← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

بذلك القران الذي أتت به. (قال هشام) بن عروة (ولم يكن في شيء من ذلك) القران (هدي) فإن الهدي لم يكن إلا مع النبي ﷺ وطلحة كما تقدم [عن البخاري] (١)، ([قال أبو داود: ] (٢) زاد موسى في حديث) رواية (حماد بن سلمة: فلما [كانت) البخاري] (٣): كان (ليلة البطحاء) بدل (٤) قوله في الرواية المتقدمة: [ليلة الصدر] (٥) وهي رابع ليالي التشريق التي نزل فيه النبي ﷺ حين انصرف من حجته، ويسمى المكان الذي نزل فيه تلك الليلة بطحاء وأبطح لانبطاحه، ويقال له: المحصب؛ لكثرة الحصباء (٦) فيه، ويقال له: خيف بني كنانة، والخيف الوادي وهو مكان بين الجبل الذي عند مقابر مكة والجبل الذي مقابله مصعدًا في الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى منى مرتفعًا من بطن الوادي. (طهرت عائشة) من حيضها الذي حاضت بسرف الرواية المشهورة رواية الصحيح، فلما كان يوم النحر طهرت. [١٧٧٩] ([حدثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير] (٧) عن

стр. 5182

عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام (١) حجة الوداع) بفتح الواو، سميت بذلك؛ لأنه ﵇ ودع الناس فيها ووعظهم، وفيه جواز تسمية حجة الوداع من غير كراهة كما سيأتي (فمنا) أي: من الناس (من أهل بعمرة) فقط وهو المتمتع (٢) (ومنا من أهل بحج وعمرة) وهو القارن (٣) (ومنا من أهل بالحج) وهو المفرد، فيه دليل على جواز الإحرام بكل واحد من الأوجه الثلاثة، بلا خلاف، إلا أبا حنيفة فإنه استثنى المكي فقال: لا يصح له (٤) التمتع ولا القران ويكره له فعلهما، فإن فعلهما لزمه دم (٥). وأما نهي عمر وعثمان فنهي تنزيه (وأهل رسول الله ﷺ بالحج) على الصحيح كما تقدم في (٦) أنه أفرد الحج. (فأما من أهل بالحج) [مفردًا (أو جمع) في إحرامه بين (الحج والعمرة فلم يحلوا) بضم الياء من إحرامهم (حتى كان) أي: حدث وجود (يوم النحر) برفع يوم؛ لأن كان تامة لا تحتاج إلى خبر، فلما (٧) كان يوم النحر فرمى جمرة العقبة وحلق وطاف مع السعي إن لم يكن سعى حل له جميع المحرمات وصار حلالًا.

стр. 5183

[١٧٨٠] ([حدثنا ابن السرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك، عن أبي الأسود بإسناده مثله زاد: ] (١) فأما من أهل بعمرة فأحل) أي: بعمل عمرة؛ ليخرج من إحرامه بالعمرة في أشهر الحج حين أمرهم النبي ﷺ بذلك؛ لأنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. [١٧٨١] ([حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير] (٢) عن عائشة زوج (٣) النبي أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة) أي: أكبرنا (ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي) إلى البيت الحرام (فليهل (٤) بالحج مع العمرة) قال القرطبي: ظاهره أنه أمرهم بالقران، فيكون قاله لهم عند إحرامهم، ويحتمل أن يكون قال ذلك لمن كان (٥) أحرم بالعمرة فيكون ذلك (٦) أمر بالإرداف. (ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا) هذا بيان لحكم القارن؛ فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل واحد عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل فيهما عملين (٧). قالت عائشة (فقدمت مكة وأنا حائض) كانت حاضت بسرف كما سيأتي في رواية أخرى وتمادى الحيض (٨).

стр. 5184

بها إلى يوم النحر (١) (ولم أطف بالبيت) لأنه لا يصح منها لكونها حائض؛ لأن الطهارة شرط في (٢) الطواف عند الجمهور. (ولا بين الصفا والمروة) لأن [مشروعيته أن يكون على إثر طواف فلما امتنع الطواف امتنع السعي وقد يحتج به من لم يشترط الطهارة] (٣) في السعي كما تقدم (فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ) حرصًا على الدين وتأسفًا على ما فاتها من أجر الطواف والسعي. (فقال: انقضي رأسك وامتشطي) فيه ما تقدم ([وأهلي بالحج] (٤) ودعي العمرة) أخذ بظاهره الكوفيون أن المرأة إذا حاضت قبل الطواف واختشت فوت الحج أنها ترفض العمرة وتتركها قبل تمامها وتبطلها (٥). وقال الجمهور: إنها تردف الحج بالعمرة وتكون قارنة، وبه قال مالك (٦) والشافعي (٧) وأبو حنيفة (٨)، وحملوا الحديث على هذا الإرداف، وأن الحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما شرعًا إلا بإتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٩)، واعتذروا عن هذا اللفظ بتأويلات: أحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها هذا للضرورة كما

стр. 5185

رخص لكعب بن عجرة في حلق شعره. وثانيها: أن ذلك خاص بها، وكذلك قال مالك: حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا قديمًا ولا حديثًا (١). وثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج كما تقدم، ويؤيده حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "فاغتسلي ثم أهلي بالحج" وقوله: "دعي العمرة" محمول على ترك عملها لا على رفضها والخروج منها، بدليل قوله في الرواية الأخرى: "وأمسكي" مكان: "دعي". وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها؛ لقوله ﷺ لها: "يسعك (٢) طوافك لحجتك وعمرتك" (٣). (قالت: ففعلت) ذلك (فلما قضينا) أي: أدينا (الحج) ونزلنا بالمحصب وهو البطحاء (أرسلني رسول الله مع) (٤) أخي (عبد الرحمن بن أبي بكر) فيه جواز تسمية الولد أباه باسمه [إذا كان غير مقصود بالذكر، بل ذكر تبعًا لغيره ويكون هذا كالمستثنى من النهي عن تسمية الولد أباه باسمه] (٥) وأنه من العقوق (إلى) أدنى الحل وهو (التنعيم) ليجمع في نسكه بين الحل والحرم، كما أن الحاج (٦) يجمع بينهما.

стр. 5186

وفيه دليل على ما قال الجمهور أن من كان بمكة أو بالقرب منها وأراد العمرة فميقاته أدنى الحل كالتنعيم ولا يجوز أن يحرم بها في الحرم من غير خروج فإن خالف ولم يخرج بل طاف وسعى وحلق فيه، فالأصح يصح وعليه دم لتركه الميقات، وقيل: لا يصح، واستدل به مالك في أنه لا يجزئه حتى يخرج لأدنى الحل (١). واستدل به من قال: لا بد من إحرامه من التنعيم وهو ميقات المعتمرين بمكة وهو شاذ مردود. والجمهور أن جميع جهات الحل سواء ولا تختص بالتنعيم. (فاعتمرت) أي (٢): من التنعيم (فقال) لي (هذِه مكان) بالنصب حمل (٣) على الظرف المبهم، ويجوز الرفع خبر (٤) (عمرتك) التي أردفت عليها الحج بالقران وأدركني الحج ولم أحلل منها، قال ذلك تطييبًا لقلبها، قال القرطبي: ألا ترى أنه حكم بصحة العمرة المردف عليها؟ ! وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدمة، وهذِه قضاء لتلك لما قررناه فتدبره (٥) (٦). (قالت) عائشة (فطاف) القوم (الذين أهلوا بالعمرة) فقط (بالبيت و) سعوا (بين الصفا والمروة) عقب طوافهم (ثم حلوا) من إحرامهم

стр. 5187

(ثم) لما أحرموا بالحج من مكة وخرجوا يوم التروية فوقفوا بعرفة وعادوا إلى مكة (طافوا) بها (طوافًا آخر) غير طواف العمرة (بعد أن رجعوا من منى لحجهم) الذي أحرموا به من مكة (وأما الذين كانوا) قد (جمعوا) في إحرامهم (الحج والعمرة) وهو القران (فإنما طافوا) لهما (طوافًا واحدًا) وهو دليل الشافعي ومن تابعه (١). خلافًا للحنفية حيث قالوا (٢): إن القارن إذا جمع بين الحج والعمرة لا يكفيه إلا طوافان وسعيان (٣). واستدلوا بأحاديث، قال البيهقي: ضعيفة. [١٧٨٢] ([حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد] (٤) عن (٥) عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن محمد (عن عائشة أنها قالت: لبينا بالحج) حمله الشافعي ومن تابعه على أنه أحرم مفردًا بالحج ولبى بالحج والعمرة، [وأخفى ذكر العمرة] (٦) ولم يحك الراوي إلا ما سمع، وسمع أنس وغيره الزيادة (٧). ولا ينكر قبول (٨) الزيادة إلا إذا كان الزائد نافيًا لقول صاحبه: وأما إذا كان مثبتًا (٩) عليه

стр. 5188

وزائدًا عليه فلا يناقض. (حتى إذا كنا بسرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء، وهو ما بين مكة والمدينة على ستة أميال من مكة (حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي) حرصًا على الدين لما يفوتني من أجر الطواف وركعتيه والاعتكاف وغير ذلك (فقال: ما يبكيك يا عائشة؟ ) فيه السؤال عن أحوال الزوجة وما يعرض لها ليرشدها فيه إلى مصالحها. (قلت: حضت) فيه الدليل على جواز التصريح بذكر الحيض وإن كانت الكناية عنه أولى كما في بعض الروايات: لم أصل ونحو ذلك (ليتني لم أكن حججت) بفتح الجيم الأولى وسكون الثانية، أي في هذا العام. (قال: سبحان الله) فيه دليل على استعمال هذِه اللفظة، ولا إله إلا الله ونحوهما عند التعجب (إنما ذلك) بكسر الكاف (شيء كتبه الله على بنات آدم) يعني الحيض، وكتبه عليهن، أي: جبلهن عليه وهو تأنيس لها وتسلية، أي: لست أنت مختصة به، بل هو على بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط والمخاط ونحو ذلك، واستدل به البخاري في "صحيحه" في كتاب الحيض من عمومه على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال: إن الحيض أول ما أرسل ووقع في بني إسرائيل، وفي هذا الحديث دليل على فضيلة عائشة ومحبته لها وحنوه عليها. قال القرطبي: وكم بين من يُؤنَّس ويسترضى وبين من [يقال لها] (١): عَقرى حَلقى (٢) في صفية.

стр. 5189

(فقال: انسكي المناسك كلها) وهو جميع ما يصنعه الحاج من العبادات، قبل النسك كل ما أمر به الشرع من النسيكة وهو القربان (١) التي يتقرب به إلى الله تعالى (غير أن لا تطوفي بالبيت) ولا تصلي فيه، وفيه دليل على جواز السعي بين الصفا والمروة للحائضة والنفساء كما تقدم، قالت: (فلما دخلنا مكة) شرفها الله. (قال رسول الله ﷺ : من شاء أن يجعلها عمرة) قال القرطبي: ظاهره التخيير؛ ولذلك كان منهم الاخذ ومنهم التارك (٢). (فليجعلها) أي: يستمر على جعلها (٣) (عمرة) لكن ظهر بعد هذا عزم على الأخذ بفسخ الحج في (٤) العمرة لما غضب ودخل على عائشة، فقالت له: من أغضبك أغضبه الله؟ فقال: "أوما شعرت أني أمرت الناس بأمرٍ فإذا هم يترددون؟ " وعند ذلك أخذ في فسخ حج الصحابة، ممن لم يكن ساق هديًا وقالوا: سمعنا وأطعنا، وكان هذا التردد منهم؛ لأنهم ما كانوا يرون أن العمرة جائزة في أشهر الحج ويقولون: إنها (٥) في أشهر الحج من أفجر الفجور. (إلا من كان معه هدي) فإنه لا يجعلها عمرة، بل يستمر على إحرامه حتى ينقضي إحرامه وينحر هديه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا

стр. 5190

رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١)، لكن إن كان مريضًا واحتاج إلى التحلل ومعه هدي فيرسله مع وكيل إلى غيره ليرسله إلى محله. (قالت (٢): وذبح رسول الله ﷺ ) أي: ضحى بالذبح (عن نسائه البقر) وفي رواية: أهدى، وفيه دليل على أن البقر الأفضل فيه الذبح وإن جاز النحر، وأنه مما يهدى إلى البيت الحرام، وأنه مما يضحى به. قال القرطبي: فيه دليل على أن الرجل يجوز له أن يهدي عن غيره (٣) وإن لم يعلمه ولا أذن له وكان الهدي والله أعلم عنهن تطوعًا عمن لم يجب عليها هدي وقيامًا بالواجب عمن وجب (٤) عليها منهن هدي (٥). وقال النووي: هو محمول على أنه ﷺ استأذنهن في ذلك؛ فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه، واستدل به مالك على أن التضحية بالبقر أفضل من بدنة، ثم قال: ولا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه تفضيل البقرة إذ لا عموم للفظ فيه، وإنما هي قصة غير محتملة لأمور لا حجة فيها لما قاله (٦). (يوم النحر) فيه أن أفضل أيام التشريق للأضحية اليوم الأول وإن كانت عدة خلافًا لمن ذهب إلى (٧) أن التفريق على أيام الذبح أفضل،

стр. 5191

(فلما كانت ليلة البطحاء) أي ليلة النزول بالأبطح وهو المحصب (وطهرت) [رواية: وتجهزت] (١) بفتح الهاء وضمها (عائشة) من حيضها، والمراد بالطهر هنا انقطاع الدم كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٢) ولم يذكر في الحديث اغتسالها لأنه كان معلومًا عندهم من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (٣) ومن السنة (٤). (قالت: يا رسول الله أيرجع) بالياء المثناة تحت (صواحبي) يعني: أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية فحصل لهم عمرة مفردة وحجة مفردة، ولهذا قالت: أيرجع صواحبي (بحج وعمرة) يعني: بعمرة وبحجة كما تقدم (وأرجع أنا بحج) مفرد، وأما عمرتها فمندرجة في حجة القران (فأمر رسول الله ﷺ ) أخاها (عبد الرحمن بن أبي بكر) أن يعمرها من التنعيم (فذهب بها) وأردفها خلفه (إلى التنعيم، فلبت) أي: بعد الإحرام (بالعمرة). [١٧٨٣] ([حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود] (٥) عن عائشة) ﵂ (قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى) بضم النون، أي: نظن (إلا أنه الحج) كان

стр. 5192

هذا في أول الأمر ثم أحرمت بالحج اقتداءً بالنبي ﷺ , (فلما قدمنا) مكة (طفنا) وفي رواية: تطوفنا (بالبيت) الحرام. (فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن ساق الهدي) معه (أن يحل) بضم الياء أي: من إحرامه (فأحل (١) من لم يكن) منهم (ساق الهدي) معه، وهي لم يكن معها هديٌ ففسخته إلى عمرة، فلما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها وإدراك الإحرام بالعمرة أمرها رسول الله ﷺ بالإحرام بالحج فأحرمت به، فصارت مدخلة الحج على العمرة وقارنة. [١٧٨٤] ([حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا يونس، عن الزهري، عن عروة] (٢) وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: لو استقبلت من أمري) أي: لو عنَّ (٣) لي هذا الرأي الذي رأيته آخرًا وأمرتكم به في أول أمري (ما استدبرت) آخر الأمر (لما) كنت (سقت) معي (الهدي) إلى البيت، أي: لما جعلت علي الهدي واشتريته وقلدته وسقته بين يدي؛ فإنه إذا ساق الهدي لم يحل حتى ينحره ولا ينحر إلا يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة، ومن لم يكن معه هدي لا يلزمه هذا، ويجوز له فسخ الحج بعمرة (٤). وفيه دليل على جواز قول "لو" في التأسف على فوات أمور الدين ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن "لو تفتح عمل

стр. 5193

الشيطان" (١) فمحمول على التأسف على حظوظ (٢) الدنيا ونحوها، فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه، [وقيل: تقديره: لو علمت في الأول ما علمت في الآخر] (٣). (قال محمد) بن يحيى الذهلي (أحسبه قال) في الرواية (ولحللت) بتخفيف اللام الأولى، أي من حجتي وقلبتها إلى عمرة (مع الذين أحلوا من) الحج ودخلوا في (العمرة) واعتذر إليهم في ذلك بترك مواساتهم منه. (قال) أبو داود (أراد أن يكون) أمره و (أمر الناس واحدًا) لتحصل المواساة لأصحابه تأنيسًا (٤) لهم في فعل العمرة في أشهر الحج؛ لكونها كانت منكرة عندهم، ولم يمكنه (٥) التحلل معهم بسبب الهدي. [١٧٨٥] ([حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن أبي الزبير] (٦) عن جابر ﵁ قال: أقبلنا مهلين) بضم الميم، أي: محرمين (مع رسول الله ﷺ بالحج مفردًا) قبل أن يفسخوه. (وأقبلت عائشة) ﵂ (مهلة بعمرة) حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، وكذا فسره القاسم في حديثه أنها أهلت بعمرة أي: بعد فسخها الحج؛ لأنه يصدق عليها أنها أهلت

стр. 5194

بعمرة، فإخبار جابر عنها باعتمارها في آخر الأمر و [لم يذكروا] (١) في هذا جمع بين الأحاديث، ورجح بعضهم الروايات التي فيها (٢) أنها أهلت بالحج، وغلط من روى أنها أهلت بعمرة، وإليه ذهب إسماعيل، قيل: إنه ابن علية (حتى إذا كانت بسرف) بفتح السين كما تقدم (عركت) بفتح العين المهملة والراء جميعًا يقال: عركت تعرك كعقدت تعقد، أي: حاضت (حتى إذا قدمنا) مكة شرفها الله، قال جابر (طفنا بالكعبة) وسعينا بين (الصفا والمروة (٣)، وأمرنا رسول الله ﷺ أن نحل منهما) (٤) بفتح النون وضمها مع كسر الحاء (٥) فيهما، أي: من الحج ونجعلها عمرة (من لم يكن معه هدي) إلى البيت. (قال: فقلنا: حل) بكسر الحاء وتشديد اللام وحذف التنوين للإضافة لما بعده (ما) استفهامية، أي: الحل من أي شيء (ذا) أي: هذا الذي تأمر به، وفي رواية لغير أبي داود: أي الحل، وهذا السؤال سؤال من جوز أن يحل من بعض الأشياء دون بعضها وإقراره ﷺ على السؤال يدل على الجواز (قال) لهم (الحل كله) أي: الحل الذي لا يبقى معه شيء من ممنوعات الإحرام بعد التحلل المأمور به.

стр. 5195

(فواقعنا النساء) الوقاع الجماع، وهو من أحسن الكنايات عنه، (وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا) فعلوا ذلك لقوله ﷺ : "إن الله يحب أن تؤتى رخصه [كما تؤتى عزائمه] (١) ". فأحبوا فعل ما أحبه الله وتصدق عليهم به، وإن لم يكن لهم رغبة في ذلك (وليس بيننا وبين عرفة) والوقوف بها (إلا أربع ليالٍ) ثم يحل الناس كلهم بعد عرفة، يريد بذلك - والله أعلم - قرب ذلك منهم (ثم أهللنا) أي أحرمنا بالحج من مكة (يوم) منصوب على الظرفية (التروية) وهو اليوم الذي قبل عرفة؛ سمي بذلك لأن الناس يتروون فيه من الماء بمكة كما تقدم. (فدخل رسول الله ﷺ على عائشة) ﵂، فيه الدخول على النساء في أيام الحج والاجتماع بهن والخلوة (فوجدها تبكي) فيه الحزن والبكاء والأسف على ما يفوت الآدمي من العبادات وأفعال الخير دون الأفعال الدنيوية (فقال: ما شأنك؟ ) أي: ما أمرك؟ (قالت: شأني) بهمزة ساكنة بعد الشين المعجمة، أي: أمري الذي بكيت منه (أني قد حضت وقد حل الناس) من عمرتهم وتمتعوا. (ولم أحلل) بفتح الهمزة وكسر اللام الأولى، وقد طاف الناس (ولم أطف بالبيت، والناس) محرمون (يذهبون إلى الحج الآن) وأنا ممنوعة من الإحرام به (فقال: إن هذا أمرٌ كتبه الله على بنات آدم) فيه أن الحيض مكتوب على بنات آدم فمن بعدهن من البنات، وهو من أصل خلقتهن الذي فيه صلاحهن، قال الله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (٢)، قال

стр. 5196

أهل التأويل: يعني رد الله عليها حيضها لتحمل، وهو من حكمة البارئ جعله الله سببًا للنسل، ألا ترى أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحمل، هذِه عادتهن، وقد قال الله في قصة إبراهيم حين بشره بالولد: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ (١) يعني: حاضت، وإبراهيم هو جد (٢) إسرائيل؛ لأن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ولم ينزل على بني إسرائيل كتاب إلا على موسى، فدل ذلك على أن الحيض كان قبل بني إسرائيل، فبطل قول من قال: أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل. قال: (فاغتسلي) للإحرام وإن كان عليك حيض أو نفاس كما تقدم، (ثم أهلي بالحج) فيه دليل على أن الإحرام بالحج أو العمرة لا يشترط فيه الطهر من الحيض والنفاس والجنابة وغير ذلك؛ لقوله ﷺ : "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي" لكن إن رجت الحائض الطهر قبل الخروج من وقت الإحرام استحب لها تأخير الإحرام حتى تطهر ليكون أكمل لها. (ففعلت ذلك ووقفت) بفتحهما (٣) (المواقف) التي في الحج وهي حائضة (حتى إذا طهرت) بفتحهما (٤)، قال ابن حزم في كتاب "الإجماع": إن طهر عائشة المذكور (٥) كان يوم السبت وهو يوم النحر في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضًا لثلاث

стр. 5197

خلون من ذي الحجة سنة عشر (١). يعني: كان حيضها أسبوعًا كما هو الغالب في حيض النساء سبعة أيام. (طافت بالبيت) سبعًا (و) أتت بالسعي (بالصفا) أي بين الصفا (والمروة) سبعًا (ثم قال) رسول الله ﷺ : (قد حللت من (٢) حجك وعمرتك جميعًا. فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي) شيئا (أني) بفتح الهمزة، أي: لأني (لم أطف بالبيت حين حججت) الحجة التي فسختها إلى العمرة وتعذر عليها لحيضها الطواف (قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها) بفتح الهمزة وسكون الراء (من التنعيم) فيه ما تقدم (وذلك ليلة) بالنصب على الظرفية (الحصبة) بسكون الصاد، وهي الليلة التي ينزل الناس فيها المحصب عند انصرافهم من منى إلى مكة، زاد مسلم في رواية: كان رسول الله ﷺ إذا هويت الشيء (٣) تابعها عليه. [١٧٨٦] ([وحدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير] (٤) عن جابر قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ ببعض هذِه القصة) المذكورة و (قال عند قوله: وأهلي بالحج) وزاد (ثم حجي) عن نفسك (واصنعي) جميع (ما يصنع الحاج) من المناسك (غير أن لا تطوفي بالبيت) حال حيضك (ولا

стр. 5198

تصلي) فيه ركعتي الإحرام ولا غيرهما. [١٧٨٧] ([حدثنا] (١) العباس بن الوليد بن مزيد) (٢) [بفتح الميم] (٣) ([أخبرني أبي، حدثني الأوزاعي، حدثني من سمع عطاء بن أبي رباح] (٤) عن ابن جابر قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج خالصًا لا يخالطه شيء) من العمرة ولا القران ولا غيرهما (فقدمنا مكة) زاد الله شرفها (لأربع ليالٍ خلون من ذي الحجة) بكسر الحاء على الأصح (٥) (فطفنا بالبيت) طواف القدوم (وسعينا) بين الصفا والمروة عقبه (فأمرنا رسول الله ﷺ أن نحل) بفتح النون وضمها مع كسر الحاء فيهما من الحج إلى العمرة (وقال: لولا الهدي) الذي سقته (أحللت) معكم من حجي. (فقام سراقه بن مالك) بن جعشم، بضم الجيم والشين المعجمة، الكناني (فقال: يا رسول الله أرأيت متعتنا هذِه) أي: فسخنا الحج إلى عمرتنا هذِه التي تمتعنا فيه بالجماع والطيب واللبس (ألعامنا هذا) مخصوص به، ورواية البخاري: فقال: ألكم هذِه خاصة يا رسول الله (أم للأبد) في جميع الأعصار (فقال رسول الله ﷺ : بل هي للأبد). قال النووي: قد يستدل بسؤال هذا السائل من يقول بالتوقف في مسألة كون الأمر يقتضي التكرار أم لا؛ لأنه سأل فقال: ألعامنا هذا

стр. 5199

أم يتكرر بتكرر الأعصار؟ ولو أن مطلق الأمر يقتضي التكرار لم (١) يسأل هذا السؤال، ولقال له النبي ﷺ : لا حاجة إلى هذا السؤال، بل مطلقه محمول على كذا، وقد يجيب الآخرون عنه بأنه سأل استظهارًا واحتياطًا (٢). قال النووي وغيره: اختلف العلماء في هذا الفسخ، هل هو خاص بالصحابة أم باقٍ لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصًّا، بل باقٍ إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي (٣) أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٤). وهذا عام، ولإجماع المسلمين على إباحة التمتع في جميع الأعصار، ولقوله: "بل هي للأبد" جواب لقوله: متعتنا هذِه، وأكد قوله: متعتنا بقوله: هذِه، احترازًا من المتعة المنفردة، وإنما كانت متعتهم بفسخ الحج إلى العمرة، وحديث جابر في صفة حج النبي ﷺ نحو هذا. وقال مالك (٥) والشافعي (٦) وأبو حنيفة (٧) وجمهور العلماء من

стр. 5200

السلف والخلف: إن فسخ [الحج للعمرة] (١) هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، ومما يستدل به الجمهور حديث أبي ذر الذي ذكره مسلم: كانت المتعة في الحج لأصحاب النبي ﷺ (٢)، يعني: فسخ الحج إلى العمرة، وفي كتاب النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: "بل لنا خاصة" (٣). وهذا يبين رواية أبي داود في هذا الحديث. وأجاب الجمهور عن حديث: ["بل هي للأبد" أن معناه جواز الاعتمار في أشهر الحج أو من القران؛ فإنه جائز إلى يوم القيامة، وأجاب] (٤) أحمد (٥) ومن تابعه عن حديث أبي ذر في مسلم بأنه (٦) قول صحابي مخالف الكتاب والسنة والإجماع وقول من هو خير منه وأعلم. [قال المنذري في حواشي أبي داود: لم يجز الفسخ أحد من الصحابة إلا ابن عباس، وتابعه أحمد وأهل الظاهر، ورُدَّ عليه بأن الإمام أحمد قال: إن أبا موسى كان لا يرى يعني: الفسخ في خلافة

стр. 5201

أبي بكر وشطرًا من خلافة عمر. وقال أحمد: روى الفسخ أحد عشر صحابيًّا، فأين يقع الحارث بن بلال منهم (١)] (٢) (قال الأوزاعي: سمعت عطاء بن أبي رباح) الراوي عن جابر في الحديث المتقدم (يحدث بهذا فلم أحفظه) منه (حتى لقيت) عبد الملك (ابن جريج [فأثبته لي) كما سمعته من عطاء. [١٧٨٨] ([حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح] (٣) وعن جابر: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه لأربع) أي: أربع (ليالٍ خلون من ذي الحجة] (٤)، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة قال النبي ﷺ : اجعلوها) يعني: الحجة التي أحرمتم بها افسخوها إلى (عمرة إلا من كان معه هدي) (٥) فإنه لا يحل حتى ينحر هديه في محله وهو البيت العتيق. (فلما كان يوم التروية) وهو اليوم الذي قبل عرفة كما تقدم (أهلوا) من مكة (بالحج) أي: أحرموا به (فلما كان يوم النحر قدموا) [نسخة: فأتوا] (٦) من منًى (فطافوا بالبيت ولم يطوفوا) أي: لم يسعوا (بين الصفا والمروة) قد يستدل به على أن من سعى بعد طواف القدوم وقع عن الركن الواجب.

стр. 5202

ويكره إعادة (١) السعي بعد طواف الإفاضة؛ لأن السعي ليس من العبادات المستقلة التي يشرع (٢) تكررها والإكثار منها، فهو كالوقوف بعرفة يقتصر (٣) فيه على الركن، فهو بخلاف الطواف؛ لأنه مشروع في غير الحج والعمرة، قال الشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين وغيرهما: يكره إعادته؛ لأنه بدعة، وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: التنفل بالسعي غير مشروع؛ لأنه لم يشرع إلا مرة واحدة (٤). وكذا قال الباجي من المالكية أنه لا يتطوع به، وفي "التلخيص" للحنابلة: إذا سعى عقب طواف القدوم لم يستحب له إعادته عقب طواف الزيارة (٥). [١٧٨٩] ([حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا حبيب - يعني: المعلم - عن عطاء] (٦) عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج) مفردًا (وليس مع أحد] (٧) منهم يومئذ (٨) هدي إلا النبي ﷺ وطلحة) هكذا رواية (٩) البخاري، لكن ورد أن أبا بكر وعمر

стр. 5203

كان معهما أيضًا هدي (وكان علي ﵁ قدم من اليمن ومعه الهدي) [اشتراه لأنه من السعاية على الصدقة] (١) من البدن وهي سبع وثلاثون بدنة. (فقال: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ ) فيه دليل على صحة الإحرام بما أحرم به الغير، فإذا أحرم زيد بما أحرم به عمرو وكان عمرو محرمًا، ويمكن معرفة ما أحرم به فينعقد لزيد مثل إحرامه عند الشافعية (٢) والحنابلة إن كان حجًّا فحج، وإن كان عمرة فعمرة، وإن كان قرانًا فقران، وإن كان مطلقًا فمطلق (٣). ويتخير في صرفه إلى ما شاء كما يتخير عمرو، ولا يلزمه أن يصرف إلى ما (٤) يصرف إليه عمرو على الأصح عند الشافعية، وإن كان إحرام عمرو فاسدًا فالأصح ينعقد إحرام عمرو مطلقًا كما قاله النووي (٥)، وإن تعذر الوقوف على ما أحرم به عمرو بموتٍ أو غيره فيجعل زيد نفسه قارنًا ويأتي بأعمال النسكين على الأصح عند الشافعية. (وأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة) ثم فسر العمرة بأن (يطوفوا) بالبيت (ثم يقصروا) بضم الياء وتشديد الصاد، يعني: من الشعر، يقال: قصر من شعره إذا جز من طوله، وهو دليل على جواز التقصير، وإن كان الحلق أفضل (ويحلوا) بفتح الياء؛ لأنه يقال (٦) في

стр. 5204

ماضيه: حل وأحل يعني من إحرامهم، وقد يؤخذ منه أن التقصير نسك (١)، وهو الصحيح. (إلا من كان معه الهدي، فقالوا: أننطلق إلى منًى وذكورنا تقطر؟ ) جمع ذكر ويجمع على مذاكير على غير قياس، وهو رواية مسلم: نأتي عرفة وتقطر مذاكيرنا المني؟ وهو إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء، وفيه جواز استعمال الكلام في المبالغة. (فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت) أي: ما سقت الهدي معي (ولولا أن معي الهدي لأحللت) هذا يدل على أنه ﷺ لم يكن ما أحرم به متحتمًا متعينًا عليه، وأنه كان مخيرًا بين أنواع الإحرام فأحرم بأحدها، ثم إنه لما قلد الهدي لم يمكنه أن يتحلل حتى ينحر يوم النحر، فمعنى الكلام لو ظهر قبل الإحرام ما ظهر لي (٢) عند دخول مكة من توقف الناس عن التحلل بالعمرة لأحرمت بعمرة ولما سقت الهدي. [١٧٩٠] ([حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أن محمد بن جعفر حدثهم، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد] (٣) عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: هذِه عمرة استمتعنا بها) قال الخطابي: يحتج به من ذهب إلى أن النبي ﷺ كان متمتعًا، وتأوله من ذهب إلى خلافه كأنه أراد به من تمتع من أصحابه فقد كان منهم المتمتع والقارن والمفرد، وهذا كما

стр. 5205

يقول الرجل الرئيس في قومه: فعلنا كذا، وصنعنا (١) كذا وهو لم يباشر بنفسه فعل شيء من ذلك، وإنما هو حكاية من فعل الصحابة نسبه إلى نفسه على معنى أنه صدر منهم برأيه (٢). وقد يؤخذ من هذا [أن من] (٣) حلف أن لا يفعل شيئًا فوكل غيره ففعله (٤) أنه يحنث. (فمن لم يكن معه) [رواية: عنده] (٥) (هدي فليحل الحل كله) أي: الحل الذي يجوز له فيه كل محظورات الإحرام حتى الوطء. (وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة.) قيل: معناه سقط فعلها بالدخول في الحج [وهو على قول من لا يرى العمرة واجبة، وأما من يرى أنها واجبة، قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: فيه تفسيران أحدهما معناه: و] (٦) دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إذا جمع بينهما بالقران. والثاني معناه: لا بأس بالعمرة في أشهر الحج (٧). قال الترمذي: هكذا قاله الشافعي وأحمد وإسحاق، ومعنى هذا الحديث أن أهل الجاهلية كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج، فلما جاء الإسلام رخص النبي ﷺ في ذلك، [وقال: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"

стр. 5206

يعني: لا بأس بالعمرة في أشهر الحج (١). انتهى] (٢). [١٧٩٢] (حدثنا (٣) الحسن بن شوكر) بفتح المعجمة وإسكان الواو، ([وأحمد بن منيع قالا: حدثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد - قال ابن منيع: أخبرنا يزيد بن أبي زياد المعنى - عن مجاهد] (٤) عن (٥) ابن عباس قال: أهل النبي ﷺ بالحج، فلما قدم طاف بالبيت و) سعى (بين الصفا والمروة. قال) (٦) الحسن (ابن شوكر: ولم يقصر) من شعره ليتحلل، (ثم اتفقا) يعني ابن شوكر وابن منيع على أن [ابن عباس] (٧) قال: (ولم يحل من أجل الهدي) الذي كان معه (وأمر من لم يكن (٨) ساق الهدي أن يطوف وأن يسعى ويقصر (٩) ثم) بعد هذِه الأفعال التي للتحلل (يحل) من حجه. (قال) (١٠) أحمد (ابن منيع في حديثه: أو يحلق) مكان يقصر، وكلاهما مباحان (ثم يحل) من إحرامه. [١٧٩٣] ([حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني

стр. 5207

حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم] (١) عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أتى عمر بن الخطاب ﵁ فشهد عنده) أي: ذكر له ذلك وإن لم يتلفظ بلفظ أشهد (أنه سمع رسول الله ﷺ ) يقول (في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج) قيل: سبب النهي تشجع (٢) الناس [على زيارة] (٣) البيت مرتين أو أكثر في العام حتى تكثر عمارته بكثرة الزوار له في غير الموسم ليدخل الرفق على أهل الحرم بدخول الناس تحقيقًا لدعوة إبراهيم ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (٤)، وقيل: نهى عنها لئلا يميل الناس إلى التمتع ليساره وخفته فخشي أن يضيع الإفراد وهو أفضل عند قوم، والقران وهو أفضل عند قوم، وهذا مشاهد في هذا الزمان أن قل من تفرد أو يقرن، بل الأكثر التمتع، ولذلك قال ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت"، ويحتمل أن يكون النهي [عن العمرة] (٥) ترغيبًا لتقديم الحج [لأنه أعظم الأمرين وأهمها كما قدم الله اسم الحج فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (٦). ويحتمل أن يكون النهي عن العمرة قبل الحج] (٧) إذا اتصل به بل

стр. 5208

يفصل بينهما ليكون أتم للحج والعمرة، ويحتمل أن يكون النهي عن فسخ الحج إلى العمرة قبل الحج؛ فإنه إنما أمر به لسبب وقد زال ذلك لما أكمل الله الدين، وأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا. وهذا كله إنما يحتاج إليه إذا سلم الإسناد من المقال فيه، وقد اختلفوا في سماع سعيد بن المسيب من عمر، لكن لم يرو هذا عن عمر، بل الظاهر أنه عن صحابي والصحابة كلهم عدول. [١٧٩٤] (عن أبي شيخ) بفتح الشين المعجمة وإسكان المثناة تحت ثم خاء معجمة، هذِه كنيته، واسمه (١) (حيوان) [بالحاء المهملة، وللدارقطني بالخاء المعجمة والياء ساكنة فيهما، والأكثرون بالمعجمة] (٢) (الهنائي) بضم الهاء [وتخفيف النون] (٣) ([ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة] أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب رسول الله ﷺ : هل تعلمون أن رسول الله نهى عن كذا وكذا وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم) وسيأتي في كتاب اللباس: "ونهى عن التهيؤ وركوب النمور" وقد يكون النهي عنه لما فيه من الزينة والخيلاء وزي الأعاجم لا سيما في هذا الزمان؛ فإنه من شعار الظلمة، ويختص (٤) جلد النمر بهذا أن من خيلة النمر العجب بنفسه والكبر في حياته، فكأن جلده بعد موته يكون أصلًا لتكبر راكبه

стр. 5209

وعجبه، وقد يكون النهي لمباشرة نجاسة شعره وما يعلق براكبه مما يتناثر منه. قال ابن الصلاح في "الفتاوى": جلد النمر نجس كله سواء كان مذكًى أم لا، وأما بعد الدباغ فنفس الجلد طاهر وشعره نجس تمنع طهارته ولغلبة استعماله، ورد الحديث بالنهي عنه مطلقًا (١). وفيه حديث آخر سيأتي في اللباس إن شاء الله تعالى. (قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن) [مبني للمجهول] (٢) (بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا) نعلمه. فيه أن الحاكم إذا حضر عنده شهود في قضية فشهد بعضهم ولم يشهد غيره أن ترك شهادته لا يقدح في شهادة الشاهد (فقال: أما إنها معهن ولكن نسيتم) ومما يدل على النهي عن القران ما رواه البيهقي عن معاوية أن النبي ﷺ نهى أن يقرن بين الحج والعمرة، قال النووي: إسناده جيد (٣). ويشبه أن يكون النهي نهي تنزيه أو إرشاد لما في القران من النقص المجبور بدم. وحكى ابن المنذر أن ابن (٤) داود لما دخل مكة سئل عن القارن: هل يجب عليه دم؟ فقال: لا. فجروه برجله، وهذا لشهرة وجوب الدم عندهم وجبرًا لما في القران من النقص بسبب إحرامه قبل الميقات في أحد النسكين، وأن يكون النهي لأن القارن أقل أفعالًا للطاعة فإنه يكتفي

стр. 5210

بطواف واحد وسعي واحد خلافًا لأبي حنيفة (١). قال الخطابي: وفيه وجه آخر أنه روي عن عمر: افصلوا بين الحج والعمرة فإنه أتم لحجكم وعمرتكم (٢). أي: كما يفصل بين الصلاتين بانتقال من مجلسه أو بكلام آخر.

стр. 5211

٢٥ - باب في الإِقْرانِ ١٧٩٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحاقَ وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُمْ سَمِعُوهُ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يُلَبّي بِالحَجِّ والعُمْرَةِ جَمِيعًا يَقُولُ: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجّا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجّا" (١). ١٧٩٦ - حَدَّثَنا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنا أيُّوبُ، عَنْ أَبي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ باتَ بِها - يَعْني: بِذي الحُلَيْفَةِ - حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْداءِ حَمِدَ اللهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النّاسُ بِهِما، فَلَمّا قَدِمْنا أَمَرَ النّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالحَجِّ وَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَبْعَ بَدَناتٍ بِيَدِهِ قِيامًا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الذي تَفَرَّدَ بِهِ - يَعْني: أَنَسًا - مِنْ هذا الحَدِيثِ أَنَّهُ بَدَأَ بِالحَمْدِ والتَّسْبِيحِ والتَّكْبِيرِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ (٢). ١٧٩٧ - حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ، حَدَّثَنا يُونُسُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلي حِينَ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى اليَمَنِ قَالَ: فَأَصَبْتُ مَعَهُ أَواقي فَلَمّا قَدِمَ عَلي مِنَ اليَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَدَ فاطِمَةَ ﵂ قَدْ لَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا وَقَدْ نَضَحَتِ البَيْتَ بِنَضُوحٍ فَقَالَتْ: ما لَكَ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَصْحابَهُ فَأَحَلُّوا! قَالَ: قُلْتُ لَها: إِنِّي أَهْلَلْتُ بِإِهْلالِ النَّبي ﷺ . قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبي ﷺ فَقَالَ لِي: "كَيْفَ صَنَعْتَ؟ ". فَقَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلالِ النَّبي ﷺ . قَالَ: "فَإنِّي قَدْ سُقْتُ الهَدي وَقَرَنْتُ". قَالَ: فَقَالَ لِي: "انْحَرْ مِنَ البُدْنِ سَبْعًا وَسِتِّينَ أَوْ سِتّا وَسِتِّينَ وَأَمْسِكْ لِنَفْسِكَ ثَلاثًا

стр. 5212

وَثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ وَأَمْسِكْ لي مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ مِنْها بَضْعَةً" (١). ١٧٩٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وائِلٍ قَالَ: قَالَ الصُّبَى بْنُ مَعْبَدٍ أَهْلَلْتُ بِهِما مَعًا. فَقَالَ عُمَرُ هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ (٢) ١٧٩٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدامَةَ بْنِ أَعْيَنَ وَعُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قالا: حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وائِلٍ قَالَ: قَالَ الصُّبَى بْنُ مَعْبَدٍ كُنْتُ رَجُلًا أَعْرابِيًّا نَصْرانِيّا فَأَسْلَمْتُ فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِي يُقالُ لَهُ: هُذَيْمُ بْنُ ثُرْمُلَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يا هَناهُ إِنّي حَرِيصٌ عَلَى الجِهادِ وَإِنّي وَجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلي فَكَيْفَ لي بِأَنْ أَجْمَعَهُما قَالَ: اجْمَعْهُما واذْبَحْ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدي. فَأَهْلَلْتُ بِهِما مَعًا فَلَمّا أَتَيْتُ العُذَيْبَ لَقِيَني سَلْمانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَزَيْدُ بْنُ صُوحانَ وَأَنا أهِلُّ بِهِما جَمِيعًا فَقَالَ أَحَدُهُما لِلآخَرِ: ما هذا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ. قَالَ: فَكَأَنَّما أُلْقي عَلي جَبَلٌ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَقُلْتُ لَهُ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرابِيّا نَصْرانِيّا وَإِنِّي أَسْلَمْتُ وَأَنا حَرِيصٌ عَلَى الجِهادِ وَإِنّي وَجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلي فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمي فَقَالَ لَي: اجْمَعْهُما واذْبَحْ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدي وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِما مَعًا. فَقَالَ لي عُمَرُ ﵁: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ (٣).

стр. 5213

١٨٠٠ - حَدَّثَنا النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنا مِسْكِينٌ، عَنِ الأَوْزاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: حَدَّثَني عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَتاني اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبّي ". قَالَ وَهُوَ بِالعَقِيقِ: "وقَالَ صَلِّ في هذا الوادي المُبارَكِ وقَالَ عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ في هذا الحَدِيثِ عَنِ الأَوْزاعيِّ: "وَقُلْ عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذا رَوَاهُ عَلي بْنُ المُبارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ في هذا الحَدِيثِ وقَالَ: "وَقُلْ عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ" (١). ١٨٠١ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْن السَّريِّ، حَدَّثَنا ابن أَبِي زائِدَةَ، أَخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيزِ، حَدَّثَني الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِعُسْفانَ قَالَ لَهُ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجي يا رَسُولَ اللهِ اقْضِ لَنا قَضاءَ قَوْمٍ كَأَنَّما وُلِدُوا اليَوْمَ. فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ تَعالَى قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ في حَجِّكُمْ هذا عُمْرَةً فَإِذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدي" (٢). ١٨٠٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحاقَ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ ح، حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى - المَعْنَى - عَنِ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَني الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ أَنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيانَ أَخْبَرَهُ قَالَ قَصَّرْتُ عَنِ النَّبي ﷺ بِمِشْقَصٍ عَلَى المَرْوَةِ. أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصَّرُ عَنْهُ عَلَى المَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ. قَالَ ابن خَلَّادٍ إِنَّ مُعاوِيَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَخْبَرَهُ (٣). ١٨٠٣ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلي وَمَخْلَدُ بْنُ خالِدٍ وَمُحَمَّدُ بْن يَحْيَى - المَعْنَى -

стр. 5214

قَالُوا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ ابن طاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابن عَبّاسٍ أَنَّ مُعاوِيَةَ قَالَ لَهُ أَما عَلِمْتَ أَنّي قَصَّرْتُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِشْقَصِ أَعْرابي عَلَى المَرْوَةِ - زادَ الحَسَنُ في حَدِيثِهِ - لَحِجَّتِهِ (١). ١٨٠٤ - حَدَّثَنا ابن مُعاذٍ، أَخْبَرَنا أبي، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ مُسْلِمٍ القُرّي سَمِعَ ابن عَبّاسٍ يَقُولُ أَهَلَّ النَّبي ﷺ بِعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ أَصْحابُهُ بِحَجٍّ (٢). ١٨٠٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَني أَبي، عَنْ جَدّي، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أن عَبْدَ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَأَهْدى وَساقَ مَعَهُ الهَدي مِنْ ذي الحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ وَتَمَتَّعَ النّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَكَانَ مِنَ النّاسِ مَنْ أَهْدى وَساقَ الهَدي وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدى فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ مِنْ شَيء حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضي حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدى فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفا والمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالحَجِّ وَلْيُهْدِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ في الحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ". وَطافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيء، ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَةَ أَطْوافٍ مِنَ السَّبْعِ وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوافٍ ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوافَهُ بِالبَيْتِ عِنْدَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفا فَطافَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوافٍ ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيء حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفاضَ فَطافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيء حَرُمَ مِنْهُ وَفَعَلَ النّاسُ مِثْلَ ما فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ أَهْدى وَساقَ الهَدي مِنَ النّاسِ (٣). ١٨٠٦ - حَدَّثَنا القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ

стр. 5215

زَوْجِ النَّبي ﷺ أَنَّها قَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ ما شَأْنُ النّاسِ قَدْ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ فَقَالَ: "إِنّي لَبَّدْتُ رَأْسي وَقَلَّدْتُ هَدْيي فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ الهَدي" (١). * * * باب في الإقران المشهور فيه القران بغير ألف قبل القاف، وهو أن يجمع بين الحج والعمرة في الإحرام، ويقال منه: قرن، ولا يقال: أقرن. [١٧٩٥] ([حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطويل] (٢) عن أنس بن مالك: أنهم سمعوه يقول: سمعت رسول الله يلبي بالحج والعمرة جميعًا) تقدم أن الصحيح أن إحرامه ﷺ كان مفردًا بالحج أولًا، ثم أدخل عليه العمرة، فسماع أنس أنه كان يلبي بالحج والعمرة إخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه، بل أخبر عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل عن حجتهم وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية إلا من كان معه هدي، وأوله بعض أصحابنا على أن أنسًا سمعه يأمر من يلبي بالحج والعمرة كما قالوا في الحديث: رجم (٣) ماعز، أي: أمر برجمه، وسبب هذا التأويل أن الإفراد روايته أكثر وأصح. (يقول: لبيك عمرة وحجًّا) أي: بعمرة وحج كما في رواية، فلما حذف حرف الجر انتصب (لبيك عمرة وحجًّا) فيه دليل على تكرار

стр. 5216

التلبية والإكثار منها في كل حال؛ فإنها كما قال ابن عباس: زينة الحج (١). قال الشيخ أبو محمد: لكنه يسر بالتلبية عقب الإحرام ولا يجهر، بل يسمع نفسه فقط، بخلاف ما بعدها فإنه يجهر بها، وفيه دليل على استحباب ذكر ما أحرم به، وفيه دلالة لما نص عليه أحمد في مواضع أنه إذا لبى بالحج والعمرة بدأ بالعمرة (٢). وأما حديث جابر ﵁ قال: ما سمى النبي ﷺ في تلبيته حجًّا ولا عمرة، فرواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد (٣) وهو ضعيف عند غير الشافعي من أئمة السلف رحمهم الله تعالى. [١٧٩٦] ([حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة] (٤) عن أنس: أن النبي ﷺ بات بها - يعني: بذي الحليفة - حتى أصبح) فيه [دليل على] (٥) استحباب المبيت بميقات بلده, (ثم ركب حتى إذا استوت به قائمة على البيداء) بالنصب على حذف حرف الجر (حمد الله وسبح وكبر) فيه دليل على [استحباب تقديم حمد الله تعالى وشكره على هذِه النعمة والتسبيح، والتكبير قبل التلبية شكرًا لله تعالى] (٦)؛ لحديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجزم" أي: مقطوع البركة.

стр. 5217

(ثم أهل بحج وعمرة) فيه جواز البداءة بالحج على العمرة وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (١) (ثم أهل الناس بهما بعده) (٢) تأسيًا به ﷺ ، وهكذا ينبغي أن يلبي أكبر القوم ويتبعه من دونه. (فلما قدموا) (٣) مكة وطافوا وسعوا وقصروا (أمر الناس فحلوا) أي: أمر من فسخ الحج إلى العمرة ممن كان معه أن يحل من عمرته (حتى إذا كان يوم) بالرفع (٤) (التروية) وهو اليوم الذي قبل عرفة كما تقدم (أهلوا بالحج) أي: أحرموا به (ونحر رسول الله) من الهدي الذي كان معه كما تقدم (سبع بدنات بيده) الكريمة كما تقدم الكلام عليه (قيامًا) (٥) فيه دليل على نحر الإبل قائمة معقولة كما تقدم. [١٧٩٧] ([حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا حجاج، حدثنا يونس، عن أبي إسحاق] (٦) عن البراء بن عازب) ﵄؛ لأن عازبًا كان صحابيًّا أيضًا (قال: كنت مع علي ﵁ حين أمَّره) بتشديد الميم (رسول الله على أهل اليمن) وهو صبي، فشكا إليه أنه شاب و (٧) لا يدري ما القضاء [فضرب صدره ثم قال: "اللهم اهد قلبه وثبت لسانه" قال: فوالذي فلق الحبة ما شككت في القضاء بين اثنين] (٨). (قال: فأصبت معه أواقٍ)

стр. 5218

بفتح الهمزة جمع أوقية، أصله: أواقيَّ بتشديد الياء فخفف، [وفي بعضها: أواقي بإثبات الياء (قال: ] (١) فلما قدم علي ﵁ من اليمن على رسول الله وجد) (٢). (فاطمة وقد لبست ثيابًا صبيغًا) فعيل صبيغات جمع (٣) بمعنى مفعول أي: مصبوغة غير بيض (وقد نضحت) بفتح النون، والضاد المعجمة، والحاء المهملة (البيت) في غيبته حين (٤) سمعت بحضوره (بنضوح) بفتح النون وضم الضاد المعجمة وبعد الواو حاء مهملة، وهي في الحج محرمة، والنضوح ضرب من الطيب، فغضب لما شم رائحة الطيب وهو قد أحرم, (فقالت لي (٥): ما لك) تنكر عليّ ثيابي المصبوغة (فإن رسول الله قد أمر أصحابه فأحلوا؟ ! ) وفي رواية مسلم: فوجد فاطمة ممن حلت ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، قالت: إن (٦) أبي أمرني بهذا. (قال: فأتيت النبي) محرشًا على فاطمة الذي صنعت، ومستفتيًا رسول الله. فيه المبادرة إلى العالم وسؤاله عما يحدث له؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (٧) (فقال لي (٨) رسول الله: كيف

стр. 5219

صنعت؟ ) وفي رواية مسلم: "ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " (قال: قلت: أهللت بإهلال رسول الله) رواية مسلم في حديث جابر الطويل: قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله. قال: "هل سقت من هدي؟ " قلت: لا. وفي الحديث دليل على صحة الإحرام معلقًا كما تقدم. (قال) رسول الله (فإني قد سقت الهدي) إلى البيت معي (وقرنت) فيه دليل على صحة القران وجوازه [من غير كراهة] (١) خلافًا لبعضهم فلا يحل من إحرامك قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله مائة هدي (٢)، هكذا في مسلم. (قال) علي (فقال لي رسول الله: انحر من البدن سبعًا وستين) بدنة (أو ستًّا وستين) شك من الراوي هكذا هنا، والصحيح ما جاء في "صحيح مسلم" قال النووي والقرطبي [ونقله القاضي] (٣) عن جميع الرواة ولفظه: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بيده ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر وأشركه في هديه سواء رواية ابن ماهان فإنه رواه بدنة مكان بيده. وكل صواب حري فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، قيل: إنما نحر النبي ﷺ ثلاثًا وستين؛ لأنها هي التي أتى بها من المدينة كما ذكره الترمذي، وقيل: إنما خص النبي ﷺ ذلك العدد لأنها منتهى عمره على الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة (٤) وفيه دليل على أن الأفضل من يهدي أو يضحي أن يتولى

стр. 5220

ذلك بيده وإعطاؤه ما بقي لعلي لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك الذبح لا في النية كما في تفرقة الزكاة، نعم إن وكل في الذبح والنية جاز إن كان الوكيل مسلمًا، غير أنه روي [في غير] (١) أبي داود ما يدل على أنه أعطاها ليهديها عن نفسه، وعلى هذا فلا يكونن (٢) فيه حجة على الاستنابة. (وأمسك) بفتح الهمزة (لنفسك ثلاثًا وثلاثين أو أربعًا وثلاثين) تكميل المائة على الشك في الرواية, (وأمسك لي من كل بدنة منها بضعة) بفتح الباء لا غير وهي القطعة من اللحم، ويوضحه رواية مسلم: ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر وطبخت، فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها (٣). وفي غير مسلم: فنحر خمس بدنات أو ست بدنات، وقال: "من شاء فليقتطع" (٤) ولم يأكل منهن شيئًا. وفيه دليل على أنه يتصدق من الهدي والأضحية بالأكثر، ولا يختص بالثلث، قال العلماء: لما كان الأكل من الهدي بالكتاب والأكل من الأضحية بالسنة (٥) وفي الأكل من كل واحدة من المائة كلفة جعلت في قدر ليكون آكلًا من مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر منهما وإن لم يأكلا من لحم كل بضعة فقد شربا من
следующие страницы →