← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الهَمداني، قال: وهذا الحَديث أصح شيء في هذا الباب (١). قال ابن سيد الناس في "شَرحه": إذا قال الترمذي: هذا الحديث (٢) أصَح شيء في هذا البَاب. لا يلزم منه أن يكون صحيحا عنده، وكذلك إذا قال: أحسن. لا يقتضي أن يكُون حسنا عنده (٣). (عَنْ أَبِيهِ) أسَامة بن عمير البصري، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَقْبَلُ الله صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ) بضمِّ الغين، والغُلول: الخيانة، وأصلُه السَّرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، قيل: كل من [خان] (٤) في شيء خُفْية (٥) فقد غل وسُميت غُلُولًا؛ لأن الأيدي مَغلولة عنها، أي: ممنوعة (٦). والصَّلاةُ في حَديث جميع الرواة مُقدَّمة على الصَّدقة. (وَلَا صَلَاة بِغَيرِ طُهُورٍ) بضَم الطاء اسم لفعل التطهر، هذا هو المشهور، واسم الماء الطَّهور بفتح الطَاء. قال النووي: هذا الحَديث نَصٌّ في وُجوُب الطهارة للصَّلاة (٧). وظاهره يقتضي انتفاء قبول الصَّلاة عند انتفاء شرطها وهو الطَهَارة، فكذلك يقتضي بمفهومه وجُود القبول إذا وجد شرطه إن شاء الله، والقبول موكول إلى عِلمِ الله تعالى، ليسَ لنا بوجوده علم، والقبول

стр. 492

ثمرة (١) وُقوع الطاعة، مجزئة رافعة لما في الذمة، ولما كانَ الإتيان بالصَلاة بشروطِها مظنة الإجزاء الذي ثمرته (٢) القبول عَبر عنهُ بالقبول مجازًا، وقد يتمسَّكُ به من لا يرى وُجُوب الوضوء (٣) لكل صَلاة وهم الجُمهور؛ إذِ الطهُور الذي يقامُ به الصَّلاة الحاضِرة أعَم من أن يَكون قد أقيمت (٤) به صَلاة أخرى أو لم تقم (٥)، وكذا قوله ﵇: "لا يقبل الله صَلاة أحدكم إذا أحدث حَتى يتوضأ" (٦)؛ لأن نفي القبول يمتَد إلى غاية الوُضوء، ومعلوم أن مَا بعد الغاية مغاير لما قبلها، فيقتضي ذلك قبُول الصلاة بعد الوضوء مُطلقًا، ويدخل تحته (٧) الصَّلاة الثانية قبل الوضُوء ثانيًا، وقد استدل جَماعة منَ المتقدمين بانتفاء القبُول على انتفاء الصِّحة، وتمسَّك بعضهم بهذا الحَديث في وُجوب الاغتسال على الكافر إذا أسْلمَ. قال ابن العَربي: هو مُسْتَحب عند الشافعي وأبي إسحاق القَاضي، وقال مَالك وأحمد وأبُو ثور: هو واجبٌ. قال (٨): وهو الصَّحيح لقوله: "لا يقبل الله صَلاة بغَير طهور"، وقد أجمعت (٩) الأمة على

стр. 493

وجُوب الوُضوء (١) فالغسل مثله (٢). [٦٠] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافع أبو بكر أحد الأعلام. (قال: أنبأنا مَعْمَرٌ) بن راشد أبو عروة البصري الأزدي، شَهِدَ جَنازة الحَسَن وسكن اليَمن، وكانَ أحَد الأعلام. قال: جلست إلى قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما سمعتُ منهُ حديثا إلا كأنَّه مَنقوشٌ في صَدْري. قال العجلي: لما رَحَل إلى اليَمن دَخِل صَنعاء كرهُوا أن يخرج من بين (٣) أظهرهم، فقال رجل: قيدوهُ. فزوَّجُوه (٤). (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَقْبَلُ الله) هكذا رواية الخَطيب، ورواهُ غيره: لا تُقبل. بضَم أوَّله لما لم يُسمَّ فاعله، وهي الرواية المشهورة في البخَاري (٥)، والمرادُ بالقبُول هنا ما يرادف الصِّحة وهو الإجزاء، ولما كان الإتيان بالشروط مظنة الإجزاء الذي القَبول ثمرته (٦) عبر عنهُ بالقبُول مجَازًا، وأمَا القبُول المنفي في مثل قوله ﷺ : "من أتى عَرَّافًا لم تُقبل صَلاته" (٧) فهو

стр. 494

الحقيقي؛ لأنه قد يصح العَمل ويتخلف القبول لمانع، ولهذا كانَ بَعض السَّلف يقول: لأَن تقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من جميع الدُّنيا (صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ) أي: وجد منه الحَدَث، والمراد به الخارج من أحَد السَّبيلين (حَتَّى يَتَوَضأَ) بالماء أو ما يقوم مقامهُ. وروى النسَائي بإسناد قوي عن أبي ذر مرفوعًا: "الصَّعِيد الطيب وضوء المُسلم" (١) فأطلق الشَّارع على التيمم أنه وُضوء؛ لكونه قائم مقامهُ، ولا يخفى أنَّ المراد بقبول صَلاة من كان مُحدثًا فتوضأ، أي: مع باقي شروط الصلاة المعتبرة (٢)، واستدل بالحَديث على بُطلان الصَّلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريًا (٣) أو اضطراريًا، وعلى أن الوُضوء لا يجبُ لكل صَلاة؛ لأن القبُول انتفى إلى غاية، وما بعدها مخالف لما قبلها فاقتضى ذلك قبُول الصَلاة بعد الوُضوء مُطلقًا كما تقدم. [٦] (ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ) أبو الحَسَن العبسي (٤) شيخ الشَّيخين، (قال: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ) الثوري (٥) (عن) عبد الله بن محمد (بن عقيل) بن أبي طالب، وأمه زينب الصّغرى بنت علي بن أبي طالب ﵁، قال ابن عَبد البر فيه: شريف عَالم لا يطعن عليه إلا متحامل، وهو أقوى من كل

стр. 495

من ضَعَّفهُ (١) (عَنْ مُحَمَّدِ) بن علي بن أبي طَالب ﵁ أبو القَاسم الهاشمي المدني المعروف بـ (ابْنِ الحَنَفِيةِ) وهي خَولة بنت جَعفر بن قيس الحنفية من سَبي اليمامة، روى ليث بن أبي سُليم، عن محمد بن نشر (٢)، عن محمد ابن الحنفية، عَنْ عليٍّ، قلت: يا رَسُول اللهِ، إن ولد لي مولوُد بعدك أسَميه باسْمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال: "نعم" (٣). قال ابن الجنَيد: لا نعَلم أحدًا أسند عن علي أكثر ولا أصَح من محَمد ابن الحنفية، قال ابن بكار: تسميه الشيعة: المهدي. قال كُثَيِّر: هو المهديُّ خبَّرناه كعب أخو الأحبَار في الحُقُب الخَوالي، فقيل: لكثير عزَّة: لقيتَ كعبًا؟ قال: لا، ولكن قلته بالتوهّمُ. وكانت شيعته تزعم أنه لم يمُت، ولهذا قال السَّيد الحميري: وما ذاقَ ابن خولة طعم مَوتٍ ... ولا وارت له أرض عظامًا لقد أمسَى بمورق شعب رَضوى ... تراجعه الملائكة الكرامَا (٤)

стр. 496

وكان مَولدهُ في آخر خلافة أبي بكر (١) (عن علي) ﵁ قال (٢): قال رسول الله ﷺ : (مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ) بضَم الطَاء كما تقدم، وفي رواية من طريق أبي سُفيان، عن أبي نضرة (٣)، عن أبي سَعيد، قال رسول الله ﷺ : "الوُضوء مفتاحُ الصَلاةِ". (٤) (وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ)، وفيه دليل على أن افتتاحَ الصَلاة لا يكون إلا بالتكبير دُون غيره من الأذكار. وقال أبوُ حنيفة: تنعقدُ الصَلاة بكُل لفظ قُصد به التعظيم (٥). وفي هذا الحَديث حُجة عليه، فإن الإضافة في تحريمها تقتضي الحَصر، فكأنهُ قال: جميع تَحريمها التكبير، أي: انحصر صحةُ تَحريمها في التكبير، لا تَحريم لها غَيره، كقولهم: مال فلانٍ الإبلُ، وعلم فلان النحو؛ ولأنه عبادَة تفتتح (٦) بالتكبير فلا تفتتح (٧) بلفظ التعظيم كالأذان (وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) استدل به على أن التحلل مِن الصَّلاة بالتسليمِ واجِبٌ، فكأن المُصلي بالتسليم والخروج مِنَ الصَّلاة أحل له من الكلام والأفعَال ما كان حرامًا عليه؛ ولأنهُ أحَد طرفي الصَّلاة فَوَجَب

стр. 497

فيه النُطق مع القدرة كالطرف الأول، ولهذا قرنَ بينهما في الحَديث؛ لأن الطرفين (١) كالشيء الواحِد، فقيل: تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. وقال أبو نعيم في كتاب "الصَّلاة": ثنا زهير، حدثنا أبوُ إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله فذكرهُ بلفظ: مفتاحُ الصَلاة التكبير وانقضاؤُها التسليمُ. وإسنادهُ صحيح، وهو موقوف قاله ابن حجر (٢)، ورواهُ الطبراني من حَديث أبي إسحاق (٣)، ورواهُ البيهقي من حديث شعبة عن أبي إسحاق (٤).

стр. 498

٣٢ - باب الرَّجُلِ يجدِّدُ الوُضوءَ مِنْ غيْرِ حَدَثٍ ٦٢ - حَدَّثَنا محَمَّد بْن يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ (ح) وحَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيادٍ - قالَ أَبُو داوُدَ: وَأَنا لَحِدِيثِ ابن يَحْيَى أَتْقَنُ - عَنْ غُطيْفٍ - وقالَ محَمَّدٌ: عَنْ أَبِي غُطيْفٍ الهُذَلِيِّ - قالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَلَمّا نُودِيَ بِالظُّهْرِ تَوَضَّأَ فَصَلَّى، فَلَمّا نُودِيَ بِالعَصْرِ تَوَضَّأَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يقُولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ". قالَ أَبُو داوُدَ: وهذا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ وَهُوَ أَتَمُّ (١). * * * باب الرجُل يُجدد الوُضُوء مِن غير حَدَث وفي بَعضها: [الرَّجُل يحدث الوُضوء] (٢). [٦٢] (ثَنَا مُحَمَدُ بْنُ يَحْيَى) بن عَبد الله بن خالد (بْنِ فَارِسٍ) بن ذؤيب الذُّهلي النيسَابوري الحَافظ، شيخ البخاري والأربعة؟ ، لكن بهمه (٣) البخاري في "الصحيح" فتارة يقول: ثنا محمد، وتارة يقول (٤): محمد بن عبد الله، وتارة يقولُ: محمد بن خالد. (قال: ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ) المخزومي المدني (الْمُقْرِئُ، وثَنَا مُسَدَّدٌ،

стр. 499

قال: ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (١) قَالا (٢): ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيادٍ) بن أنعم المعافري، أخرج لهُ البخاري في كتاب "الأدَب" وليَ قضاء أفريقية لمروان بن محمد. (عَنْ (٣) غُطَيْفٍ [وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَنْ أَبِي غُطَيفٍ]) (٤) بِضُم الغَين المعجمة مصَغر (الهُذَلِيِّ) ويقال: غُطَيف، ويقال: غُضيْف بالضَاد المعجمة. (قَالَ: كنْتُ عِنْدَ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ فَلَمَّا نُودِيَ بِالظُّهْرِ) أصْل النداء: رَفع الصَّوت حتى يصَل إلى المقصُود به، والمراد به - هاهنا - الأذان لصَلاة الظهر (تَوَضأَ فَصَلَى) به الظهر (فَلَمَّا نُودِيَ بِالْعَصْرِ تَوَضأَ) فيه: أنَّ تجديد الوُضوء يكون بعد دُخول الوقت وسَماع المؤذن، ولم أرَ من قال به، والذي قالهُ أصَحَابنا وذكرهُ النووي في النذر من "الروضَة" أنه لا يشرع تجديد الوُضوء إلا إذا صلى بالأول صلاةَّ مَا على الأصَح (٥). وصَححهُ في "شرح المهذب" ولفظه في "التحقيق" يُندبُ تجديد الوُضُوء لمن صَلى به - أي: ولو كانت نفلًا - وقيل: فرضًا، ويقال مُطلقًا إذا فرق بينهما كثيرًا (٦)، وأمَّا إذا وصَله في الوُضوء فهو في حكم غسلة رابَعة، وحَكى في "شَرح المهَذَّب" وجهًا خامِسًا: أنه إن

стр. 500

صَلى بالأول، أو سَجَدَ للتلاوة (١)، أو الشكر، أو قراءة القرآنِ في مُصحف استحبَّ وإلَاّ فَلَا، وقطعَ أبو الطيب: بأنه يكره التَجديد إذا لم يؤد بالأول شَيئًا (٢). وقال الفوراني (٣): يُستحب تجديده إذا أدَّى به فَرضًا لا نفلًا (٤)، إلا أن يكون قد غسَل أعضاءه في الوُضوء مرة، فأراد [حيازة فضيلة] (٥) التكرار، وظاهر هذا الحَديث كما قال الفورَاني (٦) إن أدي به فرض استحبَّ تَجديده، وإلا فلا. (فقلتُ لهُ) وروى هذا الحَديث أبوُ عبيد في كتاب "الطهور" بهذا السَّنَد، لكن في أوله ابن لهيعَة، ولفظه: أنه رَأى ابن عُمر يتوضأ الظهر ثم العصَر ثم المغرب، قال: فَقُلْتُ: يا أبا عَبد الرحمن، السُّنة هذا الوُضوء لكل صَلاة؟ قال؟ إن كان لكافيًا وضوئي لصَلاتي كلها ما لم أحدث، ولكني سمعت رسول الله ﷺ .. الحَديث (٧). (فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ) أي: من (٨) جدَّد وضوءهُ وهو على طهر الوضوء الذي صَلى (٩) به فرضًا أو نفلًا،

стр. 501

فإن لم يصَل بالوضوء الأول صَلاة فلا يُستحب تجديد الوضوء (كُتِب) بضم الكاف وكسر التاء لما (١) لم يُسم فاعله، هكذا [الرواية هنا، ورواية] (٢) الترمذي: "كَتَبَ الله" (٣) (لَهُ به عَشْرَ حَسَنَاتٍ) يُشبه أن يكون المراد كتبَ اللهُ له به عشر وضوءات، فإنَّ أقل ما وعد به من الأضعاف، الحسنة بعشر أمثالها، وقد وعد بالوَاحِد سبعمائة، ووعد ثوابًا بغير حسَاب، وقد يؤُخذ من قوله: "من توضأ" أن الغسل لا تجديد فيه كالتيمم وهو الأصَح؛ لأن حد تجديده لا ينضبط، فقد يُؤدي إلى تجديده دائمًا. (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهذا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ وَهُوَ أَتَمُّ) من حَديث ابن فارس ([وأنا لحديث]) (٤) محمد (بن يحيى أتقَن) من حَديث مُسَدد، وإتقان الشيء إحكامه.

стр. 502

٣٣ - باب ما ينَجِّسُ الماءَ ٦٣ - حَدَّثَنا محَمَّد بْنُ العَلاءِ وَعُثْمانُ بْن أَبِي شَيْبَةَ والَحسَن بْنُ عَليٍّ وَغَيْرُهُمْ، قالُوا: حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: سُئِلَ رَسُول اللهِ ﷺ عَنِ الماءِ وَما يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوابِّ والسِّباعِ، فَقالَ ﷺ : "إِذا كانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ". قالَ أَبُو داوُدَ: وهذا لَفْظُ ابن العَلاءِ، وقالَ عُثْمانُ والحَسَن بْنُ عَلِيٍّ: عَنْ محَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَهُوَ الصَّوابُ (١). ٦٤ - حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ (ح). وحَدَّثَنا أَبُو كامِلٍ، حَدَّثَنا يَزِيدُ -يَعْنِي ابن زرَيْعٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ -قالَ أَبُو كامِلٍ: ابن الزُّبَيْرِ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الماءِ يَكُونُ فِي الفَلاةِ. فَذَكَرَ مَعْناهُ (٢). ٦٥ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا عاصِمُ بْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِذا كانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لا يَنْجُسُ". قالَ أَبُو داوُدَ: حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ، عَنْ عاصِمٍ (٣). * * *

стр. 503

باب ما ينجس الماء [٦٣] (ثَنَا مُحَمَّدُ (١) بْنُ العَلَاءِ) بن كريب الهمداني الكوفي، قال ابن حنبل: لو حَدثت عن أحد ممن أجَابَ - يَعني: في المحنة - لحدثت عن ابن العَلاء؛ لأنه أجري عليه ديناران كل يوم وهو يحتاجهما (٢) فتركها لما علم أنه أجري عليه لذلك (٣) (وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) الهذلي الحلوَاني الخلال (٤) نزيل مكة شيخ الشيخين (قَالُوا: أنبأ أَبُو أُسَامَةَ) (٥) حماد بن أسَامة بن زيد القُرشي الكوفي. (عَنِ الوَلِيدِ (٦) ابْنِ كثِيرٍ) المدني، بالكوفة توفي ١٥١. (عَنْ مُحَمَّدِ (٧) بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزبَيرِ) ابن العَوام بن خوَيلد الأسدي المدَني. (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) عَبد الله بن عَمر بن الخَطاب ﵂. (قَالَ: سُئِلَ النبي ﷺ ) قال ابن منده: إسناد هذا الحَديث على شرط مسلم، ومداره على الوليد بن كثير، فقيل: عنه عن محمد بن الزبير،

стр. 504

وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة: عن عبيد الله بن عَبد الله بن عمر وتارة عن عَبد الله بن عَبد الله بن عُمَر، وليس هذا اضطرابًا قادحًا (١)، فإِنه على تقدير أن يكونَ الجميعُ محفوظًا: انتقال من ثقةٍ إلى ثقةٍ، وعند التحقيق الصواب أنَّهُ (٢) عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جَعفر، عن عبد الله بن عَبد الله بن عمر المكبَّر (٣)، وعن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر (٤). قال ابن دقيق العيد: هذا الحَديث صَحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنه وإن كانَ مُضطرب الإسنَاد، فإنه يمكن الجَمع بين الروايات (٥). (عَنِ المَاءِ) يكون في الفلاة من الأرض؟ كذا للترمذي (٦) وكما سيأتي (وَمَا يَنُوبُهُ) بالنُون المضمومة وبعَد الواو باء موحَّدةٌ؛ أي: يَرِدُ عليه نوبة بعد أخرى، ومنه النائبة وهو ما ينوب الإنسَان؛ أي: ينزل به من المهمات والحوادث (٧). وفي حَديث الدعاء: يا خير من انتابه المُسترحُمون، وحكى الدارقطني أن ابن المبَارك صَحفهُ: يثوبه (٨) بالثاء المثلثة من

стр. 505

ثاب يثوب إذا رَجَعَ (مِنَ الدَّوَابِّ وَالسَّبَاعِ) يقعُ السَّبُع على كل ما لهُ ناب يعدو به ويَفترس كالذئب والفهد والنمر، وأما (١) الثعلب فليس بسَبع، وإن كان له ناب؛ لأنه لا يعدو به ولا يفترس وكذلك الضَبع. قالهُ الأزهري (٢). (فَقَالَ ﷺ : إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ) (٣) القُلة إناء للعرب كالجَرة الكبيرة شبه الحُب - بِضَم الحَاء المهملة - وهو الخابيةِ فارسيٌّ مُعرب جمعهُ حُبَاب وجَمع القلة قِلال كبرمة وبِرام. قال البيهقي: قلال هجر مشهورة عندهم، ولهذا شبه رسُول الله ﷺ ما رأى ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى: "فإذا ورقها مثل آذان الفِيَلَة، وإذا نبقها مثل قِلَال هَجَر (٤). انتهى (٥). فإن قيل: أي مُنَاسَبة بين هذا التشبيه وبين ذكر القلة في حد الماء؟ ! فالجوابُ: أن التقييد بها في حديث المِعَراج دَالٌّ على أنها كانت معلومة عندهم، بحيث يضرب بها المثل في الكبر، كما أن التقييد (٦) إذا أطلق إنما ينصَرف إلى التقييد المعَهْوُد. (لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ) أي: يدفع عن نفسه كما يقال: فلان لا يحمِلُ

стр. 506

الظُّلمَ، أي: يدفعه عن نفسه، والمرادُ بالخبث النجس بدليل الرواية: "فإنهُ لا ينجس". ورواية أحمد: "إذا بلغ الماء قُلتَين لم ينجسهُ شيء" (١). ورواية ابن حبان وغَيره: "إذا بلغ الماء قلتَين لم ينجس" (٢). أي بوقوع (٣) النجاسَة فيه، ولو كانَ المعني أنه يضعُف عن حمله لم يكن للتقييد بالقلتين (٤) معنى، فإن ما دونها أولى بذلك، وقيل: معناهُ: لم يقبل حُكم النَجاسَة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ (٥) أي: لم يقبَلوا حكمها، ولم يعملوا به. ولا انتفعوا به، وقاموا بحقه، بل ارتكبُوا ما حُرِّم فيها، ولم يعملوا بما علِموا. (هذا لَفْظُ) محمد (ابْنِ العَلَاءِ، وَقَالَ عُثْمَانُ) بن أبي شَيبة (وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيَّ) الخَلَّال (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) (٦) بن رفاعة ابن أمية المخزومي. [٦٤] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَبوُذكي، (قال: ثَنَا حَمَّادٌ) بن سلمة ([ح] وثَنَا أَبُو كامِلٍ) فضَيل بن حسين الجحدري أخرج له مُسلم (٧).

стр. 507

(ثَنَا يَزِيدُ (١) بْنَ زُرَيْعٍ) أبو معَاوية الحَافظ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ) بن يسار (٢) المدني الإمام صَاحب "المغازي" (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ) بن الزبير ابن (٣) العَوام (قَالَ أَبُو كَامِلٍ) الجحدري في روايته (٤): عن محمد بن جعفر (ابْنُ الزُّبَيرِ) بن العَوام، (عَنْ عُبَيدِ الله) بالتصغير (ابن (٥) عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ المَاءِ) الذي (يَكُونُ فِي الفَلَاةِ) لا ماء فيها غَيره وجمعها فلا، مثل حصَاة وحصَا (فَذَكَرَ مَعْنَاهُ). [٦٥] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قال: ثَنَا حَمَادٌ) بن سَلمة، قال: أبنا (عَاصِمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن الزبير (٦) بن العَوام القرشي المدَني أخو فاطمة بنت المنذر، قال أبو حاتم: صَالح الحديث (٧). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨). (عَنْ عُبَيدِ الله) بالتصغير (ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) عبد الله بن عُمر (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ) رواهُ أبو عبيد في كتاب "الطهور" عن زيد بن الحَباب، عَن حَماد، عَن عَاصم قال:

стр. 508

كنت مع عُبيد الله بن عَبد الله بن عُمر فقام إلى مَاء فتوضأ (١) منهُ، وفيه جلد بَعير، أحسبُه قال: مَيت. فقلتُ: أنتوضأ مِن هذا؟ فقال: حدثني أبي، قال رسُول الله ﷺ : "إذا بَلغ الماء قلتين أو ثلاثًا لم ينجسه شيء" (٢). وسئل ابن معين عن حَديث حَمادٍ عَن عَاصم، فقال: هذا جَيد الإسناد (٣). وقال البيهقي: هذا إسنَاد صحيح موصول (٤). قالذ البيهقي: وفي الحَديث: "بقلال هجر" اختلفوا في نسبتها (٥) إلى هجر قيل: لأنها تُعمل بقرية من قرى المدينة تسمى هجر، وقيل: لأنها عُملت (٦) على مثال قلال هجَر، كما يقال: ثوب مروي، وإن عمل بالعراق؛ لأنه مثل ما يعمل بمرو، وروى الدارقطني بَسنَد صَحيح عَن عَاصم بن المنذر أحد رواة هذا الحديث، وهو أعرف بما رواهُ من غَيره أنه قال: القلال هي الخَوَابي العِظام (٧). قال إسحاق بن راهويه: الخابية تَسَعُ ثلاث قِرَب (٨) (٩). وعن هُشيم:

стр. 509

القلَّتانِ الجَرَّتان الكبيرتان (١). وعن الأوزاعي: القلة ما تُقله اليد. أي: ترفعه، وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحَاق قال: القلة الجَرة التي يستقى بها الماء، والدورق (٢). ومال أبو عبيد في كتاب "الطهور" إلى تفسير عَاصِم بن المنذر راوي الحَديث وهو أولى (٣) (فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ) بضَم الجِيم بوُقوع النجاسَة فيه، إلا أن يغيره تغيرًا كثيرًا أو يسيرًا بمخالط (٤) أو مجاور. ([قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عَنْ عَاصِمٍ]) (٥).

стр. 510

٣٤ - باب ما جاءَ فِي بِئْرِ بُضاعَة ٦٦ - حَدَّثَنا محَمَّد بْن العَلاءِ والحَسَنُ بْن عَلِيٍّ وَمحَمَّد بْنُ سُلَيْمانَ الأَنْبارِيُّ، قالُوا: حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيها الِحيَضُ وَلْحَمُ الكِلابِ والنَّتْنُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الماءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ". قالَ أَبُو داوْدَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن رافِعٍ (١). ٦٧ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شعَيْبٍ وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الحَرَّانِيّانِ قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ سَلِيطِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رافِعِ الأَنْصارِيِّ ثُمَّ العَدَوِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُقالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيها لُحُومُ الكِلابِ والمَحايِضُ وَعَذِرُ النّاسِ. فقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ". قالَ أَبُو داوُدَ: وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضاعَةَ عَنْ عُمْقِها، قالَ: أَكْثَرُ ما يَكُونُ فِيها الماءُ إِلَى العانَةِ. قُلْتُ: فَإِذا نَقَصَ؟ قالَ: دُونَ العَوْرَةِ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَقَدَّرْتُ أَنا بِئْرَ بُضاعَةَ بِرِدائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْها ثُمَّ ذَرَعْتُهُ، فَإِذا عَرْضُها سِتَّة أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ الذِي فَتَحَ لِي بابَ البُسْتانِ، فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ: هَلْ غُيِّرَ بِناؤُها عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ؟ قالَ: لا. وَرَأَيْت فِيها ماءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ (٢). * * *

стр. 511

باب ما جاء في بئر بُضاعة [٦٦] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ (١) بْنُ سُلَيمَانَ) وهو محمد بن أبي داود (الأنْبَارِيُّ) بتقديم النُون [على الباء الموحَّدة أبو هَارون، وثقه الخَطيب (٢) مات ٢٣٤. (قَالُوا: ثنا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة] (٣) القرشي، (عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ) القرظي أبي حمزة المدَني من حلفاء الأوس، وأبوهُ من سَبي بني قريظة، ومن كلامِهِ: لَأَنْ أقرأَ في ليلتي حتى أصبح بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، و ﴿الْقَارِعَةُ﴾ لا أَزيدُ عليهما وأتفكر فيهما أحب إلي من أن أهُذَّ (٤) القرآنَ (٥) في ليلتي هذا (٦). أو قال: أنثره نثرًا (٧). قال الترمذي، عن قتيبة: ولد في حياة النبي ﷺ (٨)، (عَنْ عُبَيْدِ الله) بالتصغير (ابْنِ) [عبد الرحمن هكذا صوابه] (٩) (عَبْدِ الله (١٠) بْنِ رَافِعِ بْنِ

стр. 512

خَدِيجٍ، [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سَعد بن مَالك بن سنان (الْخُدْرِيِّ) وهو خدرة بن عوف بن الحَارث الأنصَاري] (١)، وأمهُ أنيسة بنت أبي حَارثة (أَنَّهُ قِيلَ: يا رسول الله) [نُسخة: لِرَسُولِ اللهِ] (٢) (أَتَتَوَضَّأُ) - بتائين مثناتين من فوق - خطاب للنبي ﷺ معناه: أتتوضأُ أنت يا رسول الله، من هذِه البئرِ، وتستعمِلُ ماءها في وضوءك مع أن حَالها ما ذكرناه (٣)، قال النووي: ضبطته بالتاء؛ لأني رأيتُ من صَحفه بالنون (٤). (من بِئْرِ بُضَاعَةَ) بضم البَاء الموَحدة، ويقال: بكسرها لغتان مشهورتان، حكاهما ابن فارس والجوهري (٥) وآخرون، والضَّمُّ أشهر ولم يذكر جَماعة غَيره، ثم قيل: هو اسم لصَاحب البئرِ، وقيل: اسم لموضعها وهي بئر قديمة بالمدينة معرُوفةٌ. قال ابن الأثير: وحكى بعضهم أنه بالصَاد المهملة (٦). يقال: كانت لبني سَاعدة، (وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الحِيَضُ) بكسر الحَاء وفتح اليَاء، جمع حِيضة مثل سِدَر وسِدرَة، ومنه قول عائشة ﵂: يا ليتني كنت حِيضة مُلقاة (٧). بالكسر يعني: خرقة الحيض التي تمسح بها المرأة (٨) دَم الحيض. قالهُ

стр. 513

الأزهري وغيرَه (١)، وفي رواية: المحَايض (٢) جمع محيضَة، وقيل: الحيضة الخرقة التي تستثفر بَها المرأة (وَلَحْمُ الكِلَابِ وَالنَّتْنُ) بفتح النون وإسكان التاء هكذا وجدته مضبوطًا، وفسر بالرائحة الكريهة، ويقع أيضًا على كل مُستقبح، وينبغي أن يُضبط بفتح النون وكسر التاء وهو الشيء الذي له رائحة كريهة من قولهم نَتِنَ الشيء (٣) بكسر التاءِ ينتَنُ بفتحها فهو نَتِن. قال شارح "المصابيح": تأويل الحَديث أن النَاس يلقون الحِيضَ ولحوم الكلاب والأشياء النتنة في الصَحَاري وخلف بيوتهم وفي الطرق، ويجري عليها ماء المطر فيلقيها الماء إلى تلك البئر؛ لأنها في ممر (٤) الماء، وليس مَعناهُ أن الناس يلقون الحِيَضَ ولحوم الكلاب في بئر يستقى منها الماء؛ لأن هذا لا يجوز من الآحاد فكيف من الصَحَابة ﵃. قال في "الشامِل": ويجوز أن يكون هذا من فعل المنافقين؛ كانوا يُلقون ذلك فسَألوا رسول الله ﷺ عن شأنها ليَعْلَموا حُكمها في الطهَارة والنجَاسَة. فكانَ جَوَابهُ لهم: (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ ) إن (الماء) كذا للترمذي (٥) (طهور) يعني: الماء الذي تسألون عنهُ وهو ماء بئر بُضاعة طهور؛ لأنهم إنما سَألوا عن الوُضوءِ به [والطَّهورُ قيل من أبنية المبالغة وأنه

стр. 514

بمَعنى (١) طاهر والأكثر] (٢) أنه لوصف زائد قال ثعلب (٣): الطهورُ هو الطاهر في نفسه المُطِهِّرُ لغيرِهِ (٤). (ولا) رواية الترمذي لَا (يُنَجسُهُ) بحذف الواو، و (شَيْءٌ) نكرة في معرِض (٥) النفي، فتعُمُّ سائر النجاسَات، لكنه عام مخصوص خص منه المتغير بالنجاسَةِ الواقعة فيه، فإنَّ الإجماع خَصَّصَهُ. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن (٦) الماء القليل والكثير إذا وقعت [فيه نجاسَة] (٧)، فغيرت للماء (٨) طعمًا أو لونًا أو رائحة أنه ينجُسُ ما دام كذلك (٩). وقد روى أبو أمامة البَاهلي أن النبيَّ ﷺ قال: "الْمَاء طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلا ما غَلَبَ على ريحهِ وطعمِهِ". رواهُ ابن مَاجه (١٠). وقال حَرب بن إسماعيل: سُئل أحمد عن الماء إذا تغير طعمه وريحه، قال: لا يتوضأ به ولا يشرب، وحرم اللهُ الميتة، فإذا صَارت الميتة في الماء فتغير طَعمه أو ريحه، فذلك طعم الميتة وريحها فلا يحل له، وذلك أمر ظاهِرٌ (١١).

стр. 515

وخصَّ من حديث بئر بُضاعة أيضًا ما دُون القُلتَين إذا لاقته نجاسَة بحديث: "إذا بَلغ الماء قلتين" (١)؛ فإنه أخص (٢) من بئر بضاعة، والخاص يقدم على العَام، وعلى هذا فالمرادُ ببئر (٣) بضَاعة الماء الكثير الذي لم يغيرهُ النجاسَة وقعَت فيه؛ فإن هذِه صفة بئر بضاعة، وقَولي: مَا لم يغيره نجاسَة وقعت فيه. احترازًا مما إذا تغير بنجاسة لم تقع فيه، كما إذا تغير برائحة جيفة بقربهِ، فإنهُ لا ينجسُ. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عبيد الله بن (عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ) بن خديج، وهو الذي جزم به الذهَبي في "الكاشف" (٤)، ورواية عَبد الله ذكرها الترمذي أيضًا (٥)، وأعل (٦) ابن القطان هذا الحَديث بجهالة راويه عن أبي سَعيد واختلاف الرواة في اسمه هل هو عبد الله أو عبيد الله وفي اسم أبيه هل هو عبد الله أو عبد الرحمن (٧). قال ابن القطان: وله طريق أحسن من هذِه قال قاسم بن اصبَع في "مُصنفه": ثنا محمد بن وَضاح، ثنا عبد الصَمد بن أبي سكينة الحلبي بحلب، ثنا عبد العزيز بن أبي حَازم، عن أبيه، عن سهل بن سَعْد، قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة وفيها ما ينجي الناس والمحايض والخبث (٨).

стр. 516

[٦٧] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ) عبد الله بن (أَبِي شُعَيْبٍ) الحَراني أبو الحَسَن مَولى قريش، أخرج له البخاري (وَعَبْدُ العَزِيزِ (١) بْنُ يَحْيَى) أبو الأصْبَغ (الْحَرَّانِيَّانِ) ثقة توفي ٢٣٥ (٢). (قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ) بن عبد الله البَاهلي مولاهم الحراني، قال ابن سَعد: كان ثقة فاضلًا، له رواية وفتوى (٣). أخرج له مُسلم، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسحَاقَ، عَنْ سَلِيطِ) بفتح السِّين المهملة (ابْنِ أَيوبَ) بن الحكم الأنصَاري المدَني، ذكرهُ ابن حبان في "الثقات" (٤)، روى له المصَنف هذا الحديث والنسائي آخر (٥)، (عَنْ عُبَيدِ الله) بالتصغير (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ) بن خديج (الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ العَدَوِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الخُدْرِيِّ) ﵁. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى) بألفٍ في آخرِهِ دون هَمزٍ (لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ) وكانت بئر بضاعة عين تجري منها الماء إلى بساتين لبني سَاعدة تسقيها (٦). (وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الكِلَابِ وَالْمَحَايِضُ) (٧) جمع (*) محيضَة بفَتح

стр. 517

الميم، وهي الخرقة التي تمسح بها المرأة دم الحيض (وَعَذِرُ) بفتح العَين وكسر الذَّال على وزن كَلِم (١)، جَمْع عَذِرَة ككلمة وكلم (النَّاسِ) والعذرة: الخُرء، وأصلها فِناء الدار، سُميت عذرة الناس بهذا؛ لأنها كانت تُلقى بالأفنية، فكنى عنها باسم الفناء من باب تسمية الظرف باسم المظروف مجازًا، وفي رواية ذكرها الذهَبي بسنده: يلقى فيها المحَايض والجِيفُ وما يستنجى بهِ. (فقَالَ) له (٢) (رَسُولُ الله ﷺ : إِن المَاءَ طَهُورٌ) الطَهُور عندنا هو المطهر (٣). وبه قال أحمد (٤)، وحكاهُ بعض أصحابنا عن مالك (٥)، وبعض أصحاب أبي (٦) حنيفة (٧): إنَّ الطهُور هو الطاهر، واحتج (٨)

стр. 518

أصحابنا بأنَّ لفظةَ طهُور حَيث جَاءت في الشرع المراد بهَا التطهير (١). كقوله تعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ (٢) وقوله ﷺ : "هو الطهُور ماؤه" (٣)، فإنهم [إنما سألوه] (٤) عن التطهر (٥) بماء البحر، لا عن طهَارته، وكذا في هذا الحَديث سَألوا عن الوُضوء به (لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) أي: مَا لم يتغير كما تقدم. (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ) أبا رجاء البَلخي (قَالَ: سَأَلْتُ (٦) قَيَّمَ) أي: القائم بخدمة (بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عَمْقِهَا) بفتح العَين وسُكون الميم وجوز ضم العَين، وهو بعد قعرها، فقلت: (أَكْثَرُ) فيه حذف تقديره، والله أعلم: ما أكثر (مَا يَكُونُ فِيهَا) عمق (الْمَاءُ) فحذفت ما الاستفهاميَّة، كما حُذفت همزة الاستفهام في قوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (٧) قيل: تقديره: أهذا ربي الذي تزعمُون. قال: أكثره أن يبلغ (إِلَى العَانَةِ) وزنها في الأصل فَعَلَة (٨) بفتح العَيْن، قال الأزهري وجماعة: هي موضع منبت الشعر فوق قُبل المرأة والرجل (٩). (قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ) فيها الماء ما يكونُ أقله؟ (قَالَ: دُونَ العَوْرَةِ) يشبه

стр. 519

أن يكونَ المراد به عورة الرجل، أي: دون الركبة لقوله ﷺ : "عَورة الرجُل ما بينَ سرته وركبته". رواهُ الحَارث بن أبي أسَامة في "مُسنده" (١). (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَدَّرْتُ) بتشديد الدَال وجوز التخفيف (بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ) أي: قِستُهُ بالذَّراعِ (فَإِذا عَرْضُهَا سِتَّةُ) بالرفع (أَذْرُعٍ) وذراع القياس ست قبضات معتدلات، وتُسمَّى ذراعُ العامة؛ لأنه نقص قبضَة عن ذراع الملِكِ، وهو بَعض الأكاسِرَة نقله المطرُّزي (٢). (وَسَأَلْتُ الذِي فَتَحَ لِي بَابَ البُسْتَانِ) بضم البَاء، قال بعضهم: رومي مُعَرب (وأَدْخَلَنِي إِلَيهِ هَلْ غُيِّرَ) بضمِّ الغَينِ لما لم يسَم فاعله (بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ) في زمن النبي ﷺ (فقَالَ: لا) فيه دليل على أنَّ قبول قول الواحدِ حُجَّةٌ (وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ) قال النووي: يَعني بُطول المكث وأصل النبع لا بوقوع شيء أجنبي فيه. انتهىَ (٣). وهذا يكونُ فيه الجمع بين هذا الحَديث وحديث أبي أمَامة المتقدم في التغير، وحديث أبي أمَامة أيضًا: "إِنَّ المَاءَ طَاهِرٌ إلا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ (٤) أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ (٥) بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ". رواهُ البيَهقي (٦)، وأمَّا قول ابن المنذر:

стр. 520

يُروى أن النَّبي ﷺ توضأ من بئر كأن ماءه نقاعَة الحنَّاء، ولعل هذا مُعتمد الرافعي (١) في ذكر هذا. وذكر ابن الجوزي في "تلقينه" أنهُ ﷺ توضأ مِن غَدير ماؤه كنقاعَة الحِنَّاء، وكذا ذكرهُ ابن دَقيق العيد فيما عَلقه على فروُع ابن الحَاجب، وضَعف بَعض الحنفية حَديث بئر بضَاعة بأنه لا يجوز أن يضَاف إلى الصحَابة أن يُلقُوا (٢) في بئر توضأ منها رسُول الله ﷺ المحَايض ولحوم الكلاب، بل ذلك مُستَحيل عَنهمُ وهم بصيانة (٣) وضوءِ رسُولِ اللهِ ﷺ أولى، وأجيب عنهُ بأن الصَحابة لا يصح إضافة هذا إليهم أنهمُ فعَلوهُ، بل كانت بئر بضاعة تقرب من مكان الجِيَف والمحَايض، فكانت الريح تهب فتلقي المحَايض ولحومَ الكلاب، وقد جزم الشافعي بأن بئر بضاعة كانت لا تتغَير بإلقاء ما يلقى فيها مِنَ النجاسَات لكثرة ماءها (٤).

стр. 521

٣٥ - باب الماء لا يَجْنُبُ ٦٨ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو الأحوَصِ، حَدَّثَنا سِماكٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: أغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأَ مِنْها -أَوْ يَغْتَسِلَ- فَقالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الماءَ لا يَجْنُبُ" (١). * * * باب الماء لا يُجنِبُ [٦٨] (ثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (ثَنَا أَبُو الأحوَصِ) (٢) سلَّام بتشديد اللام ابن سُليم الحنفي الكوفي، كانَ إذا ملئت داره من أصحَاب الحَديث قال لابنه أحوصَ: يا بُني، قم فمن رأيتَهُ في داري يسبُّ أحدًا من أصحَاب رسول الله ﷺ فأخرجهُ، وكان حديثه نحو أربعة آلاف حديث، وهو خال سُليم بن عيسى المقرئ صَاحب حمزة، وقرأ هو أيضًا على حمزة (٣). (قال: ثَنَا سِمَاكٌ) بن حرب (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ) ﵄. (قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النبِيِّ ﷺ ) (٤) هي ميمونة بنتُ الحَارث كما

стр. 522

في روايةِ الدَّارْقُطني (١) وغيره، وعن الخَطيب أنها سودة ولعلهما (٢) قصتان (٣). (فِي جَفْنَةٍ) بفتح الجيم جمعُها جِفانٍ ككلبة وكلاب، ويجمع على جَفنات كسَجدة وسجدَات، وهي القَصعة (٤)، كما وردَ في روايةٍ (٥). وفيه جَوَاز الطهارة من (٦) آنيةِ الجنب وغيره (٧) (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا -أَوْ يَغْتَسِلَ- فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي كَنْتُ جُنُبًا) بضم الجيم والنُون وتنوين البَاء، وفيه شاهد على اللغة الفصحى أن الجنُب يُطلق على الأنثى كما يطلق على الذكر، ويقال: رجُلان جُنبٌ ورجَال جُنبٌ، وربما طابق على قِلَّةٍ، فيقال: جُنُبَةٌ وجُنُبونَ وجُنُبانِ، وأصل الجنَابة البُعد، والمراد هنا البُعد عن مواضعِ الصلاةِ (٨). (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّ المَاءَ لَا يُجنِبُ) بضم اليَاء وكسر النُون، ويجوز في اللغة فتح الياء وضم النون، فإنهمُ حَكوا في ماضيه لغتين (٩) أجنَبَ بالألِف، وجَنُبَ بوزن قرُب، ومعناه هُنا أن الجُنب إذا غمسَ

стр. 523

يده فيهِ لا ينجُسُ، وحقيقته أنه لا يصير بمثلِ هذا الفعل إلى حَال يُجتنبُ فلا يُستعملُ. وفي "النهاية": الإنسان لا يجنب (١)، وكذلك الثوب والأرض، يريدُ أن هذِه الأشياء لا يصير شيء منها جُنبًا يحتاج إلى الغسْل لملامسة الجُنب إياها (٢). وفي الحديث دليل للقول القديم للشافعي (٣)، ومذهب مالك (٤)، ورواية عن أحمد (٥) أن المستَعمَل في فرض الطهارة مُطهر. وروي عن علي وابن عُمر في من نسي مسْح رأسه: إذا وجد بللًا في لحيَته أجزأهُ أن يمسح به رأسهُ (٦). وروى أحمد أنه ﵇ اغتسل من الجنابة فرأى لمعَة لم يُصبها الماء فعصر شَعرهُ عليها (٧)، وإن قلنا: في جفنة بمعنى: من جفنةٍ، ففيه دليل على الرخصَة في الوُضُوءِ بفضلِ وضُوءِ المرأةِ كما بوَّبَ عليه ابن ماجه (٨). قال في "المنتقى" (٩): أكثر أهل العِلم على الرخصَة للرجُل في فضل

стр. 524

طهور المرأة والأخبَار بذلك أصح، وكرههُ أحمد وإسحاق إذا خلت به (١)، وهو قول عبد الله بن سرجس (٢)، وحملوا حديث ميمونة وابن عباسٍ هذا على أنها لم تَخْلُ به، جمعًا بينهما وبين حديث الحكم بن عمرو الغفاري: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ (٣) المَرْأَةِ. رَوَاهُ أصحاب السُنن الخمسة (٤) إلا أن ابن مَاجَه والنسائي قالا: وُضُوءِ المَرْأةِ (٥) وقال الترمذي: حَديث حسن (٦).

стр. 525

٣٦ - باب البَوْل فِي الماءِ الرّاكِدِ ٦٩ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا زائِدَةُ فِي حَدِيثِ هِشامٍ، عَنْ محَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُريرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الماءِ الدّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ" (١). ٧٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الماءِ الدّائِمِ، وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنابَةِ" (٢). * * * باب البول في الماء الراكد [٦٩] (ثَنَا أَحْمَدُ (٣) بْنُ) عبد الله بن (يُونُسَ) أبو عَبد الله اليربوعي شيخُ الشَّيخين، قال ابن حَنبل لرجل: آخرج إلى أحمدَ بن يونس؛ فإنه شيخ الإسلام (٤)، (ثَنَا زَائِدَةُ) بن قدامة أبو الصَّلت الثقفي (٥)، صَاحب سُنَّة (٦) توفي غازيًا بالروم سنة ١٦١ (٧) (فِي حَدِيثِ هِشَامٍ) (٨) بن حسَّان الأزدي

стр. 526

مولاهم الحافظ (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ) مفهومه أن النهي عن التغَوط في الماءِ من باب الأولى وهذا من مفهوم الموافقة، وضابطه أنه إثبات حكم المنطوق للمسكُوت عنه بطريق الأولى، ويُسمى فحوى الخطاب وتنبيه الخطاب؛ لأنه تنبيه (١) بالأدنى على الأعلى وهو إمَّا في الأكثر كالضرب مع التأفيف؛ لأنهُ أعظم وأكثر عقوقًا، وكذا هنَا؛ فإن التغَوُّط أعظم وأكثر استقذارًا، وإمَّا في الأقل كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (٢) مفهومهُ أنه أمين على الدينار بطريق الأولى، وهو أقل. (الدَّائِمِ) أي: الراكد الذي لا يجري، وقد جاء في بعض الأحَاديث "الذي لا يجري" (٣) وهو تفسير للدائم وإيضَاح لمعناه. وقال بعضهم: يحتمل أن يحترز به عن راكد لا يجري بَعضه كالبرك ونحوها. (ثُمَّ يَغْتَسِلُ) قال القُرطبي: الرواية الصحيحة "يغتسلُ" برفع اللام ولا يجوز نصبها؛ إذ لا ينتصب (٤) بإضمار (٥) أن بعد ثم، وبعض الناس قيده "ثم يغتسل" مجزوم اللام على العطف على "لا يَبُولن" (٦)، وهذا ليس

стр. 527

بشيء؛ إذ لو أراد ذلك لقال: ثم لا يغتَسلَن (١)؛ لأنه إذ ذاك يكون عَطف فعل على فعل، لا عطف جُملة على جملةٍ، وحينئذ يكون الأصل مُساواة الفعلينِ في النهي عنهما وتأكيدِهما بالنون الشديدة؛ فإن المحَل الذي تواردا عليه هو شيء واحد وهو الماء، وإنما جاء (ثم يغتَسل) على التنبيه على مآل الحال، ومعناه أنه إذا بالَ فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعمالُهُ؛ لما أوقع فيه مِنَ البَول. قال: وهذا مثل قوله ﷺ : "لا يضرب أحدكم امرأته ضَربَ الأمةِ ثم يضاجعُها" (٢) برَفع يضاجعها، ولم يروه أحد بالجزم ولا يتخيله فيه؛ لأن المفهوُم منه إنما نَهَاهُ عن ضَربهَا؛ لأنه يحتَاج إلى مضاجَعتها في أثناء الحَال فتمتنع (٣) عليه (٤) بما أسَاء من معاشرتها، ويتعذر عليه المقصُود من أجل الضرب، وتقدير (٥) اللفظ [ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل] (٦). قال ابن دقيق العيد (٧): وهذا الذي ذكرهُ يقتضي أنه كالتعليل للنهي عن البَول في الماءِ الراكد لا عن الغسل منه، ويكون النهي عن الغُسْل منه ليسَ من مدلول اللفظ مباشرة بل من مدلولاته التزامًا؛ من حَيث إنه لو لم يكن البَول فيه مَانعًا مِنَ الغسل أو الوضوء منه لما صح تعليل

стр. 528

النهي عن البَول فيه بأنهُ سيقع منهُ الغسل فيه، لكن التعليل صَحيح على حسب ما اقتضاه الكلام عنده، فوقع النهي عن الغسل منه بعَد البَول بطريق الالتزام؛ لأنه لازم لصحة التعليل. (منهُ) (١) فيه نهي عن شيئين، والنهي عن شيئين تارة على الجمع، وتارة عن الجمع أما النهي على الجَمع فيقتضي المنع من كل وَاحدٍ منهما على انفراده، وأمَّا النهي عن الجمع فمعناهُ المنع عن فعلهما معًا بقيد الجمعية، ولا يلزم منه المنع من أحدهما إلا مع الجمعية، فيمكن أن يفعَل أحدهما من غير أن يفعَل الآخر، والنهي عن الجمع مشرُوط بإمكان الانفكاك عن الشيئين، والنهي على الجَمع منشؤه أن يكون في كل وَاحد منهما مفسَدة تستقل بالمنع. وإذا ثبت هذا، فهذا الحَديث الذي نحن فيه من باب النهي عن الجمع، أي: لا يجمع بين البَول في الماء والاغتسال منهُ، والحَديثُ الآتي حَديث مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ "لَا يبولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيه" نهي على (٢) الجمَع كما سيَأتي، وفي هذا الحَديث عموم لابد من تخصيصه اتفافًا، فإن الماء المسْتَبحر جدًّا لا يثبت فيه هذا الحكم. ومذهب أبي حنيفة وأتباعه كما قال الطحَاوي في "مختصره": وإذا وقعت نجاسَة في ماء ظهر فيه طعمها أو لونها أو ريحها أو لم يظهر ذلك فقد نجسَهُ قليلًا كان الماء أو كثيرًا، إلا أن يكون جاريًا أو حكمهُ

стр. 529

حكمُ الجَاري، كالغَدير الذي لا يتَحرك أحَد أطرافه بتحرك سواه (١) من أطرافه (٢)، وأما الشَّافعي (٣) فإنهُ اعتبر القلتين، فقال: إنهُ يُنجس ما دُونهما بوُقوع النجاسَة فيه، وإن لم يتغير، وما كانَ قلتين أو أكثر لم ينجس إلا بالتغير عنده، وهذِه رواية عن أحمد مُرَجحة عند جَماعة من أتباعه (٤) في غير بول الآدمي وعذرته المائعة (٥) [فأمَّا هُما] (٦) فينجسان الماءَ وإن كانَ قلتين فأكثر على المشهُور ما لم يكثر إلى حيث لا يمكن نزحه كالمصَانع التي بطريق مكة، وهذا تخصيص للحَديث. فأما الحنفية القائلون بأن الماء الراكد ينجسُ بوُقوع النجاسَة فيه، فهو مقتضى العَمل بالعموم ومقتضى (٧) حمل صيغة (٨) النَّهي على حقيقتها وهو التحريم، فإذا خرج منه المستبحر بقيَ اللفظ متناولًا ما عدَاهُ، ويحتاجونَ إلى تخصيص آخر في الماء الذي وقع فيه الحَدُّ (٩) عندهم وهو تحرُّكُ (١٠) أحَدِ الطرفين، وهذا إنما أُخِذ من معنى فهموهُ وهو سَراية النجاسة في الماء، وإن مع هذا التباعُد لا سراية، وهذا المقدار من الماء يَدخل

стр. 530

تحت العموم فتخصيصهُ (١) هذا المعنى تخصيص العَام بمعنى مُستنبط منهُ يعُود عليه بالتخصيص، وفيه كلام لأهل الأصُول. وأما الشافعية: فإنهم لما اعتمدُوا حديث القُلتين خصُّوا العَام به وهو تخصيص بمنطوق؛ لأن هذا الحَديث الذي نحنُ فيه عَام في المنع من الاغتسال في كل مَاء راكد بعَد البَول فيه، فيدخل تحته القلتان فما زاد، وأما من يرى أن الماء لا ينجس إلا بالتغَير قليلًا كانَ أو كثيرًا؛ فحمله على ذَلك رجحان الدَّليل الدَال على طهورية الماء الذي لم يتغير ويتمسك فيه بالعُمومات، ومن أراد تخصيص تلك العمومات بمفهوم حَديثِ القلتَين المقتضي تنجيس ما دونهما وإن لم يتغير فقد لزمَهُ القولُ بالمفهوم، وبأنه (٢) يخصص العموم وهي قاعدة عند الأصوليين؛ أن المفهوم (٣) هَل يخصص العموم، أم لا؟ ومن حمل النهي على التحريم، وخص منه القلتين فما (٤) زاد إذا (٥) أخذ (٦) منه كراهة استعمال الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسَة، وإن لم يتغير على ما قال به الشافعية، فيلزمهُ أن يحمل اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه، وفيه استعمال اللفظ الوَاحد على معنيين مختلفين، وهي
следующие страницы →