← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

أشار بشيء في يده ثم قبل ما أشار به (١). (فقال: إني أعلم (٢) أنك حجر لا تنفع ولا تضر) [رواية مسلم] (٣): أما والله إني لأعلم (٤) أنك لا تضر ولا تنفع (٥) أي: إلا بإذن الله، وروى الحاكم من حديث [ابن مسعود] (٦) أن عمر قال هذا، فقال له علي بن أبي طالب: إنه يضر وينفع، وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد" (٧)، وذلق بالذال المعجمة، أي: فصيح. (ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) قال الطبري: إنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، وكثير من الجهلة تفعله الآن (٨) في بعض أحجار الأماكن المباركة، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله ﷺ ، لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان (٩).

стр. 5357

قال المهلب (١): حديث عمر هذا يرد على من قال إن الحجر الأسود (٢) يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة (٣) وفي قول عمر هذا تسليم للشارع في أمر الدين وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي فيما يفعله وإن لم يعلم الحكمة فيه، وفيه بيان السنن بالقول والفعل. وقد اعترض بعض الملحدين على الحديث الماضي وقالوا: كيف تسوده خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل الطاعات (٤)؟ وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان ذلك (٥)، ولكن أجرى الله العادة بأن السواد يَصبغ ولا يُصبغ على العكس من البياض، قال المحب الطبري: في بقائه (٦) أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد، قال: وروي عن ابن عباس: إنما غيره السواد لئلا ينظر أهل (٧) الدنيا إلى زينة الجنة، فإن ثبت هذا فهو الجواب، ولكن رواه الحميدي (٨) في فضائل مكة بإسناد ضعيف (٩).

стр. 5358

٤٩ - باب اسْتِلامِ الأَرْكانِ ١٨٧٤ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطّيالِسيُّ، حَدَّثَنا ليْثٌ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ سالمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ البيْتِ إلَّا الرُّكْنيْنِ اليَمانِييْنِ (١). ١٨٧٥ - حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ أُخْبِرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ إِنَّ الحَجَرَ بَعْضُهُ مِنَ البيْتِ. فَقَالَ ابن عُمَرَ والله إِنّي لأَظُنُّ عَائِشَةَ إِنْ كَانَتْ سَمِعَتْ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنِّي لأَظُنُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَتْرُكِ اسْتِلامَهُما إِلَّا أَنَّهُما ليْسا عَلَى قَواعِدِ البيْتِ وَلا طافَ النّاسُ وَراءَ الحِجْرِ إلَّا لِذَلِكَ (٢). ١٨٧٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبي رَوّادٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَماني والحَجَرَ في كُلِّ طَوْفَةٍ قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (٣). * * * باب استلام الأركان [١٨٧٤] (عن ابن عمر ﵁ قال: لم أر رسول الله ﷺ يمسح) أي: يمر بيده عليه (٤)، وتقدم في باب وقت الإحرام: يمس (إلا الركنين (٥)

стр. 5359

اليمانيين) بتخفيف الياء الثانية والألف بدل من (١) إحدى يائي (٢) النسب كما تقدم، أما الركنان الشاميان فلا يمسهما ولا يقبلهما، والركن اليماني يمسه ولا يقبله، والسبب في اختلاف الأركان في الأحكام أن الركن الأسود، فيه فضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، [والركن اليماني فيه] (٣) فضيلة وهو كونه على قواعد إبراهيم، وأما الشاميان فليس لهما شيء من الفضيلتين. واعلم أن المراد بعدم تقبيل الأركان الثلاثة إنما هو نفي كونه سنة، وإن قبلهن أو قبل غيرهن من البيت لم يكن مكروهًا ولا خلاف الأولى، بل يكون حسنًا، كذا نقله في "الاستقصاء" عن نص الشافعي، قال: وأي البيت يقبل فحسن غير أنا نأمر بالاتباع (٤) هذا لفظه فتفطن له فإنه مهم. [١٨٧٥] (مخلد بن خالد) بن يزيد (الشعيري) بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة من رواة مسلم. (عن ابن عمر: أنه أخبر) بضم الهمزة وكسر الموحدة (بقول عائشة: إن الحجر) بكسر الحاء (٥) المهملة وإسكان الجيم، وهو محوط يدور على صورة نصف دائرة وهو خارج عن جدار البيت في صوب الشام من جهة الميزاب، تركته قريش حين بنت البيت، وأخرجته (٦) عن بناء إبراهيم

стр. 5360

حين (١) قصرت بهم النفقة (٢) وحوط (٣) عليه جدار قصير، وأرضه مفروشة بالرخام وله بابان ملصقان [بركني البيت] (٤) الشاميين وبين هذين البابين عشرون ذراعًا، وذرع بدويرة من داخله ثمان وثلاثون ذراعًا. (بعضه من البيت) هذا دليل للوجه الثاني وهو أن الحجر بعضه من البيت وما زاد ليس من البيت، والوجه الثاني أن الحجر كله من البيت، وعلى الأول بأن بعضه من البيت، وفي هذا البعض ثلاثة أوجه: أحدها وهو الأشهر عند المفرعين على هذا الوجه أنه ست أذرع، وبهذا قطع إمام الحرمين وآخرون، والثاني سبع أذرع وبه قطع البغوي وآخرون، والثالث ست أذرع وسبع، قال الرافعي: ومقتضى كلام كثير من الأصحاب أن الحجر كله من البيت، [وعلى الأول] (٥) قال: وهو ظاهر نصه في "المختصر" قال: لكن الصحيح أنه ليس كذلك، بل الذي من البيت قدر ست أذرع متصل بالبيت (٦). (فقال ابن عمر ﵄: والله إني لأظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ) ليس هذا شكّا من ابن عمر في صدق عائشة، لكن يقع في كلام العرب كثيرًا صورة التشكيك، والمراد التقرير والتعيين (إني لأظن رسول الله ﷺ لم يترك استلامهما) افتعال

стр. 5361

من السلام، والمراد هنا [استلام الركن] (١) بالقبلة أو اليد (إلا أنهما) أي: الركنين الشاميين اللذين يليان باب (٢) الحجر (ليسا على قواعد البيت) حين بناه إبراهيم ﵇[وهذا الذي حمل ابن الزبير أنه لما عمر الكعبة أتم البيت على قواعد إبراهيم ﵇] (٣) كما تقدم الكلام عليه مبسوطًا في باب: وقت الإحرام. (ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك) في هذا دليل على ما نص عليه الشافعي في "المختصر" من اشتراط الطواف خارج الحجر وخارج جداره؛ لأن النبي ﷺ طاف من وراء الحجر، وطاف الخلفاء الراشدون والناس وغيرهم من الصحابة والتابعين [وغيرهم و] (٤) من بعدهم، ومقتضى هذا وجوب الطواف خارج الحجر إذا قلنا أنه كله من البيت، وكذا إن قلنا بالحديث المتقدم أن بعضه من البيت، فإن المعتمد في باب الحج الاقتداء بفعل النبي ﷺ فوجب الطواف بجميعه (٥). وعلى القول بأن بعضه (٦) من البيت لا تصح الصلاة إلى الحجر؛ لأن من شروط صحة الصلاة أن يكون جميع البدن محاذيًا للبيت يقينًا، وهذا فيمن قرب من البيت، وأما من بعد ففيه خلاف. [١٨٧٦] (عن عبد العزيز بن أبي رواد) بفتح الراء والواو المشددة،

стр. 5362

واسم أبي رواد ميمون، وقيل: أيمن، قال ابن المبارك: كان من أعبد الناس، وقال [ابن أبي] (١) حاتم: صدوق متعبد (٢). (عن نافع، عن ابن عمر ﵄: قال (٣) كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم) أي: لا يترك استلام (٤) (الركن اليماني والحجر) الأسود (في كل طوفة) (٥). فيه دليل لما قاله الشافعي والأصحاب على أنه (٦) يستحب استلام الركن اليماني وتقبيل اليد بعده واستلام الحجر الأسود وتقبيله في كل طوفة من السبع وهو في الأوتار آكد؛ لأنها أفضل، ويقول عند ابتداء الحجر الأسود: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا وتصديقًا بكتابك إلى آخره (٧). (وكان عبد الله بن عمر يفعله) (٨). فيه دليل على أن من علم شيئًا من الأحكام الشرعية يعمل به جميعه، وإلا [فيكون يسرًا] (٩) منه كالزكاة، وإلا فيكون حجة عليه، اللهم وفقنا.

стр. 5363

٥٠ - باب الطَّوافِ الواجِبِ ١٨٧٧ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُبيْدِ اللهِ - يَعْني ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ - عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طافَ في حَجَّةِ الوَداعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ (١). ١٨٧٨ - حَدَّثَنا مصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الياميُّ، حَدَّثَنا يُونُسُ - يَعْني ابن بُكيْرٍ - حَدَّثَنا ابن إِسْحاقَ، حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبيْرِ، عَنْ عُبيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي ثَوْرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شيْبَةَ قَالَتْ: لَمّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ عامَ الفَتْحِ طافَ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ في يَدِهِ. قَالَتْ: وَأَنا أَنْظُرُ إِليْهِ (٢). ١٨٧٩ - حَدَّثَنا هارُون بْن عَبْدِ اللهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ - المَعْنَى - قالا: حَدَّثَنا أَبُو عاصِمٍ، عَنْ مَعْرُوفٍ - يَعْني ابن خَرَّبُوذَ المَكّي - حَدَّثَنا أَبُو الطُّفيْلِ قَالَ: رَأيْتُ النَّبي ﷺ يَطُوفُ بِالبيْتِ عَلَى راحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ ثُمَّ يُقَبِّلُه زادَ مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفا والمَرْوَةِ فَطافَ سَبْعًا عَلَى راحِلَتِهِ (٣). ١٨٨٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَني أَبُو الزُّبيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: طافَ النَّبي ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ عَلَى راحِلَتِهِ بِالبيْتِ وَبِالصَّفا والمَرْوَةِ لِيَراهُ النّاسُ وَليُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ فَإِنَّ النّاسَ غَشُوهُ (٤). ١٨٨١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أَبي زِيادٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكي فَطافَ عَلَى راحِلَتِهِ كُلَّما أَتَى عَلَى الرُّكْنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ طَوافِهِ أَناخَ

стр. 5364

فَصَلَّى رَكْعَتيْنِ (١). ١٨٨٢ - حَدَّثَنا القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبيْرِ، عَنْ زيْنَبَ بِنْتِ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبي ﷺ أنَّها قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنّي أَشْتَكي فَقَالَ: "طُوفي مِنْ وَراءِ النّاسِ وَأَنْتِ راكِبَةٌ". قَالَتْ: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلّي إِلَى جَنْبِ البيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ (٢). * * * باب الطواف الواجب [١٨٧٧] (عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع) بفتح الواو كما تقدم (على بعير) هو محمول على أنه كان عن شكوى لما سيأتي أنه لما (٣) قدم مكة وهو يشتكي فطاف، وفيه دليل على جواز الطواف راكبًا لعذر يشق معه الطواف ماشيًا، ولا كراهة في الطواف راكبًا من غير عذر على المشهور عند الشافعي (٤)، لكنه خلاف الأولى (٥). وقال الإمام بعد حكاية عدم الكراهة: وفي النفس من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد شيء، فإن أمكن الاستيثاق (٦) فذاك، وإلا

стр. 5365

فإدخالها مكروه (١). وقال البندنيجي وغيره: إن المرأة والرجل فيما ذكرناه من الركوب سواء (٢). قال الماوردي: وإذا كان معذورًا فطوافه محمولًا أولى من طوافه راكبًا صيانة للمسجد من الدابة. قال: وركوب الإبل أيسر حالًا من ركوب البغال والحمير (٣). وعند الحنفية أن من واجبات الطواف المشي إلا من عذر حتى لو كان راكبًا (٤) من غير عذر فعليه الإعادة ما دام بمكة، فإن عاد إلى بلده يلزمه الدم، وكذا من طاف محمولًا لغير عذر (٥)، ومذهب المالكية أنه لا يجوز الطواف راكبًا إلا لعذر، فإن طاف راكبًا لغير عذر أعاد إلا أن يرجع إلى بلده فيبعث الهدي (٦). وعن عمرو بن دينار قال: طاف رجل على فرس فمنعوه، فقال: أتمنعوني أن أطوف على كوكب فكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر أن امنعوه (٧). أخرجه سعيد بن منصور، وقال محب الدين الطبري بعد ذكر ذلك: لعل المنع لما في الخيل من الخيلاء والتعاظم (٨). وعند الحنابلة من سنن الطواف المشي (٩).

стр. 5366

(يستلم الركن بمحجن) (١) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم بعدها نون، وهو عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج، وبذلك سمي الحجون، ومعنى الحديث أنه يومئ بعصاه إلى الركن حتى يصيبه. زاد مسلم من حديث أبي الطفيل: ويقبل المحجن. [١٨٧٨] (اليامي) بالمثناة تحت (صفية بنت شيبة) بن عثمان القرشية، أخت مسافع، اختلف في صحبتها، وقولها: رأيت النبي يدل على صحبتها، والحديث رواه ابن ماجه. (قالت: لما اطمأن) أي: أقام بمكة واتخذها وطنًا (رسول الله ﷺ بمكة) شرفها الله تعالى (عام الفتح طاف على بعير) استدل به على جواز دخول الدابة المسجد، وعلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه. ([يستلم الركن بمحجن) بعود، وهي خشبة في رأسها اعوجاج. قال ابن دريد: كل عود معطوف الرأس فهو محجن (٢)] (٣)، استدل به بعض الشافعية على أنه يستلم بعصا أو نحوها ويقبل ما استلم به، [ويجوز أن يقبل ما يستلم به] (٤) أولًا ثم يستلم به كالذي ينقل خدمة إليه، والذي يقبل بعد الاستلام كأنه ينقل البركة إلى نفسه (٥). (في يده) ولعل هذا المحجن هو الذي يستصحبه راكب الدابة معه

стр. 5367

ليستعين به على سيرها، فيؤخذ منه جواز سوق الدابة بالعصا المستقيمة والمعوجة، وفائدة المعوجة ليتناول بها ما يسقط منه من غير نزول (قالت: وأنا أنظر إليه) قد يستدل به على جواز دخول النساء المسجد الحرام نهارًا. [١٨٧٩] (معروف بن خربوذ) بفتح الخاء المعجمة وضمها والفتح أشهر، وتشديد الراء وضم الباء الموحدة وبعد الواو ذال معجمة، لا ينصرف للعلمية والتركيب، ضعفه ابن معين، وقواه غيره (١) (حدثنا أبو الطفيل) عامر بن واثلة الصحابي (٢). (قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت) فيه دليل على الطواف في المسجد، ولا يضر الحائل بين الطائف والبيت كقبة زمزم والسواري، ويجوز في الأروقة وعلى سطح المسجد (٣)، كما يجوز الاقتداء بالإمام على أسطحته، لكن يشترط لصحة الطواف على الأسطحة أن يكون البيت أرفع بناءً من السطح كهيئة اليوم بخلاف الصلاة، والفرق بينهما أن المقصود في الصلاة جهة بنائها، فإذا علا كان مستقبلًا، والمقصود في الطواف نفس البناء، وإذا وسع المسجد اتسع المطاف وهو اليوم أوسع مما كان في عصر رسول الله ﷺ ، فلو طاف خارج المسجد لم يصح بحال. (على راحلته) فيه حجة لمالك على قوله بطهارة بول ما يؤكل لحمه،

стр. 5368

وكذا روثه (١) إذ لا يؤمن أن يكون ذلك منه في المسجد، وعلى جواز الطواف راكبًا، وكذا محمولًا، فإن كان راكبًا فيركب بعيرًا من غير الجلالة، وإن كان محمولًا فيكون حامله لا طواف عليه؛ لأن الطواف صلاة كما في الحديث، فلا يصلي عن نفسه وغيره. (يستلم الركن بمحجنه) وهي عصاة معقفة (٢) الرأس تكون مع راكب البعير يحرك بها بعيره ويتناول بها ما يسقط على الأرض، وفيه دليل على قربه من البيت، لكن من طاف راكبًا يستحب له أن يبعد إن خاف أن يؤذي أحدًا، فيحمل فعله على (٣) الآمن من ذلك (ثم يقبله) بعد الاستلام، فيه حجة على من قال: إن الاستلام بعد التقبيل لما يستلم به فكأنه ينقل القبلة إليه، وفي المسألة قول ثالث أنه يتخير. (زاد محمد بن رافع) بن أبي ذئب، روى عنه البخاري ومسلم (٤)، قال البخاري: مات سنة خمس وأربعين ومائتين (ثم خرج من باب الصفا) إلى السعي بين (الصفا والمروة) وفي "الغاية" من كتب الحنفية أنه يخرج من باب بني مخزوم (٥). وفي "المدونة" أن مالكًا ما (٦) كان يأمر بالخروج من باب مخصوص (٧). (فطاف) فيه تجوز؛ لأنه يسمى سعيًا لا طوافًا؛ إذ [حقيقة

стр. 5369

الطواف] (١) الشرعية فيه غير [مأخوذة أو] (٢) هي حقيقة لغوية (سبعًا) أي: يقينًا، فلو سعى وشك في العدد أخذ بالأقل، ولو كان عنده أنه أتم وأخبره ثقة عن بقاء شيء لم يلزمه الإتيان به، بل يستحب كما في الطواف، والظاهر أن الصلاة كذلك، وقال الحنفية: لو ترك الأقل لغير عذر عليه لكل شرط صدقة (٣). (على راحلته.) فيه جواز السعي راكبًا، وحكى النووي في "شرح المهذب" الاتفاق على عدم كراهته، وأن الخلاف [الذي في] (٤) الطواف لا يتأتى هنا؛ لأن سبب الكراهة عند من أثبتها هناك خوف تنجيس المسجد وهو منتفٍ (٥) هناك (٦). [١٨٨٠] (ثنا) عبد الملك بن عبد العزيز (ابن جريج) نسب لجده (جابر بن عبد الله يقول: طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته) الراحلة هنا الناقة، والهاء للمبالغة، وقد يسمى الجمل راحلة وهو ظاهر؛ فإن في الرواية المتقدمة (٧): على بعير (بالبيت) بأن يكون جميع البدن خارجًا عن البيت والحجر الشاذروان. (وبالصفا والمروة) فيه تجوز كما تقدم، والتقدير سعى بين الصفا

стр. 5370

والمروة (١) (ليراه الناس) هذا بيان لعلة (٢) ركوبه في الطواف، وذلك أنه لما كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد. حتى خرج العواتق من البيوت، وكان النبي ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر ذلك عليه ركب وإن كان المشي أفضل. [(وليشرف) أي: يرتفع عليهم] (٣) (وليسألوه) عما يحتاجون إليه في نسكهم وغيره، ويحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين، والتقدير: ركب ليراه الناس إذا أشرف عليهم ليسألوه ويقتدوا به (فإن الناس غشوه) الرواية الصحيحة ضم الشين المخففة؛ لأن أصله غشيوه فاستثقلوا الضمة على الياء فنقلوها إلى الشين قبلها وسكنت الياء، فلما اجتمعت مع الواو الساكنة حذفت الواو؛ لالتقاء الساكنين أي: ازدحموا عليه. [١٨٨١] (عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي) أي: من وجع كان به، هذا بيان لعلة الركوب؛ فإن ركوبه كان على شكوى (فطاف على راحلته كلما أتى الركن) اليماني (استلم الركن (٤) بمحجن) كان في يده يحرك به الدابة كما تقدم. (فلما فرغ من طوافه) أسبوعًا (أناخ راحلته) فيه جواز إناخة البعير في المسجد للضرورة، ولا يحتاج أن ينزل عنه وهو واقف، يحتمل أنها استمرت مناخة (٥) إلى أن صلى، ويحتمل أنه لما أناخها نزل عنها ثم

стр. 5371

أظهرت من المسجد وهو أولى، تنزيهًا للمسجد عن الدابة لغير ضرورة (فصلى ركعتين) خلف المقام، قد يؤخذ منه أن الصلاة النافلة لا تجوز على الدابة؛ إذ لو جاز لصلى عليها (١)، ويحتمل أنه نزل ليأتي بالأفضل، وفيه أن الأفضل في ركعتي الطواف خلف المقام. [١٨٨٢] (زينب بنت أم (٢) سلمة) ورواية لمسلم: بنت أبي سلمة، يعني عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، كان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ زينب، سمعت النبي ﷺ عند البخاري روت. (عن) أمها (أم سلمة) هند بنت أبي أمية (زوج النبي ﷺ أنها قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي) [أي: أني ضعيفة (فقال: طوفي من وراء الناس]) (٣)؛ لأن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف؛ لئلا يختلطن بالرجال، ولئلا يتأذى الطائفون بمركبها، وكذلك يكون حكم الرجل إذا طاف راكبًا. (وأنت راكبة) فيه دليل على جواز الركوب لعذر (٤)، واختلف قول من كرهه مع عدم العذر، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يعيد ما دام قريبًا من ذلك، فإن بعد إلى مثل الكوفة ففيه دم (٥) ولم ير الشافعي فيه شيئًا (٦).

стр. 5372

(قالت: فطفت ورسول الله ﷺ يصلي حينئذٍ (١) إلى جنب البيت) إنما طافت في حال صلاة رسول الله ﷺ ليكون أستر لها، وكانت هذِه الصلاة صلاة الصبح (وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور.) هذا موافق لما قاله العلماء أنه يستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل وأوله من الحجرات، ولعل المناسبة في قراءة الطور دون غيرها أن الصلاة عند الكعبة أمان لصاحبها، كما أن الطور (٢)؛ أمان لأمته في زمن عيسى ﵇ حين (٣) يوحى إليه أن حرز عبادي إلى الطور فإني قد أنزلت عبادًا لا يد لأحد بمقاتلتهم، ويبعث الله يأجوج ومأجوج.

стр. 5373

٥١ - باب الاضْطِباعِ في الطَّوافِ ١٨٨٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ ابن جُريْجٍ، عَنِ ابن يَعْلَى عَنْ يَعْلَى قَالَ طافَ النَّبي ﷺ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ (١). ١٨٨٤ - حَدَّثَنا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ خُثيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الجِعْرانَةِ فَرَمَلُوا بِالبيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آباطِهِمْ قَدْ قَذَفُوها عَلَى عَواتِقِهِمُ اليُسْرى (٢). * * * باب الاضطباع في الطواف الاضطباع افتعال من الضبع بإسكان الباء الموحدة، وهو العضد، قلبت التاء طاءً، ويقال للاضطباع أيضًا التأبط والتوشح، وسيأتي في الحديث تفسيره. [١٨٨٣] (أبو عبد الله محمد بن كثير، عن) عبد الملك (ابن جريج، عن) صفوان (ابن يعلى، عن يعلى) بن أمية. (قال: طاف رسول الله ﷺ مضطبعًا) افتعال من الضبع كما تقدم (ببرد أخضر) رواية الترمذي: وعليه برد، ولم يقل أخضر، ورواه أحمد ولفظه: فلما قدم النبي مكة طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له حضرمي. وفي

стр. 5374

رواية: مضطبعًا بين الصفا والمروة ببرد نجراني، فيه دليل على استحباب الاضطباع مع دخوله في المطاف، فإن اضطبع قبله بقليل فلا بأس، والصبي كالبالغ في الاضطباع، ولو ترك الاضطباع (١) في بعض الطواف أتى به فيما بقي، ولو تركه في جميع الطواف أتى به في السعي، والحكمة في بقاء مشروعية الاضطباع ما سيأتي في الرمل، وليس عند المالكية اضطباع (٢). ولا يضطبع في ركعتي الطواف ولا في السعي. [١٨٨٤] (ابن خثيم) بضم (٣) الخاء المعجمة وفتح المثلثة مصغر (عن ابن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وأصحابه أعتمروا من الجعرانة) بسكون العين والتخفيف على الأفصح [كما تقدم] (٤) (فرملوا بالبيت) سيأتي تفسير الرمل. (وجعلوا أرديتهم) أي: وسطها (تحت آباطهم) والمراد أن يجعلهم (٥) تحت عاتقه الأيمن (ثم قذفوها) [أي طرحوا طرفها] (٦) (على عواتقهم) والعاتق المنكب (اليسرى) ويستديمه إلى آخر السعي إلا في ركعتي الطواف؛ لأن صورة الاضطباع مكروه في الصلاة.

стр. 5375

٥٢ - باب في الرَّمَلِ ١٨٨٥ - حَدَّثَنا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ الغَنَويُّ، عَنْ أَبي الطُّفيْلِ قَالَ: قُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ رَمَلَ بِالبيْتِ وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قُلْتُ: وَما صَدَقُوا وَما كَذَبُوا؟ قَالَ: صَدَقُوا قَدْ رَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَذَبُوا ليْسَ بِسُنَّةٍ إِنَّ قُريْشًا قَالَتْ زَمَنَ الحُديْبِيَةِ دَعُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحابَهُ حَتَّى يَمُوتُوا مَوْتَ النَّغَفِ. فَلَمّا صالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَجِيئُوا مِنَ العامِ المُقْبِلِ فيُقِيمُوا بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والمُشْرِكونَ مِنْ قِبَلِ قُعيْقِعانَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحابِهِ: "ارْمُلُوا بِالبيْتِ ثَلاثًا". وَليْسَ بِسُنَّةٍ. قُلْتُ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طافَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ فَقَالَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قُلْتُ: ما صَدَقُوا وَما كَذَبُوا؟ قَالَ: صَدَقُوا قَدْ طافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَذَبُوا ليْسَ بِسُنَّةٍ كَانَ النّاسُ لا يُدْفَعُونَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلا يُصْرَفُونَ عَنْهُ فَطافَ عَلَى بَعِيرٍ لِيَسْمَعُوا كَلامَهُ وَليَرَوْا مَكانَهُ وَلا تَنالَهُ أيْدِيهِمْ (١). ١٨٨٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زيْدٍ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَليْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الحُمَّى وَلَقُوا مِنْها شَرّا فَأَطْلَعَ اللهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ما قَالُوهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْواطَ الثَّلاثَةَ وَأَنْ يَمْشوا بيْنَ الرُّكْنيْنِ، فَلَمّا رَأَوْهُمْ رَمَلُوا قالُوا: هؤلاء الذِينَ ذَكَرْتُم أَنَّ الحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ هؤلاء أَجْلَدُ مِنّا. قَالَ ابن عَبَّاسٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْواطَ إلَّا إِبْقاءً عَليْهِمْ (٢).

стр. 5376

١٨٨٧ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ: فِيمَ الرَّمَلانُ اليَوْمَ والكَشْفُ عَنِ المَناكِبِ وَقَدْ أَطَّأَ اللهُ الإِسْلامَ وَنَفَى الكُفْرَ وَأَهْلَهُ مَعَ ذَلِكَ لا نَدَعُ شيْئًا كُنّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١). ١٨٨٨ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا عُبيْدُ اللهِ بْنُ أبِي زِيادٍ، عَنِ القاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بِالبيْتِ وَبيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ وَرَمْي الجِمارِ لإِقامَةِ ذِكْرِ اللهِ" (٢). ١٨٨٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُليْمانَ الأَنْباريُّ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْن سُليْمٍ، عَنِ ابن خُثيْمٍ، عَنْ أبِي الطُّفيْلِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ اضْطَبَعَ فاسْتَلَمَ وَكَبَّرَ ثُمَّ رَمَلَ ثَلاثَةَ أَطْوافٍ وَكَانُوا إِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ اليَماني وَتَغيَّبُوا مِنْ قُريْشٍ مَشَوْا ثُمَّ يَطْلُعُونَ عَليْهِمْ يَرْمُلُونَ تَقُولُ قُريْشٌ كَأَنَّهُمُ الغِزْلانُ قَالَ ابن عَبَّاسٍ فَكَانَتْ سُنَّةً (٣). ١٨٩٠ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمانَ بْنِ خُثيْمٍ، عَنْ أبِي الطُّفيْلِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الِجعْرانَةِ فَرَمَلُوا بِالبيْتِ ثَلاثًا وَمَشَوْا أَرْبَعًا (٤).

стр. 5377

١٨٩١ - حَدَّثَنا أَبُو كامِلٍ، حَدَّثَنا سُليْمُ بْنُ أَخْضَرَ، حَدَّثَنا عُبيْدُ اللهِ، عَنْ نافِعٍ أَنَّ ابن عُمَرَ رَمَلَ مِنَ الحَجرِ إِلَى الحَجَرِ وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ (١). * * * باب الرمل الرمل بفتح الميم بأن يسرع مشيه مقاربًا خطاه في الثلاثة الأول، ويمشي في الباقي لكن لا يثب وثبًا. [١٨٨٥] (أبو عاصم) لا يعرف اسمه، وهو غير القاسم بن أبي بزة (الغنوي) بفتح الغين المعجمة والنون (عن أبي الطفيل) عامر بن واثلة، آخر من مات من الصحابة على الإطلاق. (قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ قد رمل بالبيت) والرمل بفتح الميم شدة الحركة في المشي، ومنه الرمل في الأعارض (٢) وهو القصير منها، وقوله: (بالبيت) يدل على أن الرمل لا يكون إلا في الطواف بالبيت [دون غيره] (٣) لا في غيره إذا كان الطواف (٤) يعقبه السعي (وأن ذلك سنة، قال (٥): صدقوا وكذبوا) يعني: صدقوا في أن النبي ﷺ فعله وكذبوا في قولهم أنه سنة مقصودة متأكدة.

стр. 5378

(قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ [قال: صدقوا]) (١) في قولهم [(رمل رسول الله) رواية مسلم: أرأيت الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشي أربعة] (٢) أطواف، وكذبوا في قولهم (ليس) ذلك (بسنة) ثم بيَّن فقال: (إن قريشًا) ومن دان دينهم (قالت زمن) صلح (الحديبية: دعوا محمدًا وأصحابه) ورواية مسلم: لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه، انتهى. دعوهم (حتى يموتوا موت النغف) بنون وغين معجمة مفتوحتين، ثم فاء وهو دود أبيض يكون في أنوف الإبل والغنم يقع من أنوفها فيموت ذليلًا فيضرب به (٣) المثل في الذلة، فيقال: أذل من النغفة كما يقول: أذل من حمار قبان. وهو ضرب من الخنفس، وقال أبو عبيد: النغف الدود الأبيض الذي يكون في النوى وما سوي ذلك (٤) الدود فليس بنغف (٥). وفي "صحيح مسلم": "فيرسل الله عليهم" أي: على يأجوج ومأجوج "النغف في رقابهم فيصبحون فرسى" (٦) بالقصر، أي: قتلى. (فلما صالحوه (٧) على أن يحجوا) يعني: النبي ﷺ وأصحابه (من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام) هذا شرط، وقد وفوا به فأخلوها

стр. 5379

له ثلاثة أيام كما سيأتي قريبًا (فقدم رسول الله ﷺ ) إلى مكة بمن معه (والمشركون) قد أخلوا مكة للنبي ﷺ وأصحابه ثلاثة أيام قد صعدوا رؤوس الجبال (من قبل) بكسر القاف وفتح (١) الباء، أي: جهة جبل (قعيقعان) بضم القاف الأولى تصغير قعقع (٢) جبل بمكة وهو المطل عليها وهو اسم معرفة (٣)، سمي بذلك لقعقعة السلاح التي كانت به بين جرهم وقريش (فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: ارملوا) بضم الميم (بالبيت ثلاثًا) رواية البخاري: فأمرهم رسول الله أن يرملوا الأشواط الثلاثة كما سيأتي (وليس بسنة) هذا مذهب ابن عباس في أن الرمل ليس بسنة مقصودة مطلوبة دائمًا على تكرر السنين، وإنما أمر به تلك السنة لإظهار القوة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى، وخالفه جميع العلماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم فقالوا: هو (٤) سنة في الطوفات الثلاث من السبع، فإن تركه فقد ترك سنة وفاتته فضيلة ولا دم عليه، وقال الحسن البصري والثوري وعبد الملك بن (٥) الماجشون المالكي: إذا ترك الرمل لزمه دم، وكان مالك يقول به ثم رجع عنه (٦) (٧).

стр. 5380

(قلت) يعني: لابن عباس: (يزعم قومك [أن رسول الله ﷺ ) أي: والصحابة ﵃] (١) (طاف بين الصفا والمروة) أي: سعى، وفيه تجوز كما تقدم (على بعير وأن ذلك سنة) كان عمر طلوبًا للآثار بحوثًا عنها وعن معانيها (قال: صدقوا) يعني: صدقوا في أنه ﷺ سعى راكبًا على بعير (وكذبوا) في أن الركوب أفضل، بل المشي أفضل، وإنما ركب النبي ﷺ للعذر الذي ذكر في الطواف، وهذا الذي قاله ابن عباس مجمع عليه. (قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا) في قولهم: (قد طاف) أي: سعى (رسول الله ﷺ [بين الصفا] (٢) والمروة على بعير) أي: أصابوا من حيث إنهم نسبوه إلى النبي ﷺ (وكذبوا ليس (٣) بسنة) راتبة مستمرة، بل ارتفعت [لارتفاع سببها] (٤) الذي كان أحدث (٥) لأجلها في الزمن الأول. (كان الناس لا يدفعون) بضم الياء [المثناة تحت] (٦) وفتح الفاء (عن رسول الله ﷺ ولا يصرفون) بالصاد المهملة والفاء أي: يمنعون، وفي رواية: يضربون. بالضاد المعجمة والباء الموحدة، أي: يضربون بالعصا ونحوها بين يديه كما يفعل الآن (٧) بين يدي الأمير، والروايتان

стр. 5381

في مسلم (فطاف على بعير ليسمعوا كلامه) فيعملوا به (وليروا مكانه) [وما يفعله] (١) فيقتدوا به، وهكذا ينبغي أن يفعل (٢) بالعالم ومن (٣) يقتدى به في أقواله وأفعاله. (ولا تناله أيديهم) أي: أيدي أحد منهم فيصبه بمكروه من المنافقين والفجرة كما جذبه الأعرابي وقال له: مر لي من مال الله. وخص (٤) الأيدي بالذكر؛ لأن أكثر تصرفات الآدمي بها. [١٨٨٦] (عن ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ ) وأصحابه (مكة وقد وهنتهم) بتخفيف الهاء، وقد يستعمل رباعيّا، قال الفراء: يقال: وهنه الله وأوهنه الله (٥) لغتان، ومعنى أوهنتهم، أي (٦): أضعفتهم (حمى يثرب) وهو اسم المدينة الذي كان في الجاهلية، وسميت في الإسلام المدينة وطيبة وطابة، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ (٧) و ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ (٨)، وسيأتي لذلك مزيد بيان (٩) إن شاء الله تعالى. (فقال المشركون) من قريش وغيرهم (إنه يقدم) بفتح الدال، وأما يقدم بضمها كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١٠) فمعناه: يتقدمهم (قوم وهنتهم الحمى) أي: أضعفتهم كما تقدم (ولقوا) بضم

стр. 5382

القاف، أصلها لقيوا فلما استثقلت الضمة على الياء نقلوا ضمتها إلى القاف قبلها وحذفت الياء لما سكنت (منها شرّا) رواية مسلم: لقوا منها شدة. قال الداودي: قول المشركين: (وهنتهم الحمى) قالوه احتقارًا لهم واستهزاءً. (فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا) بوحي أو رؤيا أو غير ذلك (فأمرهم) أي: أمر أصحابه (أن يرملوا) بضم الميم وهو في موضع مفعول (فأمرهم) تقول: أمرته كذا، أو أمرته بكذا لغتان (الأشواط) بفتح الهمزة وسكون المعجمة جمع شرط، وهو الجري مرة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة، وهذا صريح في جواز تسمية الطواف شوطًا، وقد نقل أصحابنا أن مجاهدًا والشافعي كرها تسميته شوطًا أو دورًا، وقد يسمى طوفة، وهذا الحديث ظاهر أنه لا كراهة في تسميته شوطًا، والأصح أنه لا كراهة فيه (١). (الثلاثة) أي: الأولى، قال القاضي حسين: إنما كره الشافعي التعبير بالشوط؛ لأن الشوط هو الهلاك، لكن قال النووي: المختار أنه لا يكره؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم تثبت (٢) (وأن يمشوا) على هينتهم، فإن التأني في المشي أولى من الإسراع (بين الركنين اليمانيين) يعني: الركن اليماني والحجر الأسود، [قيل: إنما كان ﷺ يمشي بين اليمانيين ليهون عليه استلام الحجر] (٣). استدل به من قال: لا يستوعب الأطواف الثلاثة بالرمل، بل يمشي بين الركنين اليمانيين؛

стр. 5383

لأن الكفار لم يكونوا مما يليهما، بل كانوا مما يلي الحجر - بكسر الحاء وإسكان الجيم - وهذا هو القول القديم، والجديد وهو الصحيح: أنه يستوعب الأطواف الثلاثة؛ لحديث ابن عمر الآتي، وفيه أنه ﷺ رمل (١) من الحجر إلى الحجر (٢). (فلما رأوهم) يعني: المشركين قد (٣) (رملوا) في الطواف (قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد (٤) وهنتهم هؤلاء أجلد منا) بالجيم، أي: أقوى وأشد منا حتى أن قالوا: إن هم إلا كالغزلان. (قال ابن عباس: ولم يأمرهم) (٥) رواية مسلم: لم يمنعه أن يأمرهم (أن يرملوا الأشواط) أي: السبعة (كلها إلا الإبقاء) بكسر الهمزة وبالموحدة والقاف [بمعنى الرفق والشفقة (عليهم) بالرفع على أنه فاعل لقوله قبله لم يأمرهم] (٦) قاله القرطبي وغيره، فعلى هذا يكون الاستثناء مفرغًا، ثم قال القرطبي: هكذا روايتنا بالرفع، ويجوز نصب (الإبقاء) على أن يكون مفعولًا لأجله ويكون فاعل (يأمرهم) ضمير عائد على النبي ﷺ وهو فاعله (٧). ويؤخذ من الحديث جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح والخيل وغير

стр. 5384

ذلك للكفار وإرهابًا لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم، وفيه جواز المعاريض بالفعل كما يجوز بالقول. [١٨٨٧] (عن أبيه) أسلم مولى عمر بن الخطاب، وكان من سبي عين التمر (سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: فيم) أي: في أي شيء يكون، وهذِه الميم التي بعد في [هي ميم ما الاستفهامية] (١) ثم حذفت الألف في ما الاستفهامية لدخول حرف الجر عليها (الرملان) بفتح الميم ورفع النون في آخره على أنه مبتدأ، والجار والمجرور خبر مقدم [لفظ البخاري: ما لنا وللرمل، إنما كنا راءينا المشركين به، والمراد بالرملان والرمل الاضطباع كقوله: (والكشف عن المناكب) يعني: في الاضطباع، والرملان] (٢) مصدر رمل، قال أهل اللغة: الرمل والرملان يعني بفتح الميم فيهما الهرولة، وعبارة الحافظ أبي موسى في "غريبه" هو أن يهز منكبيه ولا يسرع، ونظير الرملان من المصادر الغليان وخفق القلب خفقانًا (٣) وهذا المصدر مخصوص بما فيه من (٤) الحركة والكشف عن المناكب في الطواف. (وقد أطأ) بفتح الهمزة وتشديد الطاء المهملة بعدها همزة، أي: مهَّد وثبت (الله الإسلام) وأصله وطأ فالهمزة مبدلة من الواو مثل قوله [تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ﴾] (٥) وافيت (ونفى الكفر) أي: طرده (وأهله) وفيه دليل على أن

стр. 5385

النبي ﷺ قد يسن الشيء لمعنى فيزول ذلك المعنى وتبقى السنة على حالها لا تزول (١) و (مع ذلك) شيء (٢) صنعه رسول الله ﷺ فلا يجب أن نتركه (لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ) وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيره: إن الحكمة في بقاء مشروعيته بعد زوال العلة أن يتذكر السالك ما أنعم الله به على المسلمين من إعزاز الدين وظهور الإسلام [من المسلمين، وقوة شوكته بعد الضعف المهين؛ ليكون ذلك باعثًا على الانقياد خصوصًا في تلك] (٣) البلاد، ويحصل له تعظيم الصحابة المتقدمين وما كانوا عليه من تحمل المشاق في جهاد المشركين وامتثال أمر الله والمبادرة إليه مع قوة اليقين، وبذل النفس والمال الكثير. وبهذا تعلم (٤) ويظهر لك أن كثيرًا من الأعمال التي وقعت في الحج ويقال فيها أنها تعبد محض ليس كما قيل؛ لأنا إذا فعلناها وذكرنا أسبابها حصل من ذلك تعظيم الأولين، وهي مسألة عظيمة النفع في أمور الدين، وفقنا الله تعالى لها. [١٨٨٨] (عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الطواف بالبيت) والسعي (بين الصفا والمروة) والوقوف بعرفة (ورمي الجمار) وسائر أفعال الحج وأقواله (لإقامة ذكر الله) أي: ليدوم على ذكر الله بلسانه وقلبه (٥) من قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٦) كما روي عن

стр. 5386

رسول الله ﷺ : "إنما فرضت الصلاة وأمر بالحج والطواف واستقرت (١) المناسك لإقامة ذكر الله"، ومنه [قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٢) أي: لتذكرني فيها، أي: في قيامها، وركوعها، وسجودها، وقعودها، وكذا جعل الطواف بالبيت ليذكر الله في طوافه، وكذا السعي. وقد أخبر الله تعالى أن الصلاة أريد بها ذكر الله تعالى في] (٣) قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٤) أي: صل لتذكرني فيها، وكذلك طف بالبيت لتذكرني، واسع بين الصفا والمروة لتذكرني، وارم الجمار لتذكرني، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ (٥). قال ابن الأعرابي (٦): معناه: إن صلاتي وعبادتي، يقول: ذلتي وحالة حياتي وحالة مماتي لله، أي: ظهور ذلك من أجل الله لا من أجل ما يعود علي في ذلك من الخير؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٧) فجعل العلة ترجع إلى حياته لا (٨) الثناء، فالعالم من عبد الله لله، وغير العالم يعبده لما يرجوه من حظوظ (٩) نفسه في تلك العبادة، فلهذا شرع أن يقول ﴿لِلَّهِ رَبِّ

стр. 5387

الْعَالَمِينَ﴾ أي: سيد العالم كله ومالكهم ومصلحهم لما بيَّن لهم ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ أي: لا يقصد بهذِه العبادة إلا الله لا أشرك فيها نفسي بما يخطر (١) لي من الثواب الذي وعد عليه. وقال أبو طالب المكي في قوله ﷺ لأنس بن مالك: "إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع"، أي: مودع لدنياه، مودع لنفسه، مودع لهواه، مودع لعمره، سائر إلى مولاه، كما قال ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ فينبغي أن يكون قلبه في صلاته وحجه في همه، وهمه مع ربه، وربه في قلبه، فيذكره في قرآنه، وينظر إليه من كلامه، ويكلمه بخطابه، ويعرفه من صفاته، وذكر المحبوب هو المطلوب؛ إذ هو حياة القلوب (٢). [١٨٨٩] (محمد بن سليمان) بن (٣) أبي داود (الأنباري) بتقديم النون على الباء الموحدة، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين (بن سليم بن خثيم (٤)، عن أبي الطفيل) مصغرات. (عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ اضطبع) بأن جعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن عند إبطه وطرح طرفيه على منكبه الأيسر واستدامته إلى آخر السعي إلا في ركعتي الطواف (واستلم) الحجر الأسود (وكبر) الله (ثم رمل) فيه دليل على أن الرمل لا يكون إلا بعد الاضطباع والاستلام والتكبير (ثلاث أطواف) وهن الأول. (وكانوا) يعني: الصحابة ﵃ (إذا بلغوا الركن اليماني) (٥) في

стр. 5388

الطوافات الثلاث (١) (وتغيبوا (٢) من) رؤية (قريش) لهم (مشوا) بفتح الشين، أي: على هينتهم إلى الركن اليماني أيضًا (ثم يطلعون) بفتح أوله وضم ثالثه، قال في "ديوان الأدب": يقال: طلعت على القوم إذا أقبلت عليهم حتى يروك، وطلعت عنهم إذا غبت عنهم حتى لا يروك (يرملون) بضم الميم. (تقول قريش) المشركون (كأنهم) أي: في خفتهم (٣) في المشي (الغزلان. قال (٤) ابن عباس ﵄: فكانت) أي: هيئة الرمل في الطواف (سنة) بالنصب، أي: في المشي في الطواف. [١٨٩٠] (حدثنا) أبو سلمة (موسى (٥) بن إسماعيل) المعروف بالتبوذكي، شيخ البخاري. (ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا) في ذي القعدة سنة ست، وأحرموا (من الجعرانة) بإسكان العين وتخفيف الراء ودخلوا مكة معتمرين، قال الطبري: لاثنتي عشرة ليلة (٦) بقيت لذي الحجة (فرملوا بالبيت ثلاثًا) أي: ثلاث طوفات (ومشوا أربعًا) أي: في الأربعة الأخيرة.

стр. 5389

[١٨٩١] (حدثنا أبو كامل) الفضيل (١) بن حسين الجحدري سليم بضم السين مصغر (بن أخضر) بالخاء والضاد المعجمتين من رواة مسلم. (أن ابن عمر ﵄ رمل من الحجر إلى الحجر) بفتح الحاء والجيم فيهما (وذكر أن رسول الله ﷺ فعل ذلك) فيه دليل على أن الرمل يشرع في جميع الثلاث طوفات الأول، وأما حديث ابن عباس المتقدم وفيه: وأمرهم أن يمشوا ما (٢) بين الركنين. فمنسوخ بهذا الحديث؛ لأن حديث ابن عباس في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة، وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم، وإنما رملوا إظهارًا للقوة، فاحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين اليمانيين؛ لأن المشركين كانوا جلوسًا مما يلي الحجر بكسر الحاء وإسكان الجيم، وكانوا يغيبون عنهم بين هذين الركنين كما تقدم ويرونهم فيما سوى ذلك. وأما حديث ابن عمر هذا فكان في حجة الوداع سنة عشر، فكان العمل على هذا لأنه المتأخر، وهذا من محاسن أبي داود من تقديم الحديث المنسوخ على الناسخ على القاعدة بخلاف "صحيح مسلم" فإنه قدم الناسخ وأخر المنسوخ، ولعله فعل ذلك لفائدة في علم الحديث لا أعرفها. فلو كان الطائف راكبًا دابة أو محمولًا على آدمي فهل يرمل؟ فيه قولان، أصحهما: يرمل به الحامل ويحرك هو الدابة.

стр. 5390

٥٣ - باب الدُّعاءِ في الطَّوافِ ١٨٩٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا ابن جُريْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ما بيْنَ الرُّكْنيْنِ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١). ١٨٩٣ - حَدَّثَنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا يَعْقُوبُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طافَ في الحَجِّ والعُمْرَةِ أَوَّلَ ما يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلاثَةَ أَطْوافٍ ويَمْشي أَرْبَعًا ثُمَّ يُصَلّي سَجْدَتيْنِ (٢). * * * باب الدعاء في الطواف [١٨٩٢] (يحيى بن عبيد) مصغر (عن أبيه) عبيد المكي مولى السائب ﵁ (عن عبد الله بن السائب) (٣) صيفي بن عائذ، أخذ عنه أهل مكة القراءة، وقرأ عليه مجاهد. (سمعت رسول الله ﷺ يقول ما بين الركنين) يعني: ركن بني جمح والركن الأسود كما رواه المحاملي في كتاب "الدعاء" وفي رواية له: بين الركن والمقام (٤): اللهم (٥) (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) عن علي: هي المرأة

стр. 5391

الحسناء. وعن قتادة: هي العافية في الصحة وكفاف المال. وعن الحسن: العلم والعبادة (وفي الآخرة حسنة) عن علي [كرم الله وجهه: في الجنة] (١) هي الحور العين (٢). قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا ونعيم (٣) الآخرة. هذا هو الصحيح، فإن حسنة الدنيا (٤) نكرة في سياق الدعاء، فهي محتملة لكل حسنة من الحسنات، وحسنة الآخرة الجنة بالإجماع (٥). (وقنا عذاب النار) عن علي: هي المرأة السوء، وفيه بعد؛ لأن النار حقيقة في النار المحرقة وفي المرأة السوء مجاز، والحقيقة مقدمة على المجاز، وهذا من جوامع الدعوات التي عمت الدنيا والآخرة. قال ابن جريج: بلغني أنه كان يؤمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف هذِه الآية، وقال ابن عباس: إن (٦) عند الركن ملكًا قائمًا منذ خلق الله السموات والأرض يقول: آمين، فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٧). وعن عطاء: حدثني أبو هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "وكل به سبعون ملكًا، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا

стр. 5392

والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا: آمين". أخرجه ابن ماجه في "السنن" (١). [١٨٩٣] (عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج والعمرة أول) بالنصب؛ لأنها مضافة إلى (ما) الظرفية (٢)، وما أضيف إلى [الظرف يعطى] (٣) إعرابه، والتقدير: أول وقته (يقدم) بفتح الدال (فيه فإنه يسعى) أي: يطوف (ثلاثة أطواف) يرمل فيها، يدل على الرمل قوله (ويمشي أربعًا) بلا رمل (ثم يصلي سجدتين) والمراد بهما ركعتا الطواف. فإن قيل: أين محل الترجمة وهو الدعاء في الطواف؟ فالجواب: أن الحديث الأول ظاهر فيه، وأما هذا الحديث فلعله لما قال فيه سجدتين والسجود محل الدعاء ومظنة الاستجابة عبر عنه المصنف بالدعاء وهو بعد الطواف، وقيل (٤) غير ذلك (٥)، والله أعلم.

стр. 5393

٥٤ - باب الطَّوافِ بَعْدَ العَصْرِ ١٨٩٤ - حَدَّثَنا ابن السَّرْحِ والفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ - وهذا لَفْظُهُ - قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أَبِي الزُّبيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ باباهْ، عَنْ جُبيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبي ﷺ قَالَ: "لا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بهذا البيْتِ ويُصَلّي أي ساعَةٍ شاءَ مِنْ ليْلٍ أَوْ نَهارٍ". قَالَ الفَضْلُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يا بَني عَبْدِ مَنافٍ لا تَمْنَعُوا أَحَدًا" (١). * * * باب الطواف بعد العصر (٢) [١٨٩٤] (ثنا) أحمد بن عمرو (ابن السرح) بالمهملات (عبد الله بن باباه) بباءين موحدتين والهاء في آخره منونة، ويقال: ابن [بابيه، وابن بابي] (٣) أخرج له مسلم (٤) (عن جبير بن مطعم) بن عدي ﵁ (يبلغ به النبي ﷺ قال: الفضل) [كذا في بعض النسخ] (٥) وفي بعضها بالحذف. (أن رسول الله ﷺ قال: يا بني عبد مناف) بن قصي، ذكر السهيلي أن مناف مفعَّل (٦) من أناف ينيف إنافة إذا ارتفع (لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا

стр. 5394

البيت ويصلي) فيه (أي) بالنصب؛ لأنه أضيف إلى الظرف (١) فأعرب بإعرابه (ساعة شاء) فيه دليل على صحة الطواف بعد العصر وفي الأوقات المكروهة، وكذا ركعتاه، أما الطواف فنقل العبدري الإجماع على أن الطواف في الأوقات [المنهي عنها جائز، أي: من غير كراهة. وصحح قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي في "الغاية": أنه لا يكره في الأوقات] (٢) المكروهة (٣)، وأما ركعتا الطواف فقال الشافعية: يجوز فعلهما في جميع الأوقات بلا كراهة (٤). وأنه لا يتعين لهما زمان ولا مكان، ولكن السنة أن يصليهما إذا فرغ من الطواف، وكذلك مذهب الحنفية والحنابلة، غير أن الحنفية قالوا أنهما لا يفعلان في الأوقات المكروهة (٥). فإن فعلهما فيها صحت مع الكراهة، وقالت الحنابلة: يجوز فعلهما بعد الصبح وبعد العصر (٦). وفي جواز فعلهما في الأوقات المكروهة روايتان. قال ابن المنذر: ومن صلى بعد العصر لطوافهم من الصحابة ابن عباس وابن عمر والحسن والحسين ابنا علي وابن الزبير، قال: وصلى ابن عمر وابن الزبير صلاة الطواف بعد صلاة الصبح. قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بقوله في الحديث: ويصلي صلاة الطواف خاصة، قال: وهو الأشبه بالآثار، ويحتمل جميع

стр. 5395

الصلوات (١). [قاله النووي قبل] (٢) حكايته رواية أبي داود: لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت يصلي أي ساعة شاء (٣). (من ليل أو نهار) وهو تأكيد لما أبهم أولًا، قال الخطابي: استدل الشافعي بهذا الحديث على أن الصلاة جائزة بمكة في الأوقات المنهي عنها، أي سواء في ذلك صلاة الطواف وغيرها (٤) هذا هو الصحيح عنده وعند أصحابه، وفي وجه: إنما تباح صلاة الطواف خاصة، حكاه الخراسانيون وجماعة من العراقيين، والمراد بمكة: البلدة وجميع الحرم الذي حولها (٥)، وفي وجه: إنما يباح في نفس البلدة دون باقي الحرم. وفي وجه ثالث: إنما يباح في نفس المسجد الذي حول الكعبة لا فيما سواه من بيوت مكة وسائر الحرم، والصحيح الأول، هذا تفصيل مذهب الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا تباح الصلاة بمكة في هذِه الأوقات؛ لعموم الأحاديث، ودليلنا عليهم هذا الحديث (٦) ولعلهم أن يجيبوا عن هذا الحديث بأن المراد بالصلاة الدعاء.
следующие страницы →