التلبية والإكثار منها في كل حال؛ فإنها كما قال ابن عباس: زينة الحج (١). قال الشيخ أبو محمد: لكنه يسر بالتلبية عقب الإحرام ولا يجهر، بل يسمع نفسه فقط، بخلاف ما بعدها فإنه يجهر بها، وفيه دليل على استحباب ذكر ما أحرم به، وفيه دلالة لما نص عليه أحمد في مواضع أنه إذا لبى بالحج والعمرة بدأ بالعمرة (٢). وأما حديث جابر ﵁ قال: ما سمى النبي ﷺ في تلبيته حجًّا ولا عمرة، فرواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد (٣) وهو ضعيف عند غير الشافعي من أئمة السلف رحمهم الله تعالى.
[١٧٩٦] ([حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة] (٤) عن أنس: أن النبي ﷺ بات بها - يعني: بذي الحليفة - حتى أصبح) فيه [دليل على] (٥) استحباب المبيت بميقات بلده, (ثم ركب حتى إذا استوت به قائمة على البيداء) بالنصب على حذف حرف الجر (حمد الله وسبح وكبر) فيه دليل على [استحباب تقديم حمد الله تعالى وشكره على هذِه النعمة والتسبيح، والتكبير قبل التلبية شكرًا لله تعالى] (٦)؛ لحديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجزم" أي: مقطوع البركة.
стр. 5217
(ثم أهل بحج وعمرة) فيه جواز البداءة بالحج على العمرة وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (١) (ثم أهل الناس بهما بعده) (٢) تأسيًا به ﷺ ، وهكذا ينبغي أن يلبي أكبر القوم ويتبعه من دونه.
(فلما قدموا) (٣) مكة وطافوا وسعوا وقصروا (أمر الناس فحلوا) أي: أمر من فسخ الحج إلى العمرة ممن كان معه أن يحل من عمرته (حتى إذا كان يوم) بالرفع (٤) (التروية) وهو اليوم الذي قبل عرفة كما تقدم (أهلوا بالحج) أي: أحرموا به (ونحر رسول الله) من الهدي الذي كان معه كما تقدم (سبع بدنات بيده) الكريمة كما تقدم الكلام عليه (قيامًا) (٥) فيه دليل على نحر الإبل قائمة معقولة كما تقدم.
[١٧٩٧] ([حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا حجاج، حدثنا يونس، عن أبي إسحاق] (٦) عن البراء بن عازب) ﵄؛ لأن عازبًا كان صحابيًّا أيضًا (قال: كنت مع علي ﵁ حين أمَّره) بتشديد الميم (رسول الله على أهل اليمن) وهو صبي، فشكا إليه أنه شاب و (٧) لا يدري ما القضاء [فضرب صدره ثم قال: "اللهم اهد قلبه وثبت لسانه" قال: فوالذي فلق الحبة ما شككت في القضاء بين اثنين] (٨). (قال: فأصبت معه أواقٍ)
стр. 5218
بفتح الهمزة جمع أوقية، أصله: أواقيَّ بتشديد الياء فخفف، [وفي بعضها: أواقي بإثبات الياء (قال: ] (١) فلما قدم علي ﵁ من اليمن على رسول الله وجد) (٢). (فاطمة وقد لبست ثيابًا صبيغًا) فعيل صبيغات جمع (٣) بمعنى مفعول أي: مصبوغة غير بيض (وقد نضحت) بفتح النون، والضاد المعجمة، والحاء المهملة (البيت) في غيبته حين (٤) سمعت بحضوره (بنضوح) بفتح النون وضم الضاد المعجمة وبعد الواو حاء مهملة، وهي في الحج محرمة، والنضوح ضرب من الطيب، فغضب لما شم رائحة الطيب وهو قد أحرم, (فقالت لي (٥): ما لك) تنكر عليّ ثيابي المصبوغة (فإن رسول الله قد أمر أصحابه فأحلوا؟ ! ) وفي رواية مسلم: فوجد فاطمة ممن حلت ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، قالت: إن (٦) أبي أمرني بهذا.
(قال: فأتيت النبي) محرشًا على فاطمة الذي صنعت، ومستفتيًا رسول الله. فيه المبادرة إلى العالم وسؤاله عما يحدث له؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (٧) (فقال لي (٨) رسول الله: كيف
стр. 5219
صنعت؟ ) وفي رواية مسلم: "ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " (قال: قلت: أهللت بإهلال رسول الله) رواية مسلم في حديث جابر الطويل: قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله. قال: "هل سقت من هدي؟ " قلت: لا. وفي الحديث دليل على صحة الإحرام معلقًا كما تقدم. (قال) رسول الله (فإني قد سقت الهدي) إلى البيت معي (وقرنت) فيه دليل على صحة القران وجوازه [من غير كراهة] (١) خلافًا لبعضهم فلا يحل من إحرامك قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله مائة هدي (٢)، هكذا في مسلم.
(قال) علي (فقال لي رسول الله: انحر من البدن سبعًا وستين) بدنة (أو ستًّا وستين) شك من الراوي هكذا هنا، والصحيح ما جاء في "صحيح مسلم" قال النووي والقرطبي [ونقله القاضي] (٣) عن جميع الرواة ولفظه: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بيده ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر وأشركه في هديه سواء رواية ابن ماهان فإنه رواه بدنة مكان بيده. وكل صواب حري فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، قيل: إنما نحر النبي ﷺ ثلاثًا وستين؛ لأنها هي التي أتى بها من المدينة كما ذكره الترمذي، وقيل: إنما خص النبي ﷺ ذلك العدد لأنها منتهى عمره على الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة (٤) وفيه دليل على أن الأفضل من يهدي أو يضحي أن يتولى
стр. 5220
ذلك بيده وإعطاؤه ما بقي لعلي لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك الذبح لا في النية كما في تفرقة الزكاة، نعم إن وكل في الذبح والنية جاز إن كان الوكيل مسلمًا، غير أنه روي [في غير] (١) أبي داود ما يدل على أنه أعطاها ليهديها عن نفسه، وعلى هذا فلا يكونن (٢) فيه حجة على الاستنابة.
(وأمسك) بفتح الهمزة (لنفسك ثلاثًا وثلاثين أو أربعًا وثلاثين) تكميل المائة على الشك في الرواية, (وأمسك لي من كل بدنة منها بضعة) بفتح الباء لا غير وهي القطعة من اللحم، ويوضحه رواية مسلم: ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر وطبخت، فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها (٣). وفي غير مسلم: فنحر خمس بدنات أو ست بدنات، وقال: "من شاء فليقتطع" (٤) ولم يأكل منهن شيئًا. وفيه دليل على أنه يتصدق من الهدي والأضحية بالأكثر، ولا يختص بالثلث، قال العلماء: لما كان الأكل من الهدي بالكتاب والأكل من الأضحية بالسنة (٥) وفي الأكل من كل واحدة من المائة كلفة جعلت في قدر ليكون آكلًا من مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر منهما وإن لم يأكلا من لحم كل بضعة فقد شربا من
стр. 5221
مرقة كل وخصوصية عليّ ﵁ في المؤاكلة دليل على أنه أشركه في الهدي، وفيه دليل على أن من حلف لا يأكل لحمًا فشرب من مرقه أنه يحنث ولو حلف أن لا يأكل زيتونا فشرب من زيته حنث، وفيه دليل على جواز أكل الهدي من القران.
[١٧٩٩] ([حدثنا محمد بن قدامة بن أعين، وعثمان بن أبي شيبة المعنى، قالا: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور] (١) عن أبي وائل) شقيق (قال الصُّبَي) بضم الصاد تصغير صبي (بن معبد) بفتح الميم والباء الموحدة (كنت رجلا أعرابيًّا) أي: في البادية وهو موصوف بالجفاء والغلظة لبعده من معاشرة (٢) الأكياس (نصرانيًّا [بفتح النون] (٣) فأسلمت، فأتيت رجلًا من عشيرتي [أي قبيلتي] (٤) يقال له: هديم) بضم الهاء، وفتح الدال مصغر (بن ثرملة) بضم الثاء المثلثة والميم، وهو في الأصل اسم لأنثى الثعالب, (فقلت له (٥): هناه) بفتح الهاء الأولى، وتخفيف النون، [أي: يا فلان] (٦) ولا تستعمل إلا في النداء خاصة، والهاء الأخيرة تصير تاء في الوصل، وهي بدلٌ (٧) من الواو التي في هنوك لا هاء السكت، وقال أكثر البصريين:
стр. 5222
هي بدل من لام الكلمة في "هن" المشددة، وحكى ابن مالك في الهاء الأخيرة وجهين (١): الضم تشبيهًا بهاء الضمير والكسر على أصل التقاء الساكنين (٢) (إني حريص على الجهاد) في سبيل الله (وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ) أي: فرضان علي (فكيف لي أن أجمعهما) أي: أجمع الحج والعمرة في وقت واحد (فقال: اجمعهما) في إحرامك بهما والتلبية فيه دليل على صحة القران، وأن الأفضل فيه أن يجمع بين الحج والعمرة, (واذبح) بعد الفراغ من أعمالهما (ما استيسر من الهدي) وهو عند جمهور أهل العلم شاة، قال الحسن: أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأخسه شاة.
(فأهللت) أي: أحرمت (بهما) جميعًا (فلما أتيت العذيب) مصغر قال الجوهري: ماء لتميم (٣). (لقيني سليمان بن ربيعة) الباهلي (وزيد بن صوحان) (٤) بضم الصاد المهملة وتخفيف الخاء المعجمة، ابن حجر بن الحارث أبو سليمان العبدي الباهلي أخو صعصعة وسيحان (٥) أسلم في عهد النبي ﷺ وله ترجمة حسنة (٦) (وأنا أهل بهما) أي أرفع صوتي بالتلبية بهما، وفيه تكرار التلبية (٧) بما أهل به راجلًا أو راكبًا.
стр. 5223
(فقال أحدهما للآخر: ما هذا) الراكب على (١) البعير (بأفقه من بعيره) الذي تحته، نسبه إلى الجهل حين ساوى بينه وبين الدابة في عدم المعرفة (فكأنما ألقي علي جبل) لعله قال ذلك خوفًا على عبادته التي (٢) هو فيها (٣) من الفساد، وهذا من حرصهم على الدين لا على ما نسب إلى الجهل والتشبه (٤) بالدابة وهذا من الحلم وترك المؤاخذة بما قيل فيه، فذهبت (حتى أتيت عمر بن الخطاب ﵁) لأستفتيه فيما أهللت به.
(فقلت (٥): يا أمير المؤمنين) هذا يدل على أن هذِه القضية كانت في خلافته.
قال ابن عبد البر: حكيّ أن (٦) عمر لما ولي الخلافة قال: كان أبو بكر يقال له: خليفة رسول الله [فكيف يقال لي: خليفة خليفة رسول الله ﷺ ] (٧) يطول هذا فقال المغيرة بن شعبة: أنت أمير ونحن المؤمنون فأنت أمير المؤمنين (٨). قال: فذلك إذًا (إني كنت رجلًا أعرابيًّا نصرانيًّا) فيه الاعتراف بنعمة الله عليه بإخراجه من ظلمة الكفر (٩) إلى نور الإسلام.
(وإني أسلمت وأنا حريص على الجهاد) وأفعال الخيرات أتقرب بها
стр. 5224
إلى الله (وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي) لأني مستطيع للزاد والراحلة، وفيه أيضًا إظهار لنعمة الله تعالى عليه (١).
(فأتيت رجلًا من قومي) فيه جواز سؤال المفضول مع وجود الفاضل (فقال لي: اجمعهما) أي: في إحرامك وتلبيتك (ثم اذبح ما استيسر من الهدي) فيه دليل على أنه يجب على القارن دم جبرًا لما فاته من الإحرام من الميقات (فأهللت بهما معًا) كما أمرني الرجل.
(فقال عمر: هديت) أي: هداك الله (لسنة نبيك محمد ﷺ ) فيه الدعاء لمن فعل فعلًا يستحسنه الشرع.
[١٨٠٠] (حدثنا النفيلي، حدثنا مسكين، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير] (٢) عن عكرمة قال: سمعت) عبد الله (ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب أنه سمع النبي ﷺ يقول: أتاني الليلة آتٍ من عند ربي) الظاهر أنه جبريل (قال: وهو بالعقيق) أي: بوادي العقيق بفتح المهملة، وكسر القاف الأولى، وهو وادٍ يدفق ماؤه في غور تهامة، قيل: إنه قبل ذات عرق بمرحلة أو مرحلتين، قال الجوهري: العقيق وادٍ بظاهر (٣) المدينة وكل ماء السيل مسيل شقه ماء السيل (٤) عقيق (٥).
стр. 5225
وفي بلاد المغرب (١) مواضع كثيرة كل منها يسمى بالعقيق، وعدها بعضهم عشرة، وقد تقدم في المواقيت أنه بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال ولم يسم العقيق.
(وقال) الآتي (صل في هذا الوادي المبارك) وظاهر قوله (صل) أن هذِه الصلاة سنة الإحرام، قال الخطابي: يحتمل أن يكون (٢) "في" بمعنى "مع" فيكون فيه تفضيل القران أو يزيده عمرة مدرجة أي: عمل العمرة مضمر في عمل الحج يجزئه لهما طواف واحد (٣). وفيه تفضيل القران كما بوب عليه المصنف، وفيه فضل المدينة وما قاربها لكون النبي ﷺ بها (وقل (٤): عمرة في حجة).
([قال أبو داود: رواه الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد في هذا الحديث عن الأوزاعي، وقال: عمرة في حجة]) (٥). قال الزركشي: الوجه الرفع، ويجوز النصب على حكاية اللفظ، أي: قل: جعلتها عمرة.
[١٨٠١] ([حدثنا هناد بن السري، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني] (٦) الربيع بن سبرة (٧)، عن أبيه) سبرة بن معبد (قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بعسفان)
стр. 5226
قرية جامعة بها منبر، وهي بين مكة والمدينة على نحو مرحلتين من مكة، قال مالك في "الموطأ": بين مكة وعسفان أربع برد (١). وهو راجع إلى ما تقدم؛ لأن الأربعة برد ثمانية وأربعون ميلًا، وذلك مرحلتان، وفي "المطالع" (٢) أن بينهما ستة وثلاثين ميلًا، وتبعه المنذري في حواشيه وليس كذلك، سميت بذلك لتعسف السيول عليها.
(قال له سراقة بن مالك) بن جعشم (المدلجي: يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم) أي: [اعلم لنا] (٣) علم قوم (كأنما وفدا) بالفاء (اليوم) أي: وردوا الآن عليك. (فقال: إن الله قد أدخل عليكم في حجكم عمرة) أي: عمل عمرة من لم يكن معه هدي، وهذا هو فسخ الحج (فإذا قدمتم) إلى مكة (فمن تطوف بالبيت) سبعًا (و) سعى (بين الصفا والمروة) وقصر أو حلق (فقد حل) من إحرامه ليس بالطواف والسعي فقط (٤) يحل من إحرامه، بل مع النية والحلق أو التقصير كالمعهود، (إلا من كان معه هدي) فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله.
[١٨٠٢] ([حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا شعيب بن إسحاق، عن ابن جريج، وحدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا يحيى، المعنى، عن ابن جريج، أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس] (٥) عن ابن عباس،
стр. 5227
أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قصرت) بتشديد الصاد (من شعر النبي ﷺ بمشقص) بكسر الميم وهو نصل طويل ليس بالعريض، وقال الجوهري: هو من النصال ما طال وعرض (١). وقيل: أراد بالمشقص الجلم [بفتح الجيم] (٢) واللام وهو الذي (٣) يجز به الصوف والشعر أي يقطع، قال ابن الأثير: وهو أشبه بالحديث، قال القرطبي: أحاديث هذا الباب تدل على أن التقصير والحلق نسك يثاب فاعله وهو قول الجمهور؛ لأنه لو كان استباحة محظور [لا يستوي] (٤) فعله وتركه (٥).
قال النووي: في هذا الحديث جواز الاقتصار على التقصير وإن كان الحلق أفضل، وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي ﷺ في عمرة الجعرانة لأنه (٦) ﷺ في حجته (٧) كان قارنًا وثبت أنه ﷺ حلق بمنى وفرق أبو طلحة شعره على الناس، فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح أيضًا حمله على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة؛ لأن معاوية لم يكن يومئذٍ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمانٍ على الصحيح (٨).
стр. 5228
(على المروة) فيه دليل على أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة؛ لأنها موضع تحلله كما يستحب للحاج أن يكون حلقه وتقصيره في منى؛ لأنها موضع تحلله وحيث حلقا أو قصرا من الحرم جاز، وفيه دليل على جواز الاستنابة في التقصير, (أو رأيته (١) يقصر عنه) فيه دليل على أن الأفضل التقصير عنه بنفسه، وفيه أن العالم يظهر أفعال العبادة ليقتدى [به مطلقًا] (٢) وينقل عنه.
(على المروة) فيه أن التقصير في أعلى المروة (٣) موضع الذكر والدعاء أفضل من أسفلها (بمشقص) (٤) فيه أن التقصير بمقص أفضل من السكين ونحوها.
[١٨٠٣] ([حدثنا الحسن بن علي، ومخلد بن خالد، ومحمد بن يحيى المعنى قالوا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر] (٥) عن ابن طاوس، عن أبيه) طاوس بن كيسان, (عن ابن عباس: أن معاوية قال له: أما علمت أني قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص أعرابي) فيه دليل على استعارة ما يحتاج إليه في أداء النسك من مقص وموسى يحلق به أو يستحد عند الإحرام ودابة يركب عليها أو استئجاره ونحو ذلك.
(على المروة) ولم يذكر ما فعل بالشعر، لكن (٦) إطلاقه يقتضي جواز
стр. 5229
إلقائه على الأرض، لكن الأفضل أن يدفن في مكانٍ ظاهر كما يفعل بالأظفار.
(زاد الحسن) بن علي (لحجته) صح قوله: لا أحل حتى أحرم، [وصح أنه لم يحل من إحرامه حتى يوم النحر] (١) وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر معاوية وغيره أنه قصر عنه وهو على المروة بمشقص فيدخله الوهم لا سيما مع معارضة الأحاديث فعند أحمد عن عطاء: أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعره ﷺ في أيام العشر بمشقص كان معه وهو محرم، فلعل معاوية قصر عنه في عمرة الجعرانة فنسي بعد ذلك وظن أنه كان في حجته، قاله صاحب "الهدي" (٢) [ابن القيم، وقال ابن حزم: يحتمل أنه قصر عنه ﵇ بقية شعر لم يكن طلحة الحلاق استوفاه] (٣)(٤).
[١٨٠٤] ([ثنا) عبيد الله (بن معاذ] (٥)، ثنا شعبة، [عن مسلم) بن مخراق بكسر الميم وسكون المعجمة بعد الألف قاف, (القري]) (٦) بضم القاف وتشديد الراء حي من عبد القيس (سمع ابن عباس يقول: أهل النبي ﷺ بعمرة) لعله أراد بالعمرة إلى الحج كما في الرواية الآتية (وأهل أصحابه بحج) مفرد فأمرهم أن يجعلوا حجهم عمرة.
стр. 5230
[١٨٠٥] ([حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي] (١) عن عقيل) مصغر ([عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله] (٢) أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع) إن قيل: كيف تمتع ومعه الهدي؟
فالجواب كما قال النووي وغيره: فمعناه أنه ﷺ أحرم بالحج مفردًا ثم أحرم بالعمرة فصار قارنًا في إحرامه، والقارن هو متمتع في إحرامه (٣)، وفي المعنى أنه قرنه باتحاد الميقات والإحرام والفعل نقلًا (٤) وجمعًا بين الأحاديث (٥) (بالعمرة إلى الحج، وأهدى [لأنه كان قارنًا وساق معه الهدي]) (٦) إلى البيت (من ذي الحليفة) فيه دليل على أن الأفضل أن يسوق الهدي من مكان الإحرام, ([وبدأ) بالهمز، أي: ابتدأ (رسول الله ﷺ ) يدل على أن قوله تمتع فيما قبله، أي: أمر به الناس وأباحه لهم؛ لأنه] (٧) لو تمتع بالعمرة أولًا ما قال بعده: وبدأ رسول الله (فأهل بالعمرة) ومما يدل على أنه تمتع بمعنى أمر قوله بعده: (٨) فكان من الناس من ساق الهدي ومنهم من لم يهد.
стр. 5231
(فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) (١) هذا محمول على التلبية في أثناء الإحرام، وليس المراد أنه أحرم في أول مرة (٢) بعمرة ثم أحرم بالحج، لأنه يؤدي إلى مخالفة الأحاديث (٣) كحديث أنس المتقدم، فإن ظاهره أنه قرن فيهما جميعًا، فإنه حكى فيه لفظه فقال: سمعته يقول: لبيك حجًّا وعمرة، وقد استحب مالك للقارن أن يقدم العمرة اقتداء بهذِه الأخبار (٤).
(وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج) أي: في آخر أمرهم؛ لأن أكثرهم أحرم أولًا بالحج مفردًا ثم فسخ الحج إلى العمرة وصار بعد ذلك متمتعًا (فكان [من الناس] (٥) من أهدى) أي: ساق الهدي معه (ومنهم من (٦) لم يهد) بضم الياء، وتقدم أن أكثرهم لم يهد وأن الهدي لم يكن إلا مع النبي ﷺ وطلحة.
(فلما قدم رسول الله ﷺ ) [مكة زادها الله شرفًا] (٧) (قال للناس: من كان منكم أهدى) للكعبة.
(فإنه لا يحل) بفتح الياء (٨) وضمها (منه شيء حرم منه) يحتمل أن تكون من بمعنى على كقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ (٩) أي: على
стр. 5232
القوم، على رأي الأخفش (١) (حتى يقضي حجه) لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢)، ولم يقل: حتى يقضي حجه وعمرته فإنه قارن كما تقدم، قال [ابن السني] (٣): وهذا الحديث من أشكل ما مضى من الأحاديث، وأحاديث الحج أشكل ما في العلم؛ لأنها رواها الثقات فما ثم [من مخرج] (٤) وإن حملت على ظواهرها تناقضت فحملها على التأويل لتتفق أولى (ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة) قيل: هذا أبين شيء وقع في وجوب السعي بين الصفا والمروة (وليقصر) فإن قلت: لم خصص التقصيرَ والحلقُ جائز بل أفضل؟
فالجواب: أنه أمر بالتقصير في العمرة ليبقى له شعر يحلقه في أكمل النسكين وهو الحج؛ فإن الحلق في تحلل الحج أفضل منه في تحلل العمرة (وليحل) أي: ليصير حلالًا يباح له ما كان حرامًا عليه في الإحرام من طيب ونحوه (ثم ليهل) من مكة يوم التروية (بالحج وليهد) بضم الياء، وأما الهاء (٥) فيجوز فيها الكسر على الأصل والسكون تخفيفًا (فمن لم يجد هديًا) هناك إما لعدم ثمنه وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل.
(فليصم ثلاثة أيام [في الحج]) (٦) ذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الإحرام بالحج وهو مقتضى الآية والحديث (٧).
стр. 5233
وقال أبو حنيفة والثوري: يصح صوم الثلاثة أيام بعد الإحرام [بالعمرة وقبل الإحرام] (١) بالحج، ولا يصومها بعد أيام الحج وهو مخالف لنص الكتاب والسنة (٢). قال القرطبي: والاختيار عند (٣) تقديم صومها في أول الإحرام وآخر وقتها آخر أيام التشريق عندنا وعند الشافعي، فمن فاته صومها في هذِه الأيام صامها عندنا بعد (٤)، وقال أبو حنيفة: [آخر وقتها يوم عرفة] (٥) فمن لم يصمها إلى يوم عرفة فلا صيام عليه ووجب عليه الهدي.
(وسبعة إذا رجع إلى أهله) حمله مالك والشافعي - في أحد قوليه - على الرجوع من منى وأنه يصومها إن شاء بمكة وإن شاء ببلده وهو قول أبي حنيفة. وللشافعي ومالك قول آخر أنه الرجوع إلى بلده ولا يصومها حتى يرجع إلى أهله (٦). وهو الصحيح؛ لظاهر الآية.
(وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء) إما بالقبلة أو باليد، ولا يهمز لأنه مأخوذ من (السلام) بكسر [اللام كذا في "الأم" وصوابه] (٧) السين. وهو الحجر، وقيل: من السلام بفتح السين؛ لأن ذلك الفعل سلام علي الحجر (٨) وأهل اليمن يسمون
стр. 5234
الركن الذي فيه الحجر (ثم خب) خب قال الشافعي: الخبب (١) الرمل - بفتح الراء والميم - قال: ولا أحب أن يثب من الأرض وثبًا (٢). قال الشافعية: الرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطى دون العدو والوثوب (٣) (ثلاثة أطواف (٤) من السبع) من الحجر الأسود إليه (ومشى أربعة أطواف) وهي باقي الطوافات على هيئته (ثم ركع) أي: صلى (حين قضى طوافه بالبيت) الحرام (عند المقام) أي: خلف مقام إبراهيم لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٥).
(ركعتين) (٦) والأفضل تعجيلهما؛ لأن أمرهما خفيف لا يفوت به فضل أول الوقت, (ثم سلم) منهما (فانصرف فأتى الصفا) من الجهة التي فيها باب الصفا إلى المسعى (فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف) أي: سبع مرات.
(ثم لم يحل) [نسخة: يحلل] (٧) (من شيء حرم منه حتى قضى) أي: أدى (حجه ونحر هديه) في (يوم النحر فأفاض) ثم بينه (فطاف بالبيت) طواف الإفاضة (ثم حل من كل شيء حرم منه) فيه ما تقدم (وفعل الناس مثل ما فعل رسول الله من أهدى وساق الهدي من الناس) وهو
стр. 5235
أفضل الحالتين.
[١٨٠٦] ([حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر] (١) عن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس قد حلوا ولم تحلل) بفتح التاء وكسر اللام الأولى، أي: لم تحل، وإظهار التضعيف لغة أهل الحجاز (أنت من عمرتك) قيل: يحتمل أن تريد من حجك؛ لأن معناهما متقارب يقال: حج الرجل البيت (٢) إذا قصده لحج أو عمرة، فعبرت حفصة بالعمرة عن الحج، وإن كان كل واحد (٣) منهما يقع على نوع مخصوص من القصد والنسك، وقيل: إنها لما سمعته بسرف يأمر الناس بفسخ الحج في العمرة ظنت أنه فسخ الحج فيها، وقيل: إنها (٤) اعتقدت أنه كان معتمرًا، قال ابن التين: والأولى بالصواب أنها قالت: لِمَ لَمْ تفسخ حجك في عمرة كفعل غيرك؟ ولعلها لم تسمع قوله: "من كان معه هدي فلا يحل" (فقال: إني لبدت رأسي) والتلبيد أن يجعل المحرم في رأسه شيئًا من الصمغ والعسل ليجتمع الشعر ولئلا يقع فيه القمل.
فإن قيل: ما مدخل التلبيد في الإحرام وغيره (٥)؟ .
فالجواب: أن الغرض منه أني مشتغل من أول الأمر (٦) بأن يدوم إحرامي إلى أن يبلغ الهدي محله؛ إذ التلبيد إنما يحتاج إليه من طال
стр. 5236
أمد إحرامه ويمكث كثيرًا في قضاء أعماله، وذكر التلبيد لبيان الواقع أو لتأكيد الأمر (وقلدت هديي) أي: علقت النعل ونحوه في عنق النعم ليعلم أنه هدي (فلا أحل) بفتح الهمزة وكسر الحاء من إحرامي (حتى أنحر (١) الهدي) قال الداودي: فيه أن من لبد وقلد لا يحل حتى يحلق ويفرغ من الحج كله، وقال غيره: ليس في قوله: "لبدت رأسي وقلدت هديي" ما يمنع من أن يحل من عمرته؛ لأن من لبد وقلد وأهل بعمرة ينحر ويحلق عند كمالها، ولا يجب عليه لأجل التلبيد والتقليد أن يردف عليها حجة، وإنما معناه أن في الكلام حذفًا، وذلك أن يعلمها أنه لبد رأسه وقلد الهدي (٢) للحج فلا يمكنه التحلل من ذلك قبل أن يبلغ الهدي محله وينحره بمنى بعد كمال حجته، وأما من أحرم بعمرة وأكمل عملها فلا يجوز له أن يردف الحج عليها، ويلزمه أن يحلق، ولا يجوز أن يقول: كره النبي الحلاق لقرب (٣) الحج على ما كره (٤) مالك من اعتمر أن يحلق إذا قرب من الموسم؛ لأن مالكًا قال: يقصر بدلًا من الحلق ويؤخر شعره لحلاق الحج فيجمع بين الأمرين، وحفصة لم تسأله عن ترك الحلاق، وإنما سألته عن ترك التحلل (٥).
стр. 5237
٢٦ - باب الرَّجُلُ يُهِلُّ بِالحَجّ ثُمَّ يَجْعَلُها عُمْرَةً
١٨٠٧ - حَدَّثَنا هَنّادٌ - يَعْنِي: ابن السَّري - عَنِ اِبن أَبي زائِدَةَ، أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْن إِسْحاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ الأَسْوَدِ أَنَّ أَبا ذَرٍّ كانَ يَقُولُ فِيمَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَها بِعُمْرَةٍ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا لِلرَّكْبِ الذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١).
١٨٠٨ - حَدَّثَنا النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْني: ابن مُحَمَّدٍ - أَخْبَرَني رَبِيعَة بْنُ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الحارِثِ بْنِ بِلالِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ فَسْخُ الحَجِّ لَنا خاصَّةً أَوْ لِمَنْ بَعْدَنا قَالَ: "بَلْ لَكُمْ خاصَّةً" (٢).
* * *
باب في الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة
[١٨٠٧] ([حدثنا هناد - يعني: ابن السري - عن ابن أبي زائدة، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود] (٣) عن سليم) بضم السين مصغر (بن الأسود) المحاربي، توفي سنة ٨٢ (أن أبا ذر) جندبًا (كان يقول فيمن حج ثم فسخها) أي: فسخ حجته (بعمرة لم يكن ذلك) جائز (إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ ) خاصة في تلك السنة.
فيه دليل لقول مالك (٤) والشافعي (٥) وأبو حنيفة أنه مختص بهم في
стр. 5238
تلك السنة لا يجوز بعدها لمن أحرم بالحج أن يفسخها بعمرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١)، كما قال عمر: إن القرآن نزل منازله فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله (٢).
ومما يدل على اختصاصه الحديث الذي بعده ورواه النسائي أيضًا (٣).
[١٨٠٨] ([حدثنا النفيلي، حدثنا عبد العزيز - يعني: ابن محمد - أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن] عن الحارث بن بلال بن الحارث) المزني (عن أبيه) بلال بن الحارث (قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا) تقديره: ألنا (خاصة) ثم حذفت همزة الاستفهام (أو لمن بعدنا؟ ) إلى آخر الدهر.
(قال: بل لكم خاصة) بأصحاب محمد الذين كانوا معه يعني بذلك (٤) تمتعهم بتحللهم من حجهم بعمل العمرة، وسبب هذِه الرخصة لأنهم ما كانوا يرون أن العمرة جائزة في أشهر الحج ويقولون: العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فرخص لهم العمرة عند قدومهم مكة تأنيسًا لهم، وذهب أحمد وطائفة من أهل الظاهر ليس هو خاصًّا بهم، بل هو باقٍ إلى يوم القيامة، أنه يجوز لكل من أحرم بحج وليس معه الهدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها (٥).
باب الرجل يحج عن غيره
[١٨٠٩] ([حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار] (١) عن ابن عباس قال: كان الفضل بن عباس) ولم يزل اسمه الفضل في الجاهلية والإسلام، وكان أكبر ولد العباس عم النبي ﷺ (رديف رسول الله) لما دفع من مزدلفة إلى منى (فجاءته امرأة من خثعم) لم تسم ولا أبوها (فاستفتته) فيه جواز رفع صوت الأجنبية عند الحاجة للاستفتاء والمعاملة وغير ذلك.
(فجعل الفضل ينظر إليها) قال القرطبي: هذا النظر منهما بمقتضى الطباع؛ فإنها مجبولة على الميل إلى [الصورة الحسنة] (٢) (وتنظر هي إليه) وفي رواية: كان الفضل أبيض وسيمًا (٣). أي: جميلا حسن الشعر (٤) (فجعل رسول الله يصرف) أي: يمنع (وجه الفضل إلى الشق) بكسر الشين، أي: الجانب (الآخر) فيه تحريم النظر إلى الأجنبية، وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه، وفيه الرد من مقتضى الطبع إلى مقتضى الشرع، وفيه دليل على أن المرأة تكشف وجهها عند الإحرام ولا يجب عليها ستره وإن خيف منها الفتنة لكنها تندب إلى ذلك، بخلاف أزواج النبي ﷺ فإن الحجاب عليهن فريضة، قاله القرطبي (٥).
стр. 5241
قال الطبري: وفي بعض الطرق: فقال العباس: لويت عنق ابن عمك، فقال: "رأيت شابًّا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما" (١).
قال أبو عمر بن عبد البر: أصيب بأجنادين في خلافة أبي بكر [سنة ثلاث عشرة] (٢)، وقيل: مات بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة في خلافة عمر (٣). ذكره الطبري، قال: وأجنادين بفتح الهمزة وإسكان الجيم وبالنون (٤) وفتح الدال المهملة وقد تكسر، وهو الموضع المشهور من نواحي دمشق وكانت الوقعة بين المسلمين والروم.
(فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج) في قوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٥) الآية (أدركت أبي شيخًا) منصوب (٦) على البدل (كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة) هذا هو المسمى بالمعضوب، والعضب في اللغة القطع، وبه [سُمِّي السيف: عضبا، وكأن من انتهى إلى هذِه الحالة قطعت أعضاؤه عن الانتفاع بها] (٧) (أفأحج عنه؟ قال: نعم) فيه: جواز النيابة في الحج عن العاجز الميئوس منه بهرم أو زمانة أو موت، وجواز (٨) حج المرأة عن الرجل، وفيه بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة
стр. 5242
ونفقة وحج عنه، وفيه وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره كولده، وهو مذهب الجمهور، وقال مالك: لا يحج أحد عن أحد (١) إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام (٢).
فإنه رأى مخالفة ظاهر هذا الحديث بعموم قوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٣) الآية، فإن الأصل في الاستطاعة إنما هو القوة بالبدن كقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ (٤)، فلما تعارض ظاهر القرآن وظاهر الحديث رجح مالك ظاهر القرآن؛ لأنه متواتر (وذلك في حجة الوداع) بفتح الواو، وفيه جواز تسمية (٥) حجة الوداع بلا كراهة.
[١٨١٠] ([حدثنا حفص بن عمر، ومسلم بن إبراهيم، بمعناه قالا: حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس] (٦) عن أبي رزين) (٧) بفتح الراء [وبعدها زاي مكسورة وبعد الياء نون] (٨) لقيط بن عامر (قال حفص) بن عمر (في حديثه: رجل من بني عامر أنه قال: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن) يعني: الارتحال قال الله: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ (٩) والمعنى: لا يستطيع أن
стр. 5243
يثبت على الراحلة في السفر ولا يستوي على ظهرها (قال: احجج عن أبيك) فيه دليل على جواز النيابة عن المعضوب الحي في حج الفرض، وكذا التطوع على الصحيح وهو مذهب الشافعي ومالك (١) وأبي حنيفة وأحمد؛ لأن كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت في نفلها كالصدقة (٢). وأما قول بعضهم: إنما جازت الاستنابة في الفرض إلا للضرورة فلا يجوز في النفل. وينكر هذا بالتيمم؛ فإنه جوز في الفرض للحاجة ويجوز أيضًا في النفل (واعتمر) فيه دليل على جواز النيابة في العمرة عن الحي المعضوب كما يجوز عن الحج.
[١٨١١] ([حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وهناد بن السري المعنى واحد، قال إسحاق: حدثنا عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة] (٣) عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة) بشين معجمة مضمومة ثم باء موحدة ساكنة ثم راء مضمومة.
(قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي) رواية ابن حبان في "صحيحه": أخ لي أو قرابة (٤) (قال: حججت عن نفسك؟ ) فيه استفصال المفتي من السائل إذا كانت المسألة فيها تفصيل (قال: لا) فيه دليل على جواز الإيثار بالقرب، والمشهور عند الفقهاء: لا يجوز،
стр. 5244
وفي كثير من الأحاديث الدليل على الجواز.
(قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) و [رواه ابن حبان] (١) بإسنادٍ صحيح ولفظه: (فاجعل هذِه عن نفسك ثم حج عن شبرمة) وجزم فيه بأن شبرمة قريب له (٢).
وفيه دليل على أن من عليه حجة الإسلام لا يصح حجه عن غيره ولا التطوع بالحج عن الغير، قيل: إذا ما وجب عليه [سواء وجب عليه] (٣) بنذر أو قضاء، وكذلك من عليه حجة الإسلام لا يصح منه غيرها قبلها عند الشافعية (٤) والحنابلة (٥). وقال الحنفية (٦): لو أحرم بالحج [ولم يعين حجة الإسلام وهي عليه وقعت عن حجة الإسلام استحبابًا، ولو نوى التطوع وقع عن التطوع] (٧)(٨) أو الحج عن الغير وقع عن الغير، وذهب المالكية أنه يصح المنذر والحج عن الغير قبل حجة الإسلام مع الكراهة، وكذلك التطوع بالحج يصح قبل حجة الإسلام مع الكراهة (٩).
باب كيف التلبية
[١٨١٢] ([حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع] (١) عن ابن عمر: أن تلبية رسول الله ﷺ ) يريد التي كان يواظب عليها، ولولا ذلك ما اختصت بالنسبة إليه، وذلك منه ﵇ على معنى الاختيار لا على معنى الوجوب، ولذلك زاد فيها في رواية ابن عمر، ونقص هذا في رواية عائشة.
(لبيك اللهم لبيك، لبيك) مأخوذ (٢) من قولهم: لب بالمكان وألب به إذا أقام به ولزمه، كأنه يقول: ها أنا مقيم على عبادتك ملازم لها، وهو منصوب على المصدر، وهو [لفظ مثنًى] (٣) مكرر، يعني: كأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة على سبيل التأكيد، كما قالوا: حنانيك، أي: رحمة بعد رحمة، وأصل الفعل منها لبب بتشديد الباء الأولى فاستثقلوا ثلاث باءات فأبدلوا الثالثة ياء كما قالوا: تظنيت من الظن والأصل: تظننت، وأصل الألف باء لكن قلبت مع الضمير ياء مثل: عليك ولديك، وقيل: معناها: تجاهي وقصدي من قولهم: داري تلب (٤) دارك. أي: تواجهها.
وقيل: معناه: محبتي لك، من قولهم: امرأة لبة. إذا كانت محبة لولدها، وقيل: معناه: إخلاصي لك، من قولهم: حسب لباب، إذا كان خالصًا، ومنه لب الطعام ولبابه، فهذِه أربعة أقوال، قال جماعة
стр. 5247
من العلماء: معنى التلبية إجابة نداء إبراهيم ﵇ حين نادى بالحج حين فرغ من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: يا رب، وما يبلغ صوتي قال: أذن وعلي البلاغ. فنادى إبراهيم: أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج. قال: فسمعه ما بين السماء والأرض أفلا ترى الناس يجيئون من أقطار الأرض يلبون (١)، قيل: أجابوه من أصلاب الرجال وأرحام النساء فمن أجابه مرة حج مرة، ومن أجابه مرتين حج مرتين وهلم جرًّا (٢).
ويقف على "لبيك" كما يبتدئ بها ثم يقول: (لبيك) يبتدئ بها أيضًا (لا شريك) قال صاحب "أسرار الحج" مبني على الفتح لاستغراق نفي الشريك (لك لبيك) ويقف عليها أيضًا (إن الحمد) بكسر الهمزة وفتحها وجهان مشهوران لأهل اللغة والحديث والكسر أجود؛ لأن الكسر على معنى الابتداء والاستئناف وهو أعم؛ لأن تقديره: إن الحمد لله على كل حال، ومن فتح ذهب إلى أن التقدير: من أجل أنك مستحق للحمد والنعمة، أو لأن الحمد لك والنعمة، فعملت فيها لبيك بواسطة (٣) لام الجر السببية ثم حذف حرف الجر لدلالة الكلام عليه.
(والنعمة لك) النعمة - بكسر النون - الإحسان والعطاء، أي: النعمة منك والحمد لك، ومن ورود اللام بمعنى "من" قولهم: سمعت له
стр. 5248
صراخًا، أي: منه، والمشهور نصب النعمة، قال القاضي: ويجوز رفعها على الابتداء ويكون الخبر [محذوفًا. قال ابن الأنباري: وإن شئت جعلت خبر إن محذوفًا تقديره: إن الحمد لك] (١) والنعمة مستقرة لك (٢).
(والملك) قال ابن الرفعة: يستحب أن يقف وقفة لطيفة عند قوله: والملك. ثم يقول: (لا شريك لك) قال الأصحاب: يستحب أن يأتي بالتلبية نسقًا لا يتخللها كلام وإن سلم عليه رد السلام؛ لأنها سنة والرد فرض، لكن يكره ابتداء السلام عليه حال التلبية، وقال صاحب "الطراز" من المالكية: إن من سنن التلبية أن تكون نسقًا لا يتخللها (٣) كلام غيرها كالأذان.
وإن سلم عليه قال مالك: لا يرد عليه حتى يفرغ من تلبيته (٤) فيرد عليه بعد ذلك (٥)، قال السروجي في "الغاية": يقول في الحج إذا أحرم به: اللهم إني أريد الحج فيسره لي (٦) وتقبله مني وأعني عليه وبارك لي فيه لبيك اللهم بحج.
(قال: وكان عبد الله بن عمر) ﵄ (يزيد فيهما: لبيك لبيك لبيك وسعديك) قال القاضي: إعراب سعديك وتثنيتها (٧) كما
стр. 5249
سبق في لبيك ومعناه: مساعدة لك وإلى طاعتك بعد مساعدة (١) (والخير بيديك) أي: الخير كله بيد الله تعالى ومن فعله (والرغباء (٢) إليك والعمل) قال المازري: يروى بفتح الراء (٣) والمد وبضم الراء والقصر، ونظيره العلياء والعليا والنعماء والنعمى (٤).
ومعناه هنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير والرغبة إليه (٥)، والمراد بالعمل أعمال الطاعات، أي: لا تعمل إلا لله.
[١٨١٣] ([حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جعفر، حدثنا أبي] (٦) عن جابر ﵁ قال: أهل رسول الله فذكر التلبية بمثل حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ) في الحديث المتقدم، وزاد فيه: (والناس) الملبون (يزيدون: ذا المعارج ونحوه من الكلام) والمعارج: المراقي والدرج، وهذا اللفظ من صفات الله، قال عز من قائل: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ (٧)، والمراد بها المراقي (٨) مصاعد السماء ومراقيها، أي (٩): هو مالكها سبحانه (والنبي ﷺ يسمع ما زادوه فلا
стр. 5250
يقول لهم شيئًا) فتكون زيادتها من السنة؛ لأن تقريراته (١) ﷺ نظير أفعاله وأقواله؛ إذ لا يقر على باطل.
[١٨١٤] ([حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام] (٢) عن خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه) السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري، قال الترمذي: حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح، وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ قال: ولا يصح، والصحيح هو [خلاد بن السائب] (٣) عن أبيه (٤).
(أن رسول الله قال: أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي) يحتمل أن يكون المراد بقوله: "من معي" المنافقين الذين كانوا معه وأطلعه الله عليهم، ويحتمل أن يكون هذا شك من الراوي؛ فإن أكثر الروايات ليس فيها: "ومن معي" (أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) يعني: بالتلبية؛ فإن رواية أحمد: "أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال [أو قال: بالتلبية" (٥) ولفظ النسائي: "أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية" (٦) ولفظ
стр. 5251
الترمذي: "أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال] (١) أو التلبية" (٢) على طريق الشك كما تقدم في رواية أحمد، وقد صرح بذلك أبو داود حيث قال: "بالإهلال".
(أو بالتلبية يريد أحدهما) يعني: التلبية [وحاصله أن هذا الحديث استدل به على استحباب رفع الصوت للرجل بالتلبية بحيث لا يضر نفسه لأن معنى التلبية] (٣) معنى الأذان الذي لا يسمعه جن ولا إنس [ولا شيء] (٤) إلا شهد له يوم القيامة.
وخرج بقوله: "أصحابي" النساء؛ فإن المرأة لا تجهر بها صوتها، بل تقتصر على إسماع نفسها، قال الروياني: فإن رفعت صوتها لم يحرم؛ لأنه ليس بعورة (٥) على الصحيح، وإذا قلنا أن رفع صوتها لا يحرم فقد صرح الدارمي (٦) والقاضي أبو الطيب وغيرهما أنه يكره. قال ابن الرفعة: كراهة تنزيه لا تحريم؛ فإن صوتها ليس بعورة. قال سند المالكي: يكره رفع صوتها لخوف الافتتان، لا لكونه عورة.
قال الشافعي في "الأم" بعد رواية الحديث في الأمر برفع الصوت: فأمرهم أن يرفعوا جهدهم (٧) ما لم يبلغ (٨) ذلك أن يقطع أصواتهم،
стр. 5252
فإنا (١) نكره قطع (٢) أصواتهم (٣).
واستدل داود بهذا الحديث على وجوب رفع الصوت بالتلبية والجمهور أنه دليل للاستحباب لا للوجوب، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد الإحرام إلا بالنية مع التلبية أو مع سوق الهدي (٤) لهذا الحديث المذكور.
стр. 5253
٢٩ - باب مَتَى يَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ
١٨١٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنا ابن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ (١).
١٨١٦ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ غَدَوْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفاتٍ مِنَّا المُلَبّي وَمِنّا المُكَبِّرُ (٢).
* * *
باب متى يقطع الحاج التلبية
[١٨١٥] ([حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا وكيع، حدثنا ابن جريج، عن عطاء] (٣) عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس) ﵄، بينت (٤) هذا رواية الصحيحين [عن ابن عباس: أن] (٥) النبي ﷺ أردف الفضل فأخبر الفضل (أن النبي ﷺ لبى) رواية البخاري: لم يزل النبي ﷺ يلبي (حتى رمى (٦) جمرة العقبة) استدل به على استحباب دوام التلبية وقطعه حين أول حصاة يرميها، وفي بعض ألفاظ الخبر: حتى
стр. 5254
رمى جمرة العقبة قطع التلبية عند أول حصاة (١). رواه أحمد بن حنبل في "المناسك" وهذا بيان للحديث، فيتعين الأخذ، ولأن الفضل بن عباس كان رديف النبي ﷺ حين الرمي وهو أعلم بحاله من غيره، وخالف سعد (٢) بن أبي وقاص وعائشة فقالا: يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف، والأول أصح، ولأن التلبية في الحقيقة إجابة إبراهيم ﵇ الداعي إلى الحج بأمر الله فيستحب له التلبية ما لم يتحلل من إحرامه، وإذا رمى فقد شرع في التحلل والانصراف ولا معنى للإجابة في حال الانصراف، وقد يستدل أحمد وإسحاق به على مذهبهما أنه يلبي حتى يفرغ من جمرة العقبة (٣) وهو رواية عن مالك (٤). وأجاب عنه الجمهور بأن المراد: حتى شرع في الرمي؛ ليجمع بين الروايتين (٥).
[١٨١٦] ([حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة] (٦) عن عبد (٧) الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه) عبد الله بن عمر (قال: غدونا مع رسول الله ﷺ ) في حجته (من منى إلى عرفات) فيه دليل على استحباب الغدو
стр. 5255
من منى إلى عرفات [للإقامة بها] (١).
(منا الملبي ومنا المكبر) ظاهره يدل على جواز التلبية والتكبير والتهليل في الغدو إلى عرفات.
قال القرطبي: لا نعلم (٢) خلافًا في جواز ذلك، مع أن التلبية أفضل في الحج والعمرة إلى الشروع في قطعهما (٣). وفي رواية "الصحيح": يهل المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه (٤)، وفيه الرد على من قال: يقطع التلبية بعد صبح عرفة، ومشهور مذهب مالك أنه يقطع التلبية بعد الزوال من يوم (٥) عرفة وهو مذهب أهل المدينة (٦). وبه تمسك الإمام مالك على أصله في ترجيح عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح.