← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

صَغَا إذا مالَ (١) فأدخلت عليه هَمزَة التعدية فتعدى لواحد (٢)، والصغوُ الميْلُ يقال: صَغَتِ النجوم والشَّمسُ صغوًا (٣) إذا مَالتْ للغُروب وصَغيت لفُلان ملت بسَمْعي لهُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ (٤). ويحتمل أن تكُون (من) في قوله: (فَشَربت منهُ) للتبعيض؛ أي: شربت من ماءِه، فحذف الماء ودَخلت (من) على الضَّمير، ويحتمل أن تَكون لابتداء الغاية أي: تكُون ابتداء شُربِها من الإناء، وهذا الماء الذي سَكبته كبشَة الظاهر أنهُ لهَا لثبوتِ يدِها عليهِ، وقد سقى (٥) أبو قتادة الهِرَّة ولم يستأذنها، وفيه دليل على جواز مثل هذا للضيف، وعلى أن الضَيف إذا قُدِّمَ إليه خُبز ونحوه أن يُطعم الهِرَّة منهُ، خلافَّاَ لما قالهُ أصحَابنا أنه ليسَ له إطعَام هرة (٦) وسائل ويُلقِمُ الأضيافَ بعضهمُ لبعض. [فأصغى لها الإناء (حتى شربت) فيه دليل على فضيلة سقيِ الحيوانِ المحترمِ وإطعامِهِ والنفقةِ عليه] (٧) وأن الأجر في الإحسَان إليه لما في الحَديث "في كل كبد حَرَّى أجر" (٨). (قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيهِ) فيه استعمال (٩) حُسن الأدب مع الأكابر لعَدَم إنكارها عليه فيما تعجبتْ منهُ أو شَكَّت في جوازه،

стр. 562

ويدخل فيه ما هو من جنسه (فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابنةَ أَخِي؟ ) فيه تنبيه العَالم عَلى ما يعرض للسَّائل، ويقع في نَفسه لتقع الفائدة والعلم بما (١) لعَلهُ يحتاج إليه، فإن كبشَة لابد [أن تكون] (٢) نظرت نظرًا فهم (٣) منهُ أبو قتادة التعجب، وإلا فأصل النظر لا يقتضي فهم التعجبِّ، وفيه دَليل على اجتنابِ النجاسَة وما يتصل بها أمر مقرر في النَفس لكل المُسلمين، خصوصًا حملة الشرع، وذلك يؤخد من تعجبِ كبشة ومن تقرير أبي (٤) قتادة على التعجب. (فَقُلْتُ نَعَمْ. فَقَالَ إِن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ) فيه ذكر الدَّليل مع الحكم لتحصُل الثقة (٥) للجَاهل به ويطمئن قلبهُ إليه، وهكذا ينبغي للمفتي إذا أفتى بشيء و (٦) ظهر له توقف المستفتي فيه وعدم فهمه لعلته (٧) أن يذكر له الدَّليل لتسكن نفسه وتنتفي عنه عوارض الشكوك، وكذلك إذا حكم بما لا يظهر وجهه للمحَكوم عليه، وقد ينسبه فيه إلى ظلم فينبغي أن يبين وجهه. (إِنهَا لَيسَتْ بِنَجَسٍ) بفتح الجِيمِ من مَعنى النجاسَة وأصْلها القذارة قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٨). ثُمَّ اشتهر (٩) في عرف حملة (١٠) الشريعة فيما يجتنبُ استصحابه في الصَّلاة، ويُعبر عن إزالته

стр. 563

بالطهَارة من الخبث، والنجَس مصدر كما قال الزمخشري (١)، ولهذا لم تلحقه [تاء التأنيث] (٢) كما لا يثنى ولا يجمع كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) ولم يقل أنجَاس. (إِنَّهَا مِنَ الطَّوافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ) (٤). قال البَغَوي في "شرح السُّنة": يتأول (٥) على وجهين: أحدهما: شبَّهها بالمماليك (٦) وبخدَم البيت الذين يَطوُفُون على أهلهِ بالخدمة لقَوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٧) يعني: المماليك والخدم. وقال إبراهيم: إنما الهرَّة كبعض أهل البيت، وقول ابن عَبَّاس: إنما هي من مَتَاع البيت، والآخر: شَبهها بمن يَطوف للحَاجَة والمسألة (٨). قال ابن دقيق العيد: وهذا غَريب بَعيد؛ لأن قوله: "إنها مِنَ الطوافين" يقتضي التعليل لما سَبَق ذكرهُ، والذي سبق هو كونها ليسَت بنجسٍ لا ذكر الأجر (٩).

стр. 564

قال القاضِي أبو الوليد البَاجي: وقوله: "أو الطوافات" يحتمل أن يكُون على معنى الشَّك من الراوي، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قال ذلك يُريد أن هذا الحَيَوان لا يخلو إمَّا أن يكونَ من جُملَة الذكورِ الطوَّافين أو الإناث الطوَّافات (١). وإذا حملنا الطوَّافين أو الطوافات على الخدَم كانت (من) للتبعيض، وليست الهِرة منهم حقيقة؛ لأن اللفظ يدل على جمع المذكر العَاقِل أو المؤنث العَاقِل فيجب إما إضمار أو مجاز، أمَّا الإضمار فتقدر أنهَّا من شبه الطوافين أو مثل الطوافين أو ما يقاربه، وأما المجَاز فأن يطلق عليها لفظ الخدَم مجازًا، وفيه استدلال على طهَارة السُّؤر (٢) باللفظ الدَّال على الجملة، وقد اختلفوا في سُؤر الهرِّ فالمنقول عن أكثر أهل العِلم طَهَارته. وكره أبو حنيفة وأبو يُوسف (٣) الوُضوء من سُؤره، واستدلَّ بهذا الحَديث على الطهَارة، وأجَابَ الطحاوي: بأنه يجوزُ أن يكون أريد به كونها لا تضر مماسّتها للثياب، فأمَّا وُلوغها في الإناء فليسَ في ذلك دليل على أن ذلك يوجب النجاسَة أو لا، وإنما الذي في الحَديث من ذلك فِعل أبي قتادة فلا ينبغي (٤)، وهذا من الطحاوي تنبيه (٥) على أن شربها مِنَ الإناء المتوضأ منه ليس مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ في هذا

стр. 565

الحَديث، وإنما هو فعل أبي قتادة، والذي احتج به خصُومه قوله ﷺ (إنها ليست بنجس) وإذا لم تكن نجسًا كانَ سُؤرها طَاهرًا. والأصوليون يذكرون هذا الحَديث في دلالة التنبيه (١) والإيماء إلى التعليل؛ لأنه لو لم يكن علة لم يكن ذكر الطواف مفيدًا (٢)، فإنهُ لو قال أنها سوداء أو بيضاء لم يكن منظومًا إذا لم يرد التعليل، وفيه دلالة على أن المشقة تجلب التيسير والتخفيف وهو من القواعد الأصوليَّة. [٧٦] (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ) قال: (ثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن محمد الدراوردي (عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارِ التَّمَّارِ) بفتح المثناة فوق، المدَني [صَدُوق (٣)، قال الدارقطني بعدما رواه: تفرد بِرَفعه داود بن صَالح (٤)، وكذا قال الطَّبراني (٥) والبزار] (٦). (عَنْ أُمِّهِ) اسْمهَا خولة (أَن مَوْلاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةِ) فَعيلة بمَعنى مفعولة، وهرسَها الهَراس هرسًا مِن بَاب قَتَلَ. قال ابن فارس: الهرس دق الشيء؛ ولذلك سميت الهريسَة. (٧) وفي "النَّوادر": الهريس الحَب المدقوق بالمهراس قبل أن يُطبخ فإذا طبخ فهو الهريسَة بالهَاء (٨).

стр. 566

(إِلَى عَائِشَةَ فَوَجَدْتُهَا تُصَلِّي فَأَشَارَتْ إِليَّ) بتشديد اليَاء المثناة تحت (ضَعِيهَا) ورواية الخَطيب: أن ضَعيها. بزيَادة: أن. وفيه دليل على أن الإشارة المفهمة لا تبطل الصَّلاة كما إذا رد السَّلَام بالإشارة؛ لما روى ابن عمر قال: خرَج رسُول الله ﷺ إلى قباء فصَلى (١) فيه، قال: فجاءته الأنصَار فسَلموُا عليه وهو يُصَلي، قال: فقلتُ لبِلَال: كيف يرد عَليهم حين كانوا يُسلموُن عليه وهو يُصلي؟ قال: يقول هَكذا وبَسَطَ يعني: كفه وجَعَل بَطنه أسفل وظهره إلى فوق. قال الترمذي: صَحيح (٢). ورواه الأثرم. (فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ منها (٣)، فَلَمَا انصَرَفَتْ الهرة أَكَلَتْ) عائشة (مِنْ حَيثُ أكلَتِ الهِرَّةُ) فيه التعليم بالفعل كالتعليم بالقول، وفيه طَهارة سُؤر الهرة وفمها وغيرها مِنَ الحيوانات التي لا يؤكل لحمها غير الكلب والخنزير كما تقدم. (فَقَالَتْ إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: إِنَّهَا لَيسَتْ بِنَجَس) بفتح الجيم، قال البَاجي: ظَاهرهُ ينفي (٤) نجاسَة العَين (٥)، ويمكن أن يقرر هذا الذي قاله مِنَ الظاهِر بأن الضَّمِير في قوله: "إنها" عائد إلى الذّات فيُعود الحكم إليها، فإذا كانَ النجسُ يطلق على نجس العَين والمتنجسُ بالغَير (٦)

стр. 567

فيحتمل أن يكون مِنَ الألفاظ التي يسميها الأصوليُّون وغيرهم المشكلة (١)؛ لأنه في نجس العَين أولى وأقوى؛ إذ لا يمكن زواله عن العَين بخلاف المتنجس، ويحتمل أن يكون إطلاقه على النَّجس مجازًا. (إنها مِنَ الطَّوافين عليكم) يَعني: ليست الهِرة بنجسَة؛ لأنها تطوف عَليكم وتتمسح بثيابكم وفرشكم ولو كانت نجسَة لأمرتكم (٢) باجتنابها وإخراجها من البيوت، وذكر فيه مَعنى آخر وهو أنها كالطَّوافِينَ عَلَيْكُمْ من المماليك وأصحَاب الحوايج، يَعني يحصُل لكم الأجر في الإحسَان إليها. و (أو) في قوله: "أو الطَّوَّافات" شك من الراوي كما تقدم. (وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا) أي: بالفاضل من الماء الذي شربت منه الهرة، أي: بقي بعد شربها، وقد قاسَت عائشة ﵂ الفاضل من الأطعمة على الفاضل مِنَ الماء؛ لأن الماء من المطعومات، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٣). * * *

стр. 568

٣٩ - باب الوُضُوءِ بِفَضْلِ وَضوءِ المَرْأَةِ ٧٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحيَى، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنِي مَنْصور، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأسوَدِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كنتُ أَغْتَسِل أَنا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِناء واحِدٍ وَنَحْنُ جُنُبانِ (١). ٧٨ - حَدَّثَنا عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابن خَرَّبُوذَ، عَنْ أُمِّ صبَيَّةَ الجُهَنِيَّةِ قالَتِ: اَخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي الوُضُوءِ مِنْ إِناءٍ واحِد (٢). ٧٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حَمّاد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نافِع (ح)، وحَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: كانَ الرِّجالُ والنِّساء يَتَوَضَّؤونَ في زَمانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ مسَدَّد: مِنَ الإِناءِ الواحِدِ- جَمِيعًا (٣). ٨٠ - حَدَّثَنا مسدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ والنِّساءُ عَلَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ إِناءٍ واحِدِ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنا (٤). * * * باب الوُضُوءِ بِفَضْلِ وَضُوءِ المَرأَةِ [٧٧] (ثَنَا مُسَدَّد) قال: (ثَنَا يَحْيَى) القطان (عَنْ سُفْيَانَ) قال: (حَدَّثَنِي

стр. 569

مَنْصُورٌ) بن المعتمر بن عبد الله الكوفيِّ. (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النَّخعيُّ، أخُو عبد الرحمن، وابن أخي علقمة بن قيس. (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أنَّا وَرَسُولُ الله ﷺ ) يحتمل أن يكون مفعُولًا معه، ويحتمل أن يكون عَطفًا على الضمير، وهو من بَاب تغليب المتكلم على الغائب لكونها هي السَّبب في الاغتسَال، فكأنهَا أصل في البَاب. (مِنْ إِنَاءٍ) من ابتدائية (وَاحِدٍ) يقال له: الفرقُ يَسَعُ ستة عشر رطلًا، استدل به الداوودي على جواز نظر الرجُل إلى عورة (١) امرأته وعكسه، ويُؤيدهُ ما رواهُ ابن حبان من طريق سُليمان بن مُوسى أنه سُئل عن الرجُل يَنظر إلى فرج امرَأته، قال: سَألتُ عطاء قال: سَألتُ عَائشة فذكرت هذا الحَديث بمعناهُ، (٢) وهو نص في المسألة. (وَنَحْنُ جُنُبَانِ) فيه شاهد على أن الجُنب يثنى ويجمع خلافًا لمن منعه، وفيه دليل على جَوَاز إدخال الجُنب يده في الإناء الذي فيه ماء الغسْل قبل أن يغسلها خارج الإناء إذا لم يكن على يده نجاسَة أو قذر غَير الجنَابة. قال في البخَاري: وأدخل ابن عمر والبراء يده في الطَّهور ولم يغسلها ثم توضأ، ولم ير ابن عمر وابن عَبَّاس بأسًا بما ينتضح (٣) من غسل

стр. 570

الجنابة (١)، وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يغسل يده قبل التطهر (٢)، وَيُجمع بينهما بأنَّ الأمر على حَالين: فحيث لم يغسل كان متيقنًا أن لا قَذَر في يده وحيثُ غسل كانَ ظانًا أو متيقنًا أن فيها شيئًا أو غسَلَ للنَّدب وتَرَكَ للجَواز، وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي، قال: كان أصَحاب رسُول الله ﷺ يدخلُون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهُم جُنب ﵃ (٣). [٧٨] (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيلِيُّ) قال: (ثَنَا وَكيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) الليثي مولاهم المدني. (عن) أبي النُّعمان (ابْنِ خَرَّبُوذَ) بفتح الخاء المُعجمة، قال النووي: الفتح (٤) أشهر، والرَّاءُ المشدَّدَة وضم البَاء الموَحدة وبعد الواو ذال معجمة (٥)، غَير منصرف، واسمه سَالم بن سرج، وثقه ابن معين (٦). (عَنْ أُمِّ صُبَيَّة) بضَم الصَّاد المهملة مصَغر، قال ابن عبد البر: قيل: اسِمها خَولة بنت قيس قيل (٧): زوجة حمزة عَم النبي ﷺ (٨) (الْجُهَنِيَّةِ) بضَم الجِيْم وهي جَدة خارجَة بن الحارث بن رَافع بن مَكيثٍ، بفتح

стр. 571

الميم وآخره ثاء مثلثة. (قَالَتِ: اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ الله ﷺ فِي الوُضُوءِ) بضم الواو (١) (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) زَاد الإسَماعيلي من طريق إسَحاق بن سُليمان عن أفلح، يعني (٢): حتى تلتقي، وللبيهقي من طريقه: تختلف أيدينا فيه؛ يَعني: وتلتقي (٣)، وهذا يشعر بأن قوله: وتلتقي. مُدرج، وفي رواية للبخاري: كنا نغتسِل من إناء واحد نغترف منه جَميعًا، (٤) فلعَل الراوي قال: وتلتقي بالمعنى. [٧٩] وَ (ثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ) بهذا الإسناد (ح وثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قال: كانَ الرِّجَالُ و) أزواجهم مِنَ (النِّسَاءِ يَتَوَضَّؤونَ) أي: ويغتسلون (فِي زَمَانِ رَسُولِ الله ﷺ . قَالَ مسدد) في روايته: كَان الرّجال والنساء يتوضّؤون (مِنَ الإِنَاءِ الوَاحِدِ جَمِيعًا) فيه جواز اغتراف الجنُب مِنَ الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهر بالماء، ولا بما يفضل منهُ، ويدُل على أن النَّهي عن انغماس الجنُب في الماء (٥) الدائم إنما هو للتنزيه؛ كراهية أن يستقذر لا لكونه يصير نجسًا بانغماس الجنُب فيه؛ لأنه لا فرق بيَن جَميع بَدَن الجنُب وبين (٦) عضو من أعضائه.

стр. 572

[٨٠] و (ثَنَا مسدد) قال: (ثَنَا يَحْيَى) القطان (عَنْ عُبَيدِ الله) بن عمر (١) (عن نَافِع، عَنْ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنسَاءُ) يحتَمل أن يكُون منصُوبًا على أنه مفعُول معهُ، ويحتمل أن يرتفع بالعَطف على الضَّمير كما تقدَّم. (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ) ولا يبعد أن يبلغه ذلك ويقر عليه (نُدْلِي) بضَم النون وإسكان الدَال (فِيهِ) أي: في الذي نتطهَّر به (أَيْدِيَنَا) بالنَصب مفعُول، حتى نلتقي من اختلاف الأيدي، فيُدلي الرجُل يَدَهُ فيغترف قبل المرأة وتُدلي هي يَدَهَا قبله فتغترف. * * *

стр. 573

٤٠ - باب النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ٨١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن يونسَ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، عَنْ داوُدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ (ح) وحَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبو عَوانَةَ، عَنْ داوُدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حميْدٍ الِحمْيَرِيِّ قالَ: لَقِيت رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أربعَ سِنِينَ، كَما صَحِبَهُ أَبو هريرة، قالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ المَرْأة بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ المَرْأَةِ. زادَ مُسَدَّدٌ: وَلْيَغْتَرِفا جَمِيعًا (١). ٨٢ - حَدَّثَنا ابن بَشّارٍ، حَدَّثَنا أَبُو داوُدَ -يَعْنِي: الطَّيالِسِي- حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ عاصِمٍ، عَنْ أَبي حاجِبٍ، عَنِ الَحكَم بْنِ عَمْرٍو -وَهُوَ الأقرَعُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ (٢). * * * باب النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ [٨١] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) اليَربوعي شيخ الشَّيخين، قال: (ثَنَا زُهَير، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الله) الأودي ([ح] وَثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوَضاح (عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الله) الأودي. (عَنْ حُمَيدِ) بن عَبد الرحمن (الْحِمْيَرِي) البَصْريِّ (قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النبِيّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله

стр. 574

- ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ المَرْأَةُ بِفَضْلِ) طهور (الرَّجُلِ ويَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ) أي: بالماء الفاضل مِنَ طهور (المرأة) كما سَيَأتي في الحَديث بَعدهُ، وقد استدل بهذا الحَديث والذي بَعده على المشهور من رواية أحمد (١). كما (٢) قال ابن قدامَة: أنهُ لا يجُوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة إذا خلت بالماء. قال: وقد كرههُ غَير واحِد من أصحاب النَّبي ﷺ لهذا الحَديث (٣). (زَادَ مسدد) في روايته (وَلْيَغْتَرِفَا) منه (جَمِيعًا) يَعني: أن القائلين بأنه لا يجوز وضوء الرجُل بفضل وضوء المرأة محله ما إذا خلت المرأة بالماء، وأمَّا إذا كانا جميعًا يغترفان منهُ فلا بأس باستعماله لهذِه الزيَادة. [٨٢] (ثَنَا) محمد (ابْنُ بَشَارٍ) بندار، أحد أوعية السُّنة، قال أَبُو دَاوُدَ: كتبت عن بندار نحوًا من خَمسين ألف حَديث (٤)، قال: (ثَنَا أَبُو دَاوُدَ) سُليمان بن دَاود (يعني: الطيَالِسِيَّ) أصلهُ فارسي سَكن البصرة، قال: (ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ) ابن سُليمان الأحَول، مَولى بني تميم، كان من أهل البصرة، وكان بالكوفة على الحسبة في المكاييل والأوزان، وكان قاضيًا بالمدائن لأبي جعفر. (عن أبي حاجب) سَوَادة بفتح المهملة والواو المخففة وآخرهُ هاء التأنيث ابن عاصم العنزي بفتح النُّون وكسر الزاي ليس بأخي نَصر بن

стр. 575

عَاصم، قال ابن معين والنسائي: ثقة. (١) ذكرهُ ابن حبان في "الثقات" (٢). (عَنِ الحَكَم بْنِ عَمْرِو، وَهُوَ الأَقْرَعُ) وهو الحكم بن عمرو بن مجدع، وقيل: مجدح (٣) ويُقالُ له: الحكم بن الأقرع الغفاري أخو رافع، ولهما صُحبة، نَزل البصرة ولي خُراسَان ومَات بمرو عام ٤٩. (أَن النَّبِي ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ) بفتح الطَّاء، أي: بِفَضْلِ (الْمَرْأَةِ) (٤) الماء الذي تتَطهر به المرأة من وضوء وغسل وغيرهما، وقد يدخل فيه التراب الذي تتيمم به، والمشهور عن أحمد أنه لا يجوز استعماله إذا خلت به المرأة، وهو قول عبد الله بن سَرجس (٥) والحَسَن، وغنيم بن قيس، وهو قول ابن عُمر في الحَائض والجنُب (٦). قال أحمد: وقد كرههُ غَير واحد من أصحَاب النبي ﷺ هذا إذا خلت المرأة به، والرواية الثانية: يجوز الوُضوء به للرِّجال والنسَاء، اختارهَا ابن عقيل (٧)، وهو قول أكثر أهل (٨) العلم؛ لرواية مُسلم في "صحيحه": كان

стр. 576

رسول الله ﷺ يغتسل بفضل مَيمُونة (١)، وقالت مَيمُونة: اغتسلتُ من جفنة ففضلت منها فضلة، فجاء النبي ﷺ يغتسل فقلتُ: إنِّي اغتسَلتُ منهُ، فقال: "الماء ليسَ عليه جَنَابة" (٢). واختلف أصحاب أحمد في تفسير الخلوة به، هي: أن لا يشاهدها رَجُل مُسلم، فإن شاهَدَها صَبي أو امرأة أو رجلٌ كافر لم يخرج بحضُورهم عن الخلوة. وذهب بَعْض أصحَابه إلى أن الخلوة استعمالها للماء من غير مشاركة (٣) الرجل في استعماله (٤). وأجَابَ أصحَابنا وغيرهم عن حَديث الحكم بن عمرو هذا بأجوبة، أحدها: جَوَاب البيهقي وغَيره أنه ضَعيف (٥). قال الترمذي: سَألتُ البخاري عنهُ فقال: ليسَ هذا بصحيح. قال البخاري: وحَديث ابن سرجس الصَّحيح أنه مَوقُوف عليه، ومن رفعه فقد أخطأ (٦)، وكذا قال الدارقطني (٧). قال البيهقي في كتاب "المعرفة": الأحاديث السَّابقة بالرخصَة أصح (٨)، وأجَابَ الخَطابي (٩)

стр. 577

وأصحَابنا (١) أن النهي عن فضل أعضائها هو مَا سال عنها في حال الاغتسال، ويؤيد هذا أن رواية داوُد بن عَبد الله الأودي عن حميد ابن (٢) عبد الرحمن الحميري، عن بَعض أصحَاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه نَهى أن يغتسل الرجُل بفضل المرأة. الجَواب الثالث: أن النهي للتنزيه جمعًا بين الأحاديث. * * *

стр. 578

٤١ - باب الوضوء بِماءِ البَحْر ٨٣ - حَدَّثَنا عَبْد اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِك، عَنْ صَفْوانَ بْنِ سلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ -مِنْ آلِ ابن الأزرَق- أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ أَبِي برْدَةَ -وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ- أَخْبَرَهُ أَنَّه سَمِعَ أَبا هُريرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِنّا نَرْكَبُ البَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنا القَلِيلَ مِنَ الماءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنا بِهِ عطَشْنا، أَفَنَتَوَضَّأ بِماءِ البَحْرِ؟ فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (١). * * * باب الوُضُوءِ بِمَاءِ البَحْرِ [٨٣] (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيمٍ) بضم السِّين المهملة مصغر، المدني القرشي الزُّهري الفقيه، وأبوه سُليم مولى حميد بن (٢) عبد الرحمن بن عوف، ذكر صفوان عند ابن حنبل فقال: هذا رجُل يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء يذكره، فإنَّه مِن عَباد الله الصالحين (٣). وقيل: لو قيل له: غدًا (٤) يوم القيامة ما كان له مزيد على ما هو عليه من العبادة.

стр. 579

(عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ) بفتح السين واللام المخزومي (مِنْ آلِ) (١) عقبة (ابْنِ الأَزْرَقِ) وثق النسَائي سَعيدًا (أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ) الكنَاني وثقه النسَائي وابن حبان (٢)، ولي غزو البَحر لسُليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين (٣). (وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) وكانَ حليفًا لهم (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُل رسُول الله ﷺ ) وقع في بعض الطُّرق التي ذكرها الدارقطني أن (٤) اسم السَّائل عَبدُ اللهِ المدلجي (٥)، وكذا ساقه ابن بشكوال (٦) بإسناده وأوردهُ الطبراني فيمن اسمهُ عبد، قال ابن منيع: بَلغني أن اسْمه عَبد، وقيل: عبيد بالتصغير، قال السّمعَاني في "الأنساب": اسمهُ العركي (٧)، وغلِطَ فيه، وإنما العَرَكي بفتح العَين والراء وصف له، وهو ملاح السّفينة. قال الشافعي (٨): هذا الحديث نصف علم الطهَارة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ) ورواية ابن مَاجَه عن ابن الفراسي قال: كنتُ أصيدُ وكانت لي قربة أجعَل فيها ماء وإنّي تَوضَّأت بماءِ البحْر فذكرتُ ذلك

стр. 580

لرسول الله ﷺ (١)، وفي البحر لأهل اللغة أصلان أحدهما معنى السَّعة، والثَّاني معنى الشق. قال القَزَّاز: سُمي بحرًا لسعته، من قولهم: تبحَّر الرجُل في العِلم. وفيه نظر؛ لأنَّ التبحُّر (٢) في العِلم مأخُوذ من البحْر؛ لا أنَّ البحر مأخوذ منهُ، وحَكى الأزهري عن اللَّيث: سُمي بحرًا لاستبحاره وانبساطه وسَعته (٣). وقال الأزهري: سُميت الأنهار بحارًا (٤)؛ لأنها مَشقوقة في الأرض شقًّا، والبَحرُ في كلام العَرب الشق، ومنه قيل للناقة التي تشق في أذنها: بحيرة (٥) وتسمية الماء الكَثير بالبحر لملازمته الشق أو مجاورته، وهذا (٦) يلزم منهُ المجَاز بالنسبة إلى الموضع اللغَوي، فإن ادّعِيَ فيه النقلُ عرفًا أو الاشتراك، فالكل خلاف الأصل وفيه دليل على جواز ركوب البحَر في الجملة. قال ابن دقيق العيد: وورد في بَعض الروايات ركوبه للصَّيد فيدل دلالة خاصة على ركوبه في طلب المعيشة، لكن يعارضه رواية المُصَنف: "لا يَركب البَحر إلا حَاجًا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل الله .. " الحديث (٧)، ولك (٨) أن تأخذ من هذا الحَديث مُطلق الركوب

стр. 581

من حيث هو ركوب من غير تعرض إلى الأحوال العَارضة التي تحرم أو توجب كراهيةً أو غير ذلك، كما هو عَادَة الفقهاء في إطلاق الحكم بالنظر إلى الحقيقة مِنْ غَير التفات إلى الأحَوال العَارضة كما تقول: الصَّيد جَائز، وقد يعرض ما يُوجبُ تحريمه. والنكاح مُستَحب، وقد يعرض ما يُوجب وجوبه (١) ولك (٢) أن تُفَصِّل. ونقل (٣) أبو القاسم بن الجَلاب عن مَالك كان (٤) يكره ركوب البَحر لما يدخل على الإنسَان من نقص في صلاته، وذكر ركوب البحْر ثلاثة أقسَام وجعل ما ذكره (٥) مالك من الكراهة منزلًا على أحدها فقال: رُكوب البحر على ثلاثة أوجُه: جَائز: وهو إذا كانَ من شأنه أنهُ (٦) يقدر على صَلاته قائمًا، ولا يميد، ومكروه: وهو ما (٧) إذا لم يتقدم لهُ عَادَة بِرُكوبه ولا يَعلم إذا ركبَهُ هَل يميد وتتعطل صَلَاته أم لا؟ وممنوع: وهو ما إذا كانَ يَعلم من شأنه أنه يميد ولا يقدر على أداء الصَّلاة لكثرة الرَّاكب، ولا يقدر على السُّجُود (٨). وتقرير النَّبي ﷺ السَّائل عمَّا ذكر (٩) لهُ في ركوبهم البَحر، ولم

стр. 582

يستفصل عن أحْوَال راكبه، دليل على الجوَاز مُطلقًا على القاعدة التي ذكرها الشافعي أن ترك الاستفصَال في حكاية الحَال مع قيام الاحتمال مُنَزل (١) مَنزلة العُموم في المقَال (٢). فَعَلى هذِه القاعدة (٣) إذا وَجَدَ اللفظ جَوَابًا عن السُّؤال، فيُنزل التقرير بعد السُّؤال مَنزلة اللفظ حَتَّى يعمَّ أحْوال السؤال في الجَواز؛ لإقامة الإقرار على الحكم مَقام الحكم، إذ لا يجُوز تقريرُهُ ﵇ على أمر بَاطل فنزل (٤) إقراره مَنزلة الحكم المبين (٥). لكن يرد هَاهنا ما قاله الغزالي: إن المفهوم ليسَت دلالته لفظية، والعموم من عوَارض الألفاظ. وهذا المعَنى موجُود في دلالة التقرير، إذ ليسَت لفظية، ويُجاب عن هذا بأنا قلنا أنَّه منزل منزلة العُموم بمعنى شمول الحكم للأحوَال، ولا يجعلهُ حقيقة في العُموم. (وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ) يستدل به على أن إعدَاد الماء الكافي للطهَارة مع القدرة عليه غير واجب على ما تقدم، وهو ترك الاستفسار والإقرار على السؤال؛ لأنهم أخبروه (٦) أنهم يحملون القليل من الماء وهو كالعَام (٧) في حَالات حَملهم، فيمُكن أن يكونَ مع القدرة على

стр. 583

حَمله، ويمكن أن يكون بسَبَب العَجز عن حَمله بسَبَب ضيق مراكبهم عن حَمل البَاقي، فإذا جَعلناهُ كالعَام فيتناول حَال القُدرة، ولم ينكر عليهم، فدلَّ ذلك على جَواز هذِه الحالة. (فإن (١) تَوَضأنا بِهِ عَطِشْنَا) بكسر الطَّاء، يُقالُ: عَطش عَطَشًا فهو عَطشان وامرأةٌ عَطِشَةٌ وعَطْشَى. قال سُليمان بن خلف الباجي في كلامه على هذا الحَديث: فيه دليل على أن العَطَش له تأثير في ترك استعمال الماء المعدّ (٢) للشرب، ولذلك أقرهُ النبي ﷺ على التعَلق به. (٣) وقال الحافظ يوسُف بن عَبد الله بن عَبد البرِّ في هذا الحَديث: إن المُسافر إذا لم يكُن معهُ من الماء إلا ما يكفيه لشربه وما لا غنى به عنهُ ولا فضل فيه؛ يعني: عن سقيه، أنه لا يتوضأ به، وأنَّه جائز (٤) له التَّيمم. انتهى (٥). وينبني هذا على تقرير مسألة، وهي أنه إذا خاف العَطش فما الخَوف المعتبر في إباحة التَّيمم وظاهِر اللفظ في الحَديث تعليقه بُمطلق العَطش، والشافعية (٦) يعتبرُون هذِه الحَالة بحالة المرض المُبيح للتيمم فينظر هل

стр. 584

يكون الخَوف من التلف لنفس أو عضو أو منفعة أو زيادة المرض أو تأخير البُرء أو شَيْنٍ فاحشٍ على عضوٍ ظاهر، فإذا قسناهُ بذلك اقتضى ذلك تقييدًا في العَطش واحتاج إلى دَليل، ولعلّه القياس وينبني على القاعدتين أن التوقعَ مِن خوف العَطش كالوَاقع، والمظنونَ كالمعلوم؛ لأن قوله: عَطشنا يَحتملُ العَطش حَالًا أو مآلًا (١) والحكم يحتمل العِلم والظن، فإذا فرَّعنا على وُجُوب الاستفصَال عند اختلاف الحكم، وأنَّ تركَ الاستفصَال يدُل على عُمُوم الحكم، جُرِيَ على ذلك. (أَفَنَتَوَضأُ بِمَاءِ البَحْرِ؟ ) فيه حَذف الصِّفةِ مع بقاء الموصوف تقديرهُ: أفنتوضأ بماء البحر المِلحِ (٢)؟ فحذف الصفة كقوله تعالى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ (٣) أي: الوَاضِح، وإنما يصح الحَذف إذا فهم المعنى طلبًا للاختصار مَع حُصُول المقصُود. (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ ) قال ابن العربي: لو قال لهم (٤) النبي ﷺ : نَعم، لما جَاز الوضوء به إلا لضَرورة، وعليه وقع سُؤالهم؛ فبها كان يرتبط جَوابهم لو قاله؛ فاستأنف بيان الحكم بجواز الطهَارة به (٥). قال ابن دقيق العيد: وفيه وجه آخر: لو قال نعم لم يستفد منه من حيث اللفظ إلا جواز الوضوء به الذي وقع عنهُ السُّؤال ولما أجَاب بأنه الطهُور أفاد جَوَاز رَفع الأحداث أصغرها وأكبرها (٦) وإزالة

стр. 585

الأنجاس به لفظًا، فكانَ أعم فائدة. وفيه وجه آخر (هُو) هذا هو (١) ضَمير الشأن، وهو من محاسن كلامهم، والسَّبب فيه أنهُ يشعر بالجملة الآتية بعده إشعَارًا كليًّا وتتشرف (٢) النفس إلى تفسير الآتي عند سَماع الإبهام، فإذا أتى به قبلته النَّفس قبُول الطالب لمطلوبه وكونه يحتمل أن يكون ضَميرًا يعُودُ على البَحر لا يمنع أن يكون ضَمير الشأن كما أن قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) ضَمير الشأن، وإن كان يَحتمل أن يَعوُد على الربِّ الذي قالوا للنبي ﷺ : صف لنا ربك مما هو. فأنزل اللهُ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. (الطهور) بفتح الطاء اسم للماء الذي يتطهر به، واستدل به على أن الطهور هو ما يتَطهر به، ووجه الاستدلال أن الطاهرية أعَم من الطهورية فكل طَهُورٍ طاهرٌ ولا ينعكِسُ، والحكم على الشيء بالمعنى الأعم لا يستلزم الحكم عليه بالوصف الأخص، فلا يفيد الجواب عن السُّؤال عن الأخص. وحكى (٤) القاضي طاهر بن عبد الله الطبَري الشافعي عن أبي بكر الأصم وأبي بكر بن داود وبعض متأخري أصحَاب أبي حنيفة وطائفة من أهل اللغة أن معنى طَهُور وطاهر سواء (٥)، واحتجوا بأن ما كانَ

стр. 586

فاعله لازمًا ففعوله مثله كنَائم ونؤوم، وصَابر وصَبُور وشاكر وشكور، وما كانَ فاعله متعديًا ففعُوله مثله في التعدي كقابل وقبول (١) وضارب وضَرُوب وشاتم وشتوم، وأصل هذا أن صيغة فعول لا تنبني (٢) إلا من فعل ثلاثي مجرد عن الزيادة والفعل في مسألتنا طهر وهو قاصرٌ وطهوُر مثله، وأجَابَ عنه القاضي بأنه لابد أن يكون لفعول صفة (٣) زائدة على فاعله، ألا ترى أنك تقول: نائم لمن وُجِدَ منه النوم، ونؤومٌ لمن كَثُر منه النَوم وكذلك صَابر لمن صَبر مرة. وصَبور لمن تكرر منه الصَّبر. ولما كانت المياه طَاهرة لم يكن بد أن يجعَل في الطهور مزية على طاهر، وليست تلك المزية إلا تعديها للتَّطهير وأيضًا فلا يقالُ: "نائم" إلا لمن وجد منه النوم، وكذلك قاتل وشاتم ولا يوصف صَاحبه بذلك إلا بعد وجوده منه، وأمَّا الماء فيقال فيه: طَهور قبل أن يوجد منه التطهير، فكان بمنزلة قولنا: سُحور وفطُور لما يُتَسَحَّر به ويفطر عليه، فكذلك طهور لما يتطهر به. وقد أورد هذا بَعض المتأخرين فقال: لا شك أن مجرد بنائه على فعول لا يُوجب تعديه كما قال السَّائل لكنَّا نقول: استقر لفظ طهُور في عُرف اللغة إنما يُطلق على ما يتطهر به فهو اسم للآلة التي يفعَل بها كالبخور والغسُول لما يتبخر بهِ ويغتسل به، فصَار كاللقب على ذلك لا أصل بنائه (٤) فقط، كقوله ﵊: "جُعلت لي الأرض

стр. 587

مَسْجدًا وطهورًا" (١). (مَاؤهُ) في إعراب قوله: "هو الطهوُر ماؤه" أنهاه بعضهم إلى قريب من عشرين وجهًا في كثير منها تكلف وإضمار لا يظهر الدلالة عليها، فتركنا أكثرها واقتصرنا (٢) على أربعة أوجهٍ: الأول: أن يكون (هو) مُبتدأ والطهور مبتدأ (٣) ثانيًا خبره (ماؤه) والجملة من هذا المبتدأ الثاني وخبرهُ خَبر للمبتدأ الأول. الثاني: أن يكون (هو) مُبتدأ والطَّهور خبرهُ و (ماؤه) من بدل الاشتمال، وفي هذا بحث دقيق. الثالث: أن يكون (هو) ضَميرُ الشأن كما تقدمَ (٤) وفي محله تفصيل، و "الطَّهور ماؤه" مبتدأ وخبر، ولا يمنع من هذا تقدم ذكر البحر في السُّؤال كما تقدم؛ لأنَّهُ إذا قصد الإنشاء وعدم إعادَة الضَّمير في قوله هو على البحْر، صح هذا الوجه كما قالوا في ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أنه ضَمير شأن مع ما روي من تقدم ذكر الله تعالى في سُؤال المشركين، حَيث قالوا: انسب لنا ربَّك. الرابع: أن يكون (هو) مُبتدأ و (الطهورُ) خبر و (ماؤه) فاعل؛ لأنه قد اعتمد عَامِله بكَونه خَبرًا. واستدل المالكية بلفظ الطهور على مسألة الماء المُستعمل من حَيث

стр. 588

أن صفة (١) فعُول تقتضي التكرار كالقطوع للسَّيف والضروب للرجُل فيقتضي ذلك تكرار التطهر به، فيدخل فيه الماء المستعمل (٢)، وقيل في الآية أنه جعَل الماء مُطهرًا، ولم يفرق بيَن أن يُستعمل وبين أن لا يُستعمل، فوجب أن تثبت له الصفة ما دَام ماء، وهذا يجيء مثله في لفظ الحَديث. وأجَاب القاضي أبو الطيب طاهر الطبَري بأنه أراد أنه معد للطهَارة كما نقول: فطُور وسُحور؛ لأنه معدٌّ لذلك، والدليل على ذلك أنه سَماهُ طهورًا قبل أن يتطهر به. قال ابن دَقيق العيد: والاستدلال بالآية أقرب من لفظ الحديث؛ لأن لفظ الحَديث اسم جنس مُضاف يقع على قليله اسم كثيره، وبالعَكس فيقتضي أن يضاف الحكم بالطَّهورية إلى كل ما يُسمى ماء البحر، وألفاظ العموم كلية، أي: يثبت الحكم في كل فَرد مِن أفراد ألفاظ العموم، فيقتضي ذلك أن يكون كل جُزء مما يُطلق عليه اسم ماء البحر يحكم (٣) له بالطهُورية، فإذا سلم الخصم اقتضاء الصِّيغة للتكرار لزم ذلك في كل جُزء. فإن قيل: يمكن أن يُجاب عن التكرار بأن الماء يتردَّد على العضو، فملاقاته لأول جُزء طهره ثم ينتقل إلى الجزء الثاني مِنَ البَدَن فيطَهرُه، فيحصُل تكرار التطهير بالجُزء المُعَين مِنَ الماء بخلاف الوجه الذي

стр. 589

ذكرهُ القاضي، فإنَّه لا يقتضي حصول التكرار بالنسبة إلى جزء معَين فإنَّما يقتضيه بالنسبة إلى الجنس. قال: وفيه بحث؛ (لأنَّ لقائلٍ) (١) أن يقول أحَد الأمرين لازم، وهو إمَّا عدم التكرار المدَّعي أو ثبوت حكم (٢) الاستعمال قبل انفصال الماء عن العضو، والثَّاني منتفٍ فيلزم الأول. واستدل الحنفية بكون الماء مُطهرًا وطَهورًا على أنه لا تشترط النيَّة في الوضوء، وحملوا على ذلك من الاستدلال قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٣) نص على كون الماء مُطهرًا، ولو توقفت الطهَارة على النيَّة لم يكن مجرد الماء مُطهرًا (٤)، ويستدل به على جَواز التطهر بماء البَحر، وهو المقصُود بالذات مَنَ الحَديث (٥) وعنه وقع السُّؤال وذلك مَذهب الجمهور من الأئمة. قال ابن المنذر: وممن روينا عنهُ أن ماء البحْر طهور أبو بكر الصديق (٦)، وعمر بن الخَطاب (٧)، وابن عَبَّاس (٨)، وعقبة بن عَامر (٩).

стр. 590

وبه قال عطاء (١)، وطاوس (٢)، والحسَن البَصري (٣)، ومالك (٤) وأهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الشَّام والشَّافعيّ (٥) وأحمد (٦)، وبه نقول (٧). قال: وروينا عن ابن عُمر أنه قال في الوضُوء بماء البَحر: التَّيمم أحَب إلي منهُ (٨)، وعن عَبد الله بن عمرو: لا يجزئ من الوضُوء ولا مِنَ الغسْل والتيمم أحَب إلي منهُ (٩)، وعن ابن المُسَيِّب: إذا ألجئت إليه فتوضأ منه (١٠). قال ابن عَبد البر: جاء عن ابن عمرو ابن عمرو كراهية الوضوء بماء البحر، ولا يصح عنهما والذي ذكر في علة قولهما أنه نار وأسندوا فيه (١١) حَديثًا (١٢)، وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنه أرَادَ بقوله نارًا في نار أن البحَار تَصير يوم القيامة نارًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (١٣) ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (١٤) فوصفه بما يؤول إليه حَالُه.

стр. 591

والثَّاني: أن البحر في إهلاكه لراكبه كالنار في الصفة، ولهذا يقال: السُّلطان نار، أي: فعله يهلك كما تهلك النار، واستدلوا (١) بهذا الحَديث على أن الماء المتغير بقذارة طهور بناء على أن الأصل في ماء البحر العذوبة وتغيره بسبب مروره على أجزاء من الأرض سَبخة مَالحة. وهذا الاستدلال يتوقف على إثبات هذِه المقدمَة، أي (٢) أن الأصل فيه العذُوبة، وتغيره باعتبار المرور، وقد ذكر ذلك عن غير واحد من الفضلاء، ولكنه أمر لابد من إثباته بدليل يدل عليه إذا نوزع فيه، فإن الله تعالى سمَّاهُ ملحًا بقوله تعالى: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ (٣) وأصل التّسمية به تدل على أن هذا الوصف لازم له لا عارض (٤). وهذا الحَديث مذكور (٥) في علم الأصول في مسألة العَام الوارد على سَبَب خاص، حيث قالوا: إن الجَواب إذا كان مُستقلًا عن السؤال عَامًّا في لفظه لا يتقيد بسببه من حيث أن العموم إنما خَصصهُ ما يناقض عُمومه، وليس في ورود العَام على سَبَب خاص ما يناقض عمومه، وذكروا خلاف الشافعي في هذِه المسألة، وإنما ننبه فيها على شيء يغلط فيه بعضهم بسببه، وذلك أن السؤال والجَواب قد يكون اتساقهما وسياقهما مقتضيًا للتخصيص وقد لا يكون، فإن كان الأول اقتضى ذلك التخصيص؛ لأن السِّياق مُبين للمجملات مرجح لبَعْض المحتملات مُؤكد

стр. 592

للواضحات، وإن كان الثاني فهي المسألة الخلافية، فقد يرجح بعض الضعَفة فيرى السُّؤال والجَواب حَيث يقتضي السيَاق التخصيص فيحملهُ على المسألة الخلافية ويُرجح (١) ما رجحه الجمهُور من القول بالعموم. قال ابن دَقيق العيد: وهو عندنا غلط في مثل هذا المحل فلينتبه (٢) له وقد أشارَ بعض فقهاء المالكية المتأخرين إلى تَصحيح قول سَعيد بن المُسَيّب المتقدم أنهُ إنما يتوضأ به إذا ألجئ إليه من هذا الحديث؛ لأنَّهُ ورد جوابًا عن قوله: إن توضأنا به عَطشنا وأجَاب بأن حَمله على المسألة الأصُولية المُرَجح عند الأكثرين من القول بالعموم. وقال: إنما يلزم ذلك الشافعي الذي اختار تخصيص العَام بسببه، وهاهُنا قاعِدَة ينبغي عليها ما لا يحصَى منَ المبَاحث المتَعلقة بهذا الحَديث (٣) ونحوه، لا بأسَ بذكرها هَاهنا لينتفع (٤) بها في غَيره مِنَ الأحَاديث ولا يحتَاج إلى إعَادتها، وهي أنَّ اللفظ العَام مُطلق باعتبار الأزمَان والبقاع والأحَوال والمتعَلقات، وإن كان عَامًّا في الأشخاص. وقد يُستعمل ذلك في دفع (٥) كثير من الاستدلالات بالألفاظ من الكتاب والسُّنة فيؤتى إلى بعض الأحَوال التي يتفق عليها (٦) من الخصمين، فيقال: إن اللفظ مُطلق في الأحوَال، وقد عملنا في

стр. 593

الصُّورة الفُلانية، والمطلق يكفي في العَمل به مَرة واحِدَة، فلا يلزم العَمل به في صُورة النزاع. قال ابن دقيق العيد: أمَّا كون اللفظ العَام في الأشخاص مُطلقًا في الأحوال وغَيرها، كما ذكر فصَحيح، وأما الطريقة المذكورة في الاستدلال فإذا لزم من العمل بالمطلق في صُورة دُون غيرهَا عود التخصيص إلى صيغَة (١) العمُوم وجبَ القول في العمُوم في تلك الأحْوَال لا من حَيثُ أن المُطلق عَام باعتبار الاستغراق بل من حَيث أن المحافظة على صيغة العُموم في الأشخاص واجب، فإذا وجدت صُورة وانطلق عليها (٢) الاسم من غير أن يثبت فيها الحكم، فإن ذلك مُنَاقض للعُموم في الأشخاصِ. فالقول بالعمُوم في مثل هذا من حيث وجُوب الوفاء بمقتضى الصِّيغة العَامة، لا مِنْ حيث أن المُطلق عَام عُمومًا استغراقيًا، وأما قولهم إن المطلق يكفي في العمل به مَرة، فنقول: يكتفي فيه بالمرة (٣) فعلًا أو حملًا، الأول مُسلم والثاني ممنوع، وبيان ذلك أن المطلق إذا فعل بمقتضاه مرة ووجدت الصورة الجزئية التي يَدخل تحتها الكلي المُطلق كفى ذلك في العَمل به، كما إذا قيل: أعتق رقبة ففَعَل ذلك مَرة لا يلزمهُ إعتاق رقبة أخرى لحصُول الوفاء بمقتضى الأمر من غَير اقتضاء اللفظ العموم، وكذا إذا قال: إن دخلت الدَّار فأنت طالق فدَخلت مرَّة

стр. 594

حَنث ولا يحنث بدُخولها ثانيًا لوُجُود مُقتضى اللفظ فعلًا من غير اقتضاء العموم. أمَّا إذا عمل به مَرة حملًا، أي: في صُورة مِن صُوَر المطلق لا يلزم التّقييد بها فلا يكون وفاء بالإطلاق؛ لأن مقتضى تقييد الإطلاق، بالصُّورة (١) المعينة حملا أن لا يجعَل الاكتفاء بغَيرها، وذلك يناقض الإطلاق، مثاله: إذا قال (٢): أعتق رقبَة، فإن مُقتضى الإطلاق أن يحصُل الإجزاء بكلِّ ما يسمى رقبة (٣) لوجود المطلق في كل معتق من الرقاب، وذلك يقتضي الإجزاء به، فإذا خصَّصنا (٤) الحكم بالرقبة المؤمنة منعنا إجزاء الكافرة، ومقتضى الإطلاق إجزاؤها إن وقع العتق لها، فالذي نقلناه (٥) خلاف مقتضاهُ فتنبه (٦) لهذِه الموَاضع التي ترد من ألفاظ الكتاب والسُّنة إذا كانَ الإطلاق في الأحوَال أو غيرها مما يقتضي الحمل على البَعْض، فيه عود التخصيص إلى محَل العموم، وهي الأشخاص أو مخالفة لمقتضى (٧) الإطلاق عند الحَمل، فالحكم لا يكون بالتخصيص مع وجُود الوفاء أو التّقييد بُمقتضى العُموم أو الإطلاق إلا لدليل منفصِل.

стр. 595

(الْحِلُّ) بكسْر الحَاء، بمعنى: الحَلال كالحرم بمعنى: الحَرام (مَيتَتُهُ) (١) بفتح الميم؛ لأن المراد العَين الميتة، وأمَا الميتة بكسر الميم فهي هيئة الموت، ولا مَعنى لهَا هنَا إلا بتكلف، والميتة بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد في موارد الاستعمال، وفصل بَعضُهم بينهما، ويجوز أن تأتي الوُجوه الأربعة المتقدمة هنا، فيجوز أن يكُون: الحل خَبَر مُبتدأ محذوف تقديره هُو الحل ميتته، و (ميتته) بدَل اشتمال كما تقدم، وقد اسْتدل بهذا على الزيادة في الجَواب عن السُّؤال. قال ابن العَربي: "الحِل ميتته": زيَادة على الجَواب، وذلك من محاسن الفتوى، بأن يأتي بأكثر مما سُئل عنه، تتميمًا للفائدة وإفادة لعلم آخر غير المسئول عنه (٢) وقد يؤكد (٣) هذا بظهُور الحَاجة إلى هذا الحكم؛ لأن من توقف في طهورية مَاء البحْر فهو عَن العِلم بحل (٤) ميتته مع (٥) ما تقدم من تحريم الميتة، أشد توقفًا (٦). وهذا الحَديث مذكور في الأصُول في مسألة الخطاب الوارد جوابا لسُؤال سَائل، وقيل: لا خلافَ في العُموم في حل مَيتته؛ لأنه عام

стр. 596

مُبتدأ لا في معرض الجَواب إذ هو غَير مسئول عنهُ وورد مبتَدأ بطريق الاستقلال فلا خلاف في عمومه عندَ القائلين بالعُموم وهاهنا تنبيه وهو أن وجده اللفظ العَام بالنسبة إلى مواردها المتعددة مُعتبرة فيها لا في غَيرها فإذا ادعى أن المراد بالعموم هَاهُنا جَواز الوضوء وحل الميتة ليس عامًّا بالنسبة إليهما بل هُما لفظان كل واحد منهما منفرد عَن الآخر يعمُّ كل واحد منهما عَام فيما يتناولهُ. وقال بعَض المتأخرين: إنهُ ليسَ هاهنا لفظ مُنفرد أعم مِنْ ماءِ البحر، فالمجموع من لفظ الماء والميتة أعَم مِنَ السُّؤَال، والجَوَاب أعم مِنَ السُّؤال، وأنت تعلم أنهُ مع تعدُّد اللفظ لا يحْصل العُموم الاصطلاحي، بل حَاصِله أن الأحكام المستفادة مِنَ الجَوَاب المختصّ بما وقع عنهُ السُّؤال، وذلك لا يقتضي لفظًا واحدًا يعم ما وقع فيه وغَيره مِنْ جهة واحدة؛ نعم إن قيل السُّؤال وقع عن الوُضوء، وكون مائه طهورًا يفيد الوُضوء وغَيره فهو أعم مِن السُّؤال، فلذلك وجه، ولفظ الميتة هَاهنا مُضَاف إلى البَحر، ولا يجُوز أن يحمَل على مُطلق ما يجوز إضَافته إليه مما يطلق عليه اسم الميتة، وإن كانَ الإضَافة شائعة في ذلك بحكم اللغة، وإنما هُو محمول على الميتة من دوابه المنسُوبة إليه أو ما يُؤدي هذا المعنى. وقد ذكر ابن الحَاجب إشارة لطيفة حَيث ذكر صيغ العموم وأسماء الشروط والاستفهام، واسم الجنس المعَرف تَعريف جنس والمضَاف إلى ما يصلحُ للبَعْض والجَميع والنكرة في النفي، فقوله: والمُضَاف لما يَصْلحُ للبَعْض والجميع؛ تقييد يقتضي العموم، وقد بنى على هذا

стр. 597

أن لفظة (١) الميتة في الحديث لا تكون للِعموم؛ لأنه ليسَ مما ينطلق على الكثير والقَليل، فلا يُقالُ لعدة (٢) مِنَ الميتات: ميتة. وهذا يُخالف استدلال الناس بهذا العُموم، وللنظر فيه فَصل. قاعدة ينبنى (٣) عليها غَيرها: اعلم أن الحقائق إمَّا أن لا ينطلق بَعضها على بعض وهي المتباينة كالإنسَان والفَرس. أو ينطلق كل وَاحِد منهما على الآخر وهي المتساوية كالإنسان مع الناطق، أو ينطلق أحدهما على كُل ما (٤) ينطلق عليه الآخر من غير عكس من الطرف الآخر، فالأول هو العَام من كل وجه، والثاني الخاص كالحيَوان بالنسبة إلى الإنسَان، فإن الأول ينطلق على كل الثاني، والثاني لا ينطلق على كل الأول، فالأول عَام مُطلقًا، والثاني خاصّ بالنسبة إلى الأول، أو ينطلق كل واحد منهما على بعض ما ينطلق عليه الآخر، فكل واحد منهما عَام بالنسبة إلى الآخر من وجه دُون وجه كالحيوان والأبيض فإن الحيوان ينطلق على بعض الأبيَض والأبيَض ينطلق على بعض الحيَوان. إذا ثبت هذا فنقول: إذا ورد لفظان كل واحد منهما عَام من وجه وخاص من وجه، فالمسألة من مشكلات عِلم الأصُول، واختار قوم فيها الوقف (٥) إلا بترجيح يقوم على القول بأحد اللفظين

стр. 598

بالنسبة إلى الآخر، وكأنهُ يراد الترجيح العَام الذي لا يخصّ مدلول العموم كالترجيح بكثرة (١) الرواة، وسائر الأمور الخارجَة من مَدلول العُمومين من حَيث هو عمُوم. قالَ أبوُ الحُسَين (٢) في "المعتمد": وليس يخلو مثل هذين العمُومين، إما أن يعلم تقدم أحَدهما على الآخر أو (٣) لا يعلم ذلك، فإن لم يعلم ذلك لم يخل إمَّا أن يكونا معلومين أو مظنونين أو أحدهما معلومًا والآخر مظنُونا؛ لأن الحكم بأحدهما طريقه الاجتهاد، وليس في ترجيح أحدهما ما يقتضي اطراح الآخر فالتخيير (٤). وقال محمد بن يحيى: ليس أحَدهما بأولى من الآخر، فينظر فيهما إنْ دخلَ أحَدهما تخصيص مُجمع عليه فهو أولى بالتخصيص، وكذلك إذا كان أحَدهما مقصودًا بالعمُوم يرجح على ما كانَ عمُومه اتفاقًا (٥). وقد اختلفوا في أكل التمسَاح، فمنعهُ الشافعي (٦)، وأباحَهُ مَالك وأصحابه (٧)، وهي إحدى المسَائل التي تنبني على هذِه القاعدة. وبيَان ذلك قوله: "الحِل ميتتهُ" إذا جَعَلناهُ عَامًّا كما استدل الناس به

стр. 599

على العُموم دَخل فيه التمسَاح، ويَعارضه نهيهُ ﵊ عن أكل كل ذي ناب مِنَ السبَاع، فهو عَام بالنسبة إلى البري والبحري، فيدخل فيه التمسَاح، فيكون كل واحِد منهما عَامًّا من وجه خاصًّا من وجه، فيدخل تحت القاعدَة، إلا أن تدعي المالكية انصراف لفظة السبَاع إلى البري، لتبَادر اللهم عند الإطلاق إليه، فعَلى هذا لا يُعارض كل واحد منهما الآخر من وجه. وإذا عُورضوا بوُجُود الحقيقَة في السّبعيَّة، وثبتَ لهم العُرف في الاستعمال؛ كان الاستعمال مُقدمًا على الحقيقة اللغَوية، وإن لم يثبت (١) ذلك فلا بدَّ من ترجيح، فإن طَلبَ الترجيح العَام الخَارج عن مدلول اللَّفظين، فقد ترجح المالكية عُموم هذا الحَديث بموافقة ظاهر قوله تعالى (٢): ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٣). واستدَل بهذا الحَديث على الحكم بطهارة (٤) كل مَيتة البحر مع صميم مقدمَة أخرى، وهي أن النجس لا يحَل أكله بدَليل نهيه ﷺ عن أن يقرب مَائع السمن إذا وقعت فيه الفأرة (٥)، واختلفوا في إبَاحَة أكل السَّمك الطافي، والذي ذكرهُ الحنفية كراهته (٦).

стр. 600

ومذهب الشافعي (١) ومالك (٢) إباحته، وعمُوم الحَديث يقتضيه، ويستدل به عند القائلين بمفهوم المخالفة على أنه لا يجوز ابتلاع السمكة حَية لتخصيص (٣) الحِل بالموت، فيخرجُ منه الحي في الحكم، وبعضهم يَجعَل الموت في السَمك كالذبح في غَيره ليَحصُل الحِل، ويستدل لهذا اللفظ بمفهُوم الموافقة مِن وجه آخر، وذلك أنا لما بَينا (٤) أنَّ عُرف الشرع في الميتة ما عدم الحياة من غير ذَكاة، فإذا دل الدليل على إبَاحَة ذلك كان ما ذكي أولى بالإباحة. وهذا من لطيف ما وقع أن يجتمع في لفظة واحدة مفهُوم المخالفة ومفهوُم الموافقة باعتبارين كما ذكرناهُ، وفي قوله: "والحِلُّ ميتته" إضافة الحِل إلى الميتَة، والأعيان لا تقبل الحِل والحُرمة بنفسها، بل بأمر يتعلق بها، فذهَب بَعض الأصُوليين إلى الإجمال (٥) في مِثل هذا؛ لأنهُ لا بد من إضمار مُتعلق، والمتعلقات مُتعدّدة لا ترجيح لبعضها على بعض بغَير دليل فيجيء الإجمال، واختاروا كونها (٦) مُقتضية لتحريم ما يراد من العَين عرفًا، فتحريم الميتة تحريم أكلها كما أن تَحريم الخَمر تحريم شربها.
следующие страницы →