا الأعرَابِيُّ) فيه أن من علم بمنكر ولم يعلم فاعله أن يسأل عنه] (٧) لينهاه، أو علم بمن جهل حكمًا شرعيًّا ولم يعلم عينه أن يسأل [عنه ليعلمه، أو كان مع جماعة وسمع أحدهم يغتاب (٨) أو ينقل نميمة ولم

стр. 2876

يعلمه لظلمة أو غيرها أن يسأل] (١) عنه وينهاه، ولا يسقط عنه النهي لعدم معرفة عينه (٢) إلا إذا لم يتمكن معرفته (٣). (فَدَعَانِي رَسُولُ الله ﷺ ) فيه دعاء المتعلم وطلبه ليأتي إليه ولا يمشي العالم إلى المتعلم، وهذا من إكرام العلم وتعظيمه فهو كما يقال: العلم يسعى إليه، وكقصة (٤) هارون الرشيد لما طلب مالك بن أنس ليسمع أولاده الحديث فامتنع لذلك [كما قيل] (٥). (فَقَال: إِنَّمَا الصَّلَاةُ) أي إنما وضعت الصلوات (لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ) والتسبيح والتهليل والتكبير (وَذِكْرِ الله تعالى) كما تقدم (فَإِذَا كنْتَ فِيهَا فَلْيَكُنْ ذَلِكَ) المذكور (شَأْنَكَ) فيها دون غيره من كلام الآدميين، قال: (فَمَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَطُّ أَرْفَقَ) بالنصب (مِنْ رَسولِ الله ﷺ ) بالمتعلمين. * * *

стр. 2877

١٧٤ - باب التَّأْمِينِ وراءَ الإِمامِ ١٣٢ - حَدَّثَنا محَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ حُجْرٍ أَبي العَنْبَسِ الحضْرَمِيِّ، عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ قال: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَرَأَ (وَلا الضَّالِّينَ) قال: "آمِينَ". وَرَفَعَ بِها صَوْتَهُ (١). ٩٣٣ - حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ خالِدٍ الشَّعِيرِيُّ، حَدَّثَنا ابن نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عَلِيُّ بْن صالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ حُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ، عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَهَرَ بِآمِينَ وَسَلَّمَ، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمالِهِ حَتَّى رَأَيْت بَياضَ خَدِّهِ (٢). ٩٣٤ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْن عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا صَفْوانُ بْنُ عِيسَى عَنْ بِشْرِ بْنِ رافِعٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ ابن عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذا تَلَا (غَيْرِ المغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) قال: "آمِينَ". حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأَوَّلِ (٣). ٩٣٥ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صالِحٍ السَّمّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إِذا قَال الإِمامُ (غَيرِ المَغْضُوب عَلَيهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) فَقُولُوا: آمِينَ. فَإِنَّهُ مَنْ وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ

стр. 2878

مِنْ ذَنْبِهِ" (١). ٩٣٦ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُما أَخْبَراهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إِذا أَمَّنَ الإِمامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". قال ابن شِهاب وَكانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُول: "آمِينَ" (٢). ٩٣٧ - حَدَّثَنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ راهَوَيْهِ، أَخْبَرَنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ عاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمانَ، عَنْ بِلالٍ أَنَّهُ قال: يا رَسُولَ اللهِ لا تَسْبِقْنِي: "بِآمِينَ" (٣). ٩٣٨ - حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ الدِّمَشْقِيُّ وَمَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ قالا: حَدَّثَنَا الفِرْيابيُّ، عَنْ صُبَيْحِ بْنِ مُحْرِزٍ الِحمْصِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو مُصْبِحٍ المقْرائِيُّ قال: كنّا نَجْلِسُ إِلَى أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ -وَكانَ مِنَ الصَّحابَةِ- فَيَتَحَدَّثُ أَحْسَنَ الحَدِيثِ فَإِذا دَعا الرَّجُلُ مِنَّا بِدُعاءٍ قال اخْتِمْهُ بِآمِينَ فَإِنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ. قال أَبُو زُهَيْرٍ أُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فَأَتَيْنا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلحَّ فِي المسْأَلةِ فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يسْتَمِعُ مِنْهُ فَقال النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ". فَقال رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَختِمُ قال: "بِآمِينَ فَإِنَّهُ إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أوْجَبَ". فانْصَرَفَ الرَّجُلُ الذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فأَتَى الرَّجُلَ فَقال اخْتِمْ يا فُلَان بِآمِيْنَ وَأَبْشِرْ. وهذا لَفْظُ مَحْمُودٍ. قال أَبُو دَاوُدَ: المقْراء قَبِيلٌ مِنْ حِمْيَرَ (٤).

стр. 2879

باب التَّأْمِينِ وَرَاءَ الإِمَامِ [٩٣٢] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبدي قال: (أنبأنا سُفْيَانُ) بن سعيد الثوري (عَنْ سَلَمَةَ) بن كهيل الحضرمي (عَنْ حُجْرٍ) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم المشهور بكنيته. (أَبِي العَنْبَسِ) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة ثم سين مهملة، وهو ابن عنبس. (الْحَضْرَمِيِّ) قال ابن القطان: اختلف شعبة وسفيان فيه، فقال شعبة: حجر أبي (١) العنبس. وقال سفيان الثوري: حجر بن عنبس. وصوب البخاري وأبو زرعة قول الثوري (٢)، وجزم ابن حبان في "الثقات" أن كنيته كاسم أبيه (٣). ولكن قال البخاري: إن كنيته أبو السكن (٤). ولا مانع أن يكون له كنيتان، وحجر هذا ثقة معروف، وثقه ابن معين (٥) وغيره، قيل: له صحبة. قال الترمذي في "جامعه": سمعت محمدًا -يعني: البخاري- يقول: [حديث سفيان] (٦) أصح من حديث شعبة في هذا، قال (٧): وأخطأ شعبة

стр. 2880

في مواضع من هذا الحديث، فقال: عن حجر (١) أبي العنبس [وإنما هو حجر بن العنبس] (٢) ويكنى أبا السكن، وزاد فيه: عن علقمة بن وائل، وليس فيه (٣) عن علقمة، إنما هو حجر بن عنبس (٤). (عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) بن ربيعة بن وائل الحضرمي، يكنى أبا هنيدة، كان قيلًا (٥) من أقيال حضرموت، وكان أبوه من ملوكهم، بشر به رسول الله ﷺ قبل قدومه وإسلامه فقال: "يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة طائعًا راغبًا في الله وفي رسوله، وهو بقية أبناء الملوك" (٦)، فلما قدم عليه (٧) رحّب به وبسط له رداءه واستعمله على أقيال حضرموت، وكتب [معه ثلاثة] (٨) كتب، وأرسل معه (٩) معاوية بن أبي سفيان فخرج معاوية (١٠) راجلًا معه و (١١) وائل على ناقته راكبًا، فشكى إليه معاوية حر الرمضاء، فقال له: انتعل ظل الناقة. ثم عاش وائل حتى ولي معاوية الخلافة فدخل عليه فعرفه وذكَّره بذلك وأجازه لوفوده عليه فأبى

стр. 2881

قبولها (١). (قَال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَرَأَ) وقال: (وَلَا الضَّالِّينَ. قَال) بعدها: (آمِينَ) قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب أن يفصل [بين آمين] (٢) ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وبسكتة لطيفة ليميزها من القرآن (٣)، قال الشافعي في "الأم": ولو قال: آمين رب العالمين. وغير ذلك من ذكر الله تعالى كان حسنًا (٤) (وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ) احتج الرافعي بهذا الحديث على استحباب الجهر بآمين (٥)، وقال في "أماليه": يجوز حمله على أنه (٦) تكلم بها على لغة المدّ دون القصر من جهة اللفظ (٧). ولفظ الترمذي: ومد (٨) (٩) عوض (١٠) عن رفع. وتبويب (١١) المصنف يدل على أن وائل كان مقتديًا برسول الله ﷺ ، والرواية التي بعده مصرحة بهذا، لكن هل كان هذا في الصلاة السرية أو الجهرية؟ محتمل. [٩٣٣] (حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ) نزيل طرسوس العسقلاني، شيخ

стр. 2882

مسلم (الشَّعِيرِيُّ) بفتح الشين المعجمة، أخرج له مسلم في الزكاة (١). قال: (حَدَّثَنَا) عبد الله (ابْنُ نُمَيرٍ) بضم النون مصغر، الهمداني الكوفي، قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ) الهمداني، أخرج له مسلم، وكان رأسًا في العلم والعمل والقراءة، قرأ على عاصم. (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلٍ عَنْ حُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) بضم الحاء المهملة. (أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ النَّبِي ﷺ فَجَهَرَ) بعد الفاتحة (بِآمِينَ) وهذا في الصلوات الجهرية، وهو الأظهر عند الشافعي، وأما الصلوات السرية فيقرأ (٢) به سرًّا (وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شمَالِهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ خَدِّهِ) كذا لمسلم (٣) والدارقطني: كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده، وعن يساره حتى يرى بياض خده. ثم قال: هذا إسناد صحيح (٤). وقيل: يلتفت حتى يرى من كل جانب خداه. وعن ابن مسعود: لم أنس تسليم رسول الله ﷺ في الصلاة عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله [السلام عليكم ورحمة الله] (٥)، ثم قال: كأني أنظر إلى بياض خديه ﷺ . رواه الدارقطني (٦) وصححه ابن حبان (٧).

стр. 2883

[٩٣٤] (حَدَّثَنَا نَصر (١) بْنُ عَلِيٍّ) الجهضمي قال: (حدثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى) القرشي الزهري، استشهد به البخاري في "الصحيح" (٢)، وروى له في "الأدب" (٣) وروى له الباقون (عَنْ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ) أبي (٤) الأسباط، الحارثي قواه (٥) ابن معين (٦). (عَنْ أَبِي عَبْدِ الله ابن عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ) ذكره ابن عبد البر فيمن لم يذكر له اسم سوى كنيته. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا تَلَا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قد يؤخذ من ابتداء أبي هريرة بغير المغضوب عليهم (٧) دون غيرها أنه كان يقف على ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وعلى هذا فيستدل على أنها رأس آية؛ فإن (٨) رسول الله ﷺ كان يقف على رؤوس الآي، وإذا كانت ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إحدى الآيات السبع فيؤخذ منه أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست آية من الفاتحة (﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَال) بعدها: (آمِينَ) خفيفة الميم بالمد، ويجوز القصر لغتان مشهورتان، والمد أشهر، وحكى الواحدي مع المد الإمالة (٩)، وجوز غير ذلك،

стр. 2884

ومعناها: استجب (حَتَّى يَسْمَعَ) بفتح الياء ويجوز الضم، والظاهر أن فيه حذفًا تقديره: قال آمين فرفع بها صوته حتى يسمع (مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأَوَّلِ) فيه دلالة على أن الإمام يجهر بالتأمين. [٩٣٥] (حَدَّثَنَا) عبد الله بن مسلمة (الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) بن عبد الرحمن بن الحارث. (عَنْ أَبِي صالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا قَال الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ) استدل به أصحاب مالك على أنه لا يسن التأمين للإمام (١)، وقال الشافعي (٢) وأحمد والجمهور (٣): إن التأمين سنة للإمام والمأموم. وأجابوا عن هذا الحديث بأن المقصود به (٤) تعريفهم موضع تأمينهم، وهو عقيب (٥) قول الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لأنه موضع تأمين الإمام ليكون تأمين الإمام والمأموم] (٦) في وقت واحد موافقًا لتأمين الملائكة. وقد جاء هذا مصرحًا به هكذا وهو ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا قال الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا

стр. 2885

[آمين، فإن الملائكة تقول آمين والإمام يقول آمين" (١)] (٢). (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ) بوَّب عليه البخاري: باب جهر المأموم بالتأمين (٣)، قال ابن رشيد (٤): تؤخذ المناسبة من جهة [أن في الحديث الأمر بقول آمين؛ الإمام إذا قال فقولوا] (٥)، فقابل القول بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهرًا فكان الظاهر الاتفاق في الصفة الجهرية (٦). (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظاهره أن (٧) الذنوب الماضية تغفر (٨) وهو محمول عند العلماء على الصغائر، وقد تقدم الكلام عليه فيمن توضأ كوضوئه ﷺ وصلى ركعتين، استدل به بعض المعتزلة على أن الملائكة أفضل من الآدميين لقوله: "قول الملائكة". [٩٣٦] (حَدَّثَنَا) محمد (٩) (الْقَعْنَبِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ) محمد (ابْنِ شِهَابٍ) الزهري. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ) عبد الله (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن

стр. 2886

عوف. (أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ) استدل به على مشروعية التأمين للإمام، قيل: وفيه نظر؛ لكونها قضية شرطية، وأجيب بأن التعبير بإذا يشعر بتحقق (١) الوقوع، وخالف مالك في إحدى الروايتين عنه. وهي رواية ابن (٢) القاسم (٣) فقال: لا يؤمِّن الإمام في الجهرية كما تقدم، وفي رواية: لا يؤمِّن مطلقًا. وأجاب عن حديث ابن شهاب المتقدم (٤) بأنه لم يره في حديث غيره، وهي علة غير قادحة (٥)؛ فإن ابن شهاب إمام لا يضره التفرد، ورجح بعض المالكية بأن الإمام لا يؤمن من حيث المعنى، فإنه داعٍ فناسب أن يختص المأموم بالتأمين، وهذا يجيء على قولهم أنه لا قراءة على المأموم، وأما من أوجبها عليه فله أن يقول: كما اشتركا في القراءة فينبغي أن يشتركا في التأمين. ومنهم مَن أوَّل قوله: "إذا أَمَّن الإمام" فقال: معناه دعا. قال: وتسمية الداعي مؤمِّنًا سائغ (٦)؛ لأن المؤمن يسمى داعيًا كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ﴾ (٧) وكان موسى داعيًا وهارون مؤَمِّنًا كما رواه ابن مردويه من

стр. 2887

حديث أنس (١)، وتعقب [بعدم الملازمة] (٢) فلا يلزم من تسمية المؤمِّن داعيًا عكسه، قاله ابن عبد البر (٣)، على أن الحديث في الأصل لم يصح، ولو صحَّ فإطلاق كون هارون داعيًا إنما هو للتغليب، وقال بعضهم: معنى قوله: "إذا أمّن" بلغ موضع التأمين، كما يقال: أنجد، إذا (٤) بلغ نجدًا وإن لم يدخلها، قال ابن دقيق العيد: وهذا مجاز؛ فإن وجد دليل يرجحه (٥) عمل به وإلا فلا؛ لأن الأصل عدم (٦) المجاز (٧). وجمع الجمهور بين الروايتين بأن المراد بقوله: "إذا أمَّن" أي: أراد التأمين ليقع تأمين الإمام والمأموم معًا. (فَأَمِّنُوا) استدل به على تأخير تأمين المأموم [عن تأمين الإمام] (٨)، لكن المراد به هنا المقارنة، وبذلك قال الجمهور، قال أبو محمد الجويني: لا يستحب مقارنة الإمام في شيء من الصلاة غيره. قال إمام الحرمين: يمكن تعليله بأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه (٩)؛ فلذلك

стр. 2888

لا يتأخر عنه. وهو أصح (١)، ثم إن هذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملًا بظاهر الأمر، قال: وأوجبه (٢) الظاهرية على كل مصلٍّ، ثم في مطلق أمر المأموم بالتأمين أنه يؤمِّن وإن كان مشتغلًا بالقراءة في الفاتحة، وبه قال أكثر الشافعية، ثم اختلفوا: هل تنقطع بذلك الموالاة؟ على وجهين: أصحهما لا تنقطع؛ لأنه مأمورٌ بذلك لمصلحة الصلاة، بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها كالحمد للعاطس (٣). (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ) وفي رواية لمسلم: "فإن الملائكة تؤمّن" قبل قوله: "فمن وافق" (٤) وكذا رواية البخاري (٥) في الدعوات، وهو دالٌّ على أن المراد الموافقة في القول والزمان، خلافًا لمن قال: إنَّ (٦) المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع ونحو ذلك من الصفات المحمودة، أو في إجابة الدعاء أو في الدعاء بالطاعة خاصة، أو المراد (٧) بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين. وقال ابن المنير: الحكمة في إيثار (٨) الموافقة في القول والزمان أن

стр. 2889

يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة (١) في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان متيقظًا، ثم ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة (٢)، وقيل: الحفظة منهم. وقيل: الذين يتعاقبون فيهم إذا قلنا أنهم غير الحفظة (٣). وفي رواية للبخاري: "فوافق ذلك قول أهل السماء" (٤)، وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال: "صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد" (٥). انتهى. ومثل هذا لا يقال بالرأي، والمصير إليه أولى. (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وقع في "أمالي الجرجاني" عن أبي العباس الأصم، عن بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن يونس في آخر هذا الحديث: "وما تأخر" وهي زيادة شاذة، وقد رواه ابن الجارود في "المنتقى" (٦) عن بحر بن نصر بدونها، وكذا رواه مسلم (٧) عن حرملة، وابن خزيمة (٨) عن يونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب، قال

стр. 2890

ابن حجر (١): وجدت في بعض النسخ من ابن ماجة: عن هشام بن عمار وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن ابن عيينة (٢) بإثباتها، ولا يصح؛ لأن أبا بكر بن أبي شيبة قد رواه في "مسنده" و"مصنفه" بدونها (٣)، وكذلك حفاظ أصحاب ابن عيينة: الحميدي وابن المديني وغيرهما. وله طريق أخرى ضعيفة من رواية أبي (٤) فروة محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن عثمان، والوليد بن ساج عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. (قَال ابن شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: آمِينَ) كذا للبخاري (٥). قال ابن حجر: وهو متصل إليه برواية مالك عنه، وأخطأ من زعم أنه معلَّق. وفي هذا حجة على الإمامية في قولهم: إن التأمين يبطل الصلاة، ولأنه (٦) لفظ ليس بقرآن ولا ذكر. ويمكن أن مستندهم ما نقل عن جعفر الصادق أن معنى آمين المشددة: قاصدين إليك، وبه تمسك من قال أنه بالمد والتشديد، وصرح المتولي من الشافعية بأن من قالها هكذا بطلت صلاته، وظاهر سياق الأمر أن المأموم إنما يؤمن إذا أمَّن الإمام، لا (٧) إذا ترك، وقال به بعض الشافعية كما صرح به صاحب

стр. 2891

"الذخائر"، ونصَّ الشافعي في "الأم" (١) على أن المأموم يؤمِّن و (٢) لو تركه الإمام عمدًا أو سهوًا (٣). [٩٣٧] (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مخلد الإمام أبو يعقوب (بْنِ رَاهَوَيْهِ) المروزي، شيخ الشيخين، قال: (أنبأنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ) بن عيينة (عَنْ عَاصِمٍ) بن سليمان الأحول. (عَنْ أَبِي (٤) عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مِلّ، بكسر الميم وضمها وتشديد اللام، النهدي (٥). (عَنْ بِلَالٍ) بن رباح أمه حمامة (أَنَّهُ قَال يَا رَسُولَ الله لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ) قال ابن الأثير: يشبه أن يكون معناه أن بلالًا كان يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى من السكتتين، فربما بقي عليه الشيء منها [ورسول الله ﷺ قد فرغ من قراءتها فاستمهله بلال في التأمين بقدر ما تتم فيه] (٦) قراءة بقية السورة حتى ينال بركة موافقته في التأمين (٧)، وتأوله بعضهم على أن بلالًا كان يقيم في الموضع الذي يؤذن فيه من وراء الصفوف، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبَّر النبي ﷺ ، فربما سبقه ببعض ما يقرؤه فاستمهله قدر ما يلحق

стр. 2892

القراءة والتأمين. [٩٣٨] (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ) بسكون المثناة، أبو العباس (الدِّمَشْقِيُّ) الأشجعي، مات بصور (وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ) بن يزيد الدمشقي، وثقه النسائي (١) (قَالا (٢): حَدَّثَنَا) محمد بن يوسف الضبي، مولاهم (الْفِرْيَابِيُّ) بكسر الفاء وسكون الراء بعدها ياء (٣) مثناة تحت، وبعد الألف موحدة، نسبة إلى فرياب من خراسان. (عَنْ صبيح) بفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة ثم مثناة تحت، وبعضهم بالتصغير [قال ابن ماكولا (٤): والأكثر بالفتح (٥) كما تقدم] (٦) (ابْنِ مُحْرِزٍ) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء (٧) ثم زاي (الْحِمْصِيِّ) وُثِّق، قال: (حَدَّثَنِي أَبُو مُصبحٍ) بضم الميم وكسر الباء الموحدة المشددة. قال ابن عبد البر: سئل أبو زرعة عن أبي المصبح فقال: ثقة حمصي، لا أعرف اسمه (٨) (المقرائي) بضم الميم، [وقيل: بفتحها] (٩) وسكون القاف. قال أبو داود: المقرائي قبيل من حمير، قاله

стр. 2893

المنذري، هكذا ذكره غيره، وذكر أبو سعيد المروزي أن (١) هذِه النسبة إلى مقراء (٢) قرية بدمشق [نسب إليها جماعة] (٣)، قال: والأول أشهر (٤). (قَال: كُنا نَجْلِسُ إِلَى أَبِي زُهَيرٍ) تصغير زهر [قال المنذري: أبو زهير هو فلان بن شرحبيل] (٥) (٦) (النُّمَيرِيِّ) بضم النون تصغير نمر، قيل: اسمه يحيى بن نفير بضم النون وفتح الفاء مصغر، ومن روايته عن النبي ﷺ : "لا تقتلوا (٧) الجراد؛ فإنه جند الله الأعظم" (٨) (وَكانَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَنَتَحَدَّثُ) بفتح النون والمثناة فوق (أَحْسَنَ الحَدِيثِ، فَإِذَا دَعَا الرَّجُلُ مِنَّا بِدُعَاءٍ قَال: اخْتِمْهُ بِآمِينَ) فيه الأمر بختم الدعاء بآمين لمن سمعه يقرأ وتركه، وكذا يستحب لكل قارئ الفاتحة، وكذا لكل من قرأ الفاتحة في صلاة أو غيرها، وكذا يستحب لمن دعا بدعاء في غير القراءة. (فَإِنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ) بفتح الباء وكسرها، وهو ما يطبع به (عَلَى الصَّحِيفَةِ) قال الهروي: قال أبو بكر: معناه أنه طابع الله على عباده؛

стр. 2894

لأنه يدفع الآفات والبلايا، فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه (١) ويمنع من إفساده وإظهار ما هو مستور فيه (٢). قال القرطبي: وفي الخبر "لقنني جبريل آمين عند فراغه (٣) من فاتحة الكتاب وقال: إنه كالخاتم على الكتاب" وفي حديث آخر: "آمين خاتم رب العالمين" (٤) (٥) انتهى (٦). وفي هذِه الأحاديث دليل على أنه يستحب لكل من كتب كتابًا أن يختمه بهذِه الأحاديث؛ ولقوله تعالى ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٧) قال الضحاك: سمته (٨) كريمًا لأنه كان مختومًا (٩)، ويدل عليه رواية الثعلبي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "كرامة الكتاب ختمه" (١٠) واصطنع النبي ﷺ خاتمًا ليختم به الكتب (١١)، وقال ابن المقفع: من

стр. 2895

كتب إلى أخيه كتابًا ولم يختمه فقد استخف به (١). (قَال أَبُو زُهَيْرٍ) يحيى بن نفير (أُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ) إنا (٢) (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيلَة، فَأَتَينَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلَحَّ فِي المَسْأَلَةِ) (٣) أي: في الدعاء، فيه أن من آداب الدعاء تكراره ثلاثًا والإلحاح فيه، فقد روى المصنف عن أبي أمية المخزومي: أن النبي ﷺ قال (٤) لما أتي باللص الذي اعترف به (٥) ولم يوجد معه متاع: "اللهم تُب عليه" ثلاثًا (٦)، وقال لأبي بكر: "يا أبا بكر يغفر الله لك" ثلاثًا، رواه البخاري (٧). (فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ [للسمع مِنْهُ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : ] (٨) أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ) يقال: أوجب الرجل إذا فعل فعلًا وجبت له به الجنة وجوب فضل وكرم. (فَقَال رَجُلٌ مِنَ القَوْم: بِأَيِّ شَيْءٍ يَخْتِمُ، قَال) يختم دعاءه (بِآمِينَ، فَإِن ختم) دعاءه (بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ) أي وجبت له على الله تعالى تفضلًا منه الجنة (فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ الذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ) عن الختم. (فَأَتَى) إلى (الرَّجُل) الملِحّ في المسألة (فَقَال) له (اخْتِمْ يَا فُلَانُ بِآمِينَ

стр. 2896

وَأَبْشِرْ) بفتح الهمزة، فيه فضيلة سؤال الشخص لأهل العلم عما فيه صلاح أخيه المسلم ومنفعته بغير إذنه، ويكون هذا من المعاونة على البر والتقوى الذين (١) أمر الله تعالى بهما، وفيه استحباب فضيلة (٢) البشارة. (وهذا لَفْظُ مَحْمُودٍ) بن خالد الراوي. (والْمَقْرَائي) تقدم (٣)، بالمد وهمزة مكسورة (قَبِيلٌ) (٤) بفتح القاف وكسر الموحدة (مِنْ حِمْيَرَ) أبو قبيلة من اليمن، وهو حمير بن سنان (٥) ابن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومنهم كانت الملوك في الدهر الأول، وقال المنذري: المقرائي بضم الميم، وقيل: بفتحها. والضم أشهر، ممدود، نسبة إلى قرية بدمشق (٦). * * *

стр. 2897

١٧٥ - باب التَّصْفِيقِ فِي الصَّلاةِ ٩٣٩ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ والتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ" (١). ٩٤٠ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبِي حازِمِ بْنِ دِينارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَحانَتِ الصَّلاةُ فَجاءَ المؤَذِّن إِلَى أَبِي بَكرٍ ﵁ فَقال أَتُصَلِّي بِالنّاسِ فَأُقيمَ؟ قال: نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والنّاسُ فِي الصَّلاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النّاسُ وَكانَ أَبُو بَكْرٍ لا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلاةِ فَلَمّا أَكْثَرَ النّاسُ التَّصْفِيقَ التَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَشارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنِ امْكثْ مَكانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ عَلَى ما أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ ثمَّ اسْتَأْخَرَ أَبو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فصَلَّى فَلَمّا انْصَرَفَ قال: "يا أَبا بَكْرٍ، ما مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ ". قال أَبُو بَكْرٍ: ما كانَ لِابْنِ أَبِي قُحافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما لِي رَأَيْتُكُمْ أَكثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيحِ مَنْ نابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاِتهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيهِ وَإِنَّما التَصْفِيحُ لِلنِّساءِ". قال أَبُو داوُدَ: وهذا فِي الفَرِيضَةِ (٢). ٩٤١ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْن عَوْنٍ، أَخْبَرَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قال: كانَ قِتالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتاهُمْ لِيصْلِحَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقال لِبِلالٍ: "إِنْ حَضَرَتْ صَلاةُ العَصْرِ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنّاسِ". فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ أَذَّنَ بِلالٌ ثمَّ أَقامَ ثُمَّ أَمَرَ أَبا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ قال:

стр. 2898

فِي آخِرِهِ: "إِذا نابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجال وَلْيُصَفِّحِ النِّساءُ" (١). ١٤٢ - حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْن خالِدٍ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَيُّوبَ قال: قَوْلُهُ: "التَّصْفِيحُ لِلنِّساءِ". تَضْرِبُ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ يَمِينِها عَلَى كَفِّها اليُسْرَى (٢). * * * باب التَّصْفِيقِ فيِ الصَّلَاةِ [٩٣٩] (حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال (٣): قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ) وللبخاري: "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله" (٤). (وَالتَّصْفِيقُ) سيأتي كيفيته، اختلف فيه، فقيل: لا يجوز التصفيق في الصلاة لا للرجال ولا للنساء، وإنما هو التسبيح للجميع؛ لقوله ﵇: "من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبَّح التفت إليه" (٥) قال القرطبي: هذا مشهور مذهب مالك وأصحابه، وتأولوا قوله ﵇: "إنما التصفيق" (لِلنِّسَاءِ) أن ذلك ذم للتصفيق، والمعنى أنه من شأن النساء لا الرجال، وقيل (٦): هو سنة للنساء دون الرجال لهذا الحديث

стр. 2899

ولما بعده، وهو مذهب الشافعي وغيره من العلماء، وحكي عن مالك أيضًا، وعللوا اختصاص النساء بالتصفيق لأن أصواتهن عورة ولذلك منعن من الأذان ومن الجهر بالإقامة والقراءة، وهو معنى مناسب يشهد الشرع له بالاعتبار (١). [٩٤٠] (حَدَّثَنَا) عبد الله بن مسلمة (الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ) الحكيم (٢) سلمة (بْنِ دِينَارٍ) مولى الأسود بن سفيان الأعرج المدني الأفزر (٣) (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعدي ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بن الخزرج الأكبر، أخي الأوس (لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَكَانَتِ الصَّلَاةُ) أي قرب وقتها، فيه فضل الإصلاح بين الناس، ومشي الإمام وغيره في ذلك، وإن كان وقت الصلاة قد قرب، ومعلوم أن صلاة الجماعة مفوتة لاشتغاله في الإصلاح بينهم. (فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) فيه أن المؤذن يأتي إلى الإمام ليعلمه بحضور الجماعة واَذنه (فَقَال: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ ) بنصب فأقيم جواب الاستفهام كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ (٤) فيه عرض المؤذن على الفاضل في غيبة الإمام أن ينوب عنه (قَال: نَعَمْ) فيه الإجابة إلى مطلوب المؤذن في النيابة عن الإمام (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) بالناس فيه أن الذي ينوب عن الإمام يكون أفضل القوم وأصلحهم

стр. 2900

لذلك الأمر وأقومهم به. (فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ) مبتدأ (فِي الصَّلَاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ) توضحه رواية النسائي: فخرق الصفوف حتى قام في الصف المقدم (١). فيه دليل على جواز خرق الإمام الصفوف ليصل إلى موضعه إذا احتاج إلى خرقها لخروجه لطهارة أو رعاف ونحوهما ورجوعه، وكذا من احتاج إلى الخروج من المأمومين لعذر، وكذا له خرقها في الدخول إذا رأى قدامهم فرجة، فإنهم مُقصرون بتركها. (فَصَفَّقَ النَّاسُ) رواية النسائي: "فصفح الناس بأبي بكر ليؤذنوه برسول الله ﷺ ". فيه دليل على أن الفعل اليسير كالتصفيق لا يبطل الصلاة، وفيه أن الإمام إذا لم ينتبه بفعل واحد يصفق جماعة، وظاهر الحديث تصفيق المأمومين جميعهم، ويحتمل أن يراد بالناس أكثرهم، أما إذا تنبه الإمام بتصفيق واحد منهم (٢) فهل يجوز لغيره التصفيق أيضًا؟ لم أجده منقولًا (٣)، ويحتمل كراهيته لعدم الاحتياج إليه. (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ) وفيه فضله وكثرة خشوعه في الصلاة (فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ) فيه تكرار التصفيق إذا لم يحصل التنبيه بمرة، فإن حصل بمرة كره أن يزيد عليها، فإن كان التنبيه (٤) لا

стр. 2901

يحصل إلا بالكلام لم يجب عليه ذلك، وفي بطلان الصلاة به وجهان، أصحهما عند الأكثرين البطلان. (الْتَفَتَ) يعني: برأسه دون صدره، وفيه دليل على جواز الالتفات في الصلاة لحاجة، ورواية النسائي: فلما أكثروا علم أنه قد نابهم شيء في صلاتهم فالتفت فإذا رسول الله ﷺ (فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ) فيه دليل على جواز الجمع (١) بين (٢) الالتفات بالرأس ورؤية (٣) المصلين خلفه إذا كان لحاجة. (فَأَشَارَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) الظاهر أن هذِه الإشارة بيده (أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) فيه دليل على أن الإشارة المفهومة من المصلي في صلاته لا تقطع صلاته، ويدل على ذلك ما رواه ابن حبان عن عبد الله يعني ابن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال: "من أحبني فليحب هذين" (٤). (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ) فيه أن من آداب الدعاء أن يرفع يديه ويستقبل القبلة؛ لما روى المصنف والحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا" (٥)،

стр. 2902

وكما ترفع للدعاء عقب النعمة باستمرارها ترفع بحمد الله على نعمه اقتداءً بأبي بكر (وحَمِدَ اللهَ تعالى عَلَى مَا أَمَرَ (١) بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) لما كانت إشارته ﷺ مفهمة لطلب استمراره على المكث، فكأنه سمى الإشارة أمرًا تجوزًا (مِنْ ذَلِكَ) فيه استحباب حمد الله تعالى لمن تجددت عليه نعمة من الله تعالى وإن كان في الصلاة، وجواز الجهر بهذا الحمد، وإن كان الجهر ليسمعه (٢) من خلفه فيقتدي به فيها فيكون مستحبًّا. (ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ) لفظ النسائي: ثم رجع القهقرى (حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ) الذي خلفه. فيه جواز مشي الخطوة والخطوتين في الصلاة، وفيه أن هذا القدر لا يكره إذا كان لحاجة، وفيه ملازمة الأدب مع الكبار (٣)، ورواية مسلم: ورجع القهقرى وراءه (٤). يدل على أن من رجع في صلاته بشيء يكون برجوعه إلى وراء ولا يستدبر القبلة في رجوعه إلى الصف الأول ولا ينحرف عنها. (وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى) فيه دليل على جواز استخلاف الإمام من سبق (٥) (٦) ببعض الصلاة، وهو مذهبنا (٧)، وعلى جواز الانتقال

стр. 2903

من جماعة إلى جماعة أخرى حال العذر. قال ابن قدامة: فيخرج من هذا أنه لو أدرك نفسان بعض الصلاة مع الإمام فلما سلم الإمام ائتم أحدهما بصاحبه ونوى الآخر إمامته أن ذلك يصح؛ لأنه في معنى الاستخلاف، ومن لم يجز الاستخلاف لم يجز ذلك، ولو تخلف إمام الحي عن الصلاة لغيبة أو مرض أو عذر وصلى غيره وحضر إمام الحي في أثناء الصلاة فتأخر الإمام وتقدم إمام (١) الحي فيبني على صلاة (٢) خليفته كما فعل النبي ﷺ ، ففي ذلك وجهان: أحدهما: يجوز لأن النبي ﷺ فعله، فيجوز لغيره أن يفعل مثل فعله. والثاني: لا يجوز؛ لاحتمال أن يكون ذلك خاصًّا للنبي ﷺ لعدم مساواة (٣) غيره له في الفضل (٤). انتهى (٥). وإذا [دار الأمر بين] (٦) التخصيص وعدمه فالأصل عدم التخصيص. (فَلَمَّا انصَرَفَ قَال: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ) في الصلاة (إِذْ أَمَرْتُكَ؟ ) فسمى الإشارة أمرًا، رواية النسائي (٧): "ما منعك إذ أومأت إليك أن تصلي" (٨) وهو بمعناه، فإن الاستمرار على الثبوت في الصلاة

стр. 2904

صلاة (فقَال أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ ينبغي لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وللنسائي: "ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يؤم برسول الله ﷺ ". ولعل أبا (١) بكر عمل بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢). قال النووي: وفيه أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه إكرامه بذلك الشيء لا يتحتم الفعل، فله أن يتركه ولا يكون هذا مخالفة للأمر، بل يكون أدبًا وتواضعًا وتحذقًا في فهم المقاصد (٣). وللصوفية كلام في الشيخ إذا أراد أن يفعل بتلميذه ما لا يليق بالأدب فعله فيقولون: هل الأفضل امتثال الأمر أم سلوك الأدب؟ كما اتفق لبعض المشايخ حين أراد أن يغسل رجليّ تلميذه في الحمام ويحكها بالحجر، ويحملون على ذلك هل الأفضل أن يقال في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد أن يقول: اللهم صلّ على سيدنا محمد، أم يقتصر على ما أمر به النبي ﷺ في قوله: "قولوا اللهم صلِّ على محمد" (٤). (فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيحِ! ) هذِه الرواية الصحيحة، وفي بعضها: "التصفيق" كرواية مسلم وغيره، وهما بمعنى واحد، وسيأتي تفسيره. (مَنْ نَابَهُ) أي نزل به (شَيْءٌ في (٥) صَلاتهِ) من المهمات والحوادث،

стр. 2905

وأراد إعلام غيره إمامًا كان أو غيره كإذنه لداخل أو إنذار أعمى أو تنبيه ساهٍ أو غافل (فَلْيُسَبِّحْ) الرجل، و (١) الخنثى كما هو ظاهر لفظ الحديث، و [الظاهر أن] (٢) يصفق؛ لاحتمال أن يكون امرأة (٣) فلا يجهر بالتسبيح كما صرح به القاضي أبو الفتوح في "أحكام الخناثى". (فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ) بفتح السين (الْتُفِتَ) بضم التاء مبني للمفعول (إِلَيْهِ) أي (٤): كما في العادة غالبًا؛ فإن الإمام مثلًا إذا سها في صلاته فسبح المأموم وعلم الإمام حين تذكر ما سهى عنه فلا يجوز له الالتفات؛ إذ لا حاجة له. (وَإنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ) تقدم عن مالك (٥) حمل هذا على أن المراد به ذم النساء على التصفيق، وأن المرأة تسبح كالرجل، قال النووي: التسبيح والتصفيق [سنتان إن كان التنبيه قربة ومباحان إن كان التنبيه مباحًا] (٦) وأنه لو صفق الرجل أو سبَّحت المرأة لم يضر، ولكن خالفا السنة (٧)، وقد تقدم. قَال المصنف (هذا فِي الفَرِيضَةِ) لا في النافلة. [٩٤١] (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) (٨) الواسطي البزار الحافظ قال: (أنبأنا

стр. 2906

حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأفزر الأعرج التابعي (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعدي (قَال: كَانَ قِتَالٌ بَينَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) فيما بينهم (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ (١) ﷺ ) والنبي منصوب على المفعولية وليس بفاعل، وطريق معرفة المفعول من الفاعل أن تنظر في الاسم الذي يشتبه عليك هل هو (٢) فاعل أو مفعول؟ فإن صلح أن يقع فيه ضمير المتكلم المرفوع فهو فاعل مرفوع، وإن صلح أن يقع فيه ضمير المتكلم المنصوب فهو منصوب على المفعولية فتقول هنا إذا [حدثت بلغني] (٣) ذلك الخبر ولا تقول بلغت ذلك الخبر. (فَأَتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَينَهُمْ) فيه ذهاب الكبير إلى من وقعت بينهم الخصومة ليصلح بينهم، فإن قصدوه ليصلح بينهم فيتأكد الصلح بينهم، لكن الذهاب إليهم، وليس على العالم في (٤) ذلك إهانة (بَعْدَ) صلاة (الطهْرِ فَقَال لِبِلَالٍ إِنْ (٥) حَضَرَتْ) أي إن (٦) حضر وقت (صَلَاةُ العَصْرِ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) فيه جواز (٧) استنابة الإمام عند غيبته لحاجة، وجواز التوكيل في الإنابة (٨) للمؤذن وغيره، وأنه يستنيب

стр. 2907

أولى الناس بذلك، فإن أبا بكر أفضل الصحابة، وأولى بالتقديم من كل أحد، وفيه فضيلة أبي بكر. (فَلَمَّا حَضَرَتِ العَصْرُ) أي حضر وقتها (أَذَّنَ) بتشديد الذال يعني لصلاة العصر (بِلَالٌ (١) ثُمَّ أَقَامَ) الصلاة (٢) فيه أن من أذّن فهو يقيم (ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ) فيه أن الكلام بين الإقامة وتكبيرة الإحرام لا يضر (فَتَقدَّمَ) يعني: للإمامة فيه مشروعية تقدم الإمام على الصفوف ولا يقف وسطهم كالنساء و (قَال فِي آخِرِهِ) أي: آخر الحديث (إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَال وليصفح (٣) النِّسَاءُ) كما سيأتي تفسيره. [٩٤٢] (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ) بن يزيد السلمي الدمشقي، قال أبو حاتم: كان ثقة رضًى (٤) قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلم (عَنْ عِيسَى بْنِ أَيُّوبَ) القيني بكسر القاف، الدمشقي. (قَال: قَوْلُهُ) في الحديث (التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ) هو أن (تَضْرِبُ) المرأة (بِأُصْبُعَينِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى) باطن (كفِّهَا اليُسْرَى) وهو صفحها، وصفح كل شيء جانبه، وصفحتا السيف جانباه (٥). وقيل: التصفيح الضرب بظاهر إحداهما على الأخرى، والتصفيق الضرب بباطن إحداهما على باطن الأخرى، وقيل: التصفيح بإصبعين

стр. 2908

للتنبيه وبالقاف بالجميع (١) للهو واللعب فإن فعلته (٢) عالمة بالتحريم بطلت صلاتها، وإن قلَّ كما قاله الرافعي (٣)، والمشهور عند الشافعية (٤) أن تضرب ببطن اليمين على ظهر اليسرى، وحكى الجيلي (٥) وجهًا أنها تضرب بكفها على كوعها الأيسر وهو صفحته. * * *

стр. 2909

١٧٦ - باب الإِشارَةِ فِي الصَّلاةِ ١٤٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ المرْوَزِيُّ وَمحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُشِيرُ فِي الصَّلاةِ (١). ٩٤٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا يُونُسُ بْن بُكَيْرٍ عَنْ محَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ أَبِي غَطَفانَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ". يَعْنِي: فِي الصَّلاةِ: "والتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ مَنْ أَشارَ فِي صَلاتهِ إِشارَة تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيَعُدْ لَها". يَعْنِي الصَّلاةَ. قال أَبُو داوُدَ: هذا الحَدِيثُ وَهَمٌ (٢). * * * باب الإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ [٩٤٣] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن ثابت بن عثمان الخزاعي أبو الحسن (بْنِ شَبُّويه) بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة الثقيلة (الْمَرْوَزِيُّ) قال ابن حجر: ثقة من العاشرة (٣)، وقال الذهبي: من كبار

стр. 2910

الأئمة (١) (وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيري (٢) مولاهم الزاهد شيخ الشيخين. (قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ (٣) قال: أنبأنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ) أي: بيده عند الحاجة كما تقدم في إشارته ﷺ لأبي بكر، وكرد (٤) السلام بالإشارة، ونحو ذلك مما تقدم. [٩٤٤] (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن حصين الكندي الكوفي، قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ (٥) بْنُ بُكَيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الأَخْنَسِ) بالخاء المعجمة والنون، الثقفي، ثقة من العلماء (٦). (عَنْ أَبِي غَطَفَانَ) بفتح المعجمة والمهملة، واسمه سعد بن طريف بفتح الطاء المهملة، المري (٧) بضم الميم، وتشديد الراء، المدني، الثقة كما قال ابن معين (٨)، التابعي. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ. يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتهِ إِشَارَة تُفْهَمُ) مبني للمفعول غيره معنى (عَنْهُ) وفيه حجة لأبي حنيفة. أن من أفهم غير إمامه بالتسبيح بطلت صلاته؛ لأنه خطاب آدمي، وذلك كمن (٩) يُستأذن (١٠) عليه وهو في
следующие страницы →