← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

(قَال: صَلاةُ المَرْءِ فِي بَيتِهِ) وللنسائي قبل هذا زيادة في أول الحديث، ولفظه: عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله ﷺ فيها ليالي حتى اجتمع إليه الناس، ثم فقدوا صوته ليلة فظنوا أنه نائم فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: "مازال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته" (١) لكن ليس (في مسجدي) كما هنا، ولم يذكر الترمذي (٢) مسجدي ولا اتخاذ الحجرة وما بعده. وكذا جاء ذكره وصلاة الليل في الصحيحين وبوب عليه البخاري باب صلاة الليل (٣)، وبوب عليه في "الأدب": باب (٤) ما يجوز من (٥) الغضب لأمر الله (٦) وكذا ذكره في الاعتصام (٧)، والمراد بالمرء جنس الرجال، فلا يرد استثناء النساء لثبوت قوله ﷺ : "لا تمنعوهن المساجد، وبيوتهن خير لهن" (٨) (٩). ولا تختص فضيلة النافلة بالبيت الذي يملكه بل تحصل الفضيلة في

стр. 3187

بيته وكل بيت هو حاضر فيه وقت الصلاة وكان حضوره فيه مباحًا احترازًا من البيت المغصوب ونحوه. قال القاضي أبو الطيب في "البدر": لو أخفى صلاته النفل في المسجد كان أفضل من صلاته في البيت؛ لأن القصد من فضيلة (١) الصلاة في البيت كونها أخفى وأبعد من الرياء وليتبرك البيت بذلك وتنزل فيه الرحمة وتنتفى منه الشياطين، فإذا حصلت هذِه المقاصد في بيته وبيت غيره وفي المسجد حصل المقصود، لكن تبقى زيادة فضيلة المسجد خصوصًا مسجد مكة والمدينة المشرفة. قال في "الكفاية": وكلام القاضي أبو الطيب يدل على أن فعل الرواتب في المسجد أفضل، ويدخل في صلاة المرء في بيته جميع النوافل لشمول اللفظ، لكنه محمول على ما لا تشرع فيه الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء والتراويح وغير ذلك، وكذا ما لا يختص بالمسجد كركعتي التحية، كذا قال بعض الشافعية. ويحتمل (٢) أن يراد بالصلاة ما يشرع في البيت وفي المسجد معًا، فلا تدخل تحية المسجد فإنها (٣) لا تشرع في البيت، ويستثنى أيضًا من النوافل ركعتا الطواف فإن الأفضل فعلهما في المسجد كما هو معروف في بابه ومنها ركعتا الإحرام. قال النووي في (٤) زوائده [في "الروضة" في] (٥)

стр. 3188

الكلام على ركعتي الطواف (١): قال أصحابنا: إذا كان في الميقات مسجد يستحب أن يصليهما (٢) فيه (٣). قال الإسنوي بعد نقله: وإن كان القياس يقتضي استحبابهما في البيوت والأخبية. ومنها النافلة يوم الجمعة كما نقله الجرجاني في "الشافي" عن الأصحاب، ذكره بعد صلاة الخوف، ونصه قال أصحابنا: إلا النافلة ففعلها في الجامع أفضل لفضيلة البكور. (أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتهِ فِي مَسْجِدِي هذا) وبمقتضى هذِه الرواية صرح النووي في "شرح المهذب" في باب استقبال (٤) القبلة فقال: صلاة النفل في بيته أفضل منها في مسجد رسول الله ﷺ (٥). وروى ابن القاسم عن مالك ﵀ أن التنفل في البيوت أحب إليَّ من مسجد رسول الله ﷺ إلا للغرباء (٦). وإذا كانت النافلة في البيت أفضل من الصلاة في مسجد النبي ﷺ فبالأولى أن تكون أفضل من الصلاة في مسجد بيت المقدس، وقد يستثنى فيه الغرباء كالإمام (٧) مالك كما استثنى في مسجد النبي ﷺ ورواية الصحيحين: "فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا

стр. 3189

المكتوبة" (١). شاملة لمسجد مكة شرفها الله تعالى أيضًا؛ لأن العلة موجودة فيه وهو (٢) إخفاء الصلاة والبعد من الرياء، وكذا القاعدة الكلية التي ذكرها أصحابنا أن المحافظة على فضيلة متعلقة بنفس العبادة أفضل من المحافظة على فضيلة متعلقة بالمكان؛ فإن الإخفاء في النوافل والبعد من الرياء فضيلة متعلقة بنفس الصلاة والصلاة في الكعبة فضيلة متعلقة بمكان الصلاة. (إِلَّا المَكْتُوبَةَ) يعني: المكتوبات الخمس، قال العلامة ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد بالمكتوبة ما تشرع فيه الجماعة، يعني: كالعيد والخسوف والكسوف والاستسقاء والتراويح كما تقدم، وفيه نظر، فإن الإسنوي وغيره [من الأصحاب أسقطوا من النوافل الصلاة المجهورة (٣) كالعيد وغيره، يعني: وغيره] (٤) مما تشرع فيه الجماعة وهل يدخل في المكتوبة ما وجب بعارض (٥) كالمنذورة (٦). قال في "التتمة": فيه تردد. وقال بعض مشايخنا: الظاهر بناؤها على أن المنذور يسلك به مسلك واجب الشرع أو جائزه. * * *

стр. 3190

٢٠٨ - باب مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ القِبْلَةِ ثُمَّ علِمَ ١٠٤٥ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ ثابِتٍ وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحابَهُ كانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المقْدِسِ فَلَمّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَناداهُمْ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلاةِ الفَجْرِ نَحْوَ بَيْتِ المقْدِسِ: أَلا إِنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إِلَى الكَعْبَةِ. مَرَّتَيْنِ، فَمالُوا كَما هُمْ رُكُوعٌ إِلَى الكَعْبَةِ (١). * * * باب مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ القِبْلَةِ ثُمَّ عَلِمَ [١٠٤٥] (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي سمي بذلك؛ لأنه اشترى بتبوذك دارًا فنسب إليها. قال عياض: قلت ليحيى بن معين: ما [كتبت عنه؟ ] (٢) قال: خمسة وثلاثين ألف حديث (٣). قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بن سلمة (عَنْ ثَابِتٍ) بن أسلم البناني بضم الموحدة وتخفيف النون الأولى، تابعي من أعلام أهل البصرة وثقاتهم، اشتهر بالرواية عن أنس بن مالك، وصحبه أربعين سنة (وَحُمَيْدٍ) بن أبي حميد الطويل، قيل له (٤): الطويل؛ لقصره، قال الأصمعي (٥): رأيته لم يكن طويلًا، لكن كان طويل اليدين. قيل: إنما سمع ثابتًا.

стр. 3191

(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك، والصحيح أنه سمع منه عن أنس بن مالك (أَنَّ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيتِ المَقْدِسِ) فيه لغتان مشهورتان، إحداهما فتح الميم وإسكان القاف، والثانية ضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المكسورة، ويقال فيه أيضًا: إيلياء وإلياء، وأصل القدس والتقديس من التطهير، فظاهر الأحاديث تدل على أن المراد بهذا الحديث أن النبي ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس وكان أصحابه يصلون نحو بيت المقدس لا أنهم كانوا مقتدين به، ويوضح هذا رواية الدارقطني عن البراء قال: صلينا مع النبي ﷺ بعد قدومه المدينة ستة عشر نحو بيت المقدس، ثم علم الله هوى نبيه فنزلت ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) الآية (٢). فبين في هذِه الرواية أن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت بالمدينة وأنها ستة عشر شهرًا بغير شك (فَلَمَا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ناحية الكعبة، وعن ابن مسعود: تلقاء المسجد الحرام (٣). وقد يترجح بهذا الحديث ما رواه القرطبي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "البيت قبلة أهل المسجد، والمسجد قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل الأرض مشارقها ومغاربها من أمتي" (٤) (فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام بطن من الأنصار من الخزرج قيل هو عباد بن نهيك الأنصاري (فَنَادَاهُمْ وَهُمْ

стр. 3192

رُكُوعٌ) قال الكرماني: يحتمل أن يراد به (١) حقيقة الركوع وأن يراد به الصلاة، وهو من إطلاق الجزء وإرادة (٢) الكل (٣) (فِي صلَاةِ الفَجْرِ) كذا لمسلم (٤) كما سماها الله تعالى، وفي الصحيح تسميتها صلاة الغداة (٥). وفي (٦) "صحيح البخاري" عن ابن عمر: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ (٧). ولا يعارض هذا ما رواه البخاري من حديث البراء: فصلى مع النبي ﷺ رجل ثم خرج بعدما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نَحْوَ بيت المقدس، فقال هو: يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وأنه توجه نحو الكعبة (٨)؛ لأن هذا الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون في نفس المدينة في غير مسجد قباء (٩) في صلاة العصر، ثم وصل إلى قباء في صبح يوم الثاني؛ لأنهم كانوا خارجين من المدينة؛ لأن قباء من جملة سوادها (أَلَا إِنَّ القِبْلَةَ قَدْ تحولت إِلَى الكَعْبَةِ) زاد مسلم قبل هذا بلفظ: وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة (١٠).

стр. 3193

(مَرَّتَيْنِ) أي: ناداهم مرتين كل مرة: ألا إن القبلة قد حولت (فَمَالوا كمَا هُمْ رُكُوعٌ إِلَى الكَعْبَةِ) استدل به على أن القرآن ناسخ للسنة، وعلى قبول خبر الواحد، ولم يسلم؛ لأن خبر الواحد احتفت به قرائن؛ لأنهم كانوا متوقعين تحويل القبلة، ولأنه حلف لهم فصدقوه وغير ذلك واستدل به على فضيلة الانتقال من عبادة إلى أفضل منها، وعلى جواز النسخ [ولأنه لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه؛ لأنهم صلوا إلى بيت المقدس بعد النسخ] (١) ركعة، وعلى أن الصلاة الواحدة تجوز إلى جهتين بدليلين؛ فيؤخذ منه أن من صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم تغير اجتهاده فظن القبلة في جهة أخرى يتحول إليها ويبنى على ما مضى، حتى لو صلى الظهر إلى الجهات الأربع كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد أجزأه، والله تعالى أعلم. ويتلوه إن شاء الله تعالى باب تفريع أبواب الجمعة. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. فرغ من كتابته في السادس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة ثمانمائة وستة وأربعين، آخر الجزء الثاني من أجزاء المصنف ﵀ وهو أحد عشر مجلدًا. * * *

стр. 3194

تَفْرِيعُ أَبْوابِ الجُمُعَةِ ٢٠٩ - باب فَضْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَلَيْلَةِ الجُمُعَةِ ١٠٤٦ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهادِ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "خَيرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيه، وَفِيهِ ماتَ وَفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، وَما مِنْ دابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُسِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السّاعَةِ إِلَّا الجنَّ والإنْسَ، وَفِيهِ ساعَةٌ لا يُصادِفُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّه حاجَةً إِلَّا أَعْطَاهُ إِيّاها". قال: كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. فَقُلْتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. قال: فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْراةَ فَقال: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ . قال أَبُو هُرَيْرَةَ: ثمَّ لَقِيت عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبٍ فَقال عَبْدُ اللهِ بْن سَلامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ ساعَةٍ هِي. قال أَبُو هُريرَةَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَأَخْبِرْنِي بِها. فَقال عَندُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: هِيَ آخِرُ ساعَةٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ. فَقُلْتُ: كَيْفَ هِيَ آخِرُ ساعَةٍ مِنْ يُوْمِ الجُمُعَةِ وَقَدْ قال رَسُول اللهِ ﷺ : "لا يُصادِفُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي". وَتلْكَ السّاعَةُ لا يُصَلَّى فِيها؟ . فَقال عَبْدُ اللهِ بْن سَلامٍ: أَلمْ يَقُلْ رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ فَهُوَ فِي صَلاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ". قال: فَقُلْت: بَلَى. قال: هُوَ ذاكَ (١). ١٠٤٧ - حَدَّثَنا هارُون بْن عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ، عَنْ أَبِي الأشعَثِ الصَّنْعانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قال: قال رَسُول اللهِ

стр. 3195

- ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكثِرُوا عَليَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ". قال: قالوا: يا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ يَقُولُونَ: بَلِيتَ. فَقال: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسادَ الأَنْبِياءِ" (١). * * * باب تَفْرِيعُ أَبْوَابِ الجُمُعَةِ [١٠٤٦] (حَدَّثَنَا) عبد الله بن مسلمة (الْقَعْنَبِيُّ) أخرج له الشيخان (عَنْ مَالِكٍ [عَنْ يَزِيدَ) من الزيادة (بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الهَادِ) شيخ البخاري. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التميمي القرشي] (٢) المدني (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله على الأصح (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهري (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ) فيه فضيلة يوم الجمعة ومزيته على غيره من أيام الأسبوع [لأن فيه الساعة المستجاب فيها الدعاء] (٣)، وفيه دليل لمسألة غريبة نفيسة وهي (٤) لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، وفيها وجهان لأصحابنا أحدهما وهو الأصح: تطلق يوم عرفة، والثاني: يوم الجمعة، وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إذا أراد أفضل أيام السنة فيتعين [يوم عرفة، وإن أراد أفضل

стр. 3196

أيام الأسبوع فيتعين] (١) الجمعة (٢)، ورواية البزار: "سيد الأيام يوم الجمعة" (٣). وللطبراني: "سيد الأيام عند الله تعالى يوم الجمعة" (٤). (يَوْمُ) [خبر المبتدأ] (٥) (الْجُمُعَةِ) بضم الجيم والميم، وبفتح الميم وإسكانها ثلاث لغات، و [كان يسمى] (٦) في الجاهلية يوم العروبة [وبالإسكان قرأ الأعمش في الآية] (٧) ومعناه اليوم المبين (٨) بالتعظيم من أعرب إذا بين، وسميت جمعة لاجتماع الناس فيها (فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇ وَفِيهِ أُهْبِطَ) من الجنة. قال القاضي عياض (٩): الظاهر أن هذِه القضايا المعدودة (١٠) فيه ليست لذكر فضيلتها؛ لأن ما وقع فيه من هبوط آدم من الجنة وقيام الساعة كما سيأتي لا يعد في الفضائل، وإنما هو على تعداد القضايا، وتعظيم ما وقع فيه وحدث ويحدث من الأمور العظام، فبحسب ذلك يكون العبد مستعدًّا فيه متأهبًا بالأعمال الصالحة لرحمة (١١) من الله

стр. 3197

تعالى تناله [أو خطيئة ترفع] (١) عنه. (وَفِيهِ تِيبَ) بكسر المثناة أوله مبني للمفعول كما في (أهبط) قبله، وهو من التوبة، وقوله (فيه) أي: في ساعة منه تاب الله فيها على آدم ﵇، فمن صادف هذِه الساعة يسأل الله تعالى إياها أعطاه حاجة (٢) وتاب (عَلَيهِ) وفيه أن من كان له إلى الله حاجة وأراد إجابتها فليتحرى أوقات مظان الإجابة كما في هذِه الساعة في الجمعة، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول الغيث، والتقاء الجيوش، والثلث الأخير أو الأوسط [ونحو ذلك] (٣). (وَفِيهِ) أي: في ساعة منه (مَاتَ) آدم ﵇، فيه أن من مظان أوقات الإجابة الأوقات التي مات فيها رسول الله ﷺ أو أحد الأنبياء والمرسلين، وكذا (٤) الساعة التي مات فيها العلماء الصالحون، فمن كان حاضرًا عند موت أحد (٥) منهم فليجتهد في الدعاء في ختم أعماله بالصالحات الحسنى ونحو ذلك (وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ) لم يذكر قيام الساعة لوقت فضيلتها كما تقدم عن عياض. (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ) من دواب الأرضين (٦) السبع، والظاهر أنه يدخل فيه

стр. 3198

الطير الذي يطير بين السماء والأرض وينزل إلى الأرض يمشي عليها، وكذا (١) دواب البحار السبع، والأنهار العظام والصغار، وقد تدخل فيه الملائكة الذين يهبطون إلى الأرض ويمشون عليها، والملائكة الذين في السبع الطباق وغيرهم. (إِلَّا وَهِيَ مُسِيخَةٌ) بضم الميم وكسر السين (٢) المهملة وبعد المثناة التحتانية خاء معجمة. قال ابن الأثير: ويروى بالصاد (٣) وهو الأصل (٤). ومعناه: مستمعة منصتة. أي: مقبلة على الخوف في ذلك اليوم جميعه [من الإصاخة، وهي الإصغاء إلى استماع الصوت، وأبدل من الصاد سينًا لقرب المخرج (٥). (مِنْ (٦) حِينَ تُصْبِحُ) إلى حين تمسي، وهي مستمرة على ذلك في كل يوم جمعة (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) من مغربها (شَفَقًا) أي: إشفاقًا والشفق والإشفاق الخوف، يقال: أشفقت أشفق إشفاقًا: إذا خفت من الموت وقيام الساعة ونحوها، وبالهمزة أوله هي اللغة العالية، وحكى ابن دريد: [شَفِقْت بكسر الفاء أشفَق بفتحها شَفَقًا (٧). والحديث يعضد

стр. 3199

رواية ابن دريد] (١) وقد تكون (٢) في الحديث بهذا اللفظ. (مِنَ) قيام (السَّاعَةِ) وهذا الحديث يدل على أن للحيوانات وغيرها من الدواب عقولًا يدركون بها الأمور المستقبلة، وقد يخالف هذا ما قاله أصحابنا وغيرهم أن الهرة ونحوها من الدواب لا تضرب على فساد إلا في (٣) حال إفسادها، وأما بعده في وقت آخر فلا، يعني: لأنها ليس لها عقل تدرك به أن هذا الضرب لما تقدم من الفساد، وقد يؤخذ من خوفها من القيامة أنها تحشر يوم القيامة، ويؤخذ للجماء من القرناء كما في الحديث، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ثم قال: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٤). (إِلَّا الجِنُّ وَالإِنْسُ) بالرفع فيهما، والظاهر أن المراد بالإنس والجن الأكثر (٥)، فإن الأنبياء أوالمرسلين والصحابة والصديقين والصالحين] (٦)، الذين أيقظهم الله تعالى من الغفلة وأسكن الخوف المستقر (٧) في قلوبهم في يوم الجمعة وغيرها من [هول المطلع] (٨) وأهوال يوم القيامة والوقوف بين يدي الله تعالى.

стр. 3200

(وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا) كذا في "مسند الشافعي" (١) ورواية في (٢) "الموطأ" (٣). ورواية مسلم: "لا (٤) يوافقها" (٥) والمصادفة والموافقة سواء (عَبْدٌ مُسْلِمٌ) مؤمن (وَهُوَ يُصَلِّي) رواية مسلم: "قائم يصلي" (٦). قال القاضي عياض: اختلف السلف في وقتها، وفي معنى "يصلي"، فذهب بعضهم إلى أنها بعد العصر إلى الغروب، ومعنى "يصلي" عند هؤلاء يدعو، ومعنى "قائم" ملازم ومواظب، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٧) أي: ملازمًا له في الطلب. وذهب آخرون إلى أنها من (٨) وقت [قيام الإمام إلى وقت تمام الصلاة، وذهب آخرون إلى أنها في وقت قيام] (٩) الصلاة نفسها من حين تقام إلى حين تتم. والصلاة عند هؤلاء على ظاهرها (١٠). (يَسْأَلُ اللَّه) تعالى (حَاجَةً) إطلاقه يشمل حوائج الدنيا والآخرة (إِلَّا

стр. 3201

أَعْطَاهُ (١) إِيَّاهَا) [وفي رواية للترمذي: "ولا يستعيذ من شيء إلا أعاذه منه] (٢) (٣) ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" كما في رواية مسلم (٤)، وله: "ما لم يستعجل" قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال (٥): "يقول: قد دعوت فلم أر (٦) يستجب (٧) لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء" (٨). (قَال كَعْبٌ) الأحبار كذا في "الموطأ" (٩) وهو كعب بن مايع (١٠) بكسر المثناة التحتانية وبالعين المهملة، وهو من حمير أدرك النبي ﷺ ولم يره، أسلم في زمن عمر بن الخطاب مات بحمص في خلافة عثمان. (ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ) كذا (١١) في "الموطأ" (١٢)، وفيه عن أبي هريرة قال: خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله ﷺ فكان فيما حدثته أن قلت: قال

стр. 3202

رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ... " الحديث (١). قال كعب: [ذلك في] (٢) كل سنة يوم. (فَقُلْتُ: بَلْ (٣) فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) يوم (قَال: فَقَرَأَ كعْبٌ) الأحبار (التَّوْرَاةَ) فيه جواز النظر في التوراة والقراءة منها إذا صدقت النية. (فَقَال: صَدَقَ رسول الله ﷺ ) ثم (قَال أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللِه بْنَ سَلَامٍ) بتخفيف اللام الحبر العالم، ورواية مالك: "فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت [(فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي] (٤) مَعَ كعْب) الأحبار وما حدثته في يوم (٥) الجمعة. كذا "للموطأ" (٦). (فَقَال عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ) [علقت عن العمل فيها] (٧) (قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةُ] بالرفع (٨)؛ لأنها (أي) الموصولة اتصل بها هاء التأنيث الذي في (ساعَةٍ) و (هِيَ) خبر المبتدأ، والعلم وقع بالجملة الموصولية (٩). (فقَال أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَأَخْبِرْنِي بِهَا. فَقَال عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ)

стр. 3203

بالتخفيف كما تقدم. (هِيَ آخِرُ سَاعَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ) وهذا لم يقله عن رأي بل سأل رسول الله ﷺ لما روى ابن ماجه عن عبد الله بن سلام. قال المنذري: وإسناده على شرط الصحيح (١) قال: قلت -ورسول الله ﷺ جالس-: إنا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئًا إلا قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إلي رسول الله ﷺ أو بعض ساعة، فقلت: صدقت أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي (٢)؟ قال: آخر ساعات (٣) النهار (٤). (فَقُلْتُ: كَيفَ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَقَدْ قَال رَسُولُ اللِه ﷺ : لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهَا) للحديث المتفق عليه: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (٥) (فَقَال عَبْدُ اللِه بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللِه ﷺ : مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) أي: يكتب له أجر المصلي حتى يصلي. يوضحه ما رواه المصنف ومسلم: "لا يزال العبد [في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، والملائكة تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه حتى] (٦) ينصرف أو يحدث" قيل: وما يحدث؟ قال: "يفسو أو

стр. 3204

يضرط" (١). وفي رواية لمالك موقوفًا: [فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في صلاة (٢). (حَتَّى يُصَلِّيَ، قَال) أبو هريرة ([فَقُلْتُ: بَلَى] (٣). قَال) عبد الله بن سلام (هُوَ ذَاكَ) وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: صحيح، ورواه النسائي بطوله، وحديث ابن ماجه الذي هو على شرط الصحيح فيه حجة للقول بأنها آخر ساعة بعد العصر كما سيأتي (٤). [١٠٤٧] (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللِه) [بن مروان البغدادي الجمال، أخرج له مسلم. (حَدَّثَنَا حُسَيْنُ (٥) بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الجعفي من الأبدال (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٦) بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزدي (٧) الداراني (عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ) شراحيل بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة، ابن آدة بفتح الهمزة وتشديد الدال، وآدة بالمد وتخفيف الدال (الصَّنْعَانِيِّ) أخرج له مسلم والأربعة.

стр. 3205

(عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ) الثقفي، وقيل: ابن أبي أوس. نزل الشام [ومات بها، وقبره بها] (١). (قَال: قَال رَسُولُ اللِه ﷺ : إِنَّ مِنْ (٢) أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ) هذِه الرواية تدل على أن تقدير الرواية المتقدمة: إن من خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة (فِيهِ خُلِقَ آدَمُ) [وفيه دخل الجنة، وفيه خرج منها] (٣) (وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ) في الصور، زاد أحمد في رواية رجال إسناده رجال الصحيح: "فيه البعثة، وفيه البطشة" (٤) (وَفِيهِ الصَّعْقَةُ) يعني: عقب النفخة، فإن الله تعالى ذكره بفاء التعقيب في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥)، وهذِه الصعقة من شدة فزعهم، ولهذا جاء في الآية الأخرى: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (٦). (فَأَكثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ) [أي في يوم الجمعة، وكذا في ليلته بقوله ﷺ : "أكثروا الصلاة علي ليلة الجمعة ويوم الجمعة] (٧)، فمن صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشرًا". رواه البيهقي (٨) بإسناد جيد.

стр. 3206

(فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) في قبري (قَالوا: يَا رَسُولَ الله، وَكيفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيكَ وَقَدْ أَرَمْتَ) قال المنذري (١): أرمت بفتح الراء وسكون الميم. قال في "النهاية": بوزن (٢) ضربت وأصله أَرْمَمْتَ يعني بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم الأولى [فنقلت فتحة الميم الأولى إلى الراء] (٣) فحذفت إحدى الميمين كما قالوا: ظَلْتُ (٤) أفعل كذا في أظَلَلَتُ وأحست في أحسست (٥). يقال: أرم المال والبنون إذا فنوا، وقيل: أرْمَتَّ يعني (٦) بفتح الميم وتشديد التاء. قال الحربي: كذا يرويه المحدثون ولا أعرف وجهه، والصواب أَرَمَتْ بفتح الهمزة والراء والميم وسكون التاء فتكون التاء لتأنيث العظام أو رَمِمْتَ يعني بكسر الميم الأولى وسكون الثانية. أي: صرت رميمًا، وقيل: إنما هو أرْمَتَّ بسكون الراء وتشديد التاء على أنه أدغم إحدى الميمين في التاء. وهذا قول ساقط؛ لأن الميم لا تدغم في التاء أبدًا، وقيل: يجوز أن يكون أُرِمْتَ بضم الهمزة بوزن (٧) أُمِرْتَ من قولهم: أَرَمِتِ الإبل تأرم إذا تناولت العلف وقطعته من الأرض (٨).

стр. 3207

قال: (يَقُولُونَ) معناه (بَلِيتَ) وأصل هذِه الكلمة من رمّ الميت [وأرم إذا بلي] (١) والرمة: العظم البالي، والفعل الماضي من أرم للمتكلم والمخاطب أرممت بإظهار التضعيف، وكذلك كل فعل مضعف فإنه يظهر فيه التضعيف معهما (٢) تقول في شد: شددت، وفي أعد: أعددت، وإنما يظهر التضعيف؛ لأن تاء المتكلم والمخاطبة متحركة ولا يكون ما قبلها إلا ساكنًا، وإذا سكن ما قبلهما (٣) وهو الميم الثانية التقى ساكنان، ولا يجوز تحريك الثاني؛ لأنه وجب (٤) سكونه لأجل تاء المتكلم والمخاطب (٥) فلم يبق إلا تحريك الأول، وحيث حرك جاء التضعيف. والذي جاء في هذِه الرواية بميم واحدة، فإن صحت الرواية ولم تكن محرفة، فلا يمكن تخريجه (٦) إلا على لغة بعض العرب كما تقدم، فإن الخليل زعم أن ناسًا من بني وائل يقولون: ردَّتُ ورَدَّتَ يعني: بتشديد الدال والتاء للمتكلم والمخاطب، كأنهم قدروا الإدغام قبل دخول التاء، فيكون لفظ الحديث أرَمَّتَ بتشديد الميم وفتح التاء (٧). (فَقَال: إِن اللَّه تعالى حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ) "أن تأكل" كما في رواية

стр. 3208

النسائي (١) (أَجْسَادَ الأَنبِيَاءِ) عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم أحياء في قبورهم [وهم يصلون فيها] (٢) ألا ترى إلى صلاة النبي ﷺ بالأنبياء ليلة الإسراء ببيت المقدس، والصلاة لا تحصل إلا بالحياة، واستدل بذلك بعض المتأخرين كما حكاه الزركشي على أن مقابر الأنبياء لا تكره الصلاة عليها، بل تجوز (٣)؛ لأن علة الكراهة النجاسة، وهي منتفية فيهم. ثم (٤) قال: وهذا بخلاف مقابر غيرهم من الناس فإنها إذا كانت طاهرة كرهت الصلاة فيها، وإن كانت نجسة حرمت وبطلت. قلت: ومما يستبنى على (٥) تحريم الأرض أجسادهم ويخالفون فيها غيرهم من الناس أن قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تحرم عمارتها بغير الشيد والحجر أبدًا، بخلاف غيرهم، فإن من انمحق جسمه حرم عمارة قبره، وتسوية ترابه في المقابر المسبلة، وكذا نبش قبور الأنبياء، [لا يجوز بحال] (٦) وأما غيرهم ممن بلي جسمه وصار ترابًا جاز نبشه، ويرجع في ذلك إلى أهل الخبرة. * * *

стр. 3209

٢١٠ - باب الإِجابَةِ أَيَّةُ ساعَةٍ هي فِي يوْمِ الجُمُعةِ ١٠٤٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو -يَعْنِي ابن الحارِثِ- أَنَّ الجُلاحَ مَوْلَى عَبْدِ العَزِيزِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبا سَلَمَةَ -يَعْنِي: ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ- حَدَّثَهُ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قال: "يَوْمُ الجُمُعَةِ ثِنْتا عَشْرَةَ". يرِيدُ ساعَةً: "لا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ الله شَيْئًا، إِلَّا آتاهُ اللهُ فالتَمِسُوها آخِرَ ساعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ" (١). ١٠٤١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَحْرَمَةُ -يَعْنِي: ابن بُكَيْرٍ-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبي مُوسَى الأشعَرِيِّ قال: قال لِي عَبْدُ اللهِ بْن عُمَرَ أَسَمِعْتَ أَباكَ يُحدِّث، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَأْنِ الجُمُعَةِ يَعْنِي السّاعَةَ. قال: قُلْتُ: نَعَمْ سَمِعْتهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "هِيَ ما بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإمامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلاةُ". قال أَبُو داوُدَ: يَعْنِي عَلَى الِمنْبَرِ (٢). * * * باب الإِجَابَة [بالرفع مبتدأ أَيَّةُ] (٣) سَاعَةٍ هِيَ (٤) فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ [١٠٤٨] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) المصري (حَدَّثَنَا) عبد الله (ابْنُ وَهْبٍ) الفهري مولاهم. (أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الحَارِثِ) بن يعقوب، أبو أمية الأنصاري مولاهم المصري أحد الأعلام.

стр. 3210

(أن الجلاح) بضم الجيم وتخفيف اللام، أبو كثير (مولى) عمر بن (عبد العزيز) بن مروان القرشي، أخرج له مسلم في البيوع (حدثه أن أبا سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. (حدثه، عن جابر بن عبد الله ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: يوم) بالرفع (الجمعة ثنتا) بكسر المثلثة أوله هكذا الرواية، واللغة المشهورة اثنتا كما قال تعالى ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (١) واثنتان وثنتان يرفعان بالألف؛ لأنهما ملحقان بالمثنى (عشرة) بسكون الشين، وبنو تميم يكسرونها (يريد) هذا تفسير من أحد الرواة (ساعة) بالنصب على التمييز، وقال النسائي: "اثنتا (٢) عشرة ساعة" (٣) وفي الكلام حذف تقديره فيها ساعة. (لا يوجد مسلم) وفي رواية لأحمد: "في آخر ثلاث ساعات منها ساعة، من دعا (٤) الله تعالى فيها استجيب له" (٥) (يسأل الله) (٦) تعالى فيها (شيئًا) [أي: مما يليق أن يدعو به المسلم. رواه البخاري في الطلاق: "يسأل الله خيرًا" (٧) ولمسلم مثله (٨)] (٩) (إلا آتاه الله) [تعالى خيرًا] (١٠) أي: أعطاه الله (١١) تعالى إياه.

стр. 3211

(فالتمسوها آخر ساعة بعد) صلاة (العصر) وخصت هذِه الساعة بالإجابة؛ لأنها وقت غفلة الناس، وقد وردت هذِه العلة في رواية الأصبهاني، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة آخر ساعة قبل غروب الشمس أغفل ما يكون الناس" (١) وهذا الحديث مع ما تقدم قبله يرجح أنها آخر ساعة من يوم الجمعة كما قال عبد الله بن سلام (٢)، وحكى الترمذي، عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك (٣). وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب (٤). وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا (٥) ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة (٦)، ورجحه كثير من الأئمة

стр. 3212

أيضًا كأحمد وإسحاق (١)، ومن المالكية الطرطوشي وحكى الشيخ صلاح الدين العلائي أن شيخه ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته كان يختاره ويحكيه عن نص (٢) الشافعي. وأجابوا عن كونه ليس في أحد الصحيحين بأن الترجيح لما في الصحيحين أو أحدهما إنما يكون حيث لا ينتقده (٣) الحافظ كحديث أبي موسى الآتي فإنه أعل بالاضطراب والانقطاع [أما الانقطاع] (٤) فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه قاله أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة وزاد: إنما هي كُتُبٌ كانت عندنا، وقال علي بن المديني: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول عن مخرمة أنه قال في شيء من حديثه: سمعت أبي ولا يقال مسلم يكتفي في المعنعن (٥) بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا لأنا نقول وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع. وأما الاضطراب فقد رواه أبو إسحاق وواصل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبي بردة من قوله وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفي، فهم أعلم بحديثه [من بكير المديني] (٦) وهم عدد وهو واحد،

стр. 3213

وأيضًا فلو كان عند أبي بردة مرفوعًا (١) لم يفت فيه برأيه، بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب (٢). [١٠٤٩] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا) (٣) عبد الله (ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ ابن (٤) بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي مولاهم، وقد تقدم عن أحمد أن مخرمة لم يسمع من أبيه، وعن الدارقطني أن الموقوف هو الصواب (٥). قال النووي: وهذا الذي استدركه الدارقطني بناه على القاعدة المعروفة له (٦) ولأكثر النحويين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال وهذِه قاعدة ضعيفة، والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم أنه يحكم بالرفع والاتصال؛ لأنها زيادة (٧) ثقة. ثم (٨) قال: وروينا في "سنن البيهقي" عن أحمد بن سلمة قال: ذاكرت مسلم بن الحجاج بحديث مخرمة هذا فقال مسلم: هذا أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الجمعة، انتهى (٩). وقول مسلم: وأجود حديث وأصحه، إنما يرجح رواية أبي موسى أن لو انفردت رواية عبد الله بن سلام أو

стр. 3214

غيره، أما إذا عضد (١) رواية ابن سلام أحاديث صحيحة فلا تقاومه رواية أبي موسى والله أعلم. (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عامر بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَال: قَال لِي عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ﵄ (أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي شَأْنِ الجُمُعَةِ يَعْنِي: السَّاعَةَ) رواية مسلم: "في شأن ساعة الجمعة" (٢) (قَال: قُلْتُ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ) على المنبر: كما سيأتي (هِيَ مَا بَينَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ) على المنبر، كما سيأتي. يعني: أول جلوسه بعد السلام. (إِلَى أَنْ تُقْضَى) بالتاء المثناة فوق المضمومة وفتح (٣) الضاد (الصَّلَاةُ) بالرفع (قَال المصنف: يَعْنِي) يجلس الإمام (عَلَى المِنْبَرِ) بكسر الميم، وفيه دليل على أن من سنن الخطبة أن تكون على منبر أو مرتفع؛ لأنه أبلغ في الإعلام إذا لم يكن منبر، وأنه يستحب للخطيب أن يجلس على المنبر أول صعوده؛ ليؤذن بين يديه، وهذا الحديث حجة للقول بأنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يفرغ من الصلاة، وبه قال البيهقي وابن العربي (٤). قال المنذري: وإلى هذا القول ذهب طوائف من أهل العلم (٥).

стр. 3215

وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره (١). وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب (٢). وجزم في "الروضة" بأنه الصواب (٣)، ورجح أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا وفي أحد الصحيحين. وهذا القول يمكن أن يتحد مع قولين (٤) آخرين في المسألة أحدهما ما رواه حميد (٥) بن زنجويه عن ابن عباس ﵄، وحكاه البغوي في "شَرح السُّنَّة" عنه: أنها ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة (٦). والثاني: ما رواه سعيد (٧) بن منصور وابن المنذر، عن الشعبي: أنها ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل. فإن تحريم البيع هو من الشروع في الأذان -كما هو ظاهر الآية- إلى الفراغ من الصلاة. * * *

стр. 3216

٢١١ - باب فَضْلِ الجُمُعَةِ ١٠٥٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ فاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ ما بَينَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ وَزِيادَةُ ثَلَاثةِ أَيّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغا" (١). ١٠٥١ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا عِيسَى، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ، قال: حَدَّثَنِي عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنْ مَوْلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ عُثْمانَ قال: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ يَقُول: "إِذا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ غَدَتِ الشَّياطِينُ بِراياتِها إِلَى الأَسْواقِ فَيَرْمُونَ النّاسَ بِالتَّرابِيثِ أَوِ الزَبائِثِ وَيُثَبِّطُونَهُمْ عَنِ الجُمُعَةِ، وَتَغْدُو المَلائِكَةُ فَيَجْلِسُونَ عَلَى أَبْواب المَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ الرَّجُلَ مِنْ ساعَةٍ، والرَّجُلَ مِنْ ساعَتَينِ، حَتَّى يَخْرُجَ الإِمَامُ، فَإِذا جَلَسَ الرَّجُلُ مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنَ الاسْتِماعِ والنَّظَرِ فَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ كانَ لَهُ كِفْلانِ مِنْ أَجْرٍ، فَإِنْ نَأَى وَجَلَسَ حَيثُ لا يَسْمَعُ فَأَنْصَتَ، وَلَمْ يَلْغُ كانَ لَهُ كِفْلٌ مِنْ أَجْرٍ، وَإنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنَ الاسْتِماعِ والنَّظَرِ فَلَغا وَلَمْ يُنْصِتْ كانَ لَهُ كِفْلٌ مِنْ وِزْرٍ، وَمَنْ قال يَوْمَ الجُمُعَةِ لِصاحِبِهِ صَهْ. فَقَدْ لَغا، وَمَنْ لَغا فَلَيسَ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ شَيْءٌ". ثُمَّ يَقُولُ فِي آخِرِ ذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ. قال أَبُو داوُدَ: رَواهُ الوَلِيدُ بْن مُسْلِمٍ، عَنِ ابن جابِرٍ قال: بِالرَّبائِثِ. وقال: مَوْلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ عُثْمانَ بْنِ عَطاسٍ (٢). * * *

стр. 3217

باب فَضْلِ الجُمُعَةِ [١٠٥٠] (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (١): (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسولُ الله ﷺ : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ) إحسان الوضوء أن يثلث الغسلات (٢) ويسبغه، ويأتي بسننه وآدابه، والذكر عقبه (٣). (ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ) يؤخذ منه عدم وجوب غسل الجمعة؛ لاقتصاره على الوضوء فيه مع ترتيب المغفرة عليه وعلى ما بعده. (فَاسْتَمَعَ) أي أصغى بسمعه إليها (وَأَنْصَتَ) أي سكت، ولهذا جمع الله تعالى بينهما في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٤) وهذا الفضل المذكور بعده مخصوص بمن استمع وأصغى للخطبة من أولها إلى آخرها. (غُفِرَ لَهُ مَا بَينَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ) الأخرى، يعني ما عدا الكبائر، وحقوق الآدميين. (وزيادة) بالنصب على الظرف، كذا قال النووي (٥). يعني: لإضافته إلى الظرف، وهو (ثلاثة أيام) والثلاثة يكمل بها الأسبوع عشرة أيام، إذ الحسنة بعشر أمثالها، واليوم بعشرة أيام، ويجوز النصب بالعطف على

стр. 3218

(ما)، والنائب عن الفاعل الجار والمجرور في قوله (له) (١) قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام أن الحسنة بعشر أمثالها [وصار يوم الجمعة إلى الذي فعل (٢) فيه هذِه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشر أمثالها] (٣) (٤) كما تقدم الحديث في التيمم في باب الغسل يوم الجمعة. (وَمَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا) (٥) أي: أتى لغوًا (٦) من الفعل كمن لغا في قوله، وفيه نهي عن مس الحصا وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة، وعلى الله تعالى والإعراض عن جميع أنواع (٧) اللهو، والمراد باللهو هنا الباطل المردود. [١٠٥١] (حدثنا إبراهيم بن موسى) الرازي الحافظ شيخ الشيخين (أنبأنا عيسى) بن يونس بن أبي (٨) إسحاق عمرو الهمداني الكوفي، سكن ناحية بالشام تسمى الحدب من الثغور (حدثنا عبد الرحمن بن يزيد

стр. 3219

بن جابر) الأزدي الداراني. (حدثني عطاء) بن أبي مسلم ميسرة (١) (الخراساني) مولى المهلب بن أبي صفرة (عن مولى (٢) امرأته أم عثمان) بنت عطاء. (قال: سمعت عليًّا على منبر الكوفة يقول: إذا كان) هي التامة (يوم الجمعة غدت) بالترابيث (٣). (الشياطين) رواية أحمد: "خرجت الشياطين" (٤). (براياتها إلى الأسواق، فيرمون الناس بالترابيت) أي: يؤنبون [هكذا روي في غير هذا الحديث. قال المنذري: الترابيث ليس بشيء، وإنما] (٥) الربايث (٦) بفتح المثناة فوق والراء، وبعد الألف باء موحدة، وآخره ثاء مثلثة. قال في "النهاية": يجوز -إن صحت الرواية- أن يكون جمع تربيثة، وهي المرة الواحدة من التربيث تقول: رَبَّثْتُه تَرْبيثًا وتَرْبيثَةً واحدة مثل قدمته تقديما وتقديمة واحدة (٧).

стр. 3220

(أو) [للشك من عطاء أو غيره] (١) يأخذونهم (بالربائث) بالراء والباء الموحدة، ثم ألف، ثم ياء مثناة تحت بعدها ثاء مثلثة جمع: ربيثة، وهي الأمر الذي يحبس الإنسان عن مقصده ويثبطه عنه، ومعناه أن الشياطين تشغلهم وتقيدهم عن السعي إلى الجمعة، وتذكرهم بالحاجات التي نسوها، وتحثهم على المبادرة إليها قبل أن تفوت، وتطمعهم في أن الوقت باقٍ متسع لم يتضيق فلا يزالون بذلك إلى أن تذهب الأوقات الفاضلة. (ويثبطونهم) أي: يحبسونهم ويمنعونهم عن المبادرة إلى الجمعة، كما أن المنافقين ومن استحوذ الشيطان [على قلبه] (٢) وشغله بالأمور الدنيوية يثبطون الذين يخرجون إلى الجهاد ويقولون لهم: ليس أمامكم عدوٌّ فما لذهابكم فائدة، ولو نعلم قتالًا لاتبعناهم. (وتغدو الملائكة فتجلس على أبواب المسجد) يعني المساجد، ورواية أحمد: "وتقعد الملائكة على أبواب المساجد" (٣) (فيكتبون) وروى الحافظ أبو نعيم في "الحلية" مرفوعًا: "إذا كان يوم الجمعة (٤) بعث الله ملائكة بصحف من نور، وأقلام من نور" (٥)، وهذا يدل على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة. (الرجل) أي اسم الرجل المتقدم في المجيء إلى الصلاة (من ساعة)

стр. 3221

واحدة، ويكتبون اسم الرجل الذي بعده (و) مجيئه (من ساعتين) والذي يليه من ثلاث ساعات على حسب مراتب السابق إلى المسجد، والسابق بعده؛ لتفاوتهم في الفضيلة. (حتى يخرج الإمام) فإذا خرج الإمام طووا الصحف وحضروا يستمعون الذكر، واستنبط الماوردي منه أن التبكير (١) لا يستحب للإمام، قال: ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر (٢). (فإذا جلس الرجل) الداخل للمسجد (مجلسا يستمكن) [أي: يتمكن] (٣) (فيه من الاستماع) للخطبة (والنظر) إلى الخطيب. فيه [الدنو من الإمام و] (٤) استحباب النظر إلى الخطيب لكونه أبلغ. (فأنصت ولم يلغ) أي: بالكلام الباطل. (كان له كفل) (٥) بكسر الكاف وسكون الفاء وهو الحظ والنصيب، [وفي بعض النسخ كفلان (٦). (من الأجر فإن نأى) أي: بعد عن الخطيب. (حيث لا يسمع) الخطبة (فأنصت ولم يلغ) بكلام (كان له كفل) هو الحظ والنصيب] (٧) وكره النخعي (٨) الشرب من ثلمة القدح وقال: إنها

стр. 3222

كفل الشيطان (١). يعني: إنها (٢) مقعده، وأراد أنها مركبه (٣)؛ لما يكون عليها من الأوساخ، وفي معناه إناء الطعام (من أجر) أي: من (٤) الثواب. (وإن جلس مجلسًا يستمكن فيه من الاستماع) مع الفهم (٥) (والنظر) للخطيب إذا نظر إليه، وكان ممن يقتدى به (فلغا ولم ينصت) بضم أوله وكسر ثالثه (كان له) أي (٦): عليه كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٧) وقوله ﷺ : "اشترطي لهم الولاء" (٨). (كفل من وزر) إثم وذنب، وأصل الوزر الحمل والثقل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٩). (ومن قال يوم الجمعة) حال استماع الخطبة (لصاحبه) الذي يقرب منه، وإن لم يكن يعرفه (صه) كلمة، بنيت على السكون، وهي للزجر، ومعناه: اسكت، ويكون للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بمعنى اسكت، وهي من أسماء الأفعال، وإذا نونت [في الوصل] (١٠)

стр. 3223

فهي للتنكير، كأنك قلت: اسكت سكوتًا تاما وإذا لم تنون فهي للتعريف أي: اسكت السكوت المعروف منك (١). (فقد لغا) بفتح (٢) الغين يقال: لَغَا يَلْغُو لَغْوًا ولَغَى يَلْغَى ولَغِيَ بكسر الغين يَلْغي إذا خاب من الأجر. وقيل: معناه: تكلم، وقيل: صارت جمعته ظهرًا، وقيل: مال عن الصواب. (فليس له في جمعته تلك شيء) [من الأجر] (٣) لأنه سقط بلغوه (ثم يقول) عليٌّ (في آخر ذلك: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك). قال المصنف: (ورواه الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن جابر [وقال) فيه (بالربائث) يعني: دون شك] (٤) (وقال: عن مولى امرأته أم عثمان بن عطاء). * * *

стр. 3224

٢١٢ - باب التَّشْدِيد فِي ترْكِ الجُمُعَةِ ١٠٥٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ محَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قال: حَدَّثَنِي عُبَيْدَةُ بْنُ سُفْيانَ الحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِي الجَعْدِ الضَّمْرِيِّ -وَكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمَعٍ تَهاوُنًا بِها طِبعَ اللُّه عَلَى قَلْبِهِ" (١). * * * باب التَّشْدِيدِ [فِي تَرْكِ الجُمُعَةِ] (٢) [١٠٥٢] (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطان (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو) ابن (٣) علقمة بن وقاص [الليثي المدني أخرج له] (٤) مسلم والأربعة. (قَال: حَدَّثَنِي عَبيْدة) بفتح المهملة وكسر الموحدة [ثم مثناة تحت (بْنُ سُفْيَانَ] (٥) الحَضْرَمِيُّ) أخرج له مسلم في الصيد. (عَنْ أَبِي الجَعْدِ) قال ابن عبد البر [والمنذري وغيرهما: اسمه أدرع] (٦) يعني: بفتح الراء، وقيل: جنادة، وقيل: عمرو بن بكر (٧). قال في "الاستيعاب": له صحبة ورواية، وله دار في بني ضمرة بالمدينة (٨).

стр. 3225

(الضَّمْرِيِّ) بفتح الضاد [المعجمة وسكون الميم] (١) من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة. (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ [قَال: مَنْ تَرَكَ] (٢) ثَلَاثَ جُمَعٍ) ولفظ الترمذي وابن ماجه: "من ترك الجمعة ثلاث مرات" (٣) [وإطلاق الحديث] (٤) يشمل ترك الثلاث متوالية ومتفرقة. (تهاونًا) قال ابن الأثير في ["شرح مسند] (٥) الشافعي": التهاون تفاعل من الهوان، وهو الذل والاستحقار (٦) وهو [منصوب لأنه] (٧) مفعول له. أي: تركها للتهاون بها (٨) (طَبَعَ اللُّه) تعالى (عَلَى قَلْبِهِ) الطبع أخو الختم [وهو كناية] (٩) عن شدة عدم (١٠) دخول الإيمان ووصول الحق إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (١١) أي أغلقها وختمها ومنعها إلطافه، ولا تدخلها الموعظة، وإن دخلت فلا تعيها، تشبها بالشيء الذي يختم عليه بعد الشد زيادة في الإغلاق والإيكاء [والطبع بالسكون الختم، وبالتحريك: الدنس، ثم استعمل فيما يشبهه من الأوزار وغيرها من القبائح] (١٢). * * *
следующие страницы →