← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

ابن زيد] (١) بن أبي الموال مولى علي (٢) بن أبي طالب أخرج له البخاري في باب عقد الإزار، وحديث الاستخارة قال: (حدثني محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يعلمنا) صلاة (الاستخارة) ودعاءها (كما يعلمنا السورة من القرآن) وجه الشبه (٣) بينهما إما من جهة حفظ حروفه، وترتيبها، وعدم تغيير شيء من حروفها، ومن منع الزيادة على تلك الألفاظ والنقص منها، أو يكون الشبه في عدم الفرضية (٤)؛ لأن السورة [ما عدا] (٥) أم القرآن تعلمها من طريق المندوب، أو الشبه من طريق الاهتمام بحفظها والمعاهدة عليها. (يقول لنا (٦): إذا هَمَّ أحدكم بالأمر) أي: إذا خطر له خاطر بأمر من الأمور، وليس له فيه (٧) الرغبة القوية، يستخير الله تعالى فيه فيتبين له بعد الاستخارة بتوفيق الله تعالى الأرجح، قال ابن أبي جمرة: وإنما قلنا ذلك؛ لأنه إذا تمكن الأمر عنده حتى صارت له فيه نية وإرادة فقد (٨) حصل له ميل وحب له، وقد قال ﵌: "حبك

стр. 4552

للشيء يعمي ويصم" (١). فهذا لا يظهر له فيه الإرشاد لميله الذي عزم عليه، قال: ويحتمل أن يكون الهم بمعنى النية؛ لأن النفس لا تخلو من الخطرات، وأكثرها لا يثبت، فلا يستخير إلا على شيء ينويه ويعزم عليه؛ لئلا يستخير في أمرٍ لا يعبأ به فيكون سوء أدب. (فليركع) وإنما جاءت الصلاة في الاستخارة دون غيرها من الدعوات؛ لأن الاستخارة من أهم الأمور وأعظمها بركة؛ لأن فيها صلاح الدين والدنيا والآخرة، وطالب مراد الله تعالى يحتاج إلى قرع باب الملك بأدب [ولا شيء أنجع ولا أنجح] (٢) يقرع به باب المولى من الصلاة، لما جمع فيها من التعظيم لله، والثناء عليه، والافتقار إليه وتلاوة كتابه الذي به مفاتيح الخير (ركعتين من غير الفريضة) فيه استحباب صلاة ركعتين، وظاهر رواية الإمام الزيادة على ركعتين؛ فإنه روى عن أبي أيوب الأنصاري بلفظ: "فأحسن وضوءك وصل ما كتب الله لك، ثم احمد ربك ومجده" (٣) (٤). قال بعض السلف: يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥) ويقرأ في الثانية [بعد الفاتحة] (٦) ﴿وَمَا كَانَ

стр. 4553

لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) من غير الفريضة المكتوبة، بل تطوعًا لله تعالى [وتحصل عقب] (٢) السنن الراتبة، وتفعل هذِه الصلاة في كل وقت [عندنا إلا وقت الكراهة] (٣) على الأصح؛ لأن سببها متأخر عنها. (وليقل) وللبخاري (٤): "ثم ليقل". ولفظ المصنف بالواو أقرب إلى المعنى من (ثم) الدالة على المهلة؛ إذ المراد انتقال الفاعل من حال الصلاة عند تمامها إلى حال الدعاء لا المهلة. (اللهم) هذِه اللفظة هي (٥) من أرفع ما يستفتح به الدعاء (إني أستخيرك) أي: أطلب منك الخيرة (بعلمك) الذي أحاط بجميع الأشياء، [لا بعلمي القاصر عن كل شيء (وأستقدرك) أي: أسأل منك وأطلب أن تجعل لي قدرة (بقدرتك) لفظ النسائي: "وأستهديك بقدرتك" (٦) التي لا تعجز عن شيء من الأشياء] (٧) وأنا العاجز عن جميع الأشياء إلا بقدرتك، [والباء في قوله: "بعلمك"، و"بقدرتك" للاستعطاف] (٨). وفيه دليل على أن العبد لا يكون قادرًا إلا مع الفعل لا قبله كما تقول

стр. 4554

القدرية؛ فإن الله هو خالق الهم بالشيء والقدرة عليه والفعل مع القدرة. قال ابن بطال: القادر والقدرة من صفات الذات، [والقدرة والقوة بمعنى واحد مراد (١). قال] (٢) (وأسألك من فضلك العظيم) إذ كل عطاء الرب ﷻ فضل، فليس عليه (٣) لأحد حق واجب في نعمه ولا في شيء، وكل ما يهب فهو زيادة مبتدأة من عنده لم يقابلها منا عوض ولا عمل فيما مضى، ولا يقابلها فيما يستقبل، فإن وفق العبد للشكر والحمد فهو نعمة (٤) وفضل يفتقر أيضًا إلى حمدٍ وشكر هكذا إلى غير نهاية، بخلاف ما تعتقده المبتدعة التي تقول أنه واجب على الله أن يبتدئ العبد بالنعمة، وقد خلق له القدرة، وهي باقية فيه. (فإنك تقدر) بكسر الدال (ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم) فيه تصريح بما تقتضيه قوة الكلام (٥)؛ لأنه لا يعرف ذلك إلا أربابه (٦) وهم قلائل، والدعاء يحتاج [إليه من يعرف] (٧) ذلك ومن لا يعرفه، وفيه التصريح بعقيدة أهل السنة فإنه نفى القدرة، والعلم عن العبد وهما موجودان، والحقيقة في ذكر (٨) الاعتراف بأن القدرة لله، والعلم لله ليس للعبد من

стр. 4555

ذلك إلا ما خلق له بارئه. يقول (١): فأنت يا رب تقدر قبل أن تخلق فيَّ القدرة، وتقدر (٢) مع خلقها وتقدر بعدها، وأنا في الأحوال كلها محل لمقدوراتك وكذلك في العلم. (وأنت علام الغيوب) أي: علام بجميع الغيوب على حد الكمال، وزيادة الثناء على المولى من أنجح (٣) الوسائل وأنفعها (٤)، وهذا هو حقيقة الافتقار والاضطرار. (اللهم) أعاد هذِه الكلمة لما فيها من زيادة الرغبة والخير (٥) (فإن كنت) [نسخة: إن كنت] (٦) (تعلم أن هذا الأمر) الذي أستخيرك فيه، و (يسميه بعينه الذي يريد) يعني: الذي يريد المستخير أن يفعله، هذا مدرج من كلام الراوي لا أنه (٧) من نفس الحديث ولم يذكره البخاري (٨) إلا بعد تمام الحديث، فإن كانت الاستخارة لزواج امرأة فيسميها فيقول: اللهم إن كنت تعلم أن زواجي لفلانة الفلانية (٩) خير إلى آخره (خير لي في ديني) قدَّم الدِّين؛ لأنه الأهم في جميع الأمور؛ فإنه إذا سلم فالخير (١٠) حاصل تعب صاحبه أو لم يتعب، وإذا اختل الدين فلا خير بعده (ومعاشي) المعاش والمعيشة مكتسب الإنسان الذي يعيش به في دنياه، وفي رواية أحمد: في "ديني ودنياي" (١١).

стр. 4556

بدل معاشي، والمعنى متقارب (ومعادي) أي: آخرتي كما في رواية أحمد (١) (وعاقبة أمري) كما في رواية البخاري: لكن في رواية البخاري بالشك من الراوي هل قال: "معاشي وعاقبة أمري" أو قال: "عاجل أمري وآجله" (٢). فجمع المصنف في روايته بينهما فهي أربعة أقسام: خير يكون له في دينه دون دنياه، وهذا هو المقصود لعموم الخلق. ثانيها: خير له في دنياه خاصة (٣) لا يعرض لدينه فذلك حظ حقير (٤). ثالثها: خير له (٥) في العاجلة، وذلك يحتمل في الدنيا ويحتمل للابتداء، ويكون في الآخرة أولى. ورابعها: خير له (٦) في الانتهاء، وذلك أولاه وأفضله. ولكن إذا جمع الأربعة فذلك الذي ينبغي للعبد أن يسأل ربه، ومن دعاء النبي ﵌: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة (٧) زيادةً لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر إنك على كل شيء قدير" (٨). (فاقدره) ضبطه الأصيلي بكسر الدال، وبالكسر والضم ضبطه غيره، كلاهما مأخوذ من القدرة (ويسره لي) من التيسير؛ مخافة أن يقدر له ما له

стр. 4557

فيه الخيرة، ولكن يتعب في تحصيله (وبارك لي فيه) أي: أدمه لي وزد لي فيه البركة والخير وضاعفه. (اللهم إن كنت تعلمه) لفظ البخاري: "وإن كنت تعلم أن هذا الأمر" (١) (شرًّا لي) بقوله: (مثل) بالنصب. (الأول) أي مثل ما تقدم. وفيه حجة على القدرية الذين يزعمون أن الله لا يخلق الشر، تعالى عما يفترون، فقد أبان في هذا الحديث أن الله تعالى هو المالك للشر، والخالق له وهو المدعو بصرفه عن العبد؛ لأن محالًا أن يسأل العبد صرف ما يملكه (٢) من نفسه وما يقدر على اختراعه، وفائدة الإعادة لوجهين: أحدهما: ما تقدم أن ما يدل بقوة الكلام إعادة أيضًا للعلة المذكورة [والثاني: لا يختلف فيه هل (٣) الأمر بالشيء نهي عن ضده، أو ليس؟ ووجه ثالث وهو الإبلاغ في تحسن] (٤) الحال. قوله (٥): ([فاصرفني عنه واصرفه عني]) (٦) الكلام في الإعادة كالكلام في إعادة ما قبله (واقدر) قال الشيخ أبو الحسن: أهل المشرق يضمون الدال، وأهل بلدنا يكسرونها، ولا أدري كيف قرأها أبو زيد؟ (لي الخير) أي: اقضه لي (حيث كان) إشارة إلى تمام قدرة القادر، وإبلاغ في تنزيهه؛ لأن القريب والبعيد عنده على (٧) حالة سواء، والإيمان به واجب.

стр. 4558

(ثم رضِّني) بكسر الضاد المشددة (به) وللبخاري: "ثم ارضني". بهمزة الوصل، وزاد الترمذي: "به" (١) (٢)، ومعناه: اجعلني راضيًا به إن وجد وبعدمه إن عدم، والرضى سكون النفس إلى القدر وإنما (٣) طلب الرضى لأنه إذا قضي له بما فيه الخير ولم يرض به تنغص وإن تنغص حاله لم تكمل له عافية. وذكر أهل الصوفية أن من استخار في شيء فقضي له فيه قضاء ولم يرض به فهو عندهم من الكبائر التي يجب منه التوبة؛ لأنه من سوء (٤) الأدب، بل يجب على المؤمن رد الأمور كلها إلى الله تعالى وصرف أزمتها إليه، والتبرؤ من الحول والقوة والإرادة، وأن لا يشرع في شيء من الأمور جليلها ولا حقيرها (٥) حتى يستخير الله افتقارًا إليه وإذعانًا له بالعبودية وتبركًا باتباع (٦) السنة. (أو قال: في عاجل أمري وآجله) هكذا (قال) عبد الله (ابن مسلمة و) محمد (ابن عيسى، عن محمد بن المنكدر، عن جابر) بن عبد الله، وإنما ذكر هذِه الرواية والمعنى واحد لما كان عليه الصحابة ﵃ من التحري في نقل (٧) الألفاظ والصدق (٨) فيما ينقلوه.

стр. 4559

٣٢ - باب فِي الاسْتِعاذَةِ ١٥٣٩ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنا إِسْرائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ مِنَ الجُبْنِ والبُخْلِ وَسُوءِ العُمْرِ وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ (١). ١٥٤٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَنا المُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ والجُبْنِ والبُخْلِ والهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ" (٢). ١٥٤١ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالا: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ سَعِيدٌ: الزُّهْرِيُّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجالِ". وَذَكَرَ بَعْضَ ما ذَكَرَهُ التَّيْمِيُّ (٣). ١٥٤٢ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ المَكِّيِّ، عَنْ طاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هذا الدُّعَاءَ كَما يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ" (٤).

стр. 4560

١٥٤٣ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنا عِيسَى، حَدَّثَنا هِشامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو بهؤلاء الكَلِماتِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ الغِنَى والفَقْرِ" (١). ١٥٤٤ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمَّادُ، أَخْبَرَنا إِسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ والقِلَّةِ والذِّلَّةِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ" (٢). ١٥٤٥ - حَدَّثَنا ابن عَوْفٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الغَفّارِ بْن دَاوُدَ، حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحْوِيلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ" (٣). ١٥٤٦ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْن عُثْمانَ، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنا ضُبارَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّلِيكِ، عَنْ دُوَيْدِ بْنِ نافِعٍ، حَدَّثَنا أَبُو صالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ والنِّفاقِ وَسُوءِ الأَخْلاقِ" (٤). ١٥٤٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، عَنِ ابن إِدْرِيسَ، عَنِ ابن عَجْلَانَ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الخِيانَةِ فَإِنَّها بِئْسَتِ البِطانَةُ" (٥).

стр. 4561

١٥٤٨ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبَّادِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعاءٍ لا يُسْمَعُ" (١). ١٥٤٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُتَوَكِّلِ، حَدَّثَنا المُعْتَمِرُ قَالَ: قَالَ أَبُو المُعْتَمِرِ: أرى أَنَّ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ، حَدَّثَنا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ صَلاةٍ لا تَنْفَعُ". وَذَكَرَ دُعاءً آخَرَ (٢). ١٥٥٠ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ يِسافٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو بِهِ قَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ ما لَمْ أَعْمَلْ" (٣). ١٥٥١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ح، وحَدَّثَنا أَحْمَدُ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ - المَعْنَى - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بِلالٍ العَبْسِيِّ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ، عَنْ أَبِيهِ فِي حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ - قَالَ - قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي دُعاءً. قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ لِسانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي" (٤). ١٥٥٢ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا مَكِّيُّ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ

стр. 4562

سَعِيدٍ، عَنْ صَيْفِيٍّ مَوْلَى أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي اليَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَدْمِ، وَأَعُوذُ بكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الغَرَقِ والحَرَقِ والهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطانُ عِنْدَ المَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا" (١). ١٥٥٣ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْن مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي مَوْلًى لأَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي اليَسَرِ زادَ فِيهِ: "والغَمِّ" (٢). ١٥٥٤ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنا قَتادَةُ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ والجُنُونِ والجُذامِ وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ" (٣). ١٥٥٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن عُبَيْدِ اللهِ الغُدانِيُّ، أَخْبَرَنا غَسَّانُ بْنُ عَوْفٍ، أَخْبَرَنا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ المَسْجِدَ فَإِذا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ يُقالُ لَهُ: أَبُو أُمامَةَ. فَقَالَ: "يا أَبا أُمامَةَ، ما لِي أَراكَ جالِسًا فِي المَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ". قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "أَفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ". قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ والبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجالِ". قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي (٤).

стр. 4563

باب الاستعاذة [١٥٣٩] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق) [عمرو بن عبد الله] (١) السبيعي، نسبة إلى سبيع، بطن من همدان (عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان النبي ﵌ يتعوذ) [بالله تعالى] (٢) (من خمس) ثم فسرها فقال (من الجبن) بضم الجيم، وسكون الموحدة، وهو [ضعف القلب] (٣) وعدم الشجاعة، واستعاذ منه النبي ﵌ لما فيه من التقصير عن أداء الواجبات في الجهاد وغيره؛ ولما فيه من التقصير عن القيام بحقوق الله تعالى وإزالة المنكر والإغلاظ على العصاة، ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات ويقوم بنصر المظلوم. (والبخل) بضم الباء، وسكون الخاء، ويقال بفتحها، قال البخاري في "صحيحه" (٤): البخْل والبخَل واحد مثل الحُزْن والحَزَن، وقد استعاذ منه ﵌ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥)، وقوله ﵇: "أي داءٍ أدوى من

стр. 4564

البخل؟ ! " (١). ومعنى ذلك أن البخل يؤدي إلى منع حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، ويمنع رفده ومعروفه عن المحتاجين، وينسي عشرة (٢) أهله وأقاربه، بالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال وسعة الجود والإنفاق ومكارم الأخلاق ويمنع الطمع [فيما ليس له] (٣). (وسوء العمر) بضم العين والميم وسوء العمر والرد أي: إلى أرذل العمر والهرم (٤) بمعنى واحد، والسبب (٥) في الاستعاذة من ذلك ما فيه من الحزن (٦) واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه بعض المنظر والعجز عن كثيرٍ من الطاعات، والتساهل في بعضها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (٧) فيعود العالم جاهلًا ويصير إلى حال من لم يميز ومن [متعه الله] (٨) بصحته لم يزدد بطول العمر إلا خيرًا يستكثر من الحسنات ويستغفر من السيئات. (وفتنة الصدر) لعل المراد به فتنة حب الدنيا الذي محله صدر الآدمي، [وللبخاري: "أعوذ بك من فتنة الدنيا" (٩)] (١٠) وأي فتنة

стр. 4565

أعظم من فتنة حب الدنيا وزهرتها والتكاثر منها؟ ! وروى ابن أبي الدنيا: "احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت" (١). وفي الصحيحين من رواية أبي سعيد: "إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من (٢) بركات الأرض" (٣). وروى البيهقي في "الشعب": "لا تشغلوا قلوبكم بذكر (٤) الدنيا" (٥). وفي حديث أبي موسى الأشعري: "من أحب دنياه أضر بآخرته" (٦). و"حب الدنيا رأس كل خطيئة" (٧). (وعذاب القبر) فيه إثبات عذاب القبر وفتنته، وهو مذهب أهل الحق خلافًا للمعتزلة. [١٥٤٠] (حدثنا مسدد، ثنا (٨) المعتمر) بن سليمان [(قال: سمعت أبي) سليمان] (٩) بن طرخان التيمي (١٠) البصري (قال: سمعت أنس ابن

стр. 4566

مالك ﵁ يقول: كان رسول الله ﵌ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز) هو ما يترك فعله مع عدم المقدرة (١) عليه (والكسل) ما يتركه وهو قادر على فعله، وإنما استعاذ منهما؛ لأنهما يمنعان العبد من أداء حقوق الله تعالى وحقوق نفسه وأهله وولده، وتضييع (٢) النظر في أمر معاده وأمر دنياه، وقد أمر المؤمن بالاجتهاد في العمل والإجمال في الطلب، وأن لا يكون كلًّا ولا عيالًا على غيره، ويحتمل أن يكون العجز على ظاهره من عدم القدرة، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به، ويحتمل أن يراد به عموم أعمال الدنيا والآخرة والكسل فترة تقع بالنفس تثبط (٣) العمل (والجبن والبخل) تقدما (والهرم) هو الكبر في السن (٤)، وفي الحديث: "إن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء إلا الهرم" (٥) جعل الهرم داءً تشبيهًا بالداء الذي يحصل في الضعف؛ لأن الموت يتعقبه كالأدواء (وأعوذ بك من عذاب القبر) من لم يوفق للجواب [يعذب إلى يوم القيامة] (٦). (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) يعني: الحياة والممات، والمحيا إما مصدر أو اسم زمان، والممات (٧) زمان الموت، وفتنة

стр. 4567

الحياة هي الامتحانات التي تحصل للآدمي في حياته، واختلفوا في المراد بفتنة الموت، فقيل: المراد (١) فتنة القبر، وقيل: يحتمل أن يراد به الفتنة عند الاحتضار. [١٥٤١] (حدثنا سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني، يقال: ولد بجوزجان ونشأ ببلخ (وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن) الإسكندراني القارئ المدني، أخرج له الشيخان. (قال سعيد) بن منصور في روايته: يعقوب بن عبد الرحمن (الزهري) حليف [بني زهرة] (٢) (عن عمرو بن أبي عمرو) مولى المطلب (عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أخدم النبي ﵌ فكنت أسمعه كثيرًا يقول (٣): اللهم إني أعوذ بك من الهم) وهو يكون بمكروه يتوقع حدوثه (٤) (والحزن) بضم الحاء، وسكون الزاي، وبفتحهما (٥) لغتان، وهو يكون بمكروه واقع وماضٍ، وأصل الهم [الشر، وورد] (٦) في البخاري: "والعجز والكسل والجبن (٧) والبخل" (٨). (وضلع) بالضاد واللام (الدين) ثقله وشدته (٩) وقوته، وهو الذي لا يجد دائنه من حيث

стр. 4568

يؤديه، والضلع الاعوجاج، [أي: يثقل] (١) صاحبه حتى يميل عن الاستواء والاعتدال ويعوج. قال صاحب "العين": هو مأخوذ من قول العرب: حمل يضلع. أي: ثقيل، ودابة مضلع لا تقوم بالحمل (٢). [ولعلمه المعبر عنه في الرواية الأخرى] (٣) (وغلبة الدين) (٤) هو الذي يغلب عن وفاء الديون التي عليه وهو في معنى المعسر (وذكر بعض ما ذكره) سليمان بن طرخان (التيمي) البصري (٥). [١٥٤٢] (حدثنا) عبد الله بن مسلمة (القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس (المكي) أحد أئمة التابعين. (عن طاوس، عن عبد الله بن عباس) ﵄ (أن رسول الله ﵌ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن) فيه ما كان من شفقته ﵌ على أمته وإرشادهم إلى مصالحهم دينًا ودنيا، ويعلمهم هذا الدعاء لشدة حاجتهم إليه، ونفعهم (٦) كما في السورة من القرآن في كل صلاة (يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) هو موافق لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا

стр. 4569

عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (١)، وفيه إثبات عذاب جهنم والإيمان به (وأعوذ بك من عذاب القبر) وهو ضرب من لم يوفق (٢) للجواب بالمطارق الحديد. (وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) وقد حذرت الأنبياء صلوات الله عليهم من فتنته وأن دلائله باطلة كاذبة، وفيه حجة لمذهب الشافعي على صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله [زيادة في فتنته] (٣) من إحياء الميت الذي يقتله ومن الخصب معه وجنته وناره واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، ثم يعجزه الله بعد ذلك ويبطل أمره ويقتله عيسى ﵇ (٤). (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) تقدما. [١٥٤٣] (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي) الفراء الحافظ. (أنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق عمرو الهمداني، أخرج له البخاري. (حدثنا هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام. (عن عائشة) ﵂ (أن النبي ﵌ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار) الفتنة هنا هي

стр. 4570

ضلال أهل النار والمفضي بهم إلى عذاب النار (١) (وعذاب النار) [الذي لا صبر لأحدٍ عليه] (٢) (ومن شر الغنى) لفظ البخاري: "وأعوذ بك من شر فتنة الغنى" (٣). قال القرطبي: "شر فتنة الغنى" هو الحرص على الجمع للمال [حتى يتكسبه] (٤) من غير (٥) حله ويمنعه من واجبات إنفاقه [وحقوقه (٦). ويخاف في الغنى من الأشر والبطر والبخل من إنفاقه] (٧) في وجوه (٨) الخير، ومن إنفاقه في [الإسراف أو في] (٩) باطل [أو في] (١٠) مفاخرة ومباهاة. (و) من شر فتنة (الفقر) قال القرطبي: يعني (١١) به الفقر المدقع الذي لا يصحبه صبر ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الأديان ولا بأهل المروءات حتى لا يبالي بسبب فاقته على أي (١٢) حرام وثب، ولا في أي ركاكة تورط، وقيل: المراد به فقر النفس

стр. 4571

الذي لا يرده ملك الدنيا بحذافيرها، وليس في شيء من هذِه الأحاديث ما يدل على أن الغنى أفضل من الفقر (١)، ولا أن الفقر (٢) أفضل من الغنى؛ لأن الغنى والفقر (٣) المذكورين هنا مذمومان باتفاق العقلاء (٤). وله موضع غير هذا. [١٥٤٤] (حدثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي (٥). (حدثنا حماد) بن سلمة (أنا إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة (عن سعيد بن يسار) بالمثناة تحت والمهملة أبو الحباب. (عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﵌ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الفقر) المدقع (٦) أو فقر النفس كما تقدم (والقلة) بكسر القاف، أي: قلة المال التي يخشى منها قلة الصبر منه ومن عياله على الإقلال والسخط له وتسليط الشيطان عليه بوسوسته بذكر الأغنياء وما هم فيه، فنسأل الله السلامة، ويحتمل أن يراد بالقلة قلة (٧) الخير، وتطلق القلة على العدم فيقال: فلانٌ قليل الخير. أي: لا يكاد يفعله، وفي رواية النسائي: "تعوذوا (٨) بالله من الفقر ومن (٩) القلة" (١٠). (والذلة) بكسر الذال، وقلة المال مع كثرة العيال محنة عظيمة، فإن الطبع إلى التوسع في الدنيا محب، و (١١) الولد يطلب (١٢) ما يشتهي،

стр. 4572

والزوجة تطلب سعة النفقة، والورع يمنع من التوسع ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١)، وكان الإمام أحمد قد (٢) امتنع أن يأخذ من بيت المال شيئًا وقنع بكراء حوانيت له كانت تغل في الشهر عشرين درهمًا أو أقل، وأخذ أولاده من الخليفة من بيت المال فهجرهم لذلك، وكانت أم ولده تعاتبه تقول له: أنا معك في ضيق وأولادك يفعلون ويصنعون، فيقول لها: قولي خيرًا. فخرج إليه (٣) صبي له (٤) صغير يبكي، قال: أي شيء تريد؟ قال (٥): زبيب. قال: اذهب فخذ من البقال حبة. وأعلى الأحوال الرزق الكفاف، وفي الصحيح أن النبي ﵌ [كان يقول] (٦): "اللهم اجعل رزق آل (٧) محمد كفافًا" (٨)، وفي "صحيح ابن حبان" والبيهقي: "خير الذكر الخفي، وخير الرزق أو العيش ما يكفي" (٩). وقد فسر طائفة من المفسرين قوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١٠)، قالوا: المراد رزق يوم بيوم، وفي

стр. 4573

حديث ابن الزبير: بعض الذي أبقى للأهل (١) والمال، يعني: إن الرجل إذا أصابته خطة ضيم يناله فيها ذل، فصبر عليها كان أبقى له ولماله، وإذا لم يصبر ومر فيها [طالبًا للعز عود] (٢) بنفسه وأهله وماله، وربما كان ذلك سببًا لهلاكه (٣)، والذل الذي يؤدي إلى انتقاص الآدمي واحتقاره، وقد كان السلف يكرهون أن يذلوا أنفسهم، وليس للمؤمن أن يذل نفسه. قال الغزالي (٤): كالعالم إذا دخل عليه إسكاف فخلى له مجلسه وأجلسه، ثم تقدم وأسوى له نعله، وغدا إلى باب الدار خلفه، فقد تخاسس هذا وأذل نفسه. قال (٥): وهذا غير محمود عند الله تعالى؛ بل التواضع المحمود عند الله هو العدل، وهو أن يعطي كل ذي حق حقه، فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأمثاله [ولمن تقرب منه درجة] (٦) فمن أحب التملق والتخاسس فقد خرج إلى طرق النقصان، فليرفع نفسه عن ذلك (٧). (و [أعوذ بك من] (٨) أن أظلم) بفتح الهمزة وكسر اللام، يعني: (٩) أحدًا من المؤمنين، ويدخل فيه ظلم نفسه بمعصية الله تعالى (أو (١٠) أظلم) بضم الهمزة وفتح اللام، مبني لما لم يسم فاعله، وفيه الاستعاذة بالله تعالى من شر كل ظالم، وأصل الظلم وضع الشيء في

стр. 4574

غير موضعه، وفي المثل: من يسترعي الذئب فقد ظلمه. [١٥٤٥] (حدثنا) محمد (ابن عوف) بن سفيان الطائي (١)، وثقه النسائي (٢). (حدثنا عبد الغفار بن داود) بن مهران الحراني (٣)، شيخ البخاري. (حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن) القارئ المدني، أخرج له الشيخان. (عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: "كان من دعاء رسول الله ﵌: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك) النعمة: لين العيش، ولذلك قيل لريح الجنوب: النُّعامى؛ للين هبوبها، وسميت النعامة؛ للين مشيها، وأنعم الله عليه: بالغ في الفضل عليه، والنعمة هنا مفرد (٤) في معنى الجمع، وهي نعم النعم (٥) الظاهرة والباطنة، واختلفوا هل لله نعمة على الكافر؟ فأثبتها المعتزلة ونفاها غيرهم. (وتحويل) كذا للمصنف بزيادة الياء، ولفظ مسلم: "وتحول" (٦) (عافيتك) فكأنه سأل الله دوام العافية، كما في رواية؛ فإن العافية السلام من الأسقام والبلاء، فإذا دامت العافية لم تتحول عنه، بل استمرت عليه، والعافية ضد المرض (وفجاءة) بضم الفاء ممدود، وهي البغتة من غير مقدمة سبب (٧)، وقيده بعضهم: "فجأة" بفتح (٨) الفاء وسكون الجيم من غير مدٍّ [على المرة] (٩)

стр. 4575

(نقمتك) بكسر النون وسكون القاف بوزن النعمة، وفيه الاستعاذة من حلول النقمة و (١) موت الفجأة وهي أن يموت بغتة من غير تقدم (٢) سبب من مرض ونحوه (وحلول (٣) سخطك) يحتمل أن يكون المراد الاستعاذة بالله من جميع الأسباب الموجبة لسخط الله تعالى، وإذا انتفت الأسباب الموجبة لسخط الله حصلت أضدادها، فإن الرضا ضد السخط كما جاء في الصحيح من مسلم وغيره: "أعوذ برضاك من سخطك" (٤). [١٥٤٦] (حدثنا عمرو بن عثمان) بن سعيد الحمصي، صدوق حافظ. (حدثنا بقية) بن الوليد، قال المنذري: هو أحد الأعلام، ثقة عند الجمهور، ولكنه مدلس، يعني: إذا لم يصرح بالحديث. قال النسائي وغيره: إذا قال: حدثنا وأخبرنا فهو ثقة (٥). (حدثنا ضبارة) (٦) بضم الضاد المعجمة وتخفيف الباء (٧) الموحدة، وهو (بن عبد الله) بن مالك (بن أبي السليك) بضم السين المهملة وفتح اللام وبعد الياء كاف، وضبطه بعضهم: السليل بفتح (٨) السين وكسر

стр. 4576

اللام الأولى، الحضرمي [بن قريش] (١) الشامي (٢)، كان يسكن اللاذقية، روى له البخاري في "الأدب" (٣)، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه (٤). (عن دويد) بضم الدال المهملة أوله وفتح الواو مصغر (بن نافع) (٥) روى عنه الليث وغيره، بصري مستقيم الحديث. (حدثنا أبو صالح) ذكوان (السمان، قال: قال أبو هريرة ﵁ إن رسول الله ﵌ كان يدعو يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشقاق) قال زيد بن أسلم: الشقاق [المنازعة، وقيل: المجادلة والمخالفة والتفاهة، وأصله من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من المتنازعين] (٦) في شق غير شق صاحبه (٧)، أي: في ناحية غير ناحية الآخر، وقيل: إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على الآخر فاستعاذ منه النبي ﵌؛ لأنه يؤدي إلى المقاطعة والمهاجرة (والنفاق) اسم إسلامي لم يعرفه العرب بهذا المعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا، وهو مأخوذ من النافقاء أحد جحر اليربوع، إذا طلب من واحد هرب من (٨) الآخر وخرج منه، وقيل: هو من النفق؛ وهو السرب الذي

стр. 4577

يستر فيه؛ لستره كفره، وفي الحديث (١): نافق حنظلة (٢). أراد أنه إذا كان عند النبي ﵌ أخلص وزهد في الدنيا، وإذا خرج من عنده ترك ما كان عليه ورغب فيها، فكأنه نوعٌ من مخالفة الظاهر الباطن، وما كان يرضى [لنفسه بهذا أو أصله الحديث: "أكثر منافقي هذِه الأمة قراؤها" (٣). أراد بالنفاق ها هنا الرياء؛ لأن كليهما إظهار غير] (٤) ما في الباطن. (وسوء الأخلاق) استعاذ منه النبي ﵌؛ لما يترتب عليه من المفاسد الدينية والدنيوية، وروى الطبراني في "الصغير" (٥) والأصبهاني عن عائشة، عن النبي ﵌ قال: "ما من ذنبٍ إلا له توبة إلا صاحب (٦) سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شرٍّ منه" (٧). وفي رواية للأصبهاني عن ميمون بن مهران، قال رسول الله ﵌: "ما من ذنبٍ أعظم [عند الله من سوء الخلق، وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في ذنب" (٨).

стр. 4578

وروى الطبراني عن أنس: ] (١) "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درجة في جهنم" (٢). [١٥٤٧] (وحدثنا محمد (٣) بن العلاء) بن كريب الهمداني (عن) عبد الله (ابن إدريس) بن (٤) يزيد الأودي (عن) محمد (ابن عجلان) القرشي المدني، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة (٥)، كانت له حلقة (٦) في مسجد النبي ﵌ يفتي فيها، أخرج له مسلم. (عن) سعيد (المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع) المراد به المفرط الذي يضعف عن العبادة ويخل بالعقل، وقد ذكر للجوع الصادق علامات: أحدها أن لا تطلب النفس الأدم، بل يأكل الخبز وحده لشهوة أي خبز كان، [فمهما طلب خبزًا بعينه، أو طلب أدم فليس ذلك بجوع] (٧) وقيل: علامة الجوع أن يضعف (٨) فلا يقع الذباب عليه؛ لأنه لم يبق منه (٩) دهينة ولا دسومة؛ فيدل ذلك على خلو المعدة (فإنه بئس الضجيع) [أي: المضاجع] (١٠) أصل الضجيع الذي

стр. 4579

يضاجع (١) غيره، اسم فاعل كالنديم والجليس للمنادم والمجالس (٢)، ثم استعير هنا لمن اضطجع وهو جائع، فإن (٣) جوعه الذي معه يذهب نومه كما يذهبه الرجل الذي يضاجعه. (وأعوذ بك من الخيانة) قال القتيبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه (٤). وسيأتي للمصنف في الشهادات (٥): "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة" (٦). قال أبو عبيد: لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس، دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه؛ فإنه قد سمى ذلك أمانة، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ (٧) فمن ضيع (٨) شيئًا مما أمر الله تعالى به، أو ركب شيئًا مما نهى الله (٩) عنه فقد خان (١٠). وكل من عصا الله فقد خان نفسه [إذ جلب] (١١) إليها الذم في الدنيا، والعقاب في الآخرة. (فإنها بئس) وللنسائي (١٢): "بئست" (البطانة) بكسر الباء هو [ما يبطنه] (١٣) الآدمي في باطنه ولا يظهره، وبئس (١٤) لأقبح ما يكون من

стр. 4580

الذم، فجعل الشارع أقبح ما يخفيه الإنسان في باطنه الخيانة، كما تقدم تفسيرها. [١٥٤٨] (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أخيه: عباد (١) بن أبي (٢) سعيد) كيسان، له هذا الحديث فقط (أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: كان رسول الله ﵌ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الأربع) كذا للنسائي تقديم ذكر (٣) الأربع، وفي رواية له تاخيرها، رواه عن أنس أن النبي ﵌ كان يدعو بهذِه الدعوات: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاءٍ لا يسمع، ونفس لا تشبع". ثم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع" (٤). (من علم لا ينفع) قال القرطبي: هو الذي لا يعمل به، كما قال ﵇: "العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه [صاحبه" (٥) أتعب] (٦) نفسه في جمعه، ولم يصل (٧) إلى نفعه (٨). (ومن قلب لا يخشع) لذكر الله، ولا لاستماع كلامه، وهو القلب

стр. 4581

القاسي، فروى الترمذي عن ابن عمر، قال رسول الله ﵌: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإن الكلام بغير ذكر الله يورث (١) قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي" (٢). وفي "مسند البزار" عن أنس، قال رسول الله ﵌: "أربع من الشقاء: جمود العين [وقسوة القلب، وطول الأمل] (٣) والحرص على الدنيا" (٤). (ومن نفسٍ لا تشبع) قال النووي: استعاذ من الحرص، والطمع، والشره، وتعلق النفس بالآمال البعيدة (٥). (ودعاء لا يسمع) أي: لا يجاب [لرواية مسلم: "من دعوة لا يستجاب لها" (٦)] (٧) ومن هذا قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب الله دعاء من حمده، كما قال الشاعر (٨): دعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول (٩) أي: لا يجيب ما أدعو به.

стр. 4582

[١٥٤٩] (حدثنا محمد بن المتوكل) بن عبد الرحمن (١) العسقلاني، قال إبراهيم بن عبد الله بن (٢) الجنيد عن ابن معين: ثقة (٣)، وقال ابن حبان في (٤) "الثقات": كان من الحفاظ (٥). (حدثنا المعتمر) بن سليمان بن (٦) طرخان. (قال: قال أبو المعتمر) سليمان بن طرخان التيمي [والد المعتمر. وسليمان بن طرخان] (٧)، متفق عليه، لكن لم يجزم بسماعه من [أنس بل] (٨) قال: (أرى) بضم الهمزة، أي: أظن (أن أنس بن مالك ﵁ حدثنا أن النبي ﵌ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع) أي لا تقبل، وروى الإمام أحمد: "رب (٩) قائم حظه من صلاته السهر" (١٠). وإسناده حسن، وروى محمد بن نصر المروزي في "كتاب الصلاة" من رواية عثمان بن أبي (١١) دهرش مرسلًا: "لا يقبل الله من عبد عملًا حتى يشهد قلبه مع بدنه" (١٢). فظاهر هذا الحديث أن من لم يحضر قلبه مع بدنه في الصلاة لم تنفعه، فإن روح العبادة حضور القلب والخشوع.

стр. 4583

(وذكر) [بفتح الذال] (١) (دعاء آخر) ولفظ ابن حبان في "صحيحه": "أعوذ بك من علم [لا ينفع] (٢)، وعمل لا يرفع، وقول (٣) لا يسمع" (٤). وزاد ابن طاهر المقدسي في رواية: "وأعوذ بك من صلاة لا تشفع". [١٥٥٠] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير) بفتح الجيم بن عبد الحميد الضبي، أصله من الكوفة. (عن [منصور) بن] (٥) المعتمر (عن هلال بن يساف) الأشجعي مولاهم (٦) الكوفي. (عن فروة (٧) بن نوفل الأشجعي) يعد في الكوفيين، روى عنه هلال بن يساف عند مسلم. (قال: سألت عائشة أم المؤمنين) ﵂ (عما كان رسول الله ﵌ يدعو به) ولفظ النسائي: سأل (٨) عائشة: ما كان أكثر ما كان رسول الله ﵌ [يدعو به؟ ] (٩) (١٠). (قالت: كان) أكثر دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت (١١) ومن شر ما لم أعمل) (١٢). قال النووي: معناه: من شر ما اكتسبته مما قد يقتضي عقوبة في

стр. 4584

الدنيا (١) أو نقصًا في الآخرة وإن لم أكن قصدته، قال: ويحتمل أن المراد تعليم أمته الدعاء (٢). وقال القرطبي: هذا كقوله في الحديث الآخر: "اللهم إني أعوذ بك من كل شر" (٣). غير أنه نبه في هذا على معنى زائد وهو أنه قد يعمل الإنسان العمل لا يقصد به إلا الخير ويكون هو في باطن أمره شرًّا لا يعلمه فاستعاذ منه قال: ويؤيد هذا أنه قد روي في غير رواية (٤) مسلم: "من شر ما عملت (٥) وما لم أعمل" (٦). قال: ويحتمل أن يريد به ما عمل غيره فيما يظن أنه يقتدي به فيه (٧). [١٥٥١] (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير) بن عمر بن درهم، الأسدي مولاهم الزبيري الكوفي الحبال. (وحدثنا أحمد) بن حنبل (حدثنا وكيع المعنى، عن سعد بن أوس) أبو محمد العبسي الكوفي الكاتب، وثقه أحمد العجلي (٨)، وقال أبو حاتم: صالح (٩). (عن بلال) بن يحيى (العبسي) بفتح المهملة وسكون الموحدة نسبةً إلى عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، وبلال صدوق.

стр. 4585

(عن شتير) بضم الشين المعجمة وفتح المثناة فوق وبعد ياء التصغير راء مهملة (بن شكل) بفتح الشين المعجمة والكاف ثم لام. (عن أبيه) شكل بن حميد، قال ابن حنبل (في حديث أبي أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير هو (شكل بن حميد) العبسي من بني عبس بن بغيض [سكن الكوفة روى عنه ابنه] (١) شتير بن شكل لم يرو عنه غيره، وذكر له أبو القاسم البغوي هذا الحديث وقال: لا أعلم له غيره (٢). (قال) شكل (قلت: يا رسول الله علمني دعاء) وللترمذي: أتيت النبي ﵌ فقلت: يا رسول الله علمني تعوذًا أتعوذ به قال: فأخذ بكفي (٣). (فقال: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر) ولفظ النسائي: علمني دعاءً أنتفع به قال: قل: اللهم عافني من شر (٤) (سمعي ومن شر بصري ومن شر لساني) فيه الاستعاذة من شرور هذِه الجوارح التي هو مأمور بحفظها كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٥)، فالسمع أمانة والبصر أمانة واللسان أمانة، وهو مسئول عنها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٦)، فمن لم يحفظها وتعدى فيها الحدود عصى الله تعالى وخان الأمانة وظلم نفسه، وسقطت منزلته عند الله تعالى فبعد عنه (٧) بكل جارحة ذات

стр. 4586

شهوة، ولا يستطيع دفع شرها إلا بالالتجاء إلى الله تعالى لكثرة شرها وآفاتها، وللسان خمس وعشرون آفة غالبها خمس: [الكذب والغيبة] (١) والمماراة والمدح والمزاح. (ومن شر قلبي) (٢) أي: نفسي، فالنفس هي مجمع الشهوات والمفاسد كحب (٣) الدنيا والرغبة والرهبة من المخلوقين وخوف فوت الرزق والحسد والحقد وطلب العلو والعز والجاه والرياسة والكبر والفخر والغضب وسوء الظن والبخل والمن الأذى والعجب والاتكال على العمل وغير ذلك مما لا يستطيع الآدمي على دفع هذِه الشرور إلا بإعانة من الله تعالى (ومن شر منيي) قال الترمذي (٤): يعني فرجه (٥). وقال النسائي: يعني ذكره (٦). فشهوة النكاح وقيام الذكر محنة عظيمة قلَّ من تخلص منها. قال قتادة في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٧) قال: هو الغلمة (٨) وهو هيجان شهوة النكاح من المرأة والرجل. وعن عكرمة ومجاهد أنهما قالا: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٩) أي: لا يصبر عن النساء. وقال فياض (١٠) بن نجيح: إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلث عقله (١١). وبعضهم يقول: ذهب ثلث دينه. وفي نوادر التفسير عن ابن عباس ﴿وَمِنْ

стр. 4587

شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (١) قال: قيام الذكر، وهذِه بلية عظيمة إذا غلبت لا يقاومها عقل ولا دين، وهي أقوى آلة الشيطان على ابن آدم. وإليه (٢) الإشارة بقوله ﵇: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب منكن". رواه مسلم عن ابن عمر (٣) واتفقا عليه من حديث أبي سعيد (٤)، وإنما ذلك لهيجان الشهوة؛ ولهذا استعاذ النبي ﵌ في هذا الحديث من شر منيه. وروى البيهقي في "الدعوات" عن أم سلمة: "أسألك أن تطهر قلبي وتحفظ فرجي" (٥). [١٥٥٢] (حدثنا عبيد الله) بالتصغير (٦) (بن عمر) (٧) بن (٨) ميسرة [القواريري المقرئ] (٩) شيخ الشيخين. (حدثنا مكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد الحنظلي البلخي الحافظ (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن أبي هند الفزاري المدني. (عن صيفي) بن زياد الأنصاري المدني (مولى أفلح مولى أبي أيوب) الأنصاري، أخرج له مسلم في ذكر الحيات (١٠). (عن أبي اليسر) بفتح المثناة تحت والسين المهملة بعدها راء واسمه كعب (١١) بن عمرو الأنصاري أمه نسيبة، وهو الذي أسر

стр. 4588

العباس بن عبد المطلب يوم بدر (١) وكان رجلًا قصيرًا والعباس رجل طويل ضخم فقال له رسول الله ﵌: "لقد أعانك عليه ملك كريم" (٢). وهو الذي انتزع راية المشركين وكانت بيد أبي عزير بن عمير يوم بدر، ثم شهد صفين مع علي وبها كانت وفاته (٣). (أن رسول الله ﵌ كان يدعو: اللهم إني أعوذ بك من الهدم) قال في "النهاية": الهدم بسكون الدال، هو: إهدار دم القتيل (٤) يقال: دماؤهم بينهم هدم، أي: مهدورة. في حديث: "صاحب الهدم شهيد" (٥). فالهدم بالتحريك البناء المهدوم، قال: في الحديث أنه كان يتعوذ من الأهدمين وهو أن ينهار عليه بناء أو يقع في بئر أو أهوية ونحو ذلك (٦). ويحتمل أن يراد بالهدم [المستعاذ به] (٧) هنا هدم [البيت المعقود] (٨)، أو السقف لما يترتب عليه فساد ما يحصل الهدم عليه من الأثاث والآلات والحيوانات وغير ذلك، ويحتاج مالكه إلى كلفة في تجديد عمارته والسعي في ذلك، ولا يخفى ما في ذلك من المشقة (وأعوذ بك من التردي) وهو السقوط في بئر أو مهوى أو نحوها. وفي الحديث أنه قال: في بعير (٩) تردى في (١٠) بئر: "ذكه من حيث

стр. 4589

قدرت" (١). أي: اذبحه في أي موضع أمكن من بدنه إذا لم يتمكن من نحره. والتردي تفعل من الرداء وهو الهلاك. (وأعوذ بك من الغرق) بفتح الراء مصدر وهو الذي غلبه الماء وقوي عليه [حتى أشرف] (٢) على الهلاك ولم يغرق فإذا غرق فهو غريق، ومنه الحديث: يأتي على الناس زمان لا ينجو إلا من [دعا الله دعاء] (٣) الغرق (٤). كأنه (٥) أراد إلا من أخلص الدعاء عند معاينة الهلاك؛ لأن من أشفى على الهلاك و [لم يمت فإنه] (٦) يخلص في دعائه طلبًا للنجاة. (و) من (الحرق) كما تقدم [في الغرق] (٧) وهو الذي يقع في حريق النار فيلتهب بالنار ولا يموت، ويحتمل أن يراد به وقوع الحريق في زرع أو أثاث أو غير ذلك من الأموال، فإذا وقع في شيء يتجاوز (٨) إلى ما لا نهاية له كما في بيوت الخشب ونحوه (والهرم) (٩) بفتح الراء؛ لأنه ينتهي بصاحبه إلى الخرف وذهاب العقل فيعود العالم جاهلًا، وقد تقدم. قوله: (وأعوذ بك) من (أن يتخبطني الشيطان عند الموت) وهو أن يستولي الشيطان عليه عند مفارقته الدنيا فيضله ويحول بينه وبين التوبة،

стр. 4590

أو يعوقه (١) عن الخروج من مظلمة تكون عنده، أو يؤيسه من رحمة الله تعالى ويكرهه الموت ويتأسف (٢) على الحياة فلا يرضى بما قضاه الله عليه من (٣) الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة فيختم له بسوء الخاتمة ويلقى الله تعالى وهو ساخط عليه. وروي أن الشيطان لا يكون في حال أشد على ابن آدم منه في حال الموت يقول لأعوانه: دونكم هذا فإنه إن (٤) فاتكم اليوم لم (٥) تلحقوه. فنعوذ بالله من شره ونسأله خاتمة الخير وأن يبارك لنا في ذلك (٦) المصرع بفضله (٧) وكرمه. (وأعوذ بك أن أموت في سبيلك) أي: قتال الكفار (مدبرًا) أي: ظهري مما (٨) يليهم، فمن ولى عن قتال الكفار مدبرًا (٩) فهو من أكبر الكبائر إذا لم يزيدوا على ضعف (١٠) المسلمين، أو رجع متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة من المسلمين. (وأعوذ بك أن أموت لديغًا) اللديغ الملدوغ فعيل بمعنى مفعول مثل كحيل بمعنى مكحول، وخضيب بمعنى مخضوب ولدغته العقرب (١١) بالغين المعجمة لسعته ولدغته الحية عضته. قال الأزهري: اللدغ بالناب [ويقال: اللدغة] (١٢) جامعة لكل
следующие страницы →