← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

زَيْدٍ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِل الأَسَدِيِّ قال: نَهَى رَسُول اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غائِط. قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَبُو زَيْدٍ هُوَ مَوْلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ (١). ١١ - حَدَّثَنا محَمَّدُ بْن يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنا صَفْوانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الحَسَنِ بْنِ ذَكْوانَ، عَنْ مَرْوانَ الأصْفَرِ قال: رَأَيْتُ ابن عُمَرَ أَناخَ راحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْها، فَقُلْت: يا أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَليْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هذا؟ قال: بَلَى إِنَّما نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الفَضاءِ، فَإذا كانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ القِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكُ فَلا بَأْسَ (٢). * * * باب كراهية استقبال القبلة عند الحاجة [٧] (ثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، قال: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خَازم. بالخاء والزاي المعجمتَين المعُروف بالضَّرير السَّعدي مَولى لهم الكُوفي ذَهَب بصره وهو ابن ثمان سنين (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد بن عَمْرو بن رَبيعة بن حارثة (٣) بن سعد بن مَالك بن النخع المعروف بالنخعي (عن عبد الرحمنَ بن يزيد) بن قيس أخو الأسْود الكوُفي النخعي، ماتَ في الجماجِم سنَة ثلاث وثمانين (عن سَلمان) الفارسي

стр. 317

الأصْبهاني، من فُضَلاء الصَّحَابة وزُهادهم وَعُبادهم موْلى النبي ﷺ توفي بالمدائن سنة ست وثلاثين. (قالَ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ (قِيلَ لَهُ) أي: لسلمان الفارسي، والقائل له رجَل يهودي: (لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ) (١) ﷺ (كُلَّ شَيْءٍ) هو مِنَ العَام المخصُوص كقولهِ تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ﴾ (٢) والتقدير هنا: كُل شيء، والمرَاد: كل شيء من أمور الدين. (حَتَّى الخِرَاءَةَ) بكسر الخاء والمدّ على وزن الحجَارَة اسم لهيئة الحدث، وأمَا نفس الحَدَث فبحذف التاء وبالمدّ مع فتح الخاء وكسْرها، وفي "النهاية" الخراءة بالكَسْر والمدّ؛ التخلي والقعود للحَاجَة (٣). (قال: أَجَلْ) بتخفيف اللام مَعْنَاهُ نعم ومراد سَلمان ﵁ أنهُ علمنا كل ما نحتَاج إليَه في ديننا حَتى الخراءة التِي ذكرت أيّها القائل، فإنه علمنا آدابها، فنهانا فيها عن كذَا وكذَا. (لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِغَائِطٍ) رواية مُسْلم "لغائط" (٤) باللام بدَل الباء. قال النووي: وهما بمعنى (٥). ويحتمل أن يكون اللام والبَاء بمعنَى "في"، فاللام كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٦)

стр. 318

[والباء كقوله] (١) تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: في جانبه ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ (٢) موسى ﵇، وأصل الغائط: المطمئنُّ منَ الأرض، ثم صَار كنَاية عَنِ الخارج المَعرُوف مِنَ دُبر الآدمي (٣). (أَوْ بَوْلٍ) احتج به المانِعُون مِن استقبال القبلة في حَال (٤) البَول والغائط مُطلقًا في البناء والصحراء، وهو قول أبي أيوب (٥) الأنصاري الصَّحابي، ومجاهد (٦)، وإبراهيم النخعي (٧)، وسُفيان الثوري، وأبي ثور، وأحمد في روَاية (٨). وفرّق الشافعي بيْنَ البنيان والصَّحراء (٩)، فحمل هذا الحديث على الصَّحراء، والأحاديث الآتية في الرخصَة على البُنيان، ولا خلاف بيْن العلماء أنه إذا أمكن الجمْع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها بل يجبُ الجمْع [بينهما والعمل بجميعها] (١٠). (و) نهانا (أَنْ لَا نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ) فيه بيان أدبُ الاستنجاء، وقد أجمعَ

стр. 319

العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، ثم الجماهير على أنهُ نهي تنزيه وأدَب لا نهي تحريم (١)، وصرَّح الرافعي بأنَّ مَسّ الذكر باليَمين مَكرُوه (٢) أي: في الاستنجاء وغيره، وَلَم يتعرض النووي في "الرَوضَة" للكراهَة، بل اقتصرَ على استحباب مَسْكه (٣) باليسار (٤)، وذهبَ بَعْض أهْل الظاهر إلى تحريم الاستنجاء باليَمين، وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحَابنا ولا تعويل على إشارتهم. قال أصحابنا: ويُستحب أن لا يستعين [باليد اليمنى] (٥) في شيء من أمور الاستنجاء إلا لعذر (٦) (٧). (وأن لا يستنجيَ) بنَصْب آخره، مُعظم النسخ بإثبات (لا) وهي زائدة كما في ﴿مَا مَنَعَكَ أَنَّ لَا تَسْجُدَ﴾ (٨) (٩) (أحدُنَا) والاستنجاء هو مسْح موضع النجو -يعني: الخُرْء بضم الخاء وإسكان الراء وهمزة مقصوُرة- بحجر أو مدر أو نحوهما من قولهم: استنجيت النخلة إذا التقطت رطبها (١٠)؛ لأنَّ المسْح لا يقطع النجاسَة، بل يبقي أثرها. (بأقلَّ) مجرور بالباء وعلامة جره فتحة آخره لأنه لا ينصرف (منْ) فهو

стр. 320

كقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ (١) (ثَلَاثةِ أَحْجَارٍ) هذا نصَ صحيح صريح في أنهُ لا بدَّ في الاستنجاء بالأحجار من ثلاثة، وفي معنى الأحجار الثلاثة حجر له ثلاثة أحرف؛ يمسح بكُل حرف مسحة. وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد، وإسحاق بن راهويه (٣)، وأبو ثور. وقال مالك: الواجب الإنقاء، فإن حصل بحجر أجزأه (٤) وهو وجه لبعض أصحابنا (٥)، ودَخَل في عموم الحديث أحجار الذهب والفضة وحجارة الحَرَم، والأصح سُقوط الفرض بكل واحد منها (٦)، وينبغي التفصيل في الذهَب والفِضة بين الرجَال والنساء بخلاف حجارة الحَرَم، وفيه حجة لمذهب الشافِعي وغيره أنه لا يُجزئ أقل من ثلاثة أحجار، خلافًا لمالك وداود حيث قالا: إن الواجب الإنقاء دُون العدد (٧). (أو يَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعِ) فيه: النهي عن الاستنجاء عن النجاسات بالرجيع (٨)، ونبه ﷺ بالرجيع (٩) على جنس النجس، فإن الرجيع هو الروث والعَذرة، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه رجع (١٠) عن حالته الأولى

стр. 321

بعد أن كان طعَامًا أو علفًا (١). وهو حُجة على الحنفية في جَوَاز الاستنجاء بالنجس. (أَوْ عَظْمٍ) فيه: النهي عن الاستنجاء بالمحترم، فنبه ﷺ على جنس المُحترم بالعَظم، فإن العَظم طَعَام للجنّ؛ لما رَوَى البخاري (٢) عن أبي هُريرة نهَى عن الاستنجاء بالعَظم وقال: إنهُ زاد إخوانكم منَ الجنّ. وسَاقه في باب ذكر الجِنّ بأتم مما سَاقه في الطهَارة، وأخرجهُ البيهقي (٣) من الوجه الذي أخرجهُ مطولًا. [٨] (ثَنَا عَبْدُ اللِّه بْنُ مُحَمَّدٍ) بن علي بن نفيل القضاعي (النُّفَيْلِي) بضم النُّون وفَتح الفاء مُصغرًا. خرج لهُ البخاري في آخِر تفسير سُورة البقرة (٤). (قال: ثَنَا) عبد الله (ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ القَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ) بفَتح المهُملة وكسْر الكاف الكناني المدني من الثقات (٥). (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان مولى جويرية بنت الأحمس (٦) مِن غطفان المعروف (٧) بالسَّمان ويقال: الزَّيات، كانَ يجْلبُ السَّمْنَ والزَيتَ إلى مَكةَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللِّه) ﷺ : (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ

стр. 322

الوَالِدِ) رواية النسائي عن يحيى بن سعيد "أَنَا لَكُمْ مثل الوالد". (أُعَلِّمُكُم) يعني: كما يُعَلم الوالدُ ولده، وفيه: فضيْلة تعليم الوَالِد أولادهُ. قال الشافعي والأصحاب: ما سيتعين (١) عليهم بعد البلُوغ فيُعلمه الوَلي الطهارة، والصلاة، والصيَام ونحوها، وتحريم شُرب الخمر، والكَذِب، والغيَبة ونحوها، ويعَرفه أن بالبلوغ (٢) يدخل [في التكليف] (٣)، ومعرفة ما يبْلغ به. وقيل: هذا التَعِليم مُستحب والصحيح وجوُبه، كما يجبُ عليه النظر في مَاله، فهذا أولى (٤). وفيه دَليل على أن المعَلم والمربي (٥) حقه على تلميذه كحق الوَالد بل (٦) أولى، حتى قال بعض الشافعية أنَّ عُقُوق الوَالد (٧) يُغفر بالتوبة بخلاف عُقُوق الأستاذ والمُعَلّم وإذا قلنا: إن المُعلم في حق (٨) الوَالد، فشَيخ شيخه جَد له، وكذا ما فوقه أجدَاد له. (فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ) لفظة "إذا أتى" أعم من الرواية المتقدمَة" إذا دَخل"؛ لأن الإتيان يشمل البُنيان والصَّحراء بخلاف الدخول، فإنه يشعر

стр. 323

بالبنيان (فَلَا يَسْتَقْبِلِ) بكسر اللام في الوصْل؛ لالتقاء السَّاكنين، فإن اللام مجزومة على النهي (القبلة) اللام فيه للعهد استثنى منه الشافعي وجماعة كثيرة من العلماء (١) والمحدِّثين منهم البخاري فقال: [باب لا] (٢) تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء؛ جدار أو نحوه (٣). يعني: كالأحجار الكبار و (٤) السَّواري والأخشاب والأشجار (٥) وغيرها. قال الإسماعيلي: ليس في الحديث دلالة على الاستثناء المذكور، وأجيب بثلاثة أوجه أقواها ما ذكره (٦) الإسماعيلي أنه تمسك بحقيقة الغائط؛ لأنه المكان المُطمئن من الأرض في الفضاء، وهذِه حقيقته اللغوية، وإن كان قد صار يطلق (٧) على كل مكان أعدَّ لذلك مجازًا. ثانيها (٨): والجواب الثاني: أن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفًا. وثالثها: الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر الآتي، لأن حديث النبي ﷺ كله كأنه شيء واحد. قاله ابن بطال (٩) وارتضاه ابن

стр. 324

التين (١) (٢) أنه [استفيد من] (٣) حديث ابن عمر الآتي: رقيت (٤) فرأيت (٥) النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل القبلة (٦). (ولا يستدبرها) كذا رواية مُسلم (٧) وزاد "ببول أو غائط" (٨). (ولا يستطب) بالجزم، الاستطابة والاستنجاء والاستجمار عبارات عن إزالة الخارج من السَّبِيلين عن مخرجه، فالاستطابة والاستنجاء يكونان تارة بالماء وتارة بالأحجار، والاستجمار مُختصّ بالأحجار كما سيأتي، وسُميت الاستطابة بذلك؛ لأن الإنسان يطيب (٩) نفسه بإزالة الحَدَث. (بيمينه) فيه: تنبيه على إكرام اليَمِين وصيانتها عن الأقذار ونحوها، فإن احتاج إلى يمينهِ بأن كان الاستنجاء من بولٍ والحجر صغير، فإن أمكنه أنْ يضعه بين عقبيه ومسح ذكره عليه بشماله فعل، وإن لم يمكنه أمسك الحجر بيمينه ومسَحَ بيساره موضع الحاجة، فإن في (١٠) هذِه الحالة ليس ماسحًا باليمين ولا مُمسكًا لذكره بها.

стр. 325

(وكان يأمرُ) أن يستنجى (بثلاثة أحجار) قال ابن القصَّار: يحتمل أن يكون أراد بذكر الثلاثة أن الغالب وجود الإنقاء بها، كما ذكر (١) في المُستيقظ من النَّوم أن يغسل يده ثلاثًا قبل إدخالها (٢) الإناء على غير وجه الشرط، والدليل على أن الثلاثة ليس بشرط حدَّ به الاستنجاء أنه لو لم ينق بها لزاد عليها ولا يقتصر عليها إذا لم تنق، فعلم أن الفرض الإنقاء (٣) ويحوُز أن تحمل (٤) الثلاثة على الاستحسان وإن أنقى بما دُونها؛ لأن الاستنجاء مسح، والمسح في الشرع لا يُوجب التكرار، دَليله مسْح الرأس والخفين، وأيضًا فإن الحجر الواحد لو كان له ثلاثة أحرف قام مقام الثلاثة الأحجار؛ فكذلك يقوم الحجر والحجران مقام الثلاثة إذا حصَل بها قلع النجاسة (٥). (وينهى (٦) عن الرَّوث) وهو رجيع ذوات الحوافر، وهو من باب: التسمية بالمصدر من راث يروث كقال يقول قولًا، والروثة الواحدة منه. وفي رواية البخاري: القى الروثة، وقال: "هذا ركسٌ" (٧). وفي

стр. 326

رواية الترمذي: "هذا ركس" (١). وأغرب النسائي فقال: الركس طعام الجنّ (٢). (والرِّمَّة) بكسر الراء وتشديد الميم العظم البَالي وهو الرَّميم وجمع الرّمَّة رمم مثل سدرة وسدر، ورم العَظم يرم مثل ضربَ يضرب، فهو رميم، جمعه رمَام مثل كريم وكرام، وأما الرُّمة بالضم فهو القطعة من الحبل (٣) ومنه سمي (٤) ذو الرُّمة. [٩] (ثَنَا مُسَدَّدُ، قال: ثنا سُفْيَانُ، عن) محمد بن شهاب (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيثِيِّ) من أنفسهم ويقال: الجُنْدَعِي (٥) من أهل المدينة، (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصَاري المدني (رواية) أي: رواهُ مرفوعًا إلى النبي ﷺ قَالَ: (إِذَا أَتَيتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ) ظاهرهُ اختصاص النهي بخروج الخارج من القُبل أو الدُبر؛ لأن التقدير: لا تستقبلوا القبلة في حَال خروج الغائط والبول، فيكون مثار النهي (٦) إكرام الكعبة عن المواجهة بالنجاسة، قلتُ (٧): وفي معناه

стр. 327

استقبال القبلة في حَال الجلوس لإخراج دم الفصْد والحجامة ودم الحيض والنفاس، وحال التقيؤ والاستفراغ، وقيل: مثار النهي عن كشف العورة، وعلى هذا فيطرد في كل [حالة تنكشف] (١) فيها العَورة كالوطء مثلًا، وكشف العورة للختان والاستحداد، والاغتسال مكشوف العَورة، وهي تختلف باعتبار الذكورة والأنوثة، والحرية والرقيق، والصَغير وغير ذلك. (ولكن شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) قال العُلماء: هذا خطاب لأهل المدِينَة والشام والمغرب، وما في معناها مِنَ البلاد التي تكونُ بحيث إذا شرَّق أو غرَّب لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها (٢). واستدل به (٣) بعضهم على أنَّ من بعد عن مكة يستقبل ما يُحاذيها إلى جهة الشرق والغَرب، وكأنه يري أن لو خَطَّ من البيت خطًّا إلى جهة المشرق وخطًّا إلى جهة (٤) المغرب، ثم يستقبل كل من وراء الخط من أي الجِهتَين كان ذَلكَ الخَط. وهو معْنى قول مَالك، وروي نحوه عن عُمر، وإليه ذَهبَ البخَاري (٥) واحتج بهذا الحَديث؛ لأنه يدُل على أن القبلة لا تكونُ إلى شرق أو غرب، وصلاة أهل الجهات التي تقارب مكة من (٦) كل جهة تدل على خلاف هذا القوله.

стр. 328

قال: (فَقَدِمْنَا الشَّامَ) ورَوَاهُ مالك في "الموطأ" من طريق أخرى، عن أبي أيُّوب، وفيه: وهو بمصر بدل الشام (١). (فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ) [بالنَّصْب غير منصرف] (٢) جمع مرحاض بكسر الميم وهو المغتسل من قولهم: رحضت الثوب رحضًا مِنْ باب نفع نفعًا أي: غسلته فهو رَحيض، ثم كني به عن المستراح وهو موضع التخلي؛ لأنهُ موضع غسل النجو. (قَدْ بُنِيَتْ قِبل) بوزن عنب (٣) أي: جهة (القبلة) وفي رواية في الصحيحين: قد بُنيَت نحو الكعبة (٤). (فَكُنَّا (٥) نَنْحَرِفُ عَنْهَا) قيل: مَعناه: نحرص على اجتنابها (٦) بالميل عنها قدرتنا ونستغفر، رواية مُسلم: فننحرف عنها (٧). (ونَستغفر الله) [قيل: لباني الكنف] (٨) على هذِه الصفة الممنُوعة عنده؛ لأنه لو لم تكن عندهُ ممنُوعًا لما احتاج إلى استغفار. [قال ابن دقيق العيد: الأقرب أنهُ استغفار] (٩) لنفسه، بسبب موافقته لمقتضى

стр. 329

البناء غلطًا أو سهوًا، فيتذكر فينحرف ويستغفر الله، فإن قلت: الغالط والساهي لم يفعل إثمًا، فلا حاجة للاستغفار قلتُ: أهل الوَرع والمناصب العلية يستغفرون [بناء على نسبتهم التقصير] (١) إلى أنفسهم في التحفظ ابتداء (٢). [١٠] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوُذكي، قال: (ثَنَا وُهَيْبٌ) بن خالد بن عجلان البَاهلي، قال: (ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عمارة المازني الأنصاري المدَني، (عَنْ أَبِي زَيْدٍ) مولى بني ثعلبة، قيل: اسمُه الوليد، (عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِل) بفتح المِيم وكسْر القاف فيهما بن الهيثم (الأسدي) حليف بني أسد الصحَابِي، مات في زمن مُعاوية. قال: (نَهَى رَسُولُ اللِّه ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ) بفتح النُون والبَاء الموحدة. (القبلتَين) الكعبة وبيت المقدس، [احتج به إبراهيم وابن سيرين على تحريم استقبال بيت المقدس مُطلقًا، خلافًا لمن ادعى الإجماع على عدَم التحريم. وروى: نهانا (٣)] (٤). قالَ أصحَابنا: لا يحرم استقبال بيت المقدس ببَول ولا غائط ولا استدبَاره لا في البناء ولا في الصحراء. قال المتَولي وغيره: لكنه يُكرَه. ونقل الروياني عن الأصحَاب أنه يُكره؛ لكونه كَانَ قبلة. وهذا الحديث

стр. 330

رواه أحمد (١) وابن ماجَه (٢) وإسنَاده جَيد، وأجابُوا عنهُ بِجَوابَين: (أحدُهما: ) أنهُ نهَى عن آستقبال بيت المقدس حينَ كانَ قبلة، ثم نهى عن الكَعبة حين صارت قبلة، فجمعهما الراوي. هذا تأويلُ أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة. (والثاني): [المراد بالنهي عن استقبالهما، النهي عن استقبال الكعبة واستدبَارها، و] (٣) المُراد بالنهي أهل المدينة، لأن من استقبل بيت المقدس وهو في المدينة استدبر الكعْبة، وإن استدبره استقبلها. قال النووي: والظاهِر المختار (٤) أن النهي وقعَ في وقت واحِد، وأنهُ عامٌّ لكلتيهما في كل مكان، ولكنهُ في الكعبة نهيُ تَحريم، وفي بيت المقدس نهي تنزيه، ولا يمتنع جمعهما في النهي، وإن اختلف معناه كما لا يمتنعُ جمع الوَاجِب، والمندُوب (٥) في الأمر في قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (٦) وسَبَبُ النَهي عن بيت المقدس، كونه كان قبلة فبقيت له حُرمة دون حرمة الكعبة، فإن قيلَ لم حملتموهُ على التنزيه؟ قلنا: للإجماع فلا نعلم (٧) أحدًا ممن يعتد به حرمه (٨). وزعم ابن حزم

стр. 331

الظاهري أن النهي عن استقبال بيت المقدس لا يصح (١). (ببَول أو غائط) وفي رواية: "ببول أو بغائط" (٢). ونقل الرافعي في الشهادَات عن صَاحب"العدة": أن التغوط مُستقبل القبلة من الصغائر (٣)، وأقره عَلَيه ولا يكرَه. ويجوز عندنا استقبال القبلة واستدبارها حالة الجماع في البنيان والصحراء بلا كراهة؛ لأن الحديث ورد في البَول والغائط دُونَ غيرهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد، واختلف على مالك فيه، وكذا في حَالة الاستنجاء (٤) وإخراج الريح إلى القبلة (٥). (قال أبو داود: أبو زيد هو موْلى بني ثعلبة). [١١] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) بْنِ عبد الله بن خالد (بن فَارِسٍ) بن ذؤيب الذهلي النيسابوري شيخ البخاري والأربعة، وللبخاري عنه عدة أحاديث، لكن يبهمه (٦)، فتارة يقولُ: ثنا محمد، وتارة يقول: محمد بن عبد الله، وتارة يقول: محمد بن خالد. قال ولده محمد: دَخَلت على أبي وقت القائلة في الصَّيف، فقلتُ: يا أبت في هذا الوقت ودُخان هذا السِّراج، فلو أرحت نفسك! فقال: يا بني، تقول هذا وأنا مع رسول

стр. 332

الله ﷺ وأصحابه والتابعين! (١) وقال أبو قريش الحافظ: كنت عند أبي زرعة فجاء مسلم فجلس سَاعَة وتذاكرا، فلما أن قام قلت: هذا جمع أربعة آلاف حديث صحيحة قال: فلم ترك الباقي؟ ! ثم قال: ليس [لهذا عقل] (٢) لو دارى (٣) محمد بن يحيى لكان رجلًا (٤). (قال: ثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى) القرشي (٥) الزهري البصري، قال محمد بن سعد: كان ثقة صالحًا (٦)، توفي بالبصرة سنة مائتين في خلافة عبد الله بن هارون وكان من خيار عباد الله، استشهد به البخاري في "الصَّحيح"، وروى له في "الأدب" وروى له الباقون (٧). (عَنِ الحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ) البصري أبو سلمة، ذكرهُ ابن حبان في "الثقات" (٨). (عَنْ مَرْوَانَ) قال أبو داود: هو مروان بن خاقان (الأَصْفَرِ) ثقة أبو خلف البَصْري أخرج له الشيخان (٩). (قال: رَأَيْتُ) عبد الله (بْنَ عُمَرَ) ﵄ (أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ) بالنَصب

стр. 333

على الحال (١) من الضمير المُستتر (القبلة، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ) مُستقبل القبلة (إِلَيهَا) فيه دليل على ما تقدم أنه إذا وجد السَّاتر لا يحتاج إلى أن يبعد؛ فيكون هذا مخصصًا للحديث المتقدم إذا أراد البرَاز انطلق حتى لا يراهُ أحد، وفيه جواز استقبال القبلة إذا وجد السَّاتر ويكونُ النهي المتقدم مخصوصًا بالصحراء جمعًا بين الأحاديث كما تقدم. قال في "شرح المهذب": الصَّحيح أنه إن (٢) كان بين يديه (٣) ساتر مُرتفع على قدر ثلثي ذراع ويقرب (٤) منه على ثلاثة أذرع، جاز استقبال القبلة سواء كان في الصحراء أم في البنيان (٥). [وذكر نحوه] (٦) في "شرح الوسيط" المُسمى بـ "التنقيح". (فقلت: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيسَ) همزة الاستفهام في ليس للإنكار دخلت على النفي، ونفي (٧) النفي إثبات (قد نهي عن هذا) يعني في الحَديث المتقدم. (قال: بَلَى إِنمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الفَضَاءِ) دُون البُنيان (فإذا) كنت في

стр. 334

الفضاء و (كَانَ بَينَكَ وَبَينَ القِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ) من وَهدة (١) أو دَابة أو كثيب رمل أو جِدَار، ويحصُل السّتر بإرخاء الذَيْل على الأصح بالشرطين المذكورين وهو أن يكونَ بينه وبين السَّاتر قدر [ثلاثة أذرع] (٢) فما دونها وأن يرتفع الساتر ثلثي ذراع (فَلَا بَأْسَ) إذا وجدَ الشرطان. * * *

стр. 335

٥ - باب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ ١٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبّانَ، عَنْ عَمِّهِ واسِعِ بْنِ حَبّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قال: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ البَيْتِ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ علَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الَمقْدِسِ لحِاجَتِهِ (١). ١٣ - حَدَّثَنا محَمَّد بْن بَشَّارٍ، حَدَّثَنا وَهْبٌ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنا أَبِي قال: سَمِعْتُ محَمَّدَ بْنَ إِسْحاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبانَ بْنِ صالِح، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: نَهَى نَبِيُّ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعامٍ يَسْتَقْبِلُها (٢). * * * باب الرخصة في ذلك [١٢] (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي، (عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري المدَني التابعي، وكذَا شَيخه وشَيخ شيخه في الأوصاف الثلاثة لكن قيل إن لواسع رؤية فذكر لذلك في الصَحابة (٣)، (عَنْ مُحَمَدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهَملة، وتشديد الباء الموحدة بن مُنقذ بن عمرو الأنصاري كانت لهُ حلقة في مسجد رسول الله ﷺ وكان كثير الحَديث ويفتي (٤) مَاتَ سنة (٥) ١٢١، (عَنْ عَمِّهِ

стр. 336

وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ) بفتح المهملة وتشديد الموحَّدة أيضًا وحَبان يحتمل الصَّرف ومنَعه نظرًا إلى اشتقاقه من حَبِنَ (١) بكسر الموحَّدَة إذا طرأ له السقي (٢) أو من حبَّ. وَحبان بن منقذ (٣) بن عمرو له ولأبيه صحبة، (عَنْ عَبْدِ اللِّه بْنِ عُمَرَ ﵄ قال: لَقَدِ ارْتَقَيتُ) أي صَعَدت (عَلَى ظَهْرِ البَيتِ) أي بيت لنا كما في رواية البخاري (٤) وفي روَايَة: على ظهر بيت حَفصة (٥). يَعني أخته. (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللِّه ﷺ عَلَى لَبِنَتَينِ) بفتح اللام وكسر الموَحدَّة وفتح النُون تثنية (٦) لَبِنَة، وهو ما يُصنعُ من الطين أو غيره للبناء قبل أن يحرق، وفيه ارتفاع الجالس لقضاء الحَاجَة على حجرين أو خشبتين ونحوهما؛ لئلا يرجع إليه شيء من رَشاش البَول أو غسَالة النجاسة، ولم أجد من ذكر هذا الأدب. ولابن خزيمة: فأشرفت على رسول الله ﷺ وهو على (٧) خلاف (٨). وللحكيم الترمذي (٩) بسندٍ صحيح: في كَنيف بفتح الكاف وانتفى

стр. 337

بهذا (١) إيراد من قال ممَّن يرى الجواز مطلقًا: يحتَمل أن يكوُن رآهُ في الفضاء، وكونه على لبنتين لا يدُل على البناء؛ لاحتمال أن يكوُن جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي ﷺ في تلك الحَالة، وإنما صَعَدَ على السَّطح لضرورة (٢) لهُ كما [في رواية] (٣) البيهقي: فحانت منهُ التفاتة. رواهُ من طريق نافع عن ابن عمر (٤). ولما اتفقت له رؤيته من غير قصد أحبَّ أن لا يخلي [ذلك عن] (٥) فائدة فحفظ هذا الحكم الشَرعي، ودلَّ ذَلك على شدَّة حِرْص الصَّحابة على تتبع أحوال (٦) النَّبي ﷺ لنتبعها. (مُسْتَقْبِلَ) رواية البخاري: مُسْتَقبلًا (٧) (بَيتِ المَقْدِسِ) فيه لغَتَان مشهورتان فتح الميم وسكون القاف وكسر الدَال المخففة، وضم المِيم وفتح القاف والدال المشّددَة فعَلى لغَة التشديد مَعْناه: المطهر وعلى لغَة التخفيف لا يخلو إمَّا أن يكوُن مصدرًا أو مكانًا ومعناه بيت المكَان الذي جعلَ فيه الطهَارة أو: بيت مكان الطهَارة، وتطهيرُه إخلاؤه من الأصْنَام أو مِنَ الذنُوب ثم إنه من بَاب إضافة الموصُوف إلى صفته نحو مسْجد الجامع (لِحَاجَتِهِ) فيه استعمال الكنَاية عن

стр. 338

الألفاظ (١) المستقبحة (٢). قيل للشعبي: إن أبا هريرة يقول: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. وقال ابن عمر: رأيت رسُول الله ﷺ في كنيفه مُسْتقبل القبلة. وفي روَاية: مُستقبل بيت المقدس. فقال الشعبي: صدَق أبو هُريرة، وصدَق [ابن عمرَ، قول أبي هُريرة] (٣) في البرية، وقول ابن عمر في الكنف (٤) (٥). [١٣] (ثَنَا مُحَمَدُ بْنُ بَشَّارِ) بن عُثمان العَبدي المعُروف ببُندار، قال: كتب عني الحديث خمسَة قرون، وسألوني الحديث وأنا ابن ثمان عشرة سَنة، فاستحييت أن أحدثهم بالمدينَة فأخرجتهم إلى البُستان (٦)، وأطعمتهمُ الرَّطبْ وحدَّثتهم (٧). (قال: ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بالجيم المفتوحة بن حَازم بن زَيد الأسدي (٨) البَصْري. (ثَنَا أَبِي) جرير بن حَازم الأزدي (٩) رأي جنازة أبي الطفيل، ولما

стр. 339

اختلط حجبه (١) ابنه وَهْب توفي سنة ١٧٠ (٢). (قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبَانَ) بالصرف وعدَمه، وعدَم الصَرف أفصَح، وهو (ابْنِ صَالِحٍ)، وثقه (٣) ابن معين وغيره (٤)، ولم يعرفه ابن حزم فقال: مجهُول (٥) وذهل (٦) ابن عبد البر فقال: ضعيف (٧). (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللِّه ﵄ قال: نَهَى رسول اللِّه ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ (٨) القِبْلَةَ بِبَوْلٍ) أو غائط رواية أحمد فيها زيادة وبيان وهي: نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بفرُوجنا إذا هرقنا الماء، ثم رأيته قبل موته بعام يستقبل القبلةَ (٩). وزاد ابن حبان: ولا يستدبرها، ورواهُ الحَاكم، وابن خزيمة، والدَارقطني (١٠) وصَححه البخَاري فيما نقلهُ عنهُ الترمذي

стр. 340

وحسَّنهُ (١) هو والبزار، وصححهُ أيضًا ابن السكن وتوقف فيه النووي لعنعنة (٢) ابن إسحاق، وقد صرَّحَ المصنف وأحمد وغيرهما بالتحديث (٣). (فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا). الحقُّ أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافًا لمن زعمهُ؛ بل هو محمول على أنه رآه في بناء ونحوه، أو يحمل على أنهُ فعَل ذلك لعُذر؛ وبهذين الاحتمالين يضعف الاحتجاج به؛ لأنها حكاية فعْل مثبت، والفعل المثبت لا عُموم لهُ بالنسبة إلى الأحوال التي يقع عليها العُموم؛ لاحتمال أن يقع على وجه واحد أو عليها جميعها، ومع الشك لا يثبت العُموم خلافًا لقومٍ (٤)، ومثلوا ذلك بقول الراوي: صلَّى داخل الكعَبة، فلا يعُم الفرض والنفل، والمعهوُد من حاله ﷺ قضاء الحاجة في البُنيان لمبالغته في التستر، ودعوى خُصُوص ذلك بالنبي ﷺ لا دليل عليها إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال؛ لأن الأصْل عدم الاختصاص. والله أعلم. * * *

стр. 341

٦ - باب كيْفَ التَّكَشُّفُ عِنْدَ الحاجةِ ١٤ - حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا ارادَ حاجَة لا يَرْفَعُ ثَوْبَه حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرضِ. قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ عَبْدُ السَّلامِ بْن حَرْبٍ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ (١). * * * • باب كيف التكشف عند الحاجة [١٤] (ثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شداد النسائي أبو خيثمة سَكن بغداد. (ثنا (٢) وَكيعٌ، عَنِ) سُليمان بن مهران (الأَعْمَشِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ أَن النَّبِي ﷺ كانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً) هكذا روايته، ولفظ الترمذي: كانَ إذا أرَادَ الحاجة (٣). أي: قضاء الحاجَة. (لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ) بفتح الواو دُوْن ألف (مِنَ الأرضِ). وهذا الأدَب مُستحب بالاتفاق ليس بواجب، وقد صرح به الشيخ أبو حامد (٤) وابن الصَّباغ والمتولي ومَعناه: إذا أراد الجلوُس للحَاجة لا يرفع ثوبه عن عورته في حَال قيامه (٥)؛ لأن كشف العَورة حَرام إلا

стр. 342

لضرورة ولا ضرورة إلا في حال الدنو من الأرض، فإذا دنا مِنَ الأرض رفعَ ثَوبه قليلًا قليلًا، وهذا في غير البنيان أما إذا كان في البنيان فهل يجوُز كشفها قبل الدُنُو فيه وجهان بناء على عدم وجُوب الستر في الخلوة، ويُستحب أيضًا أن يسدل ثوبه قليلًا قليلًا إذا فرغ قبل انتصابه صَرح به الماوردي في "الإقناع" (١). (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْب) النهدي الملائي الكوفي شريك أبي نعيم في بيع (٢) الملاء (رواهُ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ورواه عن عبد السَلام، عن الأعمش: قتيبة هكذا رواية الترمذي (٣)، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لأن روايته قال الترمذي (٤): في كلا الحديثين مُرسَل ويقالُ: لم يسمع الأعمش من أنس ولا من أحد من أصحاب النبيِّ ﷺ وقد نظر إلى أنس بن مالك وقال: رأيته يُصلي فذكر عنه حكاية في الصَّلاة (٥). وذكر أبو نُعيم الأصبهاني أن الأعمش رأى أنس بن مالك وابن أبي أوفى وسمع منهما (٦). قال المنذري: والذي قالهُ الترمذي هو المشهور (٧). * * *

стр. 343

٧ - باب كَرَاهيَةِ الكَلامِ عِنْدَ الحَاجَةِ ١٥ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنا ابن مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ عِياضٍ قال: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقول: "لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبانِ الغائِطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِما يَتَحَدَّثانِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَمْقُت عَلَى ذَلِكَ". قالَ أَبُو داوُدَ: هذا لَمْ يُسْنِدْهُ إلَّا عِكْرِمَةُ بْن عَمّارٍ (١). * * * باب كراهية الكلام عندَ الخلاء [١٥] (ثَنَا عُبَيدُ اللِّه) بالتصغير (بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيسَرَةَ) الجشمي (٢) مولاهم القواريري أبو سعيد [البَصْري توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين من "الثقات" (٣). (قال: ثَنَا) عبد الرحمن (بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسان (٤) بن عبد الرحمن العنبري (٥)، وقيل: الأسدي مولاهم أبو سعيد] (٦) اللؤلؤي الحافظ، (قال: ثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العجلي اليمامي أبو عمار أخرج لهُ مسلم.

стр. 344

(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ) اليمامي الطائي واسم أبي كثير صَالح بن المتوكل (١) من أهل البَصْرة سَكنَ اليَمامة وهو مولى لِطَي. (عَنْ هِلَالِ بْنِ عِيَاضٍ) وقيل: عياض بن هلال ذكرهُ البخَاري في "الكبير" بالوجهين (٢). (قال: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك الخدري ﵁ (قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللِّه ﷺ يَقُولُ: لَا يَخْرُج) بكسر الجيم وأصله مجزوم بلا (٣) النهى لكنْ كسرت الجيم لالتقاء السَّاكنين (الرَّجُلَانِ) هذا خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأتان والمرأة (٤) والرجُل أقبح من ذلك (يَضْرِبَانِ الغَائِطَ) أي: يمشيان إلى (٥) الغائط لقضاء الحَاجَة. قال أهل اللغة: يقالُ: ضَربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضَربت في الأرض إذا سَافرت، يقال: ضَربَ الغَائط والخلاء والصحَراء إذا ذهبَ لقضاء الحاجة (٦). (كَاشِفَينِ) قال النووي: كذا ضبطناه في كتب الحديث وهو منصوب على الحال، قال: ووقع في كثير من نُسخ "المهذب": "كاشفان" بالألف وهو صحيح أيضًا، خبر مبتدأ (٧) محذوف، أي: وهما كاشفان، والأول

стр. 345

أصوب (١). (عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ) أي: عورة كل منهما ظاهرة، وينظر كل منهما إلى عورة صَاحبه وهما يتحَدثان، فيه النَهي عن الكلام في الخلاء؛ لأن الملكين الموكلين ينعزلان عنه عند دخُوله الخلاء، فإذا تكلم أحوجهما أن يعودا إليه للكتابة فيلعنانه؛ ولهذا جاء (فَإِنَّ اللهعز وجل يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ) أي: يبغض وقيل هو ابتداء الغضَب (٢). قال أصحابنا: ويُستثنى من ذلك مواضع الضرورة فإن رأى ضريرًا يقع في بئر أو رأى حية أو غيرها مِنَ الأفاعي، أو (٣) الجوارح يقصد إنسانًا أو غيره من المحترمات فلا كراهة في الكلام في هذِه الموَاضِع بل يجب في أكثرها. فإن قيل لا دلالة في الحَدِيث [المذكور لما ذكر؛ لأن الذم المذكور لمن جمع كل الأوصَاف المذكورة في الحديث] (٤) قلنا ما كان بعض مُوجبات المقت فلا شك في كراهته. والله أعلم (٥). (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يُسْنِدْهُ إلا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارِ) من حديث أهل المدينَة، وعكرمة احتج به مُسلم في "صحيحه" كما تقدم، وضعف بعض الحفاظ حديث عكرمة هذا عن يحيى بن أبي كثير، وقد استشهد به البخاري عن ابن أبي كثير.

стр. 346

٨ - باب أَيَرُدُّ السَّلامَ وَهُوَ يَبُولُ ١٦ - حَدَّثَنا عُثْمانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابنا أَبِي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنا عُمَر بْن سَعْدٍ، عَنْ سُفْيانَ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَرُوِيَ عَنِ ابن عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلامَ (١). ١٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحسَنِ، عَنْ حُضَيْنِ بْنِ المُنْذِرِ أَبِي ساسانَ، عَنِ المُهاجِرِ بْنِ قُنْفذٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقالَ: "إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ الله إلَّا عَلَى طُهْرٍ" أَوْ قالَ: "عَلَى طَهارَةٍ" (٢). * * * باب أَيَرُدُّ السَّلَامَ وَهُوَ يَبُولُ [١٦] (ثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابنا أَبِي شَيبَةَ) أبوهما (٣) محمد بن أبي شيبة إبراهيم العَبسي مولاهم الكوفيان (قَالَا: ثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ) أبو داود الحفري (٤) الكوفي، وثقه ابن معين، وأثنى عليه أبو داود وغيره (٥)،

стр. 347

(عَنْ سفْيَانَ) الثوري. (عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ) بن عبد الله [ابن خالد] (١) ابن حزام القرشي الحزامي المدني ابن أخي حكيم أخرج له مُسْلم. (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عُمر (عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ) يشبه أن يكون النَّبِي ﷺ كان يَبُول إلى ساتر كما هي عادته فسَلمَ عليه المُسلم وبينهما السترة. (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ) زادَ الترمذي (٢): السَّلام (٣)؛ لأنه لا يستحق جوابًا؛ لأنه يكرهُ السَّلام على المشتغل بالبَول والغَائط؛ لأن الكَلام يكره في حَال البَول، فكيف يرد السَلام الذي هو اسم من أسماءِ الله تعالى! لكن إذَا فرغ هل يرد السَّلام؟ يحتمل أن يقال إن كان على قرب ردَّ عليه وإلَّا فلا. (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ عَنِ ابن عُمَرَ وَغَيرِهِ أَنَّ النَّبِي ﷺ تَيَمَّمَ) رواية مسلم: فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار فمسَحَ وجهه ويديه، ثُمَّ رَدَّ عليه (٤). واستدل به البخاري على جواز التيمم في الحَضَر لمن خَاف فوت الوقت (٥)، وفيه حجة لأحد القولين عن مالك: إن منْ خرج إلى جَنَازة متوضئا (٦) فانتقض وضوءه أنه يتيمم (٧).

стр. 348

(ثم ردَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ)؛ لأن التيمم [فصل قصير] (١) بخلاف الوضوء والغسل. [١٧] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عبيد الزَّمِن (٢) الحافظ، ولد هو وبندار سنة مَات حماد بن سَلمة ومات سنة ٢٥٢ (٣) وفيها مَاتَ بندَار قبله (٤)، (ثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السامي (٥). (ثَنَا سَعِيدٌ) [بن أبي عروبة العدوي] (٦). (عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ) بن أبي الحسَن يسار (٧) البصري، (عَنْ حُضَينِ) بضم الحَاء المهملة، وفتح الضَاد المُعجمة، وسُكون المثناة

стр. 349

تحت وآخره نون (بْنِ المُنْذِرِ) كنيته أبو سَاسَانَ، والمنذر بن الحَارث ابن وعلة الرقاشي (١) مَاتَ سنة ٩٧ (٢) روى له مسلم (٣). (عَنِ المُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ) التيمي (٤) من الطلقاء له هذا الحَديث فقط (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ) فيه أنهُ يكره لمن يبول أن يرد السَّلام على [من سلم] (٥) أو يحمد الله إذَا عطس أو يقول مثل ما يقول المؤذن أو يسبح (٦) أو يأتي بشيء من الأذكار، قال في "شرح المهذب": هذِه الكراهة هي ترك الأولى لا كراهة تنزيه. قال ابن المنذر: ترك الرد أحب إليَّ ولا أؤثم من رد (٧). (حَتَّى تَوَضَّأَ)، فيه الوضوء عقب الخُروج من الخلاء كما هو المعروف من عادته، زاد النسائي: فلما توضَّأ ردَّ عليه (٨) يعني: السَّلام؛ فيؤخذ منه أن من سلم عليه فلم يرد عليه لمانع كجماع أو

стр. 350

صلاة ونحوها، فإذا زال المانع يرد (ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ) وبيَّن العذر وكيفيَّته (فَقَالَ: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ الله تعالى إلا عَلَى طُهْرٍ. أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ). فيه دليل على استحباب الاعتذار عن (١) وعند عدم رد السَّلام، كما اعتذر عن رده الهدية حين كان محرمًا، وكانت الهدية لحم صيد لا يحل له أكله، وكذا يعتذر من كانَ قاضيًا أو حاكمًا وأهديت إليه هدية أو له عذر غير (٢) ذلك ليطيّب خاطر من يعتذر إليه، وكذا من قدم عليه وكان يستحق القيام إليه فلم يقدر على القيام لوجَع ونحوه؛ فيعتذر إليه عن القيام وما في معناهُ، وفيه الحث على تألف القلوب، ودفع ما يؤدي إلى الحقد وتغير القُلُوب، وفيه كراهة ذكر الله تعالى على غير طهَارة كاملة وفي التسبيح والحمد والتكبير وقراءة القرآن، وإن كان جائزًا كما سيأتي.

стр. 351

٩ - باب فِي الرَّجُلِ يذْكُرُ الله تَعالَى عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ ١٨ - حَدَّثَنا محَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا ابن أَبِي زائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خالِدِ بْنِ سَلَمَةَ -يَعْنِي الفَأْفاءَ- عَنِ البَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيانِهِ (١). * * * باب فيِ الرَّجُلِ يَذْكُرُ الله تَعَالَى عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ [١٨] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كريب الهمداني أبو غريب الكوفي، (قال: ثَنَا) يحيى بْنُ [زكريا (بن] (٢) أَبِي زَائِدَةَ) الوادعي أبو سعيد الحافظ، قال ابن المديني: لم يكن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه، [انتهى إليه العلم بعد الثوري] (٣) وهو ممن جمع له الفقه والحديث (٤). (عَنْ أَبِيهِ) زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي. (عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ) بن العاص المخزومي (الفأفاء) بهمزتين بعد الفائين قتلتهُ المسودة (٥) سنة ١٣٢ روى لهُ مُسلم والأربعة (٦) (عَنِ البَهِيِّ) بفتح الباء (٧) الموحدة وكسر الهاء، وتشديد الياء، وهو لقب له،

стр. 352

واسمه عبد الله بن يسار قالهُ يحيى بن معين وأبو على الغساني وغيرهما قالا: وهو معْدُود في الطبقة الأولى من الكوفيين وهو مولى مصعب بن الزبير (١). [(عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير] (٢)، (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَذْكُرُ الله تعالى عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) هذا الحديث أصل (٣) في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير وشبههما من الأذكار، وهذا جائز بإجماع المُسلمين، وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجُنب والحائض، فالجمهور على تحريم القراءة عليهما، ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية فإن الجميع يحرم، ولو قال الجنب: باسم الله (٤) أو الحمد لله ونحو ذلك إن قصد به القرآن (٥) حرم عليه، وإن قصد به الذكر أو لم يقصد شيئًا لم يحرم، ويكرهُ الذكر في حال قضاء الحاجة كما تقدم عن الجمهور، وعلى هذا فيكونُ هذا الحديث مخصوصًا بما سوى هذِه الأحوال، والمقصود أنه ﷺ كان يذكر الله مُتطهرًا ومحدثًا وجنبًا وقائمًا (٦) وقاعدًا ومضجعًا وماشيًا (٧).

стр. 353

١٠ - باب الخاتَمِ يكُونُ فِيهِ ذِكْرُ الله يدْخُلُ بِه الخَلاءَ ١٩ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْن عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الحَنَفِيِّ، عَنْ هَمّامٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا دَخَلَ الخلاءَ وَضَعَ خاتَمَهُ (١). قالَ أبو داوُدَ: هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وِانَّما يُعْرَفُ عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ زِيادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقاهُ. والوَهَمُ فِيهِ مِنْ هَمّامٍ، وَلَمْ يَرْوِه إلَّا هَمّام. * * * باب الخَاتَمِ يَكُونُ (٢) فِيهِ ذِكْرُ اللهِ يَدْخُلُ بِهِ الخَلَاءَ [١٩] (ثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ) الجهضمي، (عَنْ أَبِي عَلِيُّ) عبيد الله بالتصغير ابن عبد المجيد بن عُبيد الله (الْحَنَفِيِّ)، من بني حنيفة البصري من أنفسهم قتل جده يوم القادسية. (عَنْ هَمَّامِ، عَنِ) عبد الملك (بن جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ) أي: أرادَ أن يدخُل (الخلاء) كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣) (وضع) لفظ رواية الحَاكم: "أن رسُول الله ﷺ لبس خاتمًا نقشه: محمد رسول الله (٤)، وكان إذا دَخَل الخَلاء نزع (خاتمه) ورواية الحاكم وابن حبان من حديث الزهري عن أنس به، وإنما

стр. 354

نزع الخاتم؛ لأنه كان مكتوب عليه: محمد رسُول الله كما هو في رواية الحاكم والبيهقي (١) أيضًا. قال شيخنا ابن حجر: ووهم المنذري والنووي في كلامهما على "المهذب" فقالا: هذا من كلام أبي إسحاق، لا في الحديث. ثم قال: قيل: كانت الأسطر من أسفَل إلى فَوق، ليكون اسم الله أعلى، وقيل: كان النقش معكوسًا لتقرأ مُستقيمًا إذا ختم به، قال: وكذا الأمرين لم يرد في خبر صحيح (٢). وقد استدل به على أن من دخل الخلاء لا يحمل ذكر الله، ويُعظم اسم الله عن مكان القاذورات في معنى الخاتم الدينار والدرهم والوَرِق الذي فيه اسم الله تعالى، وألحق الغزالي في "الوسيط" (٣) و"الإحياء" (٤) بذكر الله (٥) ذكر رسُوله ﷺ وقال إمامه: لا يستصحب شيئًا عليه اسم (٦) معظمٌ (٧). ولم يتعرض الجمهُور لغَير ذكر الله تعالى (٨). (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ)، وقال النسائي: هذا حديث غير محفوظ (٩). وذكر الدارقطني الاختلاف فيه، وأشار إلى شذوذه (١٠)

стр. 355

وصحَّحه الترمذي (١). وقال النووي: هذا مردود عليه، قاله في "الخلاصَة" (٢). قال المنذري: الصَوَاب عندي تصحيحه, فإن رواته ثقات أثبات. وتبعه أبو الفتح القشيري في آخر "الاقتراح" (٣). (وإنما يُعرف) هذا الحَديث (عن ابن جريج، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ) خراساني نزل مكة، ثم اليمن ثقةٌ ثبت في الزهريين (٤). (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ) أي: فضة (٥)، وفي الصحيحين: من رواية [نافع، عن ابن عمر، (٦): اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ورق وكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عُمرَ، ثم كانَ في يد عُثمان حَتى وقعَ منهُ في بئر أريس، نقشه: مُحمد رسُول الله. وفي رواية: (ثم) طرحهُ، أي: (ألقاهُ) (٧) فألقى الناس خواتيمهم. قال النووي: والمعروف من روايات أنس من غير طريق ابن شهاب اتخاذه خَاتم فضة، ولم يَطرحه، وإنما طرحَ خاتم الذهب كما ذكرهُ مُسلم (٨).
следующие страницы →