стр. 456
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 131521
شرح سنن أبي داود لابن رسلان
ابن رسلان
Полный текст (13 108 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 457
٢٨ - باب غَسْلِ السِّواكِ
٥٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن بَشّارٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأنصارِيُّ، حَدَّثَنا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الكُوفِيُّ الحاسِبُ، حَدَّثَنِي كَثِيرٌ، عَنْ عائِشَةَ أَنَّها قالَتْ: كانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَسْتاكُ فَيُعْطِينِي السِّواكَ لأغسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ (١).
* * *
باب غسل السواك
[٥٢] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بن عُثمان بندار أحد أوعية السنة، قال ابن خزيمة: سمعت بندارًا (٢) يقوُل: ما جلست مجلسي هذا حتى حفظت جَميع ما خَرَّجته (٣).
قال: (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المثنى بن عبد الله ابن أنس بن مالك أبو عبد الله (الأَنْصَارِيُّ) شيخ البخاري روى عنه الجماعة بواسطة، قال: (ثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الكُوفِي الحَاسِبُ) وثقوه (٤).
(قال: حَدَّثَنِي) جَدي (كثِيرٌ) بن عبيد رضيع عَائِشَةَ ﵂ ([عن عائشة] (٥) أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النبيُّ ﷺ يسْتَاكُ فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ) [بكسر
стр. 458
السِّين] (١) الذي استاك به (لأَغْسِلَهُ) هذا دليل على أن غسل السِّواك سُنةٌ بعد التسوك (٢)، والسِّواك بكسر السِّين على الأفصَح يُطلق على الآلة التي تستعمل للتسوك (٣)، ويُطلق على الفِعل منه والمراد به هُنا الآلة، وقد يستدل به على أن على الزوجَة خدمة زوجها لاسيما إذا طَلبَ ذلك منها، وقد اختلف العُلماء في ذلك فمذهب الشافعي: ليس عليها خدمة؛ لأن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة (٤).
وقال بَعض المالكية: عليها خدمة مثلها، فإن كانت شريفة [المحل ليسار أبوة] (٥) أو ترفه فعليها التدبير (٦) للمنزل، وإن كانت متوسِّطة الحَال فعليها أن تفرش الفراش وتناوله إناء الشراب ونحو ذلك، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تكنس البيت وتطبخ وتغسل، وإن كانت من نساء الكرد والديلم والتركمان والجبل كلفت ما تكلفهُ نساؤهم لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٧) وقد جَرى عُرف المُسلمين في بُلدانهم في قَديم الأمر وحَديثه بما ذكرنا، ألا ترى (٨) إلى أزواج
стр. 459
النبي ﷺ وأصَحابه، قال القرطبي: ولا نَعلم امرأة امتَنَعَت من ذلك ولا يَسُوغ لها الامتناع بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصَّرن في ذلك (١).
(فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ) يعني: تستاك به قبل أن تغسله (ثُمَّ أَغْسِلُهُ) ليَنَالهَا بركة ريق النبي ﷺ وفمه.
قال شارح "المصَابيح": وهذا دليل على أن استعمال سواك الغَير غير مكرُوه بشرط أن يكُون بإذن صَاحبه أو يَعلم أن صَاحبه يرضى بذلك؛ لأن استعمال مَال الغَير لا يجوز إلا بطيب نَفس مَالِكِهِ بإذنٍ ونحوه، وعَائشةُ ﵂[فَعَلت هذا] (٢) للانبسَاط الذي يكون [بين الزوجة وزوجها] (٣) (٤). وفي كلام الحكيم الترمذي ما يشعر بكراهةِ الاستياكِ بسواكِ الغَير وهذا الحديث يردُّهُ (وَأَدْفَعُهُ إِلَيهِ) (٥) ليَستاك (٦) به، وهذا من التعاوُن على البِّر والتقوى.
* * *
стр. 460
٢٩ - باب السِّواكِ مِنَ الفِطْرَةِ
٥٣ - حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيّا بْنِ أَبي زائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ ابن الزُّبَيْرِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفاءُ اللِّحْيَةِ، والسِّواكُ، والاِسْتِنْشاقُ بِالماءِ، وَقَصُّ الأَظْفارِ، وَغَسْلُ البَراجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ العانَةِ، وانْتِقاصُ الماءِ". يَعْنِي الاسْتِنْجاءَ بِالماءِ. قالَ زَكَرِيّا: قالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ العاشِرَةَ إلَّا أَنْ تَكونَ المَضْمَضَةَ (١).
٥٤ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ وَداوُدُ بْنُ شَبِيبٍ قالا: حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - قالَ مُوسَى: عَنْ أَبِيهِ. وقالَ داوُدُ: عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ مِنَ الفِطْرَةِ المَضْمَضَةَ والاِسْتِنْشاقَ". فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِعْفاءَ اللِّحْيَةِ، وَزادَ: "والخِتانَ". قالَ: "والاِنْتِضاحَ". وَلَمْ يَذْكُرِ: "انْتِقاصَ الماءِ". يَعْنِي الاسْتِنْجاءَ.
قالَ أَبُو داوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابن عَبّاسٍ، وقالَ: خمسٌ كُلُّها فِي الرَّأْسِ. وَذَكَرَ فِيها الفَرْقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِعْفاءَ اللِّحْيَةِ.
قالَ أَبُو داوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُ حَدِيثِ حَمّادٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَمُجاهِدٍ، وَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيِّ قَوْلُهُمْ، وَلَمْ يَذْكرُوا إِعْفاءَ اللِّحْيَةِ.
وَفِي حَدِيثِ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ: "وَإِعْفاءُ اللِّحْيَةِ". وَعَنْ إِبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوُهُ، وَذَكَرَ إِعْفاءَ اللِّحْيَةِ والخِتانَ (٢).
* * *
стр. 461
باب (السواك من الفطرة) (١)
[٥٣] (ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بفتح الميم أبو زكريا المري (٢) البغدادي إمَام المحَدِّثين (٣) شَيخ البخاري ومُسلم وفضائله كثيرة، (ثَنَا وَكيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ) بن جبير (٤) بن شيبة الحجبي أخرج له مُسلم، وقال ابن معين: ثقة (٥).
(عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ) العَنَزي بفتح العَين (٦) المهملة والنون البَصْري روى لهُ البخاري في "الأدب" (٧) والباقون، كانَ مِنَ العُباد، وكان برًّا بأمه دَخل عَليها يومًا، فإذا هي تبكي من امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت، أنا أظلم منها لكن أنا بدَأتُها وظلمتها (٨)، فقال لها: صدقت ولكن لا تطيب نفسي أن أحتبس امرأة بكيت منها (٩).
(عن) عبد الله (ابْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 462
عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ) قال محمد بن جَعفر القزاز (١) في "تفسير غريب صَحيح البخاري": أولى الوُجُوه في معنى الفطرة أن يراد بها ما (٢) جَبل الله الخلق عَليه وجبل طبَاعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما ليسَ من زينته (٣). وقال غيره: الفطرة: السُنة، والمعنى أنها من سُنن الأنبياء ﵈، وقيل: الفطرة: الِدين، وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (٤) قال: ابتلاهُ اللهُ بالطَّهارة خَمسٌ في الرأس وخَمسٌ في البدَن (٥).
وفي "الموطأ" وغيره عن يحيى بن سَعيد، أنه سِمَع سعيد بن المسَيب يقول: إبراهيم علسه السلام أول من اختتن، وأول من قص الشارب، وأوَّلُ من استحد، وأوَّل مَن قلَّم الأظفار (٦). وقال غيره: أول من استاك، وأول من استحم بالماء، وأوَّلُ من لبسَ السراويل.
وفي قوله: "عَشر من الفِطرة" نص على أن خصَال الفطرة لا تنحصر في العَشرة، وأما رواية مُسلم [أو غيره] (٧): "الفطرة عَشرة" (٨). بصيغة
стр. 463
حَصْر الابتداء فهذا من حَصر المجاز دون الحقيقة، فإنَّ الحَصر يستعمل تارة حقيقة ومجَازًا أخرى، فمن الحقيقة: اللهُ ربنا. ومن حَصر المجَاز: "الدين النصيحة". فلو كانَ الحَصْر حقيقة لجُعلت النصيحة كل الدين، وكأنه لا دين إلا النصيحة على طريق المبالغة، فإن في الدين خصَالًا أُخر غير النصيحة، وعلى هذا فتؤول (١) رواية: "الفطرة عشرٌ" أن مُعظمها عشر (٢)، ك "الحج عَرفة"، فإن الحج ليس منحصرًا في وقوُف عَرفة بل هو مُعظمها.
(قَصُّ الشَّارِبِ) هو خبر مُبتدأ محذوف، أي: أحَدها قص الشارب، وهو متفق على أنه سُنة لما رَوَاهُ الترمذي في "جَامعه" في الاستئذان: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا". وقال: حَديث حسَن صحيح (٣).
والمستحب عندنا وعند مَالك في روايته أن يقصَّ ما زادَ منهُ حَتى تبدو
حمرة الشفة من طرفها ولا يحفِه من أصله هذا مذهبَ الشافعي والجمهور.
وقال أحمد: أن حَفه فلا بأس وإن قصهُ فلا بأسَ واحتج أحمدَ بالأحاديث الصحيحة عن ابن عُمر أن النبي ﷺ قال: " أحفُوا الشوارب وأعفُوا اللحى". رواه البخاري ومُسلم (٤). وفي رواية: "جزُوُّا الشوارب" (٥)، وفي رواية: "أنهكوا الشوَارب" (٦). وهذِه الروايات محمولة عندنا على
стр. 464
الحف من طرف الشفة أي: أحفوا ما طَال عن الشفتين، وفي همزة احفوا واعفوا القطع والوَصْل والأكثر القطع، ومما يستَّدل به على أن السُّنةَ قصُّ بَعضِ الشارب رواية ابن عَباس: كانَ النبي ﷺ يقص أو يأخذ من شاربه، وكانَ إبراهيم خليل الرَّحمن يفعَلهُ. رواهُ الترمذي وقال: حديث حسَن (١).
وروي عن مَالك الإمام، أنه ذكر له إحفاء بَعض الناس شواربهم، فقال مَالك: ينبغي أن يضرب من صَنَع ذلك فليسَ حديث النبي ﷺ كذلك ولكن يبدي حرف (٢) الشفة والفم، قال مَالك: حَلق الشارب بدعة ظهرت في الناس (٣). قال الغزالي: ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب (٤). ويبدأ في قصَه من الجانب الأيمن من المفعُول (٥).
قال ابن دقيق العيد: الأصل في قص الشوَارب وجهان: أحدهما: مخالفة الأعَاجِم وهذِه العلة منصوصة في "الصحيح" حيث قال: "خالفوا المجوس" (٦).
والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعَام والشراب أبلغ في النظافة، وأنزه من وضَر (٧) الطعَام (٨).
стр. 465
(وِإعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) بالمدّ وهو توفيرها وتركها بحالهَا، ولا يقص منها، ولا يأخذ شيئًا كعَادة بَعض الكفار والقلندرية (١).
قال أبو عبيد: إعفاء اللحية أن توفر حتى تكثر، يقال: عفا الشعر إذا كثر وزاد، وأعفيته وعفيته أنا، وعفا إذا درس (٢)، وقيل: هو من الأضداد، وفي الحديث فعلى الدنيا العفاء (٣) أي: الدروس (٤). وقد اختلف فيما إذا طَالت اللحية، والصحيح كراهة (٥) الأخذ منها مطلقًا بل يتركها على حَالها كيف كانت لهذا الحديث.
وأمَّا حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَده، أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. فرواهُ الترمذي (٦) بإسناد ضَعيف لا يحتج به قالهُ النووي، وحَكى عن الغزالي: أنه يكره (٧) الزيادة في اللحية والأخذ منها، وكذلك نتف جانبي العنفقة (٨). وقال أحمد بن حنبل: لا بأس بحلق ما تحت حَلقه من لحيته (٩).
стр. 466
(وَالسِّوَاكُ) المراد به هنا الفعل بالآلة، ورَوَى ابن قدامة في "المغني" بسنده إلى أنس بن مَالك: أن رَجلًا من بني عَمرو بن عَوف قال: يا رسول الله، إنك رغبتنا في السِّواك، فهَل من دون ذلك شيء؟ قال: "إصبَعيك سِواكٌ عند وضوئك أمِرَّهما على أسنَانك" (١). وروى الحافظ أبو نعيم في "معرفة الصحَابة" في ترجمة أبي زيد الغافقي رفعه: "الأسوكة ثلاثة: أراك، فإن لم يكن أراك فَعَنم (٢) أو بُطم (٣) " (٤)، قال راويه (٥): [العنم: الزيتون] (٦) والمعرُوف في اللغة أنها شجرة لطيفة الأغصَان [يشبه بها] (٧) بنان العذارى، وهو بالعَين المهملة والنون المفتوحتين.
وروى الطبراني في "الأوسَط" من حَديث معَاذٍ رفعه: "نِعْمَ السِّواكُ الزَيتونُ من شجرة مُباركة تطيِّب الفَم، وتذهبُ الحفر، وهو مسواكي، ومسواك الأنبياء قبلي" (٨) والحفر بفتح الحاء المهملة وسُكون الفاء،
стр. 467
وفتحها، وهو فسَاد أصُول الأسنَان، وجعل ابن السِّكيت الفتح من لحن العامة، وهو محمول على أنه: مَا بلغَهُ لغة بني أسَد.
(وَالاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ) هكذا الرواية بالبَاء، وفيه حجة عَلى ما قالهُ في "الصِّحَاح" و"المجمل" (١) وغيرهما من أئمة اللغَة: استنشاق الماء بغَير باء، وزعم بَعضهم أنَّ: استنشقتُ بالماء، فزيادة الباء من قول الفقهاء، وهو جَعل الماء في الأنف وجذبه بالنفَس؛ ليصعد إلى الأنف، والاستنثارُ طرح الماءِ من الأنف بعد الاستنشاق.
(وَقَصُّ الأَظْفَارِ) ذكر الحكيم الترمذي في "نَوادر الأصُول" الأصل التاسِع والعشرون: ثنا عمرو بن أبي عمرو (٢)، قال: ثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، عن عمر بن بلال الفزاري (٣)، قال: سمعت عبد الله بن بسر (٤) المازني يقول: قال رسول الله ﷺ : "قصوا أظافيركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم (٥)، ونظفوا لثاتكم (٦) من الطعَام، وتسننوا ولا تدخلوا عليَّ قلحًا (٧) ". ثم تكلم فأحسَن، قال الترمذي:
стр. 468
فأمَّا قص الأظفار فمن أجل أنه يخدش ويخمش ويضر، وهو مُجتَمَعُ الوسَخ، فربما أجنَب ولا يصَل الماء إلى البَشرة من أجْل الوسَخ فلا يزال جُنُبًا (١). ومن أجْنَبَ فبقي أثره في جسَده بعَد الغسل، غير مغسُول فهو جُنب على حَاله، حتى يَعُمَّ الغُسل جَسَده كلَّه؛ فلذلك ندَبَهم إلى قص الأظفار.
وذكر أبو الحَسَن الطبري، المعروف بالكيا في "أحكام القرآن" عَن سُليمان بن فرج أبي واصل قال: أتيت أبا أيوب الأنصَاري فصَافحته فرأى في أظفاري طُولًا فقال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فسَأله عن خبر السَّماء؛ فقال: "يجيء أحدُكم يسَأل عن خبر السَّماء، وأظفاره كأظفار الطير حَتى يجتمع فيها الوَسَخ والتفث" (٢). وعن عائشة ﵂: كان رَسول الله ﷺ يأمرُ بدَفن سبعة أشياء من الإنسَان: الشعر، والظفر، والدم، والحَيضَة، والسِّن، والقلفة (٣) والمشيمة (٤).
(وَغَسْلُ البَرَاجِمِ) جَمع بُرجمة بضم البَاء والجيم وهي مفاصل الأصَابع، وظهور عُقدها، فظهوُر (٥) العقد تسمى برجمة، وما بين العقد يُسمى راجَبة، جمعها رواجب، فلكل إصبع برجمتان وثلاث
стр. 469
رواجب إلا الإبهَام، فإن له بُرجمة وراجبتين، فأمر بغَسل البراجم وتنقيتها مِنَ الدرَن؛ لئلا تبقى تحته الجَنابة، ويحول الدرن بين المَاء والبَشرة إذا كثُرَ فلا يصح الوضوء والغسْل.
وغَسْلُ البراجُم متفق على استحبابه وسنيته (١)، وهو سُنة مُستقلة غير مختصَّة بالوُضُوء، وقد أوضحها الغزالي في "الإحياء"، وألحق بها استحباب إزالة ما يجتمع من الوسَخ في بواطن (٢) الأذن وقعر السّماخ، فيزيلهُ بالمسح، وربما أضَرت كثرتُه بالسَّمع، قال: وكذا ما يجتمع في داخل (٣) الأنف من (٤) الرُطوبات الملتصقة بجوانبه، وكذا الوسَخ الذي يجتمع على غير تلك (٥) منَ البَدن من عرق وغبار ونحو ذلك (٦).
(وَنَتْفُ الإِبِطِ) فسنته النتف، كما أن سُنة العَانة الحلق، فلو عكس (٧) جاز لحُصول النظافة، والأول أولى، وإن شاء أزاله بالنورة، وحُكي عن يُونُس بن عبد الأعلى، قال: دخَلتُ على الشافعي وعندهُ الذي يحلق إبطه، فقال: قد علمتُ أن السُّنة النتف ولكن لا أقوى على الوجَع، ونتفُه سَهل [على من] (٨) تعَوَّدهُ، بخلاف من تَعود الحلق، فإنَّ شَعرهُ
стр. 470
يَقوى ويصعب نتفه بعد ذَلك (١). قال ابن الرفعَة: وكما يُستحب نتف الإبط يُستحب نتف الأنف أيضًا (٢). وإذا نتف الإبط أو الأنف فيبدأ بالأيمن (٣).
(وَحَلْقُ العَانَةِ) وهو متفق على أنه سُنة أيضًا، والمشهور في حقيقتها أنها الشَعر النَابت حوالي ذكر الرجُل وقبُل المرأة وفوقهما، وفي كتاب "الودائع" لأبي العَباس بن سريج: العَانة الشَعر المُستَدير حوْل حَلقَة الدُبُر. قال النووي: وهو غريب، لمن لا منع (٤) مِن حَلقه، وأمَّا استحبابه فلم أرَ فيه شيئًا، لمن يُعتمد عليه غير هذا، فإن قصد به التنظيف وسُهولة الاستنجاء (٥) فهو حَسَن محبوبٌ (٦).
ويحلق عَانته بنَفسه، ويحرُمُ أن يُوليَها غَيرهُ إلا زوجته، أو جاريته التي تستبيح (٧) النظر إلى عَورته ومسِّها، فيجوز مع الكراهة. قال الجيلي: وشَعر العَانة إذا طَال عَشش فيه الشيطان ويقع فيه القُمَّل، ويُذهِبُ قوَّة الجماع، وفي وصية عليٍّ ﵁: إن تقليم الأظفار، تكونُ في كل عَشرة أيام، ونتف الإبط في كل أربعين يومًا (٨)، وحَلق العَانة في كل عشرين يومًا، ونتف الأنف (٩) في كل ثلاثين يومًا، والحقُّ: الرجُوع في كل
стр. 471
ذلك إلى العادة.
(وَانْتِقَاصُ المَاءِ) بالقاف والصَاد المهملة، (يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ) هَكذا فسَّرهُ وكيع في "كتاب مُسلم" (١)، قال أبو عبيَدة وغَيره: مَعناهُ انتقاص البَول؛ بسبب استعمال الماء في غَسل مذاكيره. لأن الماء يقطع البَول؛ فعلى هذا المراد بانتقاص الماء: البَول [وحَمله على حقيقة الماء أولى] (٢) وهو كناية عن الاستنجاء؛ لأن الاستنجاء ينقص به الماء. وذكر (٣) ابن الأثير في "النهَاية": أنهُ رُوي انتفَاص الماء بالفاء والصَّاد المُهملة (٤). وقال في فَصل الفاء: قيل: الصَوَاب بالفاء والمراد نضحُهُ على الذكر (٥).
قال النووي: وهذا الذي قالهُ شاذ، وعلى الرواية بالفاء فهو من النُفَصة بضَم النُون وفتح الفاء، وهو نضح الدم القَليل، الواحِدة نَفْصة (٦) (٧).
قال الشاعر:
ترمي الدمَاءَ [على أكنَافها] (٨) نُفَصَا
стр. 472
(قَالَ زَكَرِيَّا) بن أبي زائدَة: (قَالَ مُصْعَبٌ) بن شَيبة (وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ إلا أَنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ) فهذا شك منه فيها. قال القَاضي عيَاض: لعَلَّهَا الختان، يعني: الآتي في الرواية بَعده، قال: وهو أولى (١).
[٥٤] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي، (وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيب) البَاهلي شيخ البخاري، (قَالَا: ثَنَا حَمَادٌ) بن سلمة، قال ابن الجَوزي في "التلقيح": أن التبوذكي، ليسَ يروي إلا عن حَماد بن سَلمة خَاصَّة (٢). (عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ) بن جدعان التيمي، أخرج له مُسلم والأربعة.
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَارِ بْنِ يَاسِرٍ) العَنسي، المدني، أخي أبي عُبيد بن محمد بن عمار بن ياسر، أخرج له المصَنِّف وابن ماجه (٣) هذا الحديث (٤) الوَاحِد لا غَير.
(عن) جَدِّه (عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قال مُوسَى) بْنُ إِسْمَاعِيلَ التبوذكي في روايته أنهُ روى (عَنْ أَبِيهِ) مُحَمَّدِ بْنِ (٥) عَمَّارِ، عن جَدِّه عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، (وَقَالَ دَاوُدُ) بن شبيب: (عن) جده (عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِنَ الفِطْرَةِ) قال (٦) أبو عمرو بن الصَّلاح: تفسير الفطرة بالسُّنة فيه إشكال لبُعد معنى السُّنة من معنى الفطرة في اللغَة، قال: فلعَل
стр. 473
وجهه أنَّ أصله سُنة الفطرة أو أدب (١) الفطرة، فحذف المضَاف وأقيم المضَاف إليه مقامه. قال النووي: تفسير الفطرة هُنا بالسُّنة هو الصَّوابُ ففي "صَحيح البخاري" عن ابن عُمر، عن النَّبي ﷺ قال: "مِنَ السُّنة قص الشارب، ونتف الإبط" وأصحَّ ما فُسّرَ به غريب الحَديث [تفسيره بما] (٢) جاء في رواية أخرى، لاسيَّما في "صَحيح البخاري" (٣) (٤).
(الْمَضْمَضَةَ وَالاِسْتِنْشَاقَ) بنصِّهما وفيه حجَّةٌ لمذهب الشافعي أن المضمضة والاستنشاق مسنونان (٥)؛ لأنه (٦) جعلهما من الفطرة، والفِطرة: السُّنة، كما تقدم، وذِكره لهما من الفطرة يدل على مخالفتهما لسائر الوضُوء؛ و (٧) لَأن الفَم والأنف عُضوانِ باطنان؛ فلا يجبُ غَسلهما كباطِن اللحية ودَاخل العَينَين؛ ولأن الوجه ما يحصُل به المواجَهة، ولا تحصُل المواجهة بهما خلافًا لأحمد، فإن الرواية المشهورة عندَه أن المضمضة والاستنشاق، واجبان في الوضوء، والغسل (٨).
стр. 474
(فَذَكَرَ نَحْوَهُ). ولفظ هذِه الرواية: "منَ الفطرة: المَضمضة، والاستنشاق، وقصُّ الشارب (١)، والسِّواك، وتقليم الأظفار، وغَسل البراجم، ونتف (٢) الإبط، والاستحداد، والانتضاح، والاختتان".
(وَلَمْ يَذْكُرْ) في هذِه الرواية (إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ، وَزَادَ: والْخِتَانَ) بدل إعفاء اللحية، والختان هو القطع من ذكر الغُلام أو فرج الجارية، وقد تؤنث (٣) بالهَاء، فيقال: ختانة، وذلك قطع الجلدة السَّاترة للحشفة، حتَّى تنكشف جَميعها، وفي الصَّبية قطع أدنى جزء من الجلدَة التي في أعلى الفَرج. يقالُ: ختن الصَّبي يختِنه، ويختنه بكسر التاء وضمها خَتْنًا، بإسْكان التاء.
والختان واجب عندنا على الرجَال والنساء، وبه قال كثير من السَّلف، وممن أوجبهُ أحمد (٤)، وقال مَالك (٥) وأبو حنيفة (٦): سُنة في حق الجَميع، وحَكَاهُ الرافعي وجهًا لنا، وحجة القائلين (٧) [بأنهُ سُنة] (٨) هذا الحَديث، فإنه مَعدُود مع السُّنن (٩). واحتج أصحابنا بقوله
стр. 475
تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) وإبراهيم أول من اختتن وهو ابن سَبعين سَنة، وقيل: ثمانين، ولا يفعل ذلك في هذا السِّنِّ (٢) إلا عن أمر من الله تعالى، ولما روى المصَنِّف وأحمد في الحَديث الآتي، عن عُثيم (٣) بن كُليب، عن أبيه، عَن جَدِّهِ، أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: قد أسلمت، فقال: "ألق عَنك شعر الكُفر" يقول: "اختتن". قال: وأخبرني آخر مَعَهُ أن النبي ﷺ قال للآخر: "ألق عَنك شعر الكفر واختتن" (٤). وهذا أمر والأمر للوُجوُب؛ ولأنه قطعُ جزءٍ من البَدَن [لا يُستخلف تعبدًا] (٥) فكان واجبًا كالقطع (٦) في السَّرِقة، وكما يجب الخِتَانُ يجبُ قَطع السُّرة.
(وقال) في هذِه الرواية: (وَالاِنْتِضَاحَ) بالضَاد المُعجمة، والحَاء المُهملة.
قال الجمهُور: هو أن يأخُذ المُستنجي، قليلًا من الماء فيرشَّ به مذاكيره، بعَد الوُضوء، لينفِيَ عنهُ الوِسْوَاس (٧) الذي يحصُل من الشك في البَلَل، أنه من البَول أم لا؟ ومنهُ حَديث قتادَة: النضحُ من النضحِ. يُريدُ من أصَابه نَضح مِنَ البَول وهو الشيء اليَسير منه؛ فعليه أن ينضحه
стр. 476
بالماء وليس عليه غسْلهُ (١).
قال الزمخشري: هو أن يصيبهُ مِنَ البَول رشاش كرؤوس الإبر (٢).
قال النووي: والذي قالهُ المحققون: أنهُ الاستنجاء بالماء بدليل رواية مُسلم، وانتقاص الماء بالقَاف والصَاد المهملة (٣). كما تقدم.
(وَلَمْ يَذْكُرِ انتِقَاصَ المَاءِ، يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ) في هذِه الروَاية (ورُوي نحَوه عَنِ) عبد الله (بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَالَ: خَمْسٌ كُلُّهَا فِي الرَّأْسِ) قال الغزالي: حصل من ثلاثة أحاديث من سُنن الجسَد اثنا عشر، منها خمس في الرأس (٤).
(و (٥) ذَكَرَ فِيهَا الفَرْقَ) (٦) بإسْكان الراء مصدر فرقت بين الشيئين أفْرُقُ بِضَم الراء فرقًا، إذا فصلت أبعاضه من بَعض.
والخَمس التي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، والسِّواك، وقص الشارب.
قال الغزالي: وثلاث في اليَد والرجل وهي (٧): القلم، وغَسل
стр. 477
البراجم، وتنظيف الرواجِبِ، وأربعة في الجَسَد: وهو نتف الإبط، والاستحدَاد، والختان، والاستنجاء، فحصَل من ثلاثة أحاديث، من سُنن الجسَد: اثنا عشر (١).
وقد روى البخاري من حديث ابن عَباس أن رسول الله ﷺ كان يسدل شعَرهُ، إلى أن قال: ثم فرق رسُول الله ﷺ (٢). (وَ (٣) لَمْ يَذْكُرْ فيه: إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ) بل ذكر (٤) مكانه الفَرْق.
(وَرُوِيَ نَحْوُ حَدِيثِ حَمَّادٍ) بن سلمة (عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَمُجَاهِدٍ، وَعَنْ بَكْرِ) بْنِ عَبْدِ اللهِ (الْمُزَنِيِّ) توفي [١٠٨] (٥) في (قَوْلهمْ لم) وفي رواية الخَطيب: وَلَمْ (يَذْكُرُوا: إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ) (٦) في روايته.
(وَفِي حَدِيثِ مُحَمَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ) الخزاعي ذكرهُ ابن حبَان في "الثقات" (٧) (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله، على الأصَح (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)،
стр. 478
- ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ: وَإعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) (١) كما تقدم.
(وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ) الكوفي واسم والده سُوَيد (٢) أخرج له مُسلم (نَحْوُهُ وَذَكَرَ: (إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ وَالْخِتَانَ) (٣) احتج القائلون بأن الختان سُنة؛ بذِكرهِ الختان في الفطرة، وتقدمَ أن الفطرة السُّنة، وجوَابه أنَّه ذُكِرَ في جملة السُنن، وهو واجب، غيرُ مُمتنع؛ فقد يقرن (٤) المختلفان في الوَاجب وغَيره كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٥) والأكل مُباح والإيتاء (٦) واجب، وقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ (٧) والإيتاء (٨) واجب والكتابة سُنَّةٌ، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرٌ مشهور، وهذا منها.
* * *
стр. 479
٣٠ - باب السِّواكِ لِمنْ قامَ مِنَ اللَّيْلِ
٥٥ - حَدَّثَنا محَمَّدُ بْن كَثِيرٍ، حَدَّثَنا سُفْيان، عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إِذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشوصُ فاهُ بِالسِّواكِ (١).
٥٦ - حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ زُرارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ، عَنْ عائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُوضَعُ لَهُ وَضُوءُهُ وَسِواكُهُ، فَإِذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ تَخَلَّى ثمَّ اسْتاكَ (٢).
٥٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أمِّ محَمَّدٍ، عَنْ عائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ لا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلا نَهارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ (٣).
٥٨ - حَدَّثنا محَمَّد بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنا حُصَينٌ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثابِتٍ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنامِهِ أَتَى طَهُورَهُ فَأَخَذَ سِواكَهُ فاسْتاكَ، ثمَّ تَلا هذِه الآياتِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حَتَّى قارَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ أَوْ خَتَمَها، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَتَى مُصَلاهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِراشِهِ فَنامَ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى فِراشِهِ فَنامَ، ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ
стр. 480
رَجَعَ إِلَى فِراشِهِ فَنامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ يَسْتاك وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَ أَوْتَرَ.
قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ ابنِ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ قالَ: فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ (١).
* * *
باب السِّوَاكِ لِمَنْ قَامَ باللَّيْلِ
[٥٥] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العَبْدي البْصري شَيخ البُخَاري.
(ثَنَا سُفْيَانُ) بن (٢) سَعيد بن مسروق الثوري، (عَنْ مَنْصُورٍ) بن المعتمر بن عبد الله السّلمي الكوفي، أحَد الأعلام (٣) (وَحُصَيْنٍ) -بضم الحَاء وفتح الصَاد المُهملتين- بن عبد الرحمن السلمي.
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسدي، (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليَمان ﵁[وإسَناده غير ابن كثير كوفيُّون] (٤) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ يَشُوصُ) بضَم الشين المُعجمة وسُكون الواو أي: يغسل وينظف، كذا عن الجَوهري (٥)، والشوص (٦) التنقية عن أبي عبيدة، والدَّلك عن ابن
стр. 481
الأنبَاري، وقيل: هو الإمرار على الأسنَان من أسْفَل إلى فَوق، واستدل قائلهُ بأنه مأخُوذ منَ الشوصَة، وهي ريح ترفع القلب عن موضعه (١).
قال ابن دقيق العيد: فيه استحباب السواك عند القيام من النَّوم؛ لأنَّ النوم يفضي لتَغَير الفم لما يتصَاعد إليه من أبخرة المعدة، والسّواك آلة تنظيفه. قال: وظاهر قوله: من الليل أنه عَام في كل حَالة، ويحتمل أن يخص بما إذا قامَ إلى الصَلاة (٢). ويدل عليه رواية البخاري في الصَّلاة بلفظ: إذا قامَ إلى التهجد، ولمُسلم نَحوه (٣)، ويدل عليه رواية ابن عَباس الآتية آخر البَاب.
[٥٦] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي، (قال: (٤) ثَنَا حَمَّادٌ) بن سلمة، (قال: ) (٥) ثنا (بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ) بن مُعاوية، وثقه جماعة (٦).
(عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ (٧) بْنِ هِشَامٍ) بن عَامر الأنصَاري، قال البخاري: قتل بأرض مكران على أحسن أحواله (٨).
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يُوضَعُ لَهُ وَضُوءُهُ) بفتح الواو اسم للمَاء الذي يتوضأ به، (وَسِوَاكُهُ) فيه استحباب ذلك، والتأهُّب للعَبادة (٩)
стр. 482
[قبل وقتها] (١) والاعتناء بها (فَإِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ تَخَلَّى) وزنه (٢) تَفَعَّلَ من الخلاء، وهو قضاء الحاجة، ومنهُ حَديث ابن عباس: كان أناسٌ يستحيونَ أن يتخلَّوا فيفضُوا إلى السماءِ (٣). يعني: يسْتَحيون أن يتكشفوا (٤) عند قضاء الحَاجة تحت السَّماء (ثُمَّ اسْتَاكَ) صَححه ابن منده (٥)، ورواهُ ابن مَاجَه والطبراني من وجه آخر (٦)، وروى ابن مَاجه من حَديث عائشة ﵂ كنتُ أضع لرسول الله ﷺ ثلاثة آنية مخمرة: إناء لطهوره، وإناء لِسَواكه، وإناء لِشربه (٧).
وذكر الغزالي أن آدَاب النوم عَشَرة منها: أن يعدُّ عند رَأسه إذَا نام سوَاكه وطهوره، وينوي القيام للعبادَة إذا استيقظ (٨). وظاهر الحَديث أن هذِه الأشياء من المسنُونات. واللهُ أعلم.
[٥٧] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، قال: ثَنَا هَمَّامٌ) (٩) بن يحيى العوذي (١٠) الحَافظ.
стр. 483
(عَنْ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ) بن جدعان التيمي، أخرج له مُسلم في الجهاد مقرونًا بثابت البناني (١).
(عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ) واسمها [أُمية] (٢) امرأة أبيه (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَن النَّبيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيلٍ وَلَا نَهَارٍ فَيَسْتَيقِظُ) (٣) من نومِهِ (إلا ويتَسَوَّكَ) [بياء ثم تاء] (٤)، ورواية الخَطيب: إلا تسوك بحذف اليَاء التي قبل التاء (قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ) (٥) وَرَوَاهُ أبو نعيم من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يَرقَدُ، فإذا استيقظ تسَوك ثم توضأ (٦). ظاهِر لفظة: كان، والحصر الذي في الحديث أن السواك يتكرر بتكرر النَوم، ولا فَرق بين أن يكون (٧) النَوم في ليل أو نَهار، وأن النَوم علة للسواك.
قال الجيلي والغزالي: وإن لم يصل لفعل النبي ﷺ ؛ لأن النائم ينطبق فوُه فيتغير رائحته، وكلمَا تغيرت رائحة الفَم سُن السِّواك؛ سَواء تَغَيرت من
стр. 484
نَوْم أو مَأكول أو غَيره؛ لأن مشروعيته لإزالة رائحة الفَم وتطييبه (١).
(قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ) صَريح في تقديم السواك على الوُضوء، وقبل التسمية؛ لتكون التسمية وذكر الله تعالى بعد تنظيف الفَم، فإن التسمية من الوضوء.
قال الغزالي: يُستحب السِّواك عند كل وضوء، وإن لم يُصلِّ عقبه، ويَنوي عند السِّواك تطهير فمه لذكر الله تعالى، ثم عندَ الفراغ من السِّواك يجَلِس للوُضوء ويقول: بسْم الله. انتهى (٢).
وفي "صحيح مُسلم" ما يدل لهُ، وهو ما روي عن ابن عباس عَن رسول الله ﷺ أنهُ تسَوك وتوضأ (٣).
وقال ابن الصَّلاح: في "مُشكل الوَسيط" الظَّاهر أن السِّواك يتأخر، فيكون عند المضمضة، وهذا الحَديث يَرده.
وقال القاضي حسين: التسمية أول سُنة الوُضوء، وظاهر كلام الشيخ أبي إسحَاق: أنه سُنة مُستقلة (٤).
[٥٨] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى) بن الطباع عَلَّق له البخاري، (ثَنَا هُشَيْمٌ) ابن بشير (٥)، أنبأنا (حُصَينٌ) بضم الحَاء وفتح الصَاد المهملتين ابن عَبد الرحمن السّلمي الكوفي.
стр. 485
(عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) الأسدي مولاهُم الكُوفي، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ (١) عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) الهَاشِمي المدَني أبي (٢) الخليفتين السّفاح والمنصُور، ولد بالحُمَيمة (٣) مِن ناحَية البلقاء، كان عبد الله ابن الحنفية أوصَى إليه (٤) ودَفع إليه (٥) كتبه، (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) قال الذهبي: روى عن جَده مُرسلًا وعن أبيه (٦).
(قَالَ: بِتُّ لَيلَةً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ) في بيت خَالتي ميمونة (٧)، قال القَاضي: وقد جَاء في بعض روَايات هذا الحَديث: بت عند خالتي في ليَلة كانت فيها حَائضًا. وفيه دليل على جواز نَوم الرجُل مع امرأته مِنَ غير مواقعة بحضرة بعض محارمَها، وإن كانَ مميزًا (٨).
(فَلَمَّا اسْتَيقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أَتَى طَهُورَهُ) بفتح الطاء، وفَعول (٩) يأتي لما يُفعل به كالطَّهوُر لما يُتطهر به (١٠)، والوضوء لما يُتوضأ به، والفطور
стр. 486
لما يُفطر عليه، ويُفهم مِنَ الطهوُر صفة زائدة على الطهَارة وهي الطُّهوُرية (فَأَخَذَ سِوَاكَهُ) كذا رواية الحَاكم (١)، وظاهره أنه أخذ السِّواك مِنَ الطهور، فإنه كان ينقع فيهِ ليلينَ. وروايةُ النسَائي من روَاية حميد بن عَبد الرحمن بن عَوف عن رجل من أصحَاب النبي ﷺ قال فيه: ثم استيقظ فنظر في الأفق فقال: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ حتى بَلغ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٢) ثم استل مِنْ فراشه سواكًا (٣).
(فَاسْتَاكَ) وتوضأ (ثُمَّ تَلا هذِه الآيَاتِ) العَشر الخَواتم من سُورة آل عمران كذا روَاية مُسْلم (٤)، وفيه دليل على جَوَاز القراءة للمُحدِثِ، وهذا إجماع المُسلمين (٥)، وإنما تَحرُم القراءة على الجنب والحَائض (٦)، وفيه استحبَاب قراءة هذِه الآيات عِندَ القيام من النَوم (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾) في هذِه الآية دلالة على التوحيد، فإن خلق هذا العَالم العَظيم والبناء العَجِيب لابدَّ له من بَانٍ وصَانعٍ؛ لأن السَّموات أجناس مختلفة، كل سَماء مِن جنس غيرَ جنس
стр. 487
الأخرى، وأمَّا الأرض فتُراب واحد، فلهذا أُفردت بالذكر (﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾) بإقبال أحَدهما وإدبَار الآخر، ولا يدري (١) أين يذهب النهار إذا جَاء الليل، ولا أين يَذهب الليل إذا جَاء النهَار إلا الله تعالى، وقيل: اختلافهما في الأوصَاف من النور والظلمة، والطول والقِصر (﴿لَآيَاتٍ﴾) أي: دلالات تدُل على وحدانية الله تعالى وقدرته (﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾) (٢) الذين يستعملون عقولهم في تأمُّل الدلائل، وفي الحَديث: "ويل لمن قرأ هذِه الآية ولم يتفكر فيها" (٣).
(حَتَّى قَارَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ أَوْ خَتَمَهَا) رواية الصَّحيح: أنهُ قرأ العَشر الآيات. توضح (٤) الشكَّ في هذا الحَديث، وفيه دليل على أنهُ يُستحب لمن انتبه مِنَ نومه أن يمسح على وجهه، ويستفتح قيامه بقراءة هذِه العَشر الآيات اقتداء بالنبي ﷺ -كما ثبتَ في "الصَحيحين" (٥) وغيرهما، قال النووي: وإذا تكرر نَومه واستيقاظه وخُروجه، أستحب تكرير قراءة هذِه الآيات كما في الحَديث (٦).
(ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَتَى مُصَلاه) ليصلي ما كتب لهُ ليجمع بين التفكر والعَمل، وهو أفضل الأعمال (فَصَلَى (٧) رَكْعَتَينِ) من السُنَّة أن يفتتح المتهجد
стр. 488
صَلاته برَكعتَين خَفيفتين؛ لينشط بهما لما بعدهما (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ) فيه: أن المتهجد إذا صلى ما كتب له فنَعس أو غلبهُ النَوم يأتي إلى فراشه فيضطجع (فَنَامَ مَا شَاءَ الله) أن ينام (ثُمَّ اسْتَيقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ) من إتيانه الطهور فيستاك ثم ينظر إلى السَّماء، فيقرأ الآيات العشر حتى يختم السُورة؟ ، ثم يتَوضأ ويُصَلي ما شاء الله (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ) ما شاء الله (ثُمَّ اسْتَيقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ) كما تقدم (كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَينِ) وذكر الغَزالي في (١) مراتب الإحياء (٢): والمرتبَة الخامسَة أن يقوم من أول الليل إلى (٣) أن يغلبه النَوم، فإذا انتبه قامَ، فإذا غلبهُ النَوم عَادَ إلى النَوم، ويكون له في الليل نومتان وقومتان، وهو من مكابدة الليل وأشَد الأعمال وأفضلها، وقد كان هذا من أخلاق رسُول الله ﷺ وهو طريقة ابن عُمر، وأولي العزم (٤) من الصَّحَابة (٥).
وفي رواية النسَائي المتقَدمة: فَنام بعد العشَاء زمانًا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فنظر إلى الأفق فقال: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٦) ثم استلَّ مِنْ فراشه سواكًا واسْتَاك وتوضأ وصلى، حَتى قلت: صلَّى مثل ما نَامَ، ثم اضطجع حَتى قلت: نامَ مثل مَا صَلى ثمَّ
стр. 489
اسْتَيْقَظَ فقال مثل ما قال أوَّل مَرة، وفعل مثل ما فعَل أول مرة (١). (ثُمَّ أَوْتَرَ) فيه فضيلة الوتر آخر التهجد؛ ليَكون الوتر آخِر صلاته كما في الحَديث، (ورواه) محمد (ابْنُ فُضَيلٍ) (٢) الضبي بالتصْغير، (عَنْ حُصَيْنٍ)، عن حَبيب بالإسناد المذكور، و (قَالَ) فيه: (فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ) فيه: أنَّ قراءة الآيات في غَير حَال الوُضُوء (مي ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حَتَّى خَتَمَ السورة) هذا يبين (٣) الرواية التي قبلها على الشك، وكذا في أكثر الروايات أنه قرأ إلى آخر السورة العَشر الآيات بكمالهَا، وخُصت (٤) هذِه الآيات لما فيها من الاعتبار. واللهُ أعلم.
* * *
стр. 490
٣١ - باب فرْضِ الوُضُوءِ
٥٩ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْن إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا شُعْبَة، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَبِي الَملِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلا صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ" (١).
٦٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (٢).
٦١ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيانَ، عَنِ ابن عَقِيلٍ، عَنْ محَمَّدِ ابن الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِفْتاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُها التكبِيرُ، وَتَحلِيلُها التَّسْلِيمُ" (٣).
* * *
باب فرض الوضوء
[٥٩] (ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزدي الفراهيدي مولاهم البصري، حدَّث عن سَبعين امرأة وكتب عن قَريب من ألف شيخ (٤)، قال: (ثَنَا شُعْبَةُ)، قال: (ثنا قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي المَلِيحِ) قال الترمذي: أبو المليح بن أسَامة، اسْمهُ عَامر بن أسامة، ويقال: زيد بن أسَامة بن عمير
стр. 491
الهَمداني، قال: وهذا الحَديث أصح شيء في هذا الباب (١).
قال ابن سيد الناس في "شَرحه": إذا قال الترمذي: هذا الحديث (٢) أصَح شيء في هذا البَاب. لا يلزم منه أن يكون صحيحا عنده، وكذلك إذا قال: أحسن. لا يقتضي أن يكُون حسنا عنده (٣).
(عَنْ أَبِيهِ) أسَامة بن عمير البصري، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَقْبَلُ الله صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ) بضمِّ الغين، والغُلول: الخيانة، وأصلُه السَّرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، قيل: كل من [خان] (٤) في شيء خُفْية (٥) فقد غل وسُميت غُلُولًا؛ لأن الأيدي مَغلولة عنها، أي: ممنوعة (٦). والصَّلاةُ في حَديث جميع الرواة مُقدَّمة على الصَّدقة. (وَلَا صَلَاة بِغَيرِ طُهُورٍ) بضَم الطاء اسم لفعل التطهر، هذا هو المشهور، واسم الماء الطَّهور بفتح الطَاء.
قال النووي: هذا الحَديث نَصٌّ في وُجوُب الطهارة للصَّلاة (٧).
وظاهره يقتضي انتفاء قبول الصَّلاة عند انتفاء شرطها وهو الطَهَارة، فكذلك يقتضي بمفهومه وجُود القبول إذا وجد شرطه إن شاء الله، والقبول موكول إلى عِلمِ الله تعالى، ليسَ لنا بوجوده علم، والقبول
стр. 492
ثمرة (١) وُقوع الطاعة، مجزئة رافعة لما في الذمة، ولما كانَ الإتيان بالصَلاة بشروطِها مظنة الإجزاء الذي ثمرته (٢) القبول عَبر عنهُ بالقبول مجازًا، وقد يتمسَّكُ به من لا يرى وُجُوب الوضوء (٣) لكل صَلاة وهم الجُمهور؛ إذِ الطهُور الذي يقامُ به الصَّلاة الحاضِرة أعَم من أن يَكون قد أقيمت (٤) به صَلاة أخرى أو لم تقم (٥)، وكذا قوله ﵇: "لا يقبل الله صَلاة أحدكم إذا أحدث حَتى يتوضأ" (٦)؛ لأن نفي القبول يمتَد إلى غاية الوُضوء، ومعلوم أن مَا بعد الغاية مغاير لما قبلها، فيقتضي ذلك قبُول الصلاة بعد الوضوء مُطلقًا، ويدخل تحته (٧) الصَّلاة الثانية قبل الوضُوء ثانيًا، وقد استدل جَماعة منَ المتقدمين بانتفاء القبُول على انتفاء الصِّحة، وتمسَّك بعضهم بهذا الحَديث في وُجوب الاغتسال على الكافر إذا أسْلمَ.
قال ابن العَربي: هو مُسْتَحب عند الشافعي وأبي إسحاق القَاضي، وقال مَالك وأحمد وأبُو ثور: هو واجبٌ. قال (٨): وهو الصَّحيح لقوله: "لا يقبل الله صَلاة بغَير طهور"، وقد أجمعت (٩) الأمة على
стр. 493
وجُوب الوُضوء (١) فالغسل مثله (٢).
[٦٠] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافع أبو بكر أحد الأعلام.
(قال: أنبأنا مَعْمَرٌ) بن راشد أبو عروة البصري الأزدي، شَهِدَ جَنازة الحَسَن وسكن اليَمن، وكانَ أحَد الأعلام.
قال: جلست إلى قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما سمعتُ منهُ حديثا إلا كأنَّه مَنقوشٌ في صَدْري. قال العجلي: لما رَحَل إلى اليَمن دَخِل صَنعاء كرهُوا أن يخرج من بين (٣) أظهرهم، فقال رجل: قيدوهُ. فزوَّجُوه (٤).
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَقْبَلُ الله) هكذا رواية الخَطيب، ورواهُ غيره: لا تُقبل. بضَم أوَّله لما لم يُسمَّ فاعله، وهي الرواية المشهورة في البخَاري (٥)، والمرادُ بالقبُول هنا ما يرادف الصِّحة وهو الإجزاء، ولما كان الإتيان بالشروط مظنة الإجزاء الذي القَبول ثمرته (٦) عبر عنهُ بالقبُول مجَازًا، وأمَا القبُول المنفي في مثل قوله ﷺ : "من أتى عَرَّافًا لم تُقبل صَلاته" (٧) فهو
стр. 494
الحقيقي؛ لأنه قد يصح العَمل ويتخلف القبول لمانع، ولهذا كانَ بَعض السَّلف يقول: لأَن تقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من جميع الدُّنيا (صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ) أي: وجد منه الحَدَث، والمراد به الخارج من أحَد السَّبيلين (حَتَّى يَتَوَضأَ) بالماء أو ما يقوم مقامهُ.
وروى النسَائي بإسناد قوي عن أبي ذر مرفوعًا: "الصَّعِيد الطيب وضوء المُسلم" (١) فأطلق الشَّارع على التيمم أنه وُضوء؛ لكونه قائم مقامهُ، ولا يخفى أنَّ المراد بقبول صَلاة من كان مُحدثًا فتوضأ، أي: مع باقي شروط الصلاة المعتبرة (٢)، واستدل بالحَديث على بُطلان الصَّلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريًا (٣) أو اضطراريًا، وعلى أن الوُضوء لا يجبُ لكل صَلاة؛ لأن القبُول انتفى إلى غاية، وما بعدها مخالف لما قبلها فاقتضى ذلك قبُول الصَلاة بعد الوُضوء مُطلقًا كما تقدم.
[٦] (ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ) أبو الحَسَن العبسي (٤) شيخ الشَّيخين، (قال: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ) الثوري (٥) (عن) عبد الله بن محمد (بن عقيل) بن أبي طالب، وأمه زينب الصّغرى بنت علي بن أبي طالب ﵁، قال ابن عَبد البر فيه: شريف عَالم لا يطعن عليه إلا متحامل، وهو أقوى من كل
стр. 495
من ضَعَّفهُ (١) (عَنْ مُحَمَّدِ) بن علي بن أبي طَالب ﵁ أبو القَاسم الهاشمي المدني المعروف بـ (ابْنِ الحَنَفِيةِ) وهي خَولة بنت جَعفر بن قيس الحنفية من سَبي اليمامة، روى ليث بن أبي سُليم، عن محمد بن نشر (٢)، عن محمد ابن الحنفية، عَنْ عليٍّ، قلت: يا رَسُول اللهِ، إن ولد لي مولوُد بعدك أسَميه باسْمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال: "نعم" (٣).
قال ابن الجنَيد: لا نعَلم أحدًا أسند عن علي أكثر ولا أصَح من محَمد ابن الحنفية، قال ابن بكار: تسميه الشيعة: المهدي.
قال كُثَيِّر: هو المهديُّ خبَّرناه كعب أخو الأحبَار في الحُقُب الخَوالي، فقيل: لكثير عزَّة: لقيتَ كعبًا؟ قال: لا، ولكن قلته بالتوهّمُ. وكانت شيعته تزعم أنه لم يمُت، ولهذا قال السَّيد الحميري:
وما ذاقَ ابن خولة طعم مَوتٍ ... ولا وارت له أرض عظامًا
لقد أمسَى بمورق شعب رَضوى ... تراجعه الملائكة الكرامَا (٤)