← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مولاهم الحافظ (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ) مفهومه أن النهي عن التغَوط في الماءِ من باب الأولى وهذا من مفهوم الموافقة، وضابطه أنه إثبات حكم المنطوق للمسكُوت عنه بطريق الأولى، ويُسمى فحوى الخطاب وتنبيه الخطاب؛ لأنه تنبيه (١) بالأدنى على الأعلى وهو إمَّا في الأكثر كالضرب مع التأفيف؛ لأنهُ أعظم وأكثر عقوقًا، وكذا هنَا؛ فإن التغَوُّط أعظم وأكثر استقذارًا، وإمَّا في الأقل كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (٢) مفهومهُ أنه أمين على الدينار بطريق الأولى، وهو أقل. (الدَّائِمِ) أي: الراكد الذي لا يجري، وقد جاء في بعض الأحَاديث "الذي لا يجري" (٣) وهو تفسير للدائم وإيضَاح لمعناه. وقال بعضهم: يحتمل أن يحترز به عن راكد لا يجري بَعضه كالبرك ونحوها. (ثُمَّ يَغْتَسِلُ) قال القُرطبي: الرواية الصحيحة "يغتسلُ" برفع اللام ولا يجوز نصبها؛ إذ لا ينتصب (٤) بإضمار (٥) أن بعد ثم، وبعض الناس قيده "ثم يغتسل" مجزوم اللام على العطف على "لا يَبُولن" (٦)، وهذا ليس

стр. 527

بشيء؛ إذ لو أراد ذلك لقال: ثم لا يغتَسلَن (١)؛ لأنه إذ ذاك يكون عَطف فعل على فعل، لا عطف جُملة على جملةٍ، وحينئذ يكون الأصل مُساواة الفعلينِ في النهي عنهما وتأكيدِهما بالنون الشديدة؛ فإن المحَل الذي تواردا عليه هو شيء واحد وهو الماء، وإنما جاء (ثم يغتَسل) على التنبيه على مآل الحال، ومعناه أنه إذا بالَ فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعمالُهُ؛ لما أوقع فيه مِنَ البَول. قال: وهذا مثل قوله ﷺ : "لا يضرب أحدكم امرأته ضَربَ الأمةِ ثم يضاجعُها" (٢) برَفع يضاجعها، ولم يروه أحد بالجزم ولا يتخيله فيه؛ لأن المفهوُم منه إنما نَهَاهُ عن ضَربهَا؛ لأنه يحتَاج إلى مضاجَعتها في أثناء الحَال فتمتنع (٣) عليه (٤) بما أسَاء من معاشرتها، ويتعذر عليه المقصُود من أجل الضرب، وتقدير (٥) اللفظ [ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل] (٦). قال ابن دقيق العيد (٧): وهذا الذي ذكرهُ يقتضي أنه كالتعليل للنهي عن البَول في الماءِ الراكد لا عن الغسل منه، ويكون النهي عن الغُسْل منه ليسَ من مدلول اللفظ مباشرة بل من مدلولاته التزامًا؛ من حَيث إنه لو لم يكن البَول فيه مَانعًا مِنَ الغسل أو الوضوء منه لما صح تعليل

стр. 528

النهي عن البَول فيه بأنهُ سيقع منهُ الغسل فيه، لكن التعليل صَحيح على حسب ما اقتضاه الكلام عنده، فوقع النهي عن الغسل منه بعَد البَول بطريق الالتزام؛ لأنه لازم لصحة التعليل. (منهُ) (١) فيه نهي عن شيئين، والنهي عن شيئين تارة على الجمع، وتارة عن الجمع أما النهي على الجَمع فيقتضي المنع من كل وَاحدٍ منهما على انفراده، وأمَّا النهي عن الجمع فمعناهُ المنع عن فعلهما معًا بقيد الجمعية، ولا يلزم منه المنع من أحدهما إلا مع الجمعية، فيمكن أن يفعَل أحدهما من غير أن يفعَل الآخر، والنهي عن الجمع مشرُوط بإمكان الانفكاك عن الشيئين، والنهي على الجَمع منشؤه أن يكون في كل وَاحد منهما مفسَدة تستقل بالمنع. وإذا ثبت هذا، فهذا الحَديث الذي نحن فيه من باب النهي عن الجمع، أي: لا يجمع بين البَول في الماء والاغتسال منهُ، والحَديثُ الآتي حَديث مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ "لَا يبولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيه" نهي على (٢) الجمَع كما سيَأتي، وفي هذا الحَديث عموم لابد من تخصيصه اتفافًا، فإن الماء المسْتَبحر جدًّا لا يثبت فيه هذا الحكم. ومذهب أبي حنيفة وأتباعه كما قال الطحَاوي في "مختصره": وإذا وقعت نجاسَة في ماء ظهر فيه طعمها أو لونها أو ريحها أو لم يظهر ذلك فقد نجسَهُ قليلًا كان الماء أو كثيرًا، إلا أن يكون جاريًا أو حكمهُ

стр. 529

حكمُ الجَاري، كالغَدير الذي لا يتَحرك أحَد أطرافه بتحرك سواه (١) من أطرافه (٢)، وأما الشَّافعي (٣) فإنهُ اعتبر القلتين، فقال: إنهُ يُنجس ما دُونهما بوُقوع النجاسَة فيه، وإن لم يتغير، وما كانَ قلتين أو أكثر لم ينجس إلا بالتغير عنده، وهذِه رواية عن أحمد مُرَجحة عند جَماعة من أتباعه (٤) في غير بول الآدمي وعذرته المائعة (٥) [فأمَّا هُما] (٦) فينجسان الماءَ وإن كانَ قلتين فأكثر على المشهُور ما لم يكثر إلى حيث لا يمكن نزحه كالمصَانع التي بطريق مكة، وهذا تخصيص للحَديث. فأما الحنفية القائلون بأن الماء الراكد ينجسُ بوُقوع النجاسَة فيه، فهو مقتضى العَمل بالعموم ومقتضى (٧) حمل صيغة (٨) النَّهي على حقيقتها وهو التحريم، فإذا خرج منه المستبحر بقيَ اللفظ متناولًا ما عدَاهُ، ويحتاجونَ إلى تخصيص آخر في الماء الذي وقع فيه الحَدُّ (٩) عندهم وهو تحرُّكُ (١٠) أحَدِ الطرفين، وهذا إنما أُخِذ من معنى فهموهُ وهو سَراية النجاسة في الماء، وإن مع هذا التباعُد لا سراية، وهذا المقدار من الماء يَدخل

стр. 530

تحت العموم فتخصيصهُ (١) هذا المعنى تخصيص العَام بمعنى مُستنبط منهُ يعُود عليه بالتخصيص، وفيه كلام لأهل الأصُول. وأما الشافعية: فإنهم لما اعتمدُوا حديث القُلتين خصُّوا العَام به وهو تخصيص بمنطوق؛ لأن هذا الحَديث الذي نحنُ فيه عَام في المنع من الاغتسال في كل مَاء راكد بعَد البَول فيه، فيدخل تحته القلتان فما زاد، وأما من يرى أن الماء لا ينجس إلا بالتغَير قليلًا كانَ أو كثيرًا؛ فحمله على ذَلك رجحان الدَّليل الدَال على طهورية الماء الذي لم يتغير ويتمسك فيه بالعُمومات، ومن أراد تخصيص تلك العمومات بمفهوم حَديثِ القلتَين المقتضي تنجيس ما دونهما وإن لم يتغير فقد لزمَهُ القولُ بالمفهوم، وبأنه (٢) يخصص العموم وهي قاعدة عند الأصوليين؛ أن المفهوم (٣) هَل يخصص العموم، أم لا؟ ومن حمل النهي على التحريم، وخص منه القلتين فما (٤) زاد إذا (٥) أخذ (٦) منه كراهة استعمال الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسَة، وإن لم يتغير على ما قال به الشافعية، فيلزمهُ أن يحمل اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه، وفيه استعمال اللفظ الوَاحد على معنيين مختلفين، وهي

стр. 531

قاعدة أخرى عند الأصوليين. [٧٠] (ثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: ثَنَا يَحْيَى) بن سَعيد القطان (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ) المدَني، كان ابن عيينة يثني عليه، خرج مُسلم لهُ في "الصحيح" (١)، واستشهد به البخاري في كتاب التوحيد (٢)، وذكر الحاكم مَا مَعناه أن مُسلمًا روى عن ابن عجلان ثلاثة عَشر حَديثًا كلها في الشواهد (٣)، وأما عجلان والد محمد فقالوا: مَولى فاطمة بنت عُتبة (٤) ابن ربيعة القرشي. (قال: سمعت أبي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وفاطمة بنت عُتبة (٥) خرج لهُ مُسْلم بن الحَجاج في "الصَّحيح" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ في حق المملوك (٦)، واستشهد به البخاري في بدء الخَلق في ذكر إبراهيم ﵇ (٧). (قال: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : لَا يَبُولَن أَحَدُكُمْ) تقدم أن دلالة هذا الحَديث على النَّهي عن الشيئين على الجَمع، والذي قبلهُ على النَّهي عن الجمع، ومُقتضى النَّهي على الجمع تعلقه بكل (٨) واحد منهما على انفراده.

стр. 532

وظاهر النهي التحريم، ومن رأى ذلك مكرُوهًا غَير محرم فقد خرج عن الظاهر، فيحتاج إلى الدليل، وليس الطريق في هذا الحَديث كالطريق في الحَديث الذي قبلهُ؛ لأن ذَلك الحَديث يرجع الأمر فيه إلى النَّهي عن الوُضوء أو (١) عن الاغتسال في الماء الذي بال فيه، فمن قامَ عنده الدليل على أن الماء لا ينجسُ إلا بالتغير جعل ذلك مانعًا من إجراء النهي على ظَاهِرِه وصرفه إلى الكراهة، وكذلك من قام عنده الدليل على أن القلتَين فما زاد لا ينجسُ إلا بالتغير منعه ذلك من إجرَاء النهي على ظاهره في عمُوم التحريم. وهذا النهي في هذا الحَديث مُعلل بالاستقذار الحَاصل في الماء بسبب البَوْل، وهذِه علة عامة في القليل والكثير، فإن كان الماء قليلًا، فمن يرى تنجيسهُ بوُقوع النجاسَة فيه نشأت (٢) فيه علة أخرى، وهي الفسَاد وتعطيل منافعه على غيرِهِ، وزاد بعضُهُم علَّة أخرى فيما إذا كان بالليل وهو [ما قيل] (٣) أن الماء بالليل للجنِّ فلا يبَال فيه ولا يغتَسل مِنهُ؛ خَوفًا من آفة تصيبُ من جهتِهم (٤). (فِي المَاءِ الدَّائِمِ) فيه تقييد الحكم بصفة كون الماء دائمًا، فمن يقول بمفهُوم المخالفة يقول بجواز البَول في الماء الجَاري، ويُفرق بَينهما أن

стр. 533

الماء الجَاري لا يستقر فيه البَول، وأن جريه يدفع النجاسَة ويخلفه الماء الطَّاهر بعده. (وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ) يدُل بمنطوقه على النهي عن الاغتسال عن الجَنابة في الماء الدائم، وهو عَام بالنسبة إلى المغتسلين، فيدخل فيه المغتسل الذي على [بدنه أدنى] (١) مُستقذر، ومن ليس كذلك، وهو منصوصٌ عليه في "المدوَّنة" للمالكية (٢). وقد اختلفوا في قاعدة أصولية وهي دلالة القران بينَ الشيئين على مُسَاواتهما في الحكمِ، والمنقول عن أبي يُوسف والمزني مُسَاواتهما في الحُكم، والقائلون بأن القران لا يدل على المساواة استدلوا بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣) فإن الأول غير واجب، والثاني واجب، وكذا في هذا الحديث البَول في الماء حرام بخلاف الاغتسال منه. واستدل أبو يُوسف بهذا الحَديث على أن (٤) الماء المُستَعمل نجس (٥)؛ بناء على القاعدة المذكورة؛ فإنهُ قرن (٦) بين الغُسل فيه والبَولِ فيه، والبولُ فيه (٧) ينجسُهُ، فكذلك الغسل، وجوابه عند غَيره

стр. 534

منع دلالة الاقتران. وذكر البغَوي في "شرح السُّنة": أن فيه دليلًا على أن اغتسال الجُنب في الماء القليل الراكد يَسلبُ حُكمه، كالبَول فيه يسلب حكمه، غير أن البول (١) فيه ينجسه؛ لأن البَول نَجِس، والغسْل لا ينجسهُ؛ لأنَّ بدَن الجُنب ليس بنجس، لكن يسلب الطهورية ويستدل به من لا يجيز الوُضوء بالماء المُستَعْمل (٢). وهذا منه استدلال بالقِرانِ إلا أنه أخذ الوصف الأعَمَّ من التنجيس، وهو سلب (٣) حكم الماء، وتخصيصهُ بالقليل ليس من هذا الحَدِيث، وهل يتعدى هذا الحكم إلى الوُضوء حتى يكره أن يغمس المحدِثُ يده أو عضوًا منه في الماء الراكد للطهَارة الصغرى؟ فمن قال بالقياس فيمكن أن يعديه بجامعِ الطهَارة من الحَدث، إلَّا أنَّ هذا ليس قياسًا في معنى الأصل فليسَ بقول؛ لأنه من قياس الشبه وهو ضَعيف؛ لأن الاختلاف بينَ الحدَث الأكبر والأصغر في أحكام كثيرة فيضعف ذلك القيَاس، وإن جعله من قياس العلة، فالعلة المذكورة في هذا هي الاستقذار والعيافة (٤)، وقد لا يساوي فيها الحدَث الأصغر الحدَث الأكبر فيمتنع القياس لعدم شَرطه، وهو المسَاواة. (مِنَ الجَنَابَةِ) ومادة الجَنابة دالة على البعد وما يقاربه من المَعنى،

стр. 535

والجَنابة في عُرف حملة الشرع تطلق على إنزال الماء والتقاء الختَانَين، وسُميت الجنابة بذَلك لتجنب الصَّلاة، وتقييد الغسْل بكونه (١) من الجنَابة يخرجُ منهُ ما ليسَ بجنابة، كالغُسل تبرُّدًا أو تنظفًا، وهو كذلك إن تحقق سَلامة البدن من الأذى، وما ليس بجنابة ينقسمُ قسمين: أحدهما: ما لا يدخل تحتَ القُرَبِ، كما مثَّلنا في (٢) التبرد والتنظف (٣). والثاني: ما هو دَاخل في بَاب القُرَبِ والأغسال المَسْنُونة، مثل غسل العِيدَين والكسُوف والاستسقاء، وظاهر التقييد بغُسْل الجَنابة يقتضي إبَاحَة ذلك.

стр. 536

٣٧ - باب الوُضُوء بسُؤْرِ الكلْبِ ٧١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا زائِدَةُ - فِي حَدِيثِ هِشامٍ - عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "طُهُورُ إِناءِ أَحَدِكُمْ إِذا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مِرارٍ أُولاهُنَّ بِتُرابٍ". قالَ أَبُو داوُدَ: وَكَذَلِكَ قالَ أَيُّوبُ: وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ عَنْ مُحَمَّدٍ (١). ٧٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا المُعْتَمِرُ، يَعْنِي: ابن سُلَيْمانَ (ح). وحَدَّثَنا محَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْن زَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ محَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِمَعْناهُ وَلَمْ يَرْفَعاهُ، زادَ: "وَإذا وَلَغَ الهِرُّ غُسِلَ مَرَّةً" (٢). ٧٣ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أَبانُ، حَدَّثَنا قَتادَةُ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيِرينَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُريرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قالَ: "إِذا وَلَغَ الكَلْبُ فِي الإِناءِ فاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرّاتٍ السّابِعَةُ بِالتُّرابِ". قالَ أَبُو داوُدَ: وَأَمّا أَبُو صالِحٍ وَأَبُو رَزِينٍ والأعرَجُ وَثابِتٌ الأحْنَفُ وَهَمّامُ بْنُ مُنَبِّهِ وَأَبُو السُّدِّيِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَوَوْة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا التُّرابَ (٣). ٧٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو التَّيّاحِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ ابن مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلابِ، ثُمَّ قالَ: "ما لَهُمْ وَلَها". فَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَفِي كَلْبِ الغَنَمِ، وقالَ: "إِذا وَلَغَ الكَلْبُ فِي الإِناءِ فاغْسِلُوهُ سَبْعَ مِرارٍ والثّامِنَةُ عَفِّرُوهُ بِالتُّرابِ" (٤).

стр. 537

قالَ أَبُو داوُدَ: وَهَكَذا قالَ ابن مُغَفَّلٍ. * * * باب الوضوء بسؤر الكلب السُّؤرُ مَهمُوز وهو من الكلبِ والفأرة وغيرهما، كالريق من الإنسَان. [٧١] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قال: ثَنَا زَائِدَةُ - فِي حَدِيثِ هِشَامٍ - عَنْ مُحَمَدٍ) بن سيرين. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: طَهُورُ) بفتح الطاء هو المطَهِّر وبضمَّها الفِعلُ، هذا هو المشهُور (إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ) بفتح اللام في (١) الماضي والمستقبل جميعًا، وإنما فتحت اللام فيهما لحَرف الحلق وهو الغَين. والقاعدة في الفِعْل الثلاثي إذا كان صَحيح العَين واللام غَير مُضَاعَف وكانت العَين أو (٢) اللام منه حَرف حَلق؛ كان الأكثر فيه فتح العَين مِنَ الماضِي والمُسْتقبل نَحو: ذَهب يذهب وَذبحَ يذبَحُ وكذلك إذا كانَ مُعتل اللام وكانت العَين حَرف حَلق؛ فإنهُ يكثر فتح العَين فيهِمَا نحو: سَعَى يسْعَى، وإن لم تكن العَين حَرف حَلق كان مضارعه (٣) يفعِلُ بكسر العَين إن كانت اللام ياءً (٤). ومعنى وَلغَ: شرِبَ ما في الإناء بِطَرف لسَانه، ويَحتمل قوله "وَلغ" وجهين: أحَدهما: أن يكون فيه حَذف على أن يكون (٥) المرادُ وَلَغ في

стр. 538

الشَّيءِ الذي في الإناء، والثاني: أن لا (١) يكُون فيه حَذفٌ، لأنهُ إذا وَلغ فيما في الإناء فقد وَلغ في الإناءِ، فكانَ الإناءُ ظرفًا لِوُلوغِهِ (٢)، واستدل بلفظ (طهور) عَلى نجاسَة سُؤر الكلب، مِنْ حَيث إن لفظة طهور تستعمل إما عن (٣) حَدث أو خبث، ولا حدث على الإناء بالضرورة فتعين الخبث. واعترض على هذا بأن التيمم قد أطلق عليه طهور، وليس عن حَدث ولا خبث، إذ ليسَ يرفع الحدَث، وأجيب (٤) بأن التيمم لا يلزم من كونه عن حدث أن يكونَ رافعًا للحَدث، وإذا كانَ لعَاب الكلب نجسًا (٥) للأمر بغسل الإناء منه (٦) ففمه نَجس؛ لأن اللعَاب منجلب (٧) منهُ وجزء منه، فيلزم من نجاسَة عين (٨) فمه نجاسةُ كلّهِ؛ ولأن لعَابه عرق فمه وهو نَجس فعرقُهُ كلهُ نجسَ؛ لأن فمه أطيب أعضائه، إذا كانَ العَرق نجسًا فبدنه كلهُ نجس؛ لأن العَرق منجلبٌ من جملة البدَنِ، وخارجٌ منه. وهذا بعد ثبوت أن نجاسَة الفم عَينية (٩). (فيه) أي: في الإناء، ومعلوم أنهُ لم يُباشر جَميع [ما فيه] (١٠) بلسَانه،

стр. 539

فيدُل على أن حكم النجاسَة يتَعدى عن محلها إلى ما يجاورهَا بشرط كونه مائِعًا، ويدُل على نجاسَة الإناء الذي يتصل بالمائع النجس؛ للأمر بغسل الإناء وهو عَام فيما يَصل إليه لسَان الكلب وما لا يصل إليه، وهذا مُفَرَّعٌ على دلالة ظهور (١) النجاسَة، ولابدَّ من التخصيص في الأواني عندَ من يرى أن الغسْل للنجاسَة لا [تعبدًا، بما] (٢) إذا كان الماء الذي في الآنية دُون القلتين فيخص من عموم الأواني، ولما تعلق الحكم بالأواني، فمن قال بالتعبد (٣) يخرج عنه كلُّ ما لا يُسمَّى إناءً كبقعةٍ من الأرضِ ويدِ إنسَانٍ مثلًا، ولا يتعدى (٤) الحكم إلى ما لا يُسمى ولوغًا، كما إذا مسَّ اللعَاب ثوبًا أو جسدا أو متاعًا أو عَضَّ صيدًا أو وطِئَ برُطوبةِ بدَنِه أرضًا أو بِساطًا أو ثوبًا يابسًا. (الْكَلْبُ) وخص بَعض المالكية (٥) هذا الحكم بالكلب المنهي عن (٦) اتخاذه دُون المأذون فيه، وأشار بعضهم إلى أنَّ هذا التخصيص مبني على حمل الألف واللام على العهدية أو على الجنس، فإن حمل على الجِنس فهذا التخصيص خلاف العُموم. (أَنْ يُغْسَلَ) يَدخل في عُموم [مَا يغسل] (٧) ما كان الإناء فيه فخارًا

стр. 540

تَشَرَّبَ الماء أو فخارًا مُزجَّجًا (١)، أو كان زجَاجًا، ويدخل في الفخار ما كان تغُوص فيه النجاسَة أم لا، وقد حكم بطهَارته بالغسل من غير تفصيلٍ، وقد يجعَل كذلك لمسألة اختلف فيها، وهي أن الفخار إذا اتصل به نجس غَواص (٢) كالخَمر هَل يطهر بالغسل، وكذلك ما يَناسبهُ مثل الزيتُون يُملَّحُ بماءٍ نجس، والقَمح ينقع بماءٍ نجس. (سَبْعَ مِرَارٍ) فلو ولغ جماعة كلاب في إناء فهل (٣) يغسَل سبعًا؟ فيه اختلاف عند الشافعية (٤)، والمالكية (٥)، وجمع الماوردي بين هاتين المسألتين؛ فحكى ثلاثة أوجه: الثالثُ: وهو قول بعض المتأخرين: إن كان تكرار الوُلوغ من كلبٍ واحد اكتُفِي فيه بِسَبْع، وإن كان من كلاب وجب أن يُفرَدَ (٦) ولوغ كل كلب بسبع. قال: ولا أعرف (٧) بينهما فرقًا، والأصح هو الوجه الثاني، يريد قول أبي العَباس بن سُرَيج وأبي إسَحاق المروزي وأبي عليِّ بن أبي هريرة، أنه يغسل من جَميع وُلوغه سَبعًا (٨). وعلل الماوردي ذلك: بأن الأحداث لما تداخل بَعضُها في بعض،

стр. 541

كان تداخل الوُلوغ أولى بالتداخل من الأحداث، وهذا يرجع إلى التعليل بأمر خارج عن اللفظ الذي ورد (١) في هذا الحَديث، وأما الدلالة من هذا الحَديث فالألف واللام إن حَملناها على تعريف الحقيقة اقتضى ذلك تكرار الغسْل عند تكرر الوُلوغ من كل واحد؛ لوجُود الحقيقة في كل مرة (٢) ولا يجب على تقدير حملها على الاستغراق، بمعنى (٣) ثبوت الحكم في كل فرد؛ لأنه لو قيل: إذا ولغ كل كلب فولغ كلب مرَّة لم يدخل اللفظ الذي هو كل كلب وُلوُغه مرة ثانية من واحد، وإذا حملناه على الاستغراق بمعنى ثبوت الحُكم في كل مرة (٤)، لزم تكرار الغسل عند وُلُوغ جماعة من الكلاب، ولا يلزم عنه تكرار الولوغ. (أولهن بِتُرَابٍ) ورواية الخَطيب: بالتراب، اختلفت الروايات في تعيين مرة التَّتريب [فهنا في] (٥) هذا الحَديث: "أولهُن". ورواية مُسلم: "أولاهن" (٦)، وفي رواية بعدها: "السَّابعة"، وفي أخرى: "الثامنة" (٧). قال الظاهري: تعين الأولى، قال: وكل واحد لا يختلف معناهُ؛ لأن الأولى هي بلا شك إحدى الغَسلات، ومن جَعَل آخرهن فقد خَالف

стр. 542

المحَدث في ذلك، ومن جَعل أخراهن (١) فقد خالف أمر رسول الله ﷺ ، وهذا لا يحل (٢)، وهذا في التراب الطَّاهِر، فإن كانَ التراب نجسًا؛ ففيه للشافعية وجهان (٣)، قيل: يُكتفى به لمنافاة النجس لبدلية (٤) الماءِ بالترابِ. (وكذَلِكَ قَالَ أَيُّوبُ) ابن أبي تميمة كيسَان السَّختياني (وَحَبِيبُ بْنُ الشهيد) (٥) الأزدي توفي سنة (٦) ١٤٥) عَنْ مُحَمَّدٍ) (٧) بن سيرين. [٧٢] (ثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (ثَنَا المُعْتَمِرُ يعني: ابن سُلَيْمَانَ) بن طرخان البصري التيمي، ولم يكن من بني تيم بل نزل فيهم فنُسب إليهم، قيل يوم مات سنة (٨) ١٨٧: مات اليوم أعبد الناس. (ح وثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بن حساب (٩) بالحاء والسين المهملتين والموحدة آخره، الغبري البَصري شيخ البخاري، قال: (ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ جَمِيعًا) منُصوب على الحَال. (عَنْ أَيُّوبَ) بن أبي تميمة، (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁

стр. 543

بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَعَاهُ) أي: المعْتمر وحماد (١)، بل وقفاهُ و (زَادَ) في هذِه الرواية (وَإذَا وَلَغَ) فيه استعمال الوُلوغ في شرب الهرَّة خلافًا لمن خصَّهُ بالكلب. قال القاضي أبو بكر بن العَربي: الوُلوغ للسِّباع والكلاب كالشرب لبني آدم، ولا يُستعمل الوُلوغ للآدمي، ويقال: ليس شيء من الطيور يلَغُ غير الذبَاب (٢). (الْهِرُّ) هو الذكر، والأنثى هرَّة. قال ابن الأنباري: الهرُّ يقع على الذكر والأنثى، وقد يدخلون الهَاء في المؤَنث، وتصغير الأنثى هريرَة وبها كني الصَّحَابي المشهور (٣). (غُسِلَ مَرَّةً) (٤) أخذ بظاهره ابن المسيب وابن سيرين فقالا: يغسل الإناء من وُلوغ الهرِّ مرة (٥)، وحملهُ أبو حَنيفة وابن أبي ليلى على الكراهة (٦)، وكذا كرههُ ابن عمر ﵄ (٧)، وعن طاوس: يغسل الإناء من وُلوغ الهرَّة (٨)، ومذهبنا أن سُؤرَ الهرِّ طاهر غير

стр. 544

مكرُوه، وكذا سؤر جَميع الحيوانات من الخَيل والبغال والحَمير والسِّباع والفأر والحيَّاتِ وسَامِّ أبرَصَ، وسائر الحيَوانات المأكولة وغَير المأكولة، سؤرُ الجميعِ وعرَقُها (١) طاهِر إلا الكلبَ والخنزيرَ وفرعَ أحدِهما (٢). وحكى الماوردي مثل مذهبنا عن عمر وعلي وأبي هريرة والحسَن البَصري وعطاء (٣)، وأجابَ الشافعي وغَيره عن هذا الحديث: بأنَّ الغسْل من ولوغِ الهرِّ مدرج في الحَديث من كلام أبي هريرة موقوفًا عليه، كذا قاله الحُفاظ، وقد بين البيهقي وغيره ذلك (٤)، ولفظ البيهقي في روايته (٥): "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه (٦) الكلب أن يغسَل سَبع مرات أولاهُن بالتراب". ثم ذكر أبو هريرة الهِرَّة: لا أدري قال مرة أو مرتين (٧)، لكن قد قال الطحَاوي (٨) بعدما ذكر حَديث قرَّة بن خالد: ثنا (٩) محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "طهوُر الإناء إذا ولغ فيه الهرُّ أن يغسل مرة أو مرتين" ورواهُ عن أبي بكر، عن أبي عاصم، عن قرة.

стр. 545

وقال: هذا حَديث مُتصل الإسنَاد فيه خلاف ما في الآثار الأُوَلِ -يَعني: الآثار التي فيها الوُضوء من سُؤر الهرِّ- قال: وقد فَصَّلها هذا الحديث بصحة إسنَاده، فإن كانَ هذا الأمر يُؤخذ من (١) جهة الإسنَاد كانَ القَول بهذا أولى من القَول بما خالفه، قال: فإن قال قائل فإن (٢) هشَام بن حسَان قد روى هذا الحديث عن مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فلم يرفعهُ، ثم أسند الطحاوي الخَبَر من هذِه الجهة إلى أبي هريرة (٣)، قال: سُؤر الهر يهراق (٤)، ويغسل الإناء منهُ مرَّة أو مرتين، رواه من حديث أبي بكرة (٥)، عن وهب بن جرير، عن هشام، ثم قال: فثبت اتصال حَديث أبي هريرة مع ثبت قوة بضبطه وإتقانه، ثم قال: وثنا إبراهيم، عن يحيى بن (٦) عتيق، عن مُحَمَّدِ بْن سِيرِينَ: أنه كانَ إذا حدَّث عن أبي هريرة فقيل لهُ عن النبي ﷺ فقال: كل حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وإنما كانَ يفعل ذلك؛ لأنَّ أبا هُريرة لم يكن يُحدثهم إلا عن النبي ﷺ فأغناه ما أعلمهُم من ذلك في حَديث إبراهيم بن أبي داود أن يرفع كل حَديث يرويه لهم محمد (٧) عنهُ. قال ابن دقيق العيد: ولعل هذا الحديث مَحمول على النَّدب وهو

стр. 546

خلاف الظاهر، يحتاج فيه إلى دليل، فإن جعل دليله: "إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافِين عليكم" فينظر في الترجيح بيَن السَّنَدين. [٧٣] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذَكي، قال: (ثَنَا أَبَانُ) بن (١) يزيد العَطار البصري تقدَّم، قال: (ثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ حدثه (٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ نَبي الله ﷺ قَالَ: إِذَا وَلَغَ) وقوع اللعَاب في الإناء مساوٍ للولوغ في حُكم النجاسة؛ لأنَّهُ في معناهُ، والظاهري لا يرى بالغسل إذا وقع اللعَاب في الإناءِ من غير ولوُغ (٣) وهذا زيادة في التعبد على [ما في] (٤) الغسل. (الْكَلْبُ) خصّص بَعض المالكية الحكم بالكلب المنهي عن اتخاذه دُون المأذون فيه (٥)، وأشارَ بَعضهم إلى أن هذا التخصيص [مبني على] (٦) حمل الألف واللام على العَهدية أو على الجنس، فإن حمل على الجنس، فهذا التخصيص خلاف العموم، وحمله على العَهد يحتاج إلى أمرين: أحَدهما: أن يثبت تقدم النَّهي من [اتخاذ الكلاب على هذا الأمر بالغسل من ولوغها. الثاني: أنه وإن تقدم فلابد من قرينة ترشد إلى أن المراد هذا المنهي عن] (٧) اتخاذه ولا يكفي مجرد تقدم (٨) النَّهي.

стр. 547

(فِي الإِنَاءِ) الحكم إذا علق على شيء لم يثبت إلا بحقيقةِ ذلكَ الشيءِ وتيقن (١) وجود ما علق الحكم عليه، فإن وقع شك مع تساوي الطَّرفَين فلا ثبوت، كما إذا وَلغ حَيَوان، ولم يتحقق كونه كلبًا لا يجبُ غسله إلا أن يذهب إليه من يرى الاحتياط عند الشَّك، وكذا لو تحقق كونه كلبًا ولم يتحقق الوُلوُغ، كما لو أدخل فيه في الإناء ثم أخرجَهُ ولم تقم قرينة على وُلوغه مثل ابتلال فيه، فإن وقعت قرينة بغلبةٍ للظن بوُلوُغه، فهل (٢) يجعَل كالتحقيق فَيترتب عليها الحُكم كما إذا أَدْخَل فمه في الإناء ثم أخرجَهُ مُبْتَلًّا؟ فقد حكى الماوردي (٣) وجهين: أحدهُما: ينجس؛ لأن رُطوبَة فيه شَاهدة على ولوغه، فصار كنجاسَة وقعت في ماء كثير ثم وُجد مُتغيرًا ولم يعلم هَل (٤) تغير بالنجاسة أم بغَيرها حُكِمَ بنجاسته تغليبًا لتغيره بها (٥). والثَّاني: قال: (٦) وهو الأصح أن الماء طَاهِر؛ لأن طهَارته يقين ونجاسَته شك، والماء لا ينجس بالشك، وليست رُطوبة فيه شاهدًا قطعًا لاحتمال أن يكون من لعابه أو من ولوغه في غيره، وليس كالنجاسَة الواقعة في الماء؛ لأن لوُقوع (٧) النجاسَة تأثيرًا في الماء.

стр. 548

ومما يُوجب غلبة الظن إخبَار العَدل عن الوُلوُغ في الماء؛ فإنهُ يَجْري مجْرى اليقين (١)، لوُجُوب قَبُول خَبره، فيثبت (٢) الوُلوُغ فيترتب الحُكم. (فَاغْسِلُوهُ) الغسْل المأمور به يحمل على مطلقه على الغسْل بالماء كما يُحمل مُطلق قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣) وغيره على ذلك، وقد صَرح به جَماعة هَاهُنا، وقالوا: المعنى فليغْسله بالماء، واختلفوا (٤) في هذا الغسْل هل هو على الوجوب أم لا؟ فظاهر الأمر الوُجُوب، وبه قال الشافعي (٥)، وعن مالك قول يحمله على الندب (٦)، ويمكن توجيهُه بأن الأمر يصرف عن ظاهره إلى النَّدب بقرينة أو أمر خَارج، ويجعَل قيام الدَّليل عنده على طهارة الكلب سببًا لصَرفه عن الظاهِر، والضَّمير الذي في اغسلوهُ مُلْغى الاعتبارِ بخصوُصِهِ في هذا الحُكم؛ لأن واو الضَمير لا تدُل على أن المالك للإناءِ هو الغَاسِل، ولا من أذن لهُ بل إذا صُب المطر على الإناء، ونزل من غير قصد قاصد طهر؛ لأن إزالة النجَاسَة (٧) لا تفتقر إلى قصد ولا نيَّة خلافًا لبَعْض الشافعيَّةِ (٨) وغيرهم.

стр. 549

(سَبْعَ مِرارٍ) رواية الخَطيب: "سَبْع مَرات" يُؤخذ منهُ الأمر بعدَد السَّبع، وذلك يقتضي أن لا يقع الامتثال [بما دونها، والحنفية (١) يخالفون فيه، ولا يقولون بتعيين السبع، واعتذروا عن هذا بمخالفة أبي هريرة: في فتواه، وذكر الطحاوي في "شرح الآثار" عن أبي نعيم، حدّثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة في الإناء يلغ فيه الهر أو الكلب. قال: يغسل ثلاث مرات (٢). فثبت بذلك نسخ التسبيع؛ لأنا نحسن الظن بأبي هريرة، ولا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي ﷺ إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالته، فلم يقبل قوله ولا روايته (٣). (السابعة) بالنصب بدل من سبع قبله، وهو بدل بعض من كل (بالتراب) لما كان الأمر ها هنا متعلقًا بالتراب، وجب ألا يقع الامتثال] (٤) إلا به؛ لأنه لا خروج عن العهدة إلا بفعل المأمور به والأمر متعلَّقُهُ التراب، نعم لو قال قائل: إذا ولغ في كف إنسان لم يجب غسلهُ بالتراب مستندًا (٥) في ذلك إلى المفهوم ودلالته فيقال لهُ: جَوَاب ما ذكرت أن محَل الحكم هَاهنا هو الإناء وهو لقب لا يدل على نفي الحكم عما عَدَاهُ والأرض الترابية إذا نُجِّسَت (٦) بإصَابة

стр. 550

الكلب إياهَا هَل يحتاج في تطهيرها إلى إصَابة تراب آخر؟ وهو الأصحُ عند الشافعية (١). (قال أبو داود: وأما أبُو صَالح) ذكوان السَّمَّان ويقال: الزيات (٢) الغطفاني (وأبو رزين) مسْعود بن مَالك مولى أبي وائل الكوفيِّ (و) عَبد الرحمن بن هرمز. (الأعرَج، وَثَابِتٌ) بن عيَاض مَولى عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (الأَحْنَفُ) أخرج له الشيخان. (وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه وَأَبُو السُّدِّيِّ) بضَم السِّين المُهملة (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) كانَ يقعد (٣) بسدة باب الجَامع بالكُوفة. (رَوَوْهُ) جميعًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ولمْ يَذْكُرُوا) في روايتهم (التُّرَابَ) وفي رواية الطبرَاني من طريق الجارود: إحداهن بالبطحاء (٤). [٧٤] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَل) قال: (ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجاج العتكي، قال: (ثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حميد البَصري أحد الإعلام. (عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ) عبد الله (ابْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله- ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ). قال الإمَام أبو المعَالي إمَام الحَرمين: الأمر بقتل الكلاب منسُوخ،

стр. 551

قال: وقد صَح أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب مرة، ثم صَح أنهُ نَهَى عن قتلها، قال: واستقر الشَّرع عليه، وأمر بقتل الأسود البَهيم، وكان هذا في الابتداء، وهو الآن منسوخ. هذا كلام إمَام الحرمَين (١)، ولا مزيد على تحقيقه. قال القرطبي: وأمرهُ بقتل الكلاب لما كثرت و (٢) أكثر ضررها، ثمُ لما قلت وذهب ضررها، أنكر قتلها (٣). (ثُمَّ (٤) قَالَ: مَا لَهُمْ وَلَهَا) رواية مُسلم: "ما بالهم وبال الكلاب" (٥)، ويحتمل أن يكون قال ذلك ليقطع عنهم عادَة إلفتهم لها؛ إذ كانوا قد ألفوها ولابسوها كثيرًا، فلما تركوها نهى عن القَتل قال: "ما بالهم وبالها". (فَرَخَّصَ) لهم (فِي) اقتناء (كَلْبِ الصَّيدِ) واتخاذه والرخص لا تتعدى إلى غَيرها، وقد اتفق أصحابنا وغيرهم على أنه يحرُم اقتناء الكلب لغَير حَاجَة، مثل أن يقتني كلبًا إعجابًا بصورته أو للتفاخُر به فهذا حَرام بلا خلاف، وأما الحَاجَة التي يجُوز الاقتناء لها فقد ذكر في الحَديث الاقتناء لأحد ثلاثة أشياء وهي الصَّيْد (وَفِي كلْبِ الغَنَمِ) الذي (٦) يتخذ لحفظ الموَاشِي، وكذا للزرع وحِراسة الدُّور وفي السَّفَر. قال القرطبي: وغير هذِه -أعني الثلاثة- لا تتخذ، وإن لم يقتل، وهو

стр. 552

الذي من اتخذه نقص من عمله كل يوم قيراط لما يروع ويؤذي (١). وروى الطبراني عن علي ﵁[قال رسول الله ﷺ ] (٢): "لولا أن الكلاب أمة من الأمم أمرتُ بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم، و (٣) من اقتنى كلبًا لغَير صَيد، ولا زرع، ولا غَنَم أوى (٤) إليه كل يوم قيراط من الإثم مثل أحُد" (٥). واختلف أصحَابنا في اقتناء الكلب لحَراسَة الدور والدروب، وفي اقتناء الجرو ليُعَلَّمَ، فمنهم من حَرَّمَه؛ لأن الرخصَة إنما وردت في الثلاثة المتقدمة، ومنهم مَن أباحهُ وهو الأصَح؛ لأنَّهُ في مَعناها، واختلفوا أيضًا في من اقتنى كلب صَيد وهو رَجُل لا يصِيدُ. (وَقَالَ: إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ) ألحق أحمد في رواية عنه سائر النجاسَات بنجاسَة الوُلوغ في اعتبار العَدَد فيها، وإذا قيل بها ففي قدرِهِ (٦) روَايتان ثلاث وسبع (٧). وقال الخرقي من الحنابلة: وكُل إناء حلت فيه نجاسَة مِن وُلوُغ كلب (٨) أو بول أو غيره؛ فإنَّه يغسَل سبعًا إحداهن بالتراب (٩).

стр. 553

وقال القاضي: منهم الظاهر من قولَي أحمد ما (١) اختارهُ الخرقي، وهو وجُوب العَدد في سائر النجاسَات (٢)، وإيجاب العدَد والتتريب (٣)، قياسًا على الوُلوُغ، وهذا إنما يصح إذا ألغى (٤) الفارق بين نجاسَة الكلب وغَيره وهو غِلَظُ النجاسَةِ. (فِي الإِنَاءِ) الإناء عَام فيدخُل فيه إناء الطعَام، وإناء الماء، ولمالك ﵀ قول أنهُ لا يغسل إلَّا إناءُ الماء دون إناء الطعَام، قال في "المدونة": إن كان يغسل سبعًا للحَديث ففي الماء وحدهُ (٥)، وقد وُجِّهَ ذلك بأمرين: أحَدهما: أنه مَبني على تخصيص العَام بالعُرف والعُرف أن الطعَام محفوظ مِنَ الكلاب مَصون عنها (٦) لعزَّته عندَ العَرب، فلا يكادُ الكلب يصل إلا إلى آنية (٧) الماء، فيقيَد اللفظ بذَلك. الثاني: أن في رواية "فليرِقهُ وليغسلهُ (٨)، سبْع مَرات (٩) " والطَّعَام لا يجوُز إراقته، لحرمَته ولنَهيه ﷺ عن إضاعَة المال. (فَاغسِلُوهُ) الضَّمير عائد إلى الإناء أعني: ضَمير المفعُول، والإناء حقيقة في جملته، واختلفوا في هذا الأمر هل هو [على الوجُوب] (١٠) أم لا؟ فظاهر الأمر الوُجُوب، وبه قال الشافعي (١١)، وعن مالك قول

стр. 554

بحملهِ على النَّدب (١)، ويمكن توجيهه بأن الأمر يصرف عن ظاهره إلى النَّدب بقرينة، واختلفوا [هَل هذا الأمر] (٢) تعبدي لا يعقل مَعناه أو مُعلل فالذين (٣) عَللوهُ اختلفوا في العِلة، فقيل: النجاسَة، وقيل: علته أنهم نُهُوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فعلل عَليهم بذَلك، والمالكية استدلوا على كونه [تعبدًا بأمرين] (٤) أحدهما: دُخول عدد السَّبع فيه، ولو كانَ للنجاسَة اكتفي فيه بمرَة واحِدَة. والثَّاني (٥): جَواز أكل ما صَادَهُ الكلب من غير غسْل، وزاد بعضهم وجهًا ثالثًا وهو دُخول التراب، وقال: غسْل النجاسَة لا مدْخَل للتراب فيه. (سَبْعَ مِرَارٍ) هذا الحكم يتعَلق بوُلوُغ الكلب، وهل يُلحق به الخنزير في عَدَد الغَسَلَات سبعًا فعن مَالك (٦) والشَّافعيّ لا يثبت القول بعدم الإلحاق وذكر المزني عن الشافعي: أنه احتَج بأن الخنزير أسوأ حالًا من الكلب فقاسَهُ عليه (٧). (و) في (الثامِنَةً عفره) (٨) رواية الخَطيب: "عَفروهُ" (بِالتُّرَابِ) نقل عن

стр. 555

الحسَن أنه قال به -أعني: بالغسلة الثامنة- وهو قول عن أحمد (١)، وإحدَاهُن بالتراب ويقوي (٢) القول به بأنه زيادة على ما في حديث أبي هُريرة، والأخذ بالزائد مُتَعين، لاسيَّما وقد رواهُ مُسلم، والاعتذار الذي يعتذر به عنهُ وجهَان: أحدهما: ما نقل [عَن الشافعي] (٣) ﵀ قال: هو حَديث لم أقف على صِحته، وروايته مُضطربة، ولذلك لم يأخُذ بها مَالك ولا أحَد من أصحابه، وعلى تقدير صحته هو محمُول على أمرين، إما أن يكون جَعلها ثامنة؛ لأن التراب جنس غير الماء فجَعَلَ اجتماعهما في المرة الوَاحدة معدودًا باثنين (٤)، وإما أن يكُون محمُولًا على أن من نسي استعمال التراب في السَّبع فيلزمهُ أن يعفره (٥) ثامنة، وهذان (٦) التأويلان مُستكرهان مخالفان (٧) للظاهر مخالفة ظاهرة؛ لأن قوله ﷺ : "فاغسلوه سَبع مَرات". ذِكْرُ السبع فيه لبيان عَدَد الغسَلات التي دَل عليها قَوله ﷺ : "فاغسلوهُ". وقوله: "وعَفروهُ الثامنَة بالتراب" إما أن يحافظ فيه على معنى الغسْلة كما هو في سَبْع مَرات كأنهُ قيل (٨): الغسلة الثامنة بالتراب أولًا فإن حُوفظ على ذلك فألقى (٩) التراب في الماء لا يُطلق عليه غسلة، وإن كانَ التعفير بأن يذُرَّ التراب على

стр. 556

المحَل فاللفظ (١) لا يقبله أصلًا، وإن لم يحَافظ على مَعنى الغسلة كأنهُ قيل: الفعلة (٢) الثامنة. وقوله: "وعفروهُ الثامنة بالتراب" ظاهر في كونها غسلة ثامنة. وأمَّا التأويل وهو حمله على من نسي استعمال التراب في السَّبع فبعيد جدًّا؛ لأنَّهُ حمل اللفظ العَام الواردِ على غير سبب خَاص؛ لأجل تأسيس قاعدة (٣) شرعية على أمرٍ نَادِرٍ عَارِضٍ، وهو من التأويلات البعَيدة المردُودة، كما عرف في الأصول، وبه تردّ الشَّافعية على الحنفية في حملهم الحَديث الدَّال على اعتبار الوَلي في النكاح على المكاتبة، وأمَّا ما ذكرهُ الطحَاوي (٤) من [أنه يقتضي] (٥) التتريب في السَّابِعة عملًا بحَديث السَّبع، وفي الثامنة عملًا بحديث ابن المُغفَّلِ أخذًا بالزائد، فإن لم يقم (٦) إجماع على عَدَم وجُوب ذلك، وإلا فهو قول يحتاج إلى رده بطريقة. قالهُ ابن دقيق العيد (٧). * * *

стр. 557

٣٨ - باب سؤْرِ الهِرّةِ ٧٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عبَيْدِ بْنِ رِفاعَةَ، عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ -وَكانَتْ تَحْتَ ابن أَبِي قَتادَةَ- أَنَّ أَبا قَتادَةَ دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجاءَتْ هِرَّة فَشَرِبَتْ مِنْه، فَأَصْغَى لَها الإِناءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآني أنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقالَ: أَتَعْجَبِينَ يا ابنةَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ؛ إِنَّها مِنَ الطَّوّافِينَ عَلَيْكُمْ والطَّوّافاتِ" (١). ٧٦ - حَدَّثَنا عَبْد اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنا عَبْد العَزِيزِ، عَنْ داوُدَ بْنِ صالِحِ بْنِ دِينار التَّمّارِ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّ مَوْلاتَها أَرْسَلَتْها بِهَرِيسَةٍ إِلَى عائِشَةَ ﵂، فَوَجَدْتُها تُصَلِّي، فَأَشارَتْ إِلي أَنْ ضَعِيها، فَجاءَتْ هِرَّة فَأكلَتْ مِنْها، فَلَمّا انْصَرَفَتْ أكلت مِنْ حَيْث أَكَلَتِ الهِرَّةُ، فَقالَتْ: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّما هِيَ مِنَ الطَّوّافِينَ عَلَيْكُمْ". وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِها (٢). * * * باب: سؤر الهرِّ في بَعضها (٣) الهرة.

стр. 558

[٧٥] (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ القعنبي عَن مَالك، عن إسحاق بن عَبد الله بن أبي طلحة) واسمه [زيد بن سهل] (١) الأنصَاري ابن أخي أنس بن مَالك (٢) وهو أخو [عبدَ الله وإسماعيل] (٣) ويعقوب مات سنة (٤) ١٣٤. قال الوَاقدي: مُقدِّم مَالِكٌ (٥)، (عَنْ حُمَيدَةَ) بالتصغير (بِنْتِ عُبَيدِ بْنِ رِفَاعة) زوجة إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الراوي عنها، (عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ) قيل: إن كبشَة صَحَابية، فإن ثبتت صحبتها فلا يضر الجَهل بحالها أو التابعية، ولما أخرجَ ابن منده هذا الحديث في صحيحه بالاتفاق والاختلاف قال: وأم يحيى اسمها حميدة وخالتها كبشة قال: ولا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحَديث، ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخَبر من وجه من الوُجوُه وسبيله المعلول (٦). قال ابن دقيق العيد (٧): جرى ابن منده على ما (٨) اشتهر عن أهل الحَديث أنهُ من (٩) لم يرو عَنه إلَّا راو واحد فهو مجهُول، ولعَل مَن

стр. 559

صحَّحَهُ اعتمد على كون مَالكٍ رواهُ مع ما عُلِمَ مِن تشدُّدِهِ وتحرُّزِهِ في الرجَال، قال: (١) وقرأت بخَط الحَافظ أبي الفضل محمد بن طَاهِر، وروايته في سُؤالات أبي زرعة قال: سَمعت أحمد بن حَنبل يقوُل: مَالك إذا روى عن رجل لا (٢) يعرف فهو حجة. وذكر بشر بن عُمر الزهراني (٣) قال: سألتُ مَالك بن أنس عن رَجُل فقال: هل رأيته في كتُبي؟ قلتُ: لا، قال: لو كانَ ثقة لرأيتهُ في كُتبي (٤)، وهذا يُفهم أن كل من كتب عنه (٥) ثقة، وقد أخرج هذا الحديث الأربعة وابن خُزيمة وابن حبَّان في صَحيحيهما وصحَّحهُ الترمذي (٦). (وَكَانَتْ تَحْتَ) (٧) كناية عن كونها زوجة عبد الله (ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ) والأشبه أن يكُون من مجاز التشبيه شبه علو الزوج المعنَوي على المرأة بالفَوقية الحسِّية، وضدها (٨) في حق المرأة بالتحتية الحسِّيةِ. ورواهُ الشافعي عن الثقة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أبي قتادة (٩).

стр. 560

(أَن أبا قَتَادَةَ) الحَارث بن ربعي بن بُلدُمة، بضم البَاء الموَحدة والدَّال المهملة أيضًا وبينهما لام سَاكنة، ابن خُناس بِضَم الخاء المعُجمة وبعدها نون مُخَفَّفَة، ابن سنَان بن عُبيَد ابن عدي بن غنم بن كعب بن سَلمة بكسر اللام السَّلمي بفتح السِّين واللام معًا. (دَخَلَ) عليها كذا للترمذي (١) (فَسَكَبَتْ) أي: صَّبت (لَهُ) ماءٌ (٢). قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ (٣) أي: مصبوب، ومن مجَاز هذِه اللفظة: فرَسٌ سَكْب كأنهُ لشدة جَريه يسكب الماء، وكذلك ثوب سَكب شبهَ بالماءِ المُنْصَبِّ لرقته كأنه ماء مَسْكوب، ودمع سَاكب إما بمعنى مسْكوب، أو يصَور (٤) له بصُورة الفاعل باعتبار دفع (٥) بَعض أجزائه لما بين يديها. (وَضُوءًا) المشهور أن الوَضوء بفتح الواو هُو الماء، و (٦) فيه دليل على جَواز الدُّخول على المحَارم بسبب الصهرية (٧)، وفيه جَوَاز الاستعانَة في أسبَاب الطَّهَارة بإحضَار الماء ونحوِه من غير كراهة. (فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ) رواية الترمذي: فجاءت هِرة تشربُ (٨)، رواية غَيره: لتشربَ (٩) منه (فَأَصْغَى) أي: أمَالَ (لَهَا الإِنَاءَ) أصلهُ من

стр. 561

صَغَا إذا مالَ (١) فأدخلت عليه هَمزَة التعدية فتعدى لواحد (٢)، والصغوُ الميْلُ يقال: صَغَتِ النجوم والشَّمسُ صغوًا (٣) إذا مَالتْ للغُروب وصَغيت لفُلان ملت بسَمْعي لهُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ (٤). ويحتمل أن تكُون (من) في قوله: (فَشَربت منهُ) للتبعيض؛ أي: شربت من ماءِه، فحذف الماء ودَخلت (من) على الضَّمير، ويحتمل أن تَكون لابتداء الغاية أي: تكُون ابتداء شُربِها من الإناء، وهذا الماء الذي سَكبته كبشَة الظاهر أنهُ لهَا لثبوتِ يدِها عليهِ، وقد سقى (٥) أبو قتادة الهِرَّة ولم يستأذنها، وفيه دليل على جواز مثل هذا للضيف، وعلى أن الضَيف إذا قُدِّمَ إليه خُبز ونحوه أن يُطعم الهِرَّة منهُ، خلافَّاَ لما قالهُ أصحَابنا أنه ليسَ له إطعَام هرة (٦) وسائل ويُلقِمُ الأضيافَ بعضهمُ لبعض. [فأصغى لها الإناء (حتى شربت) فيه دليل على فضيلة سقيِ الحيوانِ المحترمِ وإطعامِهِ والنفقةِ عليه] (٧) وأن الأجر في الإحسَان إليه لما في الحَديث "في كل كبد حَرَّى أجر" (٨). (قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيهِ) فيه استعمال (٩) حُسن الأدب مع الأكابر لعَدَم إنكارها عليه فيما تعجبتْ منهُ أو شَكَّت في جوازه،

стр. 562

ويدخل فيه ما هو من جنسه (فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابنةَ أَخِي؟ ) فيه تنبيه العَالم عَلى ما يعرض للسَّائل، ويقع في نَفسه لتقع الفائدة والعلم بما (١) لعَلهُ يحتاج إليه، فإن كبشَة لابد [أن تكون] (٢) نظرت نظرًا فهم (٣) منهُ أبو قتادة التعجب، وإلا فأصل النظر لا يقتضي فهم التعجبِّ، وفيه دَليل على اجتنابِ النجاسَة وما يتصل بها أمر مقرر في النَفس لكل المُسلمين، خصوصًا حملة الشرع، وذلك يؤخد من تعجبِ كبشة ومن تقرير أبي (٤) قتادة على التعجب. (فَقُلْتُ نَعَمْ. فَقَالَ إِن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ) فيه ذكر الدَّليل مع الحكم لتحصُل الثقة (٥) للجَاهل به ويطمئن قلبهُ إليه، وهكذا ينبغي للمفتي إذا أفتى بشيء و (٦) ظهر له توقف المستفتي فيه وعدم فهمه لعلته (٧) أن يذكر له الدَّليل لتسكن نفسه وتنتفي عنه عوارض الشكوك، وكذلك إذا حكم بما لا يظهر وجهه للمحَكوم عليه، وقد ينسبه فيه إلى ظلم فينبغي أن يبين وجهه. (إِنهَا لَيسَتْ بِنَجَسٍ) بفتح الجِيمِ من مَعنى النجاسَة وأصْلها القذارة قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٨). ثُمَّ اشتهر (٩) في عرف حملة (١٠) الشريعة فيما يجتنبُ استصحابه في الصَّلاة، ويُعبر عن إزالته

стр. 563

بالطهَارة من الخبث، والنجَس مصدر كما قال الزمخشري (١)، ولهذا لم تلحقه [تاء التأنيث] (٢) كما لا يثنى ولا يجمع كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) ولم يقل أنجَاس. (إِنَّهَا مِنَ الطَّوافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ) (٤). قال البَغَوي في "شرح السُّنة": يتأول (٥) على وجهين: أحدهما: شبَّهها بالمماليك (٦) وبخدَم البيت الذين يَطوُفُون على أهلهِ بالخدمة لقَوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٧) يعني: المماليك والخدم. وقال إبراهيم: إنما الهرَّة كبعض أهل البيت، وقول ابن عَبَّاس: إنما هي من مَتَاع البيت، والآخر: شَبهها بمن يَطوف للحَاجَة والمسألة (٨). قال ابن دقيق العيد: وهذا غَريب بَعيد؛ لأن قوله: "إنها مِنَ الطوافين" يقتضي التعليل لما سَبَق ذكرهُ، والذي سبق هو كونها ليسَت بنجسٍ لا ذكر الأجر (٩).

стр. 564

قال القاضِي أبو الوليد البَاجي: وقوله: "أو الطوافات" يحتمل أن يكُون على معنى الشَّك من الراوي، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قال ذلك يُريد أن هذا الحَيَوان لا يخلو إمَّا أن يكونَ من جُملَة الذكورِ الطوَّافين أو الإناث الطوَّافات (١). وإذا حملنا الطوَّافين أو الطوافات على الخدَم كانت (من) للتبعيض، وليست الهِرة منهم حقيقة؛ لأن اللفظ يدل على جمع المذكر العَاقِل أو المؤنث العَاقِل فيجب إما إضمار أو مجاز، أمَّا الإضمار فتقدر أنهَّا من شبه الطوافين أو مثل الطوافين أو ما يقاربه، وأما المجَاز فأن يطلق عليها لفظ الخدَم مجازًا، وفيه استدلال على طهَارة السُّؤر (٢) باللفظ الدَّال على الجملة، وقد اختلفوا في سُؤر الهرِّ فالمنقول عن أكثر أهل العِلم طَهَارته. وكره أبو حنيفة وأبو يُوسف (٣) الوُضوء من سُؤره، واستدلَّ بهذا الحَديث على الطهَارة، وأجَابَ الطحاوي: بأنه يجوزُ أن يكون أريد به كونها لا تضر مماسّتها للثياب، فأمَّا وُلوغها في الإناء فليسَ في ذلك دليل على أن ذلك يوجب النجاسَة أو لا، وإنما الذي في الحَديث من ذلك فِعل أبي قتادة فلا ينبغي (٤)، وهذا من الطحاوي تنبيه (٥) على أن شربها مِنَ الإناء المتوضأ منه ليس مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ في هذا

стр. 565

الحَديث، وإنما هو فعل أبي قتادة، والذي احتج به خصُومه قوله ﷺ (إنها ليست بنجس) وإذا لم تكن نجسًا كانَ سُؤرها طَاهرًا. والأصوليون يذكرون هذا الحَديث في دلالة التنبيه (١) والإيماء إلى التعليل؛ لأنه لو لم يكن علة لم يكن ذكر الطواف مفيدًا (٢)، فإنهُ لو قال أنها سوداء أو بيضاء لم يكن منظومًا إذا لم يرد التعليل، وفيه دلالة على أن المشقة تجلب التيسير والتخفيف وهو من القواعد الأصوليَّة. [٧٦] (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ) قال: (ثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن محمد الدراوردي (عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارِ التَّمَّارِ) بفتح المثناة فوق، المدَني [صَدُوق (٣)، قال الدارقطني بعدما رواه: تفرد بِرَفعه داود بن صَالح (٤)، وكذا قال الطَّبراني (٥) والبزار] (٦). (عَنْ أُمِّهِ) اسْمهَا خولة (أَن مَوْلاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةِ) فَعيلة بمَعنى مفعولة، وهرسَها الهَراس هرسًا مِن بَاب قَتَلَ. قال ابن فارس: الهرس دق الشيء؛ ولذلك سميت الهريسَة. (٧) وفي "النَّوادر": الهريس الحَب المدقوق بالمهراس قبل أن يُطبخ فإذا طبخ فهو الهريسَة بالهَاء (٨).
следующие страницы →