← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

(قال أبو داود: أبو (١) المهزم رجل ضعيف، والحديثان جميعًا وهم). قال النووي: أبو المهزم ضعيف [باتفاق المحدثين وبالغوا في تضعيفه حتى قال سعيد (٢): لو أعطوه فلسًا يحدثهم سبعين] (٣) حديثًا (٤).

стр. 5322

٤٤ - باب في الفِدْيَةِ ١٨٥٦ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خالِدٍ الطَّحّانِ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنْ أَبي قِلابَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي ليْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الحُديْبِيَةِ فَقَالَ: "قَدْ آذاكَ هَوامُّ رَأْسِكَ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبي ﷺ : "احْلِقْ ثُمَّ اذْبَحْ شاةً نُسُكًا أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أيّامٍ أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَساكِينَ" (١). ١٨٥٧ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي ليْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "إِنْ شِئْتَ فانْسُكْ نَسِيكَةً وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيّامٍ وَإِنْ شِئْتَ فَأَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَساكِينَ" (٢). ١٨٥٨ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ ح وَحَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ - وهذا لَفْظُ ابن المُثَنَّى- عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عامِرٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الحُديْبِيَةِ فَذَكَرَ القِصَّةَ فَقَالَ: "أَمَعَكَ دَمٌ". قَالَ لا. قَالَ: "فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَساكِينَ بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينيْنِ صاعٌ" (٣). ١٨٥٩ - حَدَّثَنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا اللّيْثُ، عَنْ نافِعٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصارِ أَخْبَرَهُ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - وَكَانَ قَدْ أَصابَهُ في رَأْسِهِ أَذى فَحَلَقَ، فَأَمَرَهُ النَّبي ﷺ أَنْ يُهْدي هَدْيًا بَقَرَةً (٤).

стр. 5323

١٨٦٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا يَعْقُوبُ حَدَّثَني أبِي عَنِ ابن إِسْحاقَ حَدَّثَني أَبانُ - يَعْني ابن صالِحٍ - عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي ليْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: أَصابَني هَوامُّ في رَأْسي وَأَنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عامَ الحُديْبِيَةِ حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَري فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآيَةَ فَدَعانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لي: "احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أيّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ أَوِ انْسُكْ شاةً". فَحَلَقْتُ رَأْسي ثُمَّ نَسَكْتُ (١). ١٨٦١ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ بْنِ مالِكٍ الجَزَري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي ليْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ في هذِه القِصَّةِ زادَ: "أي ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ" (٢). * * * باب الفدية [١٨٥٦] (وهب بن بقية) بفتح الباء الموحدة وكسر القاف وتشديد المثناة تحت (٣) (أبي قلابة) عبد الله بن [زيد الجرمي] (٤) (كعب بن عجرة) الأنصاري، مات سنة ٥٢. (أن رسول الله ﷺ مر به) وهو يوقد تحت قدر له (زمن الحديبية فقال: قد آذاك) يحتمل أن تكون (قد) للاستفهام كما أن هل للاستفهام جاءت بمعنى قد في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ والشيء

стр. 5324

يحمل على نظيره، ويدل على أن (قد) للاستفهام رواية الجمهور: "أيؤذيك هوام رأسك؟ " والاستفهام هنا سؤال لتحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم الشرعي (هوام رأسك) بتشديد الميم وهو القمل فهو هوام الإنسان المختصة بجسده. (قال: نعم) فلما أخبره بوجود المشقة عليه رتب عليه الحكم بالتخفيف (١). (فقال النبي ﷺ : احلق رأسك) أباح له حلق رأسه ثم أعلمه بما يترتب على ذلك من الفدية. قال ابن التين في "شرح البخاري" يحتمل أن يكون "احلق" على الندب، ويحتمل الإباحة، قال: وهذا يدل على أن إزالة القمل عن الرأس ممنوع وتجب به الفدية [وكذلك الجسد عند مالك. وقال الشافعي: أخذ القمل من الجسد مباح، وفي أخذها من الرأس الفدية (٢)] (٣)؛ لأجل ترفهه لا لأجل القملة (٤) (٥). وقال النووي في "شرح المهذب": يكره أن يفلي رأسه ولحيته، فإن فلى وقتل قملة تصدق ولو بلقمة، نص عليه الشافعي، وهذا التصدق مستحب وليس بواجب (٦) صرح به جماهير الأصحاب؛ لأنها ليست

стр. 5325

مأكولة فأشبهت الحشرات والسباع التي لا تؤكل. وفي وجه أن هذا التصدق واجب؛ لأنه يتضمن إزالة الأذى عن الرأس، ولو ظهر القمل في بدنه وثيابه فله إزالته ولا فدية بلا خلاف لا واجبة ولا مستحبة بخلاف قمل الرأس؛ لأنه يتضمن إزالة الأذى من الرأس، فقد ورد فيه النص، والصئبان لها حكم القمل، انتهى. (ثم اذبح) هذا ظاهر في أن الذبح لا يجزئ قبل الحلق؛ لأن (ثم) للترتيب، وقال الأوزاعي (١) في المحرم يصيبه الأذى في رأسه أنه يجزئه أن يكفر بالفدية قبل الحلق (٢). قال القرطبي: فعلى هذا يكون معنى الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣) إن أراد أن يحلق، ومن قدر فحلق ففدية فلا يفتدي حتى يحلق (٤) وهذا قول الجمهور. (شاة) قال ابن عبد البر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، وأما الصوم والإطعام (٥) فاختلفوا فيه (٦) (٧). (نسكًا) جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله، والنسك أيضًا

стр. 5326

العبادة، [ومنه قوله] (١) تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (٢) أي: متعبداتنا، وقيل: إن أصل النسك في اللغة العمل، ومنه نسك ثوبه إذا غسله، فكأن الناسك غسل نفسه من [أدران الذنب في العبادة] (٣)، وقيل: النسك سبائك الفضة كل نسيكة فيها سبيكة، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها. (أو صم ثلاثة أيام) هذا قول الجمهور، وهو تفسير للصيام في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام (٤)، ولم يقل بهذا أحدٌ من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث، ويندب تتابع الثلاثة أيام مبادرة إلى أداء الواجب، وفي قول مخرج من (٥) كفارة اليمين (٦) وجوب التتابع. (أو أطعم) بفتح الهمزة (ثلاثة آصع) بمد الهمزة وضم الصاد جمع صاع صدقة، وفي هذا رد على ابن مكي فيما قاله في لحن العوام أن آصع لحن، وأن الصواب أصوع مثل دار وأدور، وشبه ذلك، قال القاضي حسين: أعطي كل مسكين في هذِه الكفارة مدَّين وفي سائر الكفارات جعل صوم كل يوم في مقابله طعام مسكين. (من تمر) ذكر التمر لأنه غالب قوتهم (على ستة مساكين) لكل

стр. 5327

مسكين نصف صاع وهو مدان، سواء أطعم حنطة أو شعيرًا أو تمرًا أو زبيبًا، وذهب أبو حنيفة [وسفيان الثوري] (١) إلى أنه إن (٢) تصدق بالبر أطعم لكل مسكين نصف صاع، وإن تصدق بتمر أو زبيب [أو شعير] (٣) أطعم كل واحد صاعًا (٤) وهذا خلاف نص الحديث: (ثلاثة آصع من تمر). ولا يجزئ أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين بمد النبي ﷺ ، وهما رطلان وثلثا رطل، وبذلك قال مالك والشافعي (٥) والثوري ومحمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: يجزئه أن يغديهم ويعشيهم عن كل يوم. [١٨٥٧] (وعن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن شئت فانسك) بضم السين على المشهور، وجوز الكسر (نسيكة) بفتح النون وكسر السين، أي: شاة، وشرطها أن تجزئ في الأضحية، ويقال في الشاة وغيرها مما يجزئ في الأضحية نسيكة (وإن شئت فصم ثلاثة أيام) يندب تتابعها كما تقدم. (وإن [شئت فأطعم] (٦) ثلاثة آصع) جمع صاع (٧) وفيه لغتان التذكير والتأنيث، وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثًا بالبغدادي. وقال أبو

стр. 5328

حنيفة: يسع ثمانية أرطال (١). (من تمر لستة مساكين) فيجب أن يعطي كل مسكين نصف صاع، هذا هو الصحيح الذي قطع به الأصحاب، وحكى الرافعي وجهًا عن حكاية صاحب "العدة" أنه لا يتقدر نصيب كل مسكين، بل يجوز المفاضلة، وهو وجه (٢) ضعيف (٣). واعلم أن هذا الحديث ليس فيه ذكر الأذى الذي حصل لكعب حتى أمره بحلق شعره، فقد يحتج به على أبي حنيفة في قوله: إن التخيير لا يكون إلا لمن به أذى [أما من لم يكن به أذى] (٤) فيجب عليه الدم إذا حلق، ولا يجزئه صيام ولا صدقة إلا إذا عجز عن الفدية بالدم (٥). وما نقلته عن أبي حنيفة فهو الذي ذكره النووي (٦) في "شرح المهذب" وابن الصباغ في "الشامل" وغيرهما يدخل كلام أحدهما في الآخر أن مذهب الشافعي أن فدية الحلق للأذى على التخيير بين شاة وصوم ثلاثة أيام وإطعام ثلاثة آصع لستة مساكين، سواء حلقه للأذى أو لغيره فإن عليه الكفارة أيضًا على التخيير. وقال أبو حنيفة: إن حلقه لعذر فهو مخير كما قلنا، وإن حلقه لغير عذر تعينت الفدية بالدم ولا يجوز التخيير، ودليلنا أن كل كفارة ثبت فيها

стр. 5329

التخيير إذا كان سببها مباحًا ثبت فيها التخيير إذا كان سببها حرامًا ككفارة اليمين والقتل وجزاء الصيد وهو أن يقتل الصيد للضرورة إلى أكله فيكون ذلك مباحًا ويقتله أيضًا لغير ضرورة إلى أكله فيكون حرامًا، والكفارات سواء، واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) فأثبت التخيير عند العذر من الأذى، فدل على أن لا تخيير مع عدمه، وأجاب (٢) أصحابنا بأن هذا تمسك بدليل الخطاب [وهو لا يقول (٣) به] (٤) ونحن نقول به، إلا أن الأحاديث الصحيحة من السنة تقدم عليه (٥). واحتج أبو حنيفة أيضًا بأن التخيير ثبت بالنص والإجماع في كفارة الأذى (٦) فلا يجوز إثباته في غيرها بالقياس عليها؛ لأن الكفارة لا تثبت قياسًا (٧) عنده، وأجاب أصحابنا بأنا لا نسلم أن الكفارات لا تثبت بالقياس، وإنما ذكرت هذا لأن الخطابي ﵁ نقل عن الشافعي خلاف هذا (٨) وتابعه القرطبي ولم يظهر لي ذلك؛ فإنه إمام جليل محقق. [١٨٥٨] (وعن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر به) وهو محرم

стр. 5330

(زمن الحديبية) وقد قمل رأسه ولحيته (فذكر القصة) المذكورة (وقال: أمعك دم؟ قال: لا) رواية مسلم: قال: ما أقدر عليه. (قال: فصم (١) ثلاثة أيام، أو تصدق) رواية (٢) مسلم: "أطعم" (بثلاثة آصع (٣) من التمر) جمع صاع كما ثبت هذا الجمع في هذا الحديث وفي أحاديث أخر مشهورة وفي كتب اللغة، ولا خلاف في جوازه، وما حكي عن ابن مكي فغلط منه؛ لأن صاع جمعه على أصوع من باب المقلوب؛ لأن فاء الكلمة في أصوع صاد وعينها واو فقلبت الواو همزة ونقلت إلى موضع الفاء ثم قلبت (٤) الهمزة ألفًا حين اجتمعت هي وهمزة الجمع فصارت آصعًا ووزنه أفعل، وكذا القول في آدر ([على ستة مساكين) نسخة: ] (٥) بين ستة مساكين (بين كل مسكينين صاع) فإن قيل: هذِه الرواية تدل على الترتيب. فأجاب النووي: ليس المراد به أن الصوم لا يجزئ إلا لعادم الهدي، بل هو محمول على أنه سأل عن النسك، فإن وجده فأخبره بأنه مخير بين الدم وبين الإطعام وبين (٦) الصيام، وإن عدمه فهو مخير بين الصيام والإطعام (٧). [١٨٥٩] (عن نافع: أن رجلًا من الأنصار) وهو عبد الرحمن بن أبي

стр. 5331

ليلى (أخبره عن كعب بن عجرة وكان قد أصابه في رأسه أذى) من مرض أو قمل أو الأذى من غير الشعر كالقروح برأسه أو صداع برأسه أو اشتد الحر عليه لكثرة شعره (فحلق) رأسه (فأمره رسول الله ﷺ أن يهدي هديًا) بضم الياء من يهدي، والهدي شاة تجزئ في الأضحية، وعند المالكية أن الفدية بدنة (بقرة) عارض هذِه الرواية رواية [أصح منها] (١) وهو أن الذي أمر به كعب وفعله إنما هو شاة؛ لما روى سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي هريرة: أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى أصابه، وقد يجمع بين الثلاثة روايات بأنه سأله: أمعك دم شاة؟ قال: لا، بل هي (٢) بقرة. قال له: اذبح شاة. رفقًا به، فلم يخالفه، بل ذبح أرفع منها وهي البقرة، ولعله استأذنه فقال: [أذبح بقرة أعلى منها؟ فقال: ] (٣) اذبح بقرة، كما قالوا في الزكاة: لو أخرج (٤) بعيرًا عن خمس من الإبل أجزأ، أو شاة صفتها صفة الأضحية. [١٨٦٠] (الحكم) بفتح المهملة والكاف (بن عتيبة) بضم المهملة وفتح المثناة فوق مصغر ابن النهاس الكوفي، مذكور في الصحيحين (عن عبد الرحمن، عن كعب بن عجرة ﵁ قال: أصابني هوام) جمع هامة، ولا يقع هذا الاسم إلا على المجوف من الأجناس، والمراد بها القمل؛ لأنها تهم على الرأس أي (٥) تدب (في شعر رأسي وأنا مع

стр. 5332

رسول الله ﷺ عام الحديبية) بالتخفيف (حتى تخوفت على بصري) من كثرة الوجع أو الأذى، وهو مبالغة في كثرة القمل. (فأنزل الله ) في الفدية (﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾) قال ابن عباس: أي برأسه قروح (﴿أَوْ بِهِ أَذًى﴾) أي: تأذى (﴿مِنْ﴾) قمل (﴿رَأْسِهِ﴾ الآية، قال: فدعاني رسول الله ﷺ فقال لي: احلق رأسك) الأمر للندب أو الإباحة كما تقدم (ثم صم ثلاثة أيام) تعيين وتبيين لمقدار الصوم المجمل في الآية وأبعد من قال من المتقدمين أن الصوم عشرة أيام؛ لمخالفة هذا. (أو أطعم ستة مساكين فرقًا) بفتح الفاء والراء، وقد تسكن الراء وهو ثلاثة آصع، والتوفيق بينه وبين الرواية المتقدمة: كل مسكين نصف صاع ظاهر على مذهب الشافعي، فإن عنده الصاع أربعة أمداد (١). والمد رطل وثلث لثلاثة (٢) آصع هو ستة عشر رطلًا، وهو الفرق (من زبيب) فيه رد على ما قال الثوري (٣): إن تصدق بالبر فنصف صاع، وإن تصدق بتمر أو زبيب فصاع (٤) (أو انسك شاة) قال الشافعي: الإطعام ودم الفدية لا يكونان إلا لمساكين الحرم والصوم حيث شاء لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ رفقًا بالمساكين؛

стр. 5333

لأنهم جيران بيته (١). وقال مالك: يفعل ذلك حيث شاء (٢). قال القرطبي: وفي الآية أوضح الدلالة على ذلك؛ فإنه تعالى لما قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ لم يقل في موضع دون موضع، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأ، فسماه نسكًا ولم يسمه هديًا، فلا يلزمنا أن نرده قياسًا على الهدي، وأيضًا فالنبي ﷺ لما أمر كعبًا بالفدية ما كان في الحرم فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم، وقد روي ذلك عن الشافعي في وجه بعيد (٣) (فحلقت رأسي، ثم نسكت) "أي": ذبحت الفدية لله تعالى. وفي بعض طرق هذا الحديث "أيَّ" بالتشديد والنصب (ذلك فعلت أجزأ عنك) هذا صريح في التخيير الدال على الإباحة. [١٨٦١] (عبد الكريم بن مالك الجزري) بفتح الجيم والزاي (مولى عثمان بن عفان) وهو ابن عم خصيف (٤) أصله من إصطخر، مات سنة ١٢٧.

стр. 5334

٤٥ - باب الإِحصارِ ١٨٦٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى عَنْ حَجّاجٍ الصَّوّافِ، حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْنَا الحَجّاجَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصاري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَليْهِ الحَجُّ مِنْ قابِلٍ". قَالَ عِكْرِمَةُ سَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ وَأَبا هُريْرَةَ، عَنْ ذَلِكَ فَقالا: صَدَقَ (١). ١٨٦٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُتَوَكِّلِ العَسْقَلاني وَسَلَمَةُ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رافِعٍ، عَنِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ أَوْ مَرِضَ". فَذَكَرَ مَعْناهُ. قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ أَنا مَعْمَرٌ (٢). ١٨٦٤ - حَدَّثَنا النُّفيْليُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ميْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبا حاضِرٍ الحِمْيَري يُحَدِّثُ أبِي ميْمُونَ بْنَ مِهْرانَ، قَالَ: خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا عامَ حاصَرَ أَهْل الشَّأْمِ ابن الزُّبيْرِ بِمَكَّةَ وَبَعَثَ مَعي رِجالٌ مِنْ قَوْمي بِهَدي، فَلَمّا انْتَهيْنا إِلَى أَهْلِ الشَّأْمِ مَنَعُونا أَنْ نَدْخُلَ الحَرَمَ فَنَحَرْتُ الهَدي مَكانِي ثُمَّ أَحْلَلْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ، فَلَمّا كَانَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ خَرَجْتُ لأَقْضي عُمْرَتِي فَأَتَيْتُ ابن عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: أَبْدِلِ الهَدي فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحابَهُ أَنْ يُبْدِلُوا الهَدي الذي نَحَرُوا عامَ الحُديْبِيَةِ في عُمْرَةِ القَضاءِ (٣). * * *

стр. 5335

باب الإحصار (١) [١٨٦٢] (عن عكرمة، سمعت الحجاج بن عمرو) يرفعه (قال: قال (٢) رسول الله ﷺ : من كسر) بضم الكاف وكسر السين (أو عرج) بفتح الراء مرض أي: أصابه شيء في رجله وليس بخلقة، فإذا كان خلقة قيل: عرج بكسر الراء (فقد حل) لم ينقل عن أحد من الفقهاء أنه قال بظاهر هذا الحديث أنه يحل عن إحرامه من مكانه بنفس الكسر والعرج إلا أبو ثور، وتابعه على ذلك داود بن علي وأصحابه، وأجمع بقية العلماء على أنه يحل من كسر أو عرج، ولكن اختلفوا فيما به يحل وعلى ما يحمل هذا الحديث. فقال البيهقي: حمله بعض أهل العلم على أنه [يحل] (٣) بعد فواته بما (٤) يحل به من يفوته الحج بغير مرض، قال النووي: وهذا الذي ذكره البيهقي محتمل، ولكن المشهور في كتب أصحابنا حمله على ما إذا اشترط التحلل به (٥). فإذا وجد الشرط صار حلالًا ولا يلزمه الدم، وقال مالك وغيره: يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره (٦). ومن خالفه من الكوفيين يقول: يحل بالنية والذبح والحلق (وعليه الحج (٧) من)

стр. 5336

عام (قابل) إن كان ما أحرم به واجبًا عليه (١) مستقرّا في ذمته كالقضاء والنذر وحجة الإسلام، وإن كان نسكه تطوعًا فلا قضاء عليه؛ لأنه تطوع أبيح الخروج منه، فإذا خرج لم يلزمه القضاء كصوم التطوع. (قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق) يعني: الحجاج بن عمرو، فيه أن من سمع (٢) من عالم مسألة فرأى من هو أعلم منه (٣) بتلك المسألة أن يعيد السؤال عن المسألة الأولى ليترجح ما سمعه أولًا ويتأكد عنده. [١٨٦٣] (وعن الحجاج بن عمرو) أيضًا (عن النبي ﷺ : من عرج) بفتح الراء كما تقدم (أو كسر أو مرض [فذكر معناه]) (٤) وغير المرض من الأعذار مثل إعواز النفقة والضلال (٥) في الطريق والخطأ (٦) في العدد كما قال البندنيجي عند الشروط (٧) وعدمه كالمرض. [١٨٦٤] (سمعت أبا حاضر) بحاء مهملة وضاد معجمة، اسمه عثمان (٨) بن حاضر الأزدي (الحميري) بكسر المهملة وسكون الميم ([يحدث أبي] (٩) ميمون بن مهران) بكسر الميم التابعي؛ فإنه ولد سنة

стр. 5337

أربعين والنبي ﷺ توفي سنة عشر من الهجرة وكان بزازًا يجلس في حانوته ويتولى خراج الجزيرة لعمر بن عبد العزيز. (قال: خرجت معتمرًا عام حاصر أهل الشام) عبد الله (بن الزبير بمكة) وكان يزيد بن معاوية بعث الجيش إلى الكعبة لحصر ابن الزبير مع الحجاج بن يوسف سنة اثنتين وسبعين (و) كان قد (بعث معي رجال من قومي بهدي) إلى الكعبة. (فلما انتهينا إلى أهل الشام) وأصحاب الحجاج (منعونا أن ندخل الحرم) ومنعوا أهل حمص وغيرهم (فنحرت الهدي) الذي كان معي (حين أحصرت وفرقته بمكاني) [نسخة مكاني] (١) (ثم أحللت) بالذبح فيه (٢) التحلل والحلق و (٣) التقصير، وأعجلت التحلل. (ثم (٤) رجعت، فلما كان من العام المقبل) سنة ٧٣ (خرجت) مع الحاج (لأقضي عمرتي) التي كانت علي (فأتيت ابن عباس) ﵁ (فقال (٥): أبدل) بفتح الهمزة (الهدي) الذي نحرته قبل أن يبلغ محله، (فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن) حمله الشافعي ﵀ على أنه أمر استحباب (أن يبدلوا الهدي) واستدلوا بما ذكره البخاري في "صحيحه" بصيغة جزم. قال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ولا قضاء

стр. 5338

عليه (١)؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي ﷺ أمر آخرًا (٢) أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا له والحديبية خارج الحرم (٣)، انتهى ما في "صحيح البخاري" (٤). قال ابن التين في شرحه: قوله: ثم لم يذكروا (٥) إلى آخره استدلال من البخاري على أن القضاء غير واجب؛ لأنه وأصحابه أصابهم هذا في محفل عظيم كانوا فيه ألفًا وأربعمائة، ولا يجب شيء إلا بإيجاب النبي ﷺ ، ومحال أن يجب عليهم ولم يأمرهم، ومحال أن يأمرهم ولم يبلغنا مع كثرة عددهم وتوافر جمعهم، ولو كان ذلك (٦) للزم عادة أن ينقل إلينا بطريق تواتر أو آحاد، ولو جاز أن يخفى علينا هذا لجاز أن يخفى علينا أكثر غزواته ومشاهده، انتهى. وقال الشافعي ﵁: إنه يحكى (٧) عن النبي ﷺ لما اعتمر من قابل [تخلف] (٨) رجال من غير ضرورة، انتهى. (الذي نحروا) أي: نحروه فحذف ضمير العائد (٩) على الموصول؛ لأنه منصوب بفعل وهو كثير.

стр. 5339

(عام الحديبية) بتخفيف الياء الأخيرة عند المحققين كالشافعي وغيره، وهي على مرحلة من مكة (في عمرة القضاء) من المقاضاة لا من القضاء الذي هو ضد الأداء، ولهذا يقال لها أيضًا: عمرة القضية، وقال الشافعي في "الأم": أنها تسمى عمرة القصاص؛ لأن الله تعالى اقتص لرسوله ﷺ فدخل عليهم كما منعوه (١).

стр. 5340

٤٦ - باب دُخُولِ مَكَّةَ ١٨٦٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زيْدٍ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ نافِعٍ أَنَّ ابن عُمَرَ كَانَ إِذا قَدِمَ مَكَّةَ باتَ بِذي طُوى حَتَّى يُصْبِحَ ويَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخلُ مَكَّةَ نَهارًا، ويَذْكُرُ، عَنِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ (١). ١٨٦٦ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ البَرْمَكيُّ، حَدَّثَنا مَعْنٌ، عَنْ مالِكٍ ح وَحَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وابْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ يَحْيَى ح وَحَدَّثَنا عُثْمانُ بْن أَبِي شيْبَةَ، حَدَّثَنا أبُو أُسامَةَ، جَمِيعًا عَنْ عُبيْدِ اللهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيا - قالا، عَنْ يَحْيَى إِنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنْ كَداءَ مِنْ ثَنِيَّةِ البَطْحاءِ - ويَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. زادَ البَرْمَكي يَعْني: ثَنِيَّتَى مَكَّةَ، وَحَدِيثُ مُسَدَّدٍ أَتَمُّ (٢). ١٨٦٧ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ، عَنْ عُبيْدِ اللهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ ويَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ (٣). ١٨٦٨ - حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا أبُو أُسامَةَ، حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عامَ الفَتْحِ مِنْ كَداءَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ وَدَخَلَ في العُمْرَةِ مِنْ كُدى قَالَ: وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُما جَمِيعًا وَكَانَ أَكْثَرُ ما كَانَ يَدْخُلُ مِنْ كُدى وَكَانَ أَقْرَبَهُما إِلَى مَنْزِلِهِ (٤).

стр. 5341

١٨٦٩ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُييْنَةَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ إِذا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلاها وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِها (١). * * * باب دخول مكة [١٨٦٥] (ثنا محمد بن عبيد) مصغر ابن حسان، أبو عبد الله العنبري البصري (حدثنا) أبو إسماعيل (حماد بن زيد) بن درهم الأزدي (أن ابن عمر كان إذا قدم مكة) سميت مكة لأنها تمك الذنوب أي: تذهب بها، وقيل: لأنها تمك من ظلم بها أي تهلكه رواية البخاري: كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم يعني: أول موضع منه أمسك عن التلبية (بات بذي طوى) بفتح الطاء وكسرها وضمها، حكاه صاحب "المطالع" (٢) وقال: الفتح أشهر، وهو مقصور ويجوز صرفه على أنه اسم الوادي، ومن جعله اسم أرض لم يصرفه، [سمي بذلك لأن بئرها كانت مبنية بالحجارة أي مطوية بها، ولم يكن هناك غيرها فنسب الوادي إليها] (٣) ذكره الماوردي (٤). وهي بين الثنية (٥) العليا التي يصعد إليها من الوادي المعروف بالزاهر وبين الثنية (٦) السفلى التي ينحدر

стр. 5342

منها إلى المقابر والأبطح وهو المحصب. وقال المحب الطبري: هو موضع عند باب الكعبة يعرفه أهل مكة، وقد ترك الناس هذِه السنة وأماتوها، والخير كله في اتباعه ﷺ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١)، وفيها من الحكمة التقوي بالمبيت على ما يستقبله من العبادة، قال (٢): فإن لم يكن ذي (٣) طوى في طريقه اغتسل في (٤) جهة طريقه على نحو مسافتها. (حتى يصبح) هذا هو الأفضل وتحصل الفضيلة بمبيت معظم الليل فيها، (ويغتسل) بذي طوى لدخول مكة وهو سنة كما قال الشافعية: لكل محرم حتى الحائض والنفساء والصبي (٥). وفي "التتمة" أن المقصود بهذا الاغتسال التنظيف لا التعبد حتى يصح (٦) من غير نية وتؤمر به الحائض، وهو غريب. وقال القاضي عياض في "الإكمال" إنه سنة مؤكدة (٧)، وقال إبراهيم النخعي: كانوا إذا قربوا (٨) من مكة اغتسلوا وطرحوا ثيابهم التي أحرموا فيها، [وروى سعيد بن منصور عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم يعني: النخعي قال: كان أصحابنا إذا أتوا بئر ميمونة اغتسلوا ولبسوا

стр. 5343

أحسن ثيابهم ودخلوا فيها مكة (١)] (٢). (ثم يدخل مكة) راكبًا أو ماشيًا، وجزم الماوردي أنه يدخل مكة ماشيًا؛ لأنه أشبه بالتواضع، قال بعض الشافعية: والأولى أن يدخل حافيًا (٣) إن لم تلحقه مشقة ولا خاف نجاسة (٤) ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "حج هذا البيت سبعون نبيّا، كلهم خلعوا نعالهم بذي طوى تعظيمًا للمكان" (نهارًا) وليلًا باتفاق الأربعة. قال مالك في "الموازية": أحب لمن جاء مكة وعلم أنه لا يدرك الطواف إلا بعد العصر أن يقيم بذي طوى حتى يمسي (٥) وقد دخل رسول الله ﷺ نهارًا لصبح رابعة مضت من ذي الحجة ودخل ليلًا عام حنين لما اعتمر من الجعرانة. (ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله) يحتمل أن يعود الضمير إلى الآخر وهو دخول مكة، وهو مقصود الترجمة، ويحتمل أن يعود إلى الجميع وهو الأظهر. [وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، عن إسماعيل] (٦) وزاد: حتى يصبح ويصلي، (٧) الغداة ويغتسل (٨)، رواية البخاري: فإذا

стр. 5344

صلى (١) اغتسل (٢)، تأخير الغسل إلى بعد الغداة ليكون أقرب إلى دخول مكة، فكلما قرب الغسل من الدخول كان أفضل، كما أن غسل الجمعة كلما قرب إلى الذهاب إلى الجمعة كان أفضل، ويقاس عليه ما في معناه. [١٨٦٦] (البرمكي) بفتح الموحدة نسبة إلى يحيى بن خالد بن برمك، والبرامكة وزراء الدولة العباسية (عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يدخل مكة من الثنية) كل عقبة في جبل أو طريق فإنه يسمى ثنية (العليا) وهذِه الثنية هي التي ينزل منها إلى باب المعلى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحجون [بفتح الحاء وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك [ثم] (٣) المهدي على ما ذكره الأزرقي. ثم سهل] (٤) في عصرنا هذا سنة إحدى عشرة وثمانمائة (٥) (ويخرج من الثنية السفلى) وهي عند باب بني شيبة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع (زاد) عبد الله بن جعفر (البرمكي يعني) أن العليا والسفلى (ثنيتي مكة [وحديث مسدد أتم]) (٦) شرفها الله تعالى. [١٨٦٧] (أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يخرج من مكة من طريق الشجرة) قال القرطبي: والله أعلم الشجرة

стр. 5345

التي بذي الحليفة (١) [قال المنذري: الشجرة على ستة أميال من المدينة (٢) كان ينزلها ﵇] (٣) التي أحرم منها كما قال ابن عمر في الحديث المتقدم، ولعلها هي الشجرة التي ولدت تحتها أسماء بنت عميس ﵂ (ويدخل من طريق المعرس) بفتح الراء المشددة موضع التعريس، وهو موضع معروف على ستة أميال من المدينة على طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة كان يخرج منه إلى ذي الحليفة هناك، والتعريس النزول من آخر الليل، قال ابن بطال: كان النبي ﷺ يفعل ذلك كما يفعل بالعيد يذهب من طريق ويرجع من أخرى (٤). [١٨٦٨] (هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن (٥) عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من كداء) بفتح الكاف والمد وعدم الصرف، وهذه (٦) الثنية هي التي ينزل منها إلى المُعلَّى كما تقدم (من أعلى مكة) شرفها الله تعالى (ودخل في العمرة) الجعرانة ليلًا (من كدى) بالضم والقصر هي الثنية السفلى ويقربها (كدى) مصغر على طريق اليمن. (وكان عروة) بن الزبير بن العوام (يدخل منهما جميعًا) اقتداء برسول الله ﷺ ودخوله ﵇ منهما ليعلم أمته السعة في ذلك، (وكان أكثر ما كان

стр. 5346

يدخل من كدى) بالضم والقصر للجميع، وكذا بالفتح (١) والمد في رواية بعضهم (وكانت أقربهما إلى منزله) فيه اعتذار عروة إلى أبيه لكونه روى الحديث عنه وخالفه؛ لأنه رأى أن ذلك ليس بحتم لازم. واختلفوا في المعنى الذي لأجله (٢) خالف رسول الله ﷺ بين طريقيه. قيل: ليتبرك كل من في طريقه كما تقدم في العيد، وقيل: الحكمة في ذلك لمناسبة جهة العلو عند الدخول؛ لما فيه من تعظيم المكان. [١٨٦٩] (وعن هشام، عن أبيه، عن عائشة) ﵂ (: أن النبي ﷺ كان إذا دخل مكة دخل من أعلاها) وسواء كان حاجًا أو معتمرًا، وسواء كان محرمًا أو حلالًا سواء كانت في صوب طريقه أو لم تكن يؤخذ ذلك كله من إطلاق الحديث، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ كان على كداء الممدودة، فلذلك استحب الدخول منه، قاله السهيلي (٣).

стр. 5347

٤٧ - باب في رَفْعِ اليَديْنِ إِذَا رَأى البيْتَ ١٨٧٠ - حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبا قَزَعَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ المُهاجِرِ المَكّي قَالَ سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الرَّجُلِ يَرى البيْتَ يَرْفَعُ يَديْهِ فَقَالَ: ما كُنْتُ أَرى أَحَدًا يَفْعَلُ هذا إلَّا اليَهُودَ وَقَدْ حَجَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ (١). ١٨٧١ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، حَدَّثَنا ثابِتٌ البُنانيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَباحٍ الأَنْصاريِّ، عَنْ أبِي هُريْرَةَ أَنَّ النَّبي ﷺ لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ طافَ بِالبيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتيْنِ خَلْفَ المَقامِ يَعْني يَوْمَ الفَتْحِ (٢). ١٨٧٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَهاشِمٌ - يَعْني ابن القاسِمِ - قالا: حَدَّثَنا سُليْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَباحٍ، عَنْ أبِي هُريْرَةَ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ مَكَّةَ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الحَجَرِ فاسْتَلَمَهُ ثُمَّ طافَ بِالبيْتِ ثُمَّ أَتَى الصَّفا فَعَلاهُ حيْثُ يَنْظُرُ إِلَى البيْتِ فَرَفَعَ يَديْهِ فَجَعَلَ يَذْكُرُ الله ما شاءَ أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوهُ، قَالَ: والأَنْصارُ تَحْتَهُ، قَالَ هاشِمٌ: فَدَعا وَحَمِدَ اللهَ وَدَعا بِما شاءَ أَنْ يَدْعُوَ (٣). * * * باب رفع اليدين (٤) إذا رأى البيت [١٨٧٠] (يحيى بن معين) بفتح الميم (سمعت أبا قزعة) بفتح القاف

стр. 5348

وسكون الزاي، واسمه سويد بن حجير الباهلي (يحدث عن المهاجر) بن عكرمة بن [عبد الرحمن المخزومي] (١). (المكي قال: سئل (٢) جابر بن عبد الله ﵁ عن الرجل) مفهومه بأن المرأة لا ترفع يديها سترًا لها والخنثى كذلك (يرى البيت فيرفع يديه) (٣) جميعًا بباطن كفيه، والظاهر أن حد الرفع إلى أن يحاذي منكبيه (فقال: ما كنت أرى) بضم الهمزة، أي: أظن، ويحتمل فتح الهمزة من رؤية العين، أي: ما كنت أعاين (أحدًا يفعل هذا إلا اليهود) بالنصب (٤) نسبة إلى يهوذا بن يعقوب ﵉، وإذا خلا من الألف واللام كان غير منصرف (٥) للعلمية ووزن الفعل. (وقد حججنا مع رسول الله ﷺ فلم يكن يفعله) استدل به الحنفية على ما حكاه الطحاوي في "شرح الآثار" عنهم (٦). وقال قاضي القضاة شمس الدين السروجي في "الغاية": إن ما ذكره الطحاوي هو الذي يوافق مذهبهم. وقال ابن القاسم: إن ترك الرفع أحب إلى مالك في كل شيء إلا افتتاح الصلاة (٧). وقال: إن مالكًا كرهه في جميع المشاعر،

стр. 5349

واستحباب رفع اليدين نص عليه (١) الشافعي في الجمع الكثير؛ لما روى ابن جريج أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه (٢)، كذا رواه الشافعي معضلًا (٣) والمعضل ما سقط منه راويان فأكثر. قال البيهقي: إن له شاهدًا من مراسيل مكحول، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر (٤) وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا يا (٥) ربنا بالسلام" (٦)، وروى سعيد بن منصور ذلك موقوفًا عن عمر من غير ذكر الرفع والتكبير. ونقل ابن المنذر رفع اليدين عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من التابعين، وعن أحمد قال: وبه أقول (٧)، وروى الترمذي أيضًا عن المهاجر المكي أيضًا قال: سئل جابر بن عبد الله: أيرفع الرجل يديه (٨) إذا رأى البيت؟ فقال: حججنا مع رسول الله ﷺ فكنا (٩) نفعله (١٠). هذا لفظ (١١) رواية الترمذي بإسناد حسن.

стр. 5350

قال أصحابنا: رواية المثبت للرفع (١) أولى؛ لأن معه زيادة علم، وقال البيهقي: رواية غير جابر في إثبات الرفع أشهر عند أهل العلم من رواية المهاجر المكي، وينبغي لمن رأى البيت أن يلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها والكعبة التي يراها ويمهد (٢) عذر من زاحمه. قال الماوردي: ويكون من دعائه ما رواه جعفر بن محمد الصادق عن أبيه [عن جده] (٣): أن النبي ﷺ كان يقول عند دخوله - يعني مكة: "اللهم [البيت بيتك، والبلد بلدك، حيث] (٤) أطلب رحمتك وألزم (٥) طاعتك متبعًا لأمرك، راضيًا بقدرك، مسلمًا لأمرك، أسألك مسألة المضطر إليك، المشفق من عذابك أن تستقبلني بعفوك، وأن تتجاوز عني برحمتك، وأن تدخلني جنتك" (٦). وزاد أحمد: "وأن (٧) تعينني على أداء فرائضك". وقال ابن الجوزي: يقول: الحمد لله كثيرًا كما هو أهله وكما ينبغي لجمال (٨) وجهك وعز جلاله الحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلًا، الحمد لله رب العالمين، اللهم تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله.

стр. 5351

[١٨٧١] (سلام) بتشديد اللام (بن مسكين) ثقة شهير، يرمى بالقدر (١) (ثابت البناني) بضم الباء الموحدة (عن عبد الله بن (٢) رباح) بفتح الراء والباء الموحدة. (عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة) أي: حين دخل مكة لم يعرج على استئجار منزل ولا حط قماش ولا تغيير ثياب، بل (طاف) أولًا (بالبيت) طواف القدوم؛ فإنه تحية المسجد الحرام، قال أصحابنا: والابتداء بالطواف سنة لكل داخل سواء كان محرمًا أو غير محرم، إلا أن المرأة الجميلة والشريفة التي لا تبرز للرجال فيستحب لها تأخير الطواف إلى الليل؛ لأنه أستر لها وأسلم لها ولغيرها من الفتنة (٣). (وصلى ركعتين خلف المقام) أي: مقام إبراهيم ﵇ وقرأ عند رؤيته ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وجعل المقام بينه وبين البيت في صلاته، قالت الشافعية: إذا لم يصلهما خلف المقام لزحمة أو غيرها صلاهما في الحجر؛ فإن لم يفعل ففي المسجد، فإن لم يفعل ففي أي موضع شاء من الحرم وغيره (٤) (يعني: يوم الفتح) أي: فتح مكة شرفها الله تعالى. [١٨٧٢] (بهز) بفتح الموحدة وإسكان الهاء (بن أسد) أخو المعلى البصري ([عن] (٥) أبي هريرة قال: أقبل رسول الله ﷺ ) أي (٦): قاصدًا مكة

стр. 5352

[فدخل مكة] (١) (فأقبل) بالفاء العاطفة [أي: فكلما] (٢) أقبل قاصدًا مكة أقبل رسول الله ﷺ قاصدًا (إلى الحجر) يعني: الحجر (٣) الأسود. (فاستلمه) قال ابن الأعرابي: تقديره استلأمه بسكون اللام وهمزة مفتوحة بعدها؛ لأنه مشتق من الملأمة بسكون اللام [وفتح الهمزة وهي الاجتماع، قال ابن السكيت: همزته العرب على غير قياس، والأصل استلَّمت بتشديد اللام] (٤)؛ لأنه من السلام بكسر السين وهي الحجارة (٥). والصحيح أن الاستلام افتعال من السلام بفتح السين وهو التحية، والمراد بالاستلام المس باليد في أول الطواف، وأهل اليمن يسمون الحجر الأسود المحيا. (ثم طاف بالبيت) أسبوعًا (ثم أتى الصفا فعلاه) أي: قدر قامة واستحباب الرقي مخصوص بالرجل، أما المرأة فإنها لا ترقى كما ذكره صاحب "التنبيه" (٦)، والقياس أن الخنثى لا ترقى (حيث) أي: [علا حتى] (٧) صار بحيث (ينظر إلى البيت) وليس هذا الصعود شرطًا ولا واجبًا، بل هو سنة تتأكد، ولكن بعض الدرج مستحدث فليحذر من أن يخلفها وراءه فلا يصح سعيه حينئذٍ، وينبغي أن يصعد في

стр. 5353

الدرج حتى يستيقن. هذا هو المذهب، ولنا وجه أنه يجب الصعود على الصفا والمروة قدرًا يسيرًا، ولا يصح سعيه إلا بذلك ليستيقن (١) قطع جميع المسافة كما يلزمه غسل جزء (٢) من الرأس، واعلم أن الصعود كان أولًا، وأما اليوم فإنه لا (٣) يرى البيت قبل الصعود لما حدث من الأبنية. (فرفع يديه) للدعاء (فجعل يذكر الله تعالى ما شاء أن يذكره) وقد استحب الشافعي في "الأم" أن يقول على الصفا: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. هذا لفظ "الأم" (٤). قال ابن جماعة: ولم أقف عليه بهذا اللفظ في شيء من الأخبار عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة. (ويدعوه) فيقول: اللهم إنك قلت: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد، وأنا أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم، ثم يضم إليه ما شاء من الدعاء. قال النووي: المذهب

стр. 5354

أنه لا يلبي على الصفا (١). (والأنصار ﵁ تحته) يحتمل والله أعلم أن يكونوا تحته بدرجة يؤمِّنون على دعائه ويشاركونه في الثناء وارتفاع المقتدي به في حالة الذكر والدعاء وتعليم [الأحكام أدب ظاهر] (٢) معمول به في الجمع والأعياد على المنابر وكراسي الحديث والوعظ، وهذا دليل على أن الوقوف على العليا أفضل، وأن الوقوف على التي تحتها جائز، وكذا التي تحتها إذا وجد الشرط المتقدم. (قال هاشم) القاسم (٣) تفتخر به بغداد (فدعا وحمد (٤) الله) قد يستدل به على أن الفاء لا تقتضي الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾، ووجه عدم الترتيب أن حمد الله مقدم على الدعاء، وقد يجاب عنه بما أجيب عن الآية أن المعنى: فأراد الدعاء فحمد الله، وتقدير الآية: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، وفي بعض النسخ: [ودعا فحمد الله] (٥) (ودعا بما شاء أن يدعو) (٦) فيدعو منصوب بأن. وفيه دليل على أن للداعي أن يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة.

стр. 5355

٤٨ - باب في تَقْبِيلِ الحَجَرِ ١٨٧٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جاءَ إِلَى الحَجَرِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ وَلَوْلا أَنّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ (١). * * * باب تقبيل الحجر بفتح الحاء والجيم. [١٨٧٣] (سفيان) الثوري (عن الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن عابس) بالباء الموحدة (بن ربيعة) النخعي. (عن عمر ﵁: أنه جاء إلى الحجر) الأسود (فقبله) فيه دليل على أن تقبيل الحجر سنة، ويستحب كما قال في "شرح المهذب" أن يخفف القبلة بحيث لا يظهر لها صوت، فإن ظهر للقبلة صوتًا كره، ولا يستحب للنساء تقبيل إلا عند خلو (٢) المطاف، ويستحب أن يضع جبهته عليه؛ لما رواه البيهقي عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على الحجر (٣). قال في "شرح المهذب": ويكرره (٤) ثلاثًا؛ لأن ابن عباس صح عنه أنه كرر القبلة والسجود ثلاثًا، فإن عجز عن التقبيل للحجر استلمه بيده أو بعصا ثم قبل ما استلم به، فإن عجز أشار بيده لا بالفم إلى التقبيل، أو

стр. 5356

أشار بشيء في يده ثم قبل ما أشار به (١). (فقال: إني أعلم (٢) أنك حجر لا تنفع ولا تضر) [رواية مسلم] (٣): أما والله إني لأعلم (٤) أنك لا تضر ولا تنفع (٥) أي: إلا بإذن الله، وروى الحاكم من حديث [ابن مسعود] (٦) أن عمر قال هذا، فقال له علي بن أبي طالب: إنه يضر وينفع، وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد" (٧)، وذلق بالذال المعجمة، أي: فصيح. (ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) قال الطبري: إنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، وكثير من الجهلة تفعله الآن (٨) في بعض أحجار الأماكن المباركة، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله ﷺ ، لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان (٩).

стр. 5357

قال المهلب (١): حديث عمر هذا يرد على من قال إن الحجر الأسود (٢) يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة (٣) وفي قول عمر هذا تسليم للشارع في أمر الدين وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي فيما يفعله وإن لم يعلم الحكمة فيه، وفيه بيان السنن بالقول والفعل. وقد اعترض بعض الملحدين على الحديث الماضي وقالوا: كيف تسوده خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل الطاعات (٤)؟ وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان ذلك (٥)، ولكن أجرى الله العادة بأن السواد يَصبغ ولا يُصبغ على العكس من البياض، قال المحب الطبري: في بقائه (٦) أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد، قال: وروي عن ابن عباس: إنما غيره السواد لئلا ينظر أهل (٧) الدنيا إلى زينة الجنة، فإن ثبت هذا فهو الجواب، ولكن رواه الحميدي (٨) في فضائل مكة بإسناد ضعيف (٩).

стр. 5358

٤٩ - باب اسْتِلامِ الأَرْكانِ ١٨٧٤ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطّيالِسيُّ، حَدَّثَنا ليْثٌ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ سالمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ البيْتِ إلَّا الرُّكْنيْنِ اليَمانِييْنِ (١). ١٨٧٥ - حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ أُخْبِرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ إِنَّ الحَجَرَ بَعْضُهُ مِنَ البيْتِ. فَقَالَ ابن عُمَرَ والله إِنّي لأَظُنُّ عَائِشَةَ إِنْ كَانَتْ سَمِعَتْ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنِّي لأَظُنُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَتْرُكِ اسْتِلامَهُما إِلَّا أَنَّهُما ليْسا عَلَى قَواعِدِ البيْتِ وَلا طافَ النّاسُ وَراءَ الحِجْرِ إلَّا لِذَلِكَ (٢). ١٨٧٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبي رَوّادٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَماني والحَجَرَ في كُلِّ طَوْفَةٍ قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (٣). * * * باب استلام الأركان [١٨٧٤] (عن ابن عمر ﵁ قال: لم أر رسول الله ﷺ يمسح) أي: يمر بيده عليه (٤)، وتقدم في باب وقت الإحرام: يمس (إلا الركنين (٥)

стр. 5359

اليمانيين) بتخفيف الياء الثانية والألف بدل من (١) إحدى يائي (٢) النسب كما تقدم، أما الركنان الشاميان فلا يمسهما ولا يقبلهما، والركن اليماني يمسه ولا يقبله، والسبب في اختلاف الأركان في الأحكام أن الركن الأسود، فيه فضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، [والركن اليماني فيه] (٣) فضيلة وهو كونه على قواعد إبراهيم، وأما الشاميان فليس لهما شيء من الفضيلتين. واعلم أن المراد بعدم تقبيل الأركان الثلاثة إنما هو نفي كونه سنة، وإن قبلهن أو قبل غيرهن من البيت لم يكن مكروهًا ولا خلاف الأولى، بل يكون حسنًا، كذا نقله في "الاستقصاء" عن نص الشافعي، قال: وأي البيت يقبل فحسن غير أنا نأمر بالاتباع (٤) هذا لفظه فتفطن له فإنه مهم. [١٨٧٥] (مخلد بن خالد) بن يزيد (الشعيري) بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة من رواة مسلم. (عن ابن عمر: أنه أخبر) بضم الهمزة وكسر الموحدة (بقول عائشة: إن الحجر) بكسر الحاء (٥) المهملة وإسكان الجيم، وهو محوط يدور على صورة نصف دائرة وهو خارج عن جدار البيت في صوب الشام من جهة الميزاب، تركته قريش حين بنت البيت، وأخرجته (٦) عن بناء إبراهيم

стр. 5360

حين (١) قصرت بهم النفقة (٢) وحوط (٣) عليه جدار قصير، وأرضه مفروشة بالرخام وله بابان ملصقان [بركني البيت] (٤) الشاميين وبين هذين البابين عشرون ذراعًا، وذرع بدويرة من داخله ثمان وثلاثون ذراعًا. (بعضه من البيت) هذا دليل للوجه الثاني وهو أن الحجر بعضه من البيت وما زاد ليس من البيت، والوجه الثاني أن الحجر كله من البيت، وعلى الأول بأن بعضه من البيت، وفي هذا البعض ثلاثة أوجه: أحدها وهو الأشهر عند المفرعين على هذا الوجه أنه ست أذرع، وبهذا قطع إمام الحرمين وآخرون، والثاني سبع أذرع وبه قطع البغوي وآخرون، والثالث ست أذرع وسبع، قال الرافعي: ومقتضى كلام كثير من الأصحاب أن الحجر كله من البيت، [وعلى الأول] (٥) قال: وهو ظاهر نصه في "المختصر" قال: لكن الصحيح أنه ليس كذلك، بل الذي من البيت قدر ست أذرع متصل بالبيت (٦). (فقال ابن عمر ﵄: والله إني لأظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ) ليس هذا شكّا من ابن عمر في صدق عائشة، لكن يقع في كلام العرب كثيرًا صورة التشكيك، والمراد التقرير والتعيين (إني لأظن رسول الله ﷺ لم يترك استلامهما) افتعال
следующие страницы →