← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

الحسناء. وعن قتادة: هي العافية في الصحة وكفاف المال. وعن الحسن: العلم والعبادة (وفي الآخرة حسنة) عن علي [كرم الله وجهه: في الجنة] (١) هي الحور العين (٢). قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا ونعيم (٣) الآخرة. هذا هو الصحيح، فإن حسنة الدنيا (٤) نكرة في سياق الدعاء، فهي محتملة لكل حسنة من الحسنات، وحسنة الآخرة الجنة بالإجماع (٥). (وقنا عذاب النار) عن علي: هي المرأة السوء، وفيه بعد؛ لأن النار حقيقة في النار المحرقة وفي المرأة السوء مجاز، والحقيقة مقدمة على المجاز، وهذا من جوامع الدعوات التي عمت الدنيا والآخرة. قال ابن جريج: بلغني أنه كان يؤمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف هذِه الآية، وقال ابن عباس: إن (٦) عند الركن ملكًا قائمًا منذ خلق الله السموات والأرض يقول: آمين، فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٧). وعن عطاء: حدثني أبو هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "وكل به سبعون ملكًا، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا

стр. 5392

والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا: آمين". أخرجه ابن ماجه في "السنن" (١). [١٨٩٣] (عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج والعمرة أول) بالنصب؛ لأنها مضافة إلى (ما) الظرفية (٢)، وما أضيف إلى [الظرف يعطى] (٣) إعرابه، والتقدير: أول وقته (يقدم) بفتح الدال (فيه فإنه يسعى) أي: يطوف (ثلاثة أطواف) يرمل فيها، يدل على الرمل قوله (ويمشي أربعًا) بلا رمل (ثم يصلي سجدتين) والمراد بهما ركعتا الطواف. فإن قيل: أين محل الترجمة وهو الدعاء في الطواف؟ فالجواب: أن الحديث الأول ظاهر فيه، وأما هذا الحديث فلعله لما قال فيه سجدتين والسجود محل الدعاء ومظنة الاستجابة عبر عنه المصنف بالدعاء وهو بعد الطواف، وقيل (٤) غير ذلك (٥)، والله أعلم.

стр. 5393

٥٤ - باب الطَّوافِ بَعْدَ العَصْرِ ١٨٩٤ - حَدَّثَنا ابن السَّرْحِ والفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ - وهذا لَفْظُهُ - قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أَبِي الزُّبيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ باباهْ، عَنْ جُبيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبي ﷺ قَالَ: "لا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بهذا البيْتِ ويُصَلّي أي ساعَةٍ شاءَ مِنْ ليْلٍ أَوْ نَهارٍ". قَالَ الفَضْلُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يا بَني عَبْدِ مَنافٍ لا تَمْنَعُوا أَحَدًا" (١). * * * باب الطواف بعد العصر (٢) [١٨٩٤] (ثنا) أحمد بن عمرو (ابن السرح) بالمهملات (عبد الله بن باباه) بباءين موحدتين والهاء في آخره منونة، ويقال: ابن [بابيه، وابن بابي] (٣) أخرج له مسلم (٤) (عن جبير بن مطعم) بن عدي ﵁ (يبلغ به النبي ﷺ قال: الفضل) [كذا في بعض النسخ] (٥) وفي بعضها بالحذف. (أن رسول الله ﷺ قال: يا بني عبد مناف) بن قصي، ذكر السهيلي أن مناف مفعَّل (٦) من أناف ينيف إنافة إذا ارتفع (لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا

стр. 5394

البيت ويصلي) فيه (أي) بالنصب؛ لأنه أضيف إلى الظرف (١) فأعرب بإعرابه (ساعة شاء) فيه دليل على صحة الطواف بعد العصر وفي الأوقات المكروهة، وكذا ركعتاه، أما الطواف فنقل العبدري الإجماع على أن الطواف في الأوقات [المنهي عنها جائز، أي: من غير كراهة. وصحح قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي في "الغاية": أنه لا يكره في الأوقات] (٢) المكروهة (٣)، وأما ركعتا الطواف فقال الشافعية: يجوز فعلهما في جميع الأوقات بلا كراهة (٤). وأنه لا يتعين لهما زمان ولا مكان، ولكن السنة أن يصليهما إذا فرغ من الطواف، وكذلك مذهب الحنفية والحنابلة، غير أن الحنفية قالوا أنهما لا يفعلان في الأوقات المكروهة (٥). فإن فعلهما فيها صحت مع الكراهة، وقالت الحنابلة: يجوز فعلهما بعد الصبح وبعد العصر (٦). وفي جواز فعلهما في الأوقات المكروهة روايتان. قال ابن المنذر: ومن صلى بعد العصر لطوافهم من الصحابة ابن عباس وابن عمر والحسن والحسين ابنا علي وابن الزبير، قال: وصلى ابن عمر وابن الزبير صلاة الطواف بعد صلاة الصبح. قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بقوله في الحديث: ويصلي صلاة الطواف خاصة، قال: وهو الأشبه بالآثار، ويحتمل جميع

стр. 5395

الصلوات (١). [قاله النووي قبل] (٢) حكايته رواية أبي داود: لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت يصلي أي ساعة شاء (٣). (من ليل أو نهار) وهو تأكيد لما أبهم أولًا، قال الخطابي: استدل الشافعي بهذا الحديث على أن الصلاة جائزة بمكة في الأوقات المنهي عنها، أي سواء في ذلك صلاة الطواف وغيرها (٤) هذا هو الصحيح عنده وعند أصحابه، وفي وجه: إنما تباح صلاة الطواف خاصة، حكاه الخراسانيون وجماعة من العراقيين، والمراد بمكة: البلدة وجميع الحرم الذي حولها (٥)، وفي وجه: إنما يباح في نفس البلدة دون باقي الحرم. وفي وجه ثالث: إنما يباح في نفس المسجد الذي حول الكعبة لا فيما سواه من بيوت مكة وسائر الحرم، والصحيح الأول، هذا تفصيل مذهب الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا تباح الصلاة بمكة في هذِه الأوقات؛ لعموم الأحاديث، ودليلنا عليهم هذا الحديث (٦) ولعلهم أن يجيبوا عن هذا الحديث بأن المراد بالصلاة الدعاء.

стр. 5396

٥٥ - باب طَوافِ القارِنِ ١٨٩٥ - حَدَّثَنا ابن حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى عَنِ ابن جُريْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو الزُّبيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ لَمْ يَطُفِ النَّبي ﷺ وَلا أَصْحابُهُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ إِلَّا طَوافًا واحِدًا طَوافَهُ الأَوَّلَ (١). ١٨٩٦ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا مالِك بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَصْحابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الذِينَ كَانُوا مَعَهُ لَمْ يَطُوفُوا حَتَّى رَمَوُا الجَمْرَةَ (٢). ١٨٩٧ - حَدَّثَنا الرَّبِيعُ بْنُ سُليْمانَ المُؤَذِّنُ، أَخْبَرَني الشّافِعيُّ، عَنِ ابن عُييْنَةَ، عَنِ ابن أَبي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عائِشَةَ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ لَها: "طَوافُكِ بِالبيْتِ وَبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ". قَالَ الشَّافِعي: كَانَ سُفْيانُ رُبَّما قَالَ: عَنْ عَطاءٍ، عَنْ عائِشَةَ. وَرُبَّما قَالَ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ لِعائِشَةَ ﵂ (٣). * * * باب طواف القارن [١٨٩٥] (أبو الزبير) محمد بن مسلم (٤) بن تدرس (قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه ﵃ بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا.) فيه دليل على أن السعي في الحج أو (٥)

стр. 5397

العمرة لا يتكرر، بل يقتصر منه على مرة واحدة (١)، قال النووي: ويكره تكراره؛ لأنه بدعة (٢). قلت: ومما يتنبه له أن صورة التكرار فيما إذا أحرم بالحج وطاف طواف القدوم وسعى (٣) بعده ثم لما وقف بعرفة ورجع إلى مكة لطواف الإفاضة فلا يعيد السعي بعده؛ لأن السعي لا يتكرر بخلاف الطواف، وأما من (٤) أحرم بالعمرة وهو (٥) المتمتع وطاف طوافها ثم أحرم بالحج من مكة ووقف بعرفة ثم رجع إلى مكة لطواف الحج، فيجب عليه [أن يسعى] (٦) بعد هذا الطواف؛ لأن السعي الذي سعاه أولًا عن العمرة، وهذا عن الحج، وليس هذا تكرارًا؛ لأن التكرار لا يكون إلا في نسك واحد، وأما هذِه الصورة ففيها نسكان. وقد وقعت هذِه المسألة لجماعة من بلد الخليل ﵇ كانوا متمتعين وطافوا وسعوا، فلما أحرموا بالحج ورجعوا إلى مكة ليطوفوا ويسعوا عن الحج أمرهم بعض طلبة العلم أن لا يسعوا، وربما نقل لهم كلام "المنهاج" ومن سعى بعد قدوم لم يعده، وكذا ما نقله النووي في "منسكه" من الكراهة، وطافوا ولم يسعوا ورجعوا إلى بلادهم وهم باقون على إحرامهم؛ لعدم السعي المفروض، فليتنبه لذلك، والله أعلم.

стр. 5398

وفي الحديث أيضًا دليل لما تقدم أن النبي ﷺ كان قارنًا وقد طاف طوافًا واحدًا وسعى سعيًا واحدًا، وهو دليل على الجواز خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه قال: ولا بد من طوافين وسعيين، واحتج بما روي عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين (١). ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل، ولكن [طرقه عند] (٢) عبد الرزاق و (٣) الدارقطني (٤) وغيرهما (٥) ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه (٦)، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك، وفيه الحسن بن عمارة وهو (٧) متروك (٨). (طوافه الأول) قيل: لعله يريد أنه لما قدم مكة (٩) طاف طوافًا واحدًا وسعى سعيًا واحدًا، وذلك الطواف ليس من أركان الحج والعمرة ولا لهما، وإنما هو طواف القدوم. [١٨٩٦] (وعن عائشة: أن أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه لم يطوفوا حتى رموا الجمرة) أي: وحلوا من حجهم ثم طافوا، واستشكل

стр. 5399

هذا بأن عائشة لم ترهم؛ لأنها كانت في تلك الحجة لم تطف بالبيت (١) لأجل حيضها، وأجيب بالحمل على أنه أراد (٢) في حجة أخرى غير حجة الوداع، فقد كانت عائشة بعد النبي ﷺ تحج كثيرًا. [١٨٩٧] (حدثنا الربيع بن سليمان) بن عبد الجبار المرادي (٣) مولاهم (المؤذن) بجامع مدينة مصر، صاحب الشافعي وخادمه وراوي "الأم" وغيرها عنه، قال الشافعي عنه: إنه أحفظ أصحابي (٤). (عن عائشة، أن النبي ﷺ قال لها) لما قرنت بين الحج والعمرة (طوافك بالبيت وبالصفا والمروة) أي: وسعيك بين الصفا والمروة (يكفيك لحجك وعمرتك) فيه دليل (٥) ظاهر على أن القارن بين الحج والعمرة (٦) لا يلزمه إلا ما يلزم المفرد، وأنه يجزئه طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته (٧) وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر ونص عليه أحمد في رواية (٨) عنه (٩). ويدل عليه ما رواه الترمذي بإسناد حسن عن ابن عمر قال (١٠): قال

стр. 5400

رسول الله ﷺ : "من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما جميعًا" (١)، ولأنه ناسك يكفيه حلاق واحد ورمي واحد فيكفيه طواف واحد وسعي واحد كالمفرد، ولأنهما عبادتان من جنس واحد، فإذا اجتمعا دخلت أفعال الصغرى في الكبرى كالطهارتين، وقال أبو حنيفة ورواية عن أحمد: أن عليه طوافين وسعيين، وروي عن علي ولم يصح عنه، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢)، وإتمامهما بأن يأتي بأفعالهما على الكمال (٣). وأجاب أصحابنا عن الآية بأن الطواف الواحد [والسعي الواحد] (٤) إذا وقعا لهما فقد تما، (قال الشافعي: كان سفيان) بن عيينة (ربما قال عن عطاء) بن أبي رباح (عن عائشة) فرواه متصل الإسناد (وربما قال: عن عطاء) التابعي (أن النبي ﷺ قال لعائشة) فرواه مرسلًا أرسله عطاء (٥).

стр. 5401

٥٦ - باب المُلْتَزَمِ ١٨٩٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي زِيادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوانَ قَالَ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ قُلْتُ: لأَلْبَسَنَّ ثِيابي - وَكَانَتْ داري عَلَى الطَّرِيقِ - فَلأَنْظُرَنَّ كَيْفَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فانْطَلَقْتُ فَرَأيْتُ النَّبي ﷺ قَدْ خَرَجَ مِنَ الكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحابُهُ وَقَدِ اسْتَلَمُوا البيْتَ مِنَ البابِ إِلَى الحَطِيمِ وَقَدْ وَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى البيْتِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَسَطَهُمْ (١). ١٨٩٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا المُثَنَّى بْنُ الصَّبّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ فَلَمّا جِئْنا دُبَرَ الكَعْبَةِ قُلْتُ: أَلا تَتَعَوَّذُ. قَالَ: نَعُوذُ باللهِ مِنَ النّارِ. ثمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ وَأَقامَ بَيْنَ الرُّكْنِ والبابِ فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِراعيْهِ وَكَفّيْهِ هَكَذَا وَبَسَطَهُما بَسْطًا ثُمَّ قَالَ هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ (٢). ١٩٠٠ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ ميْسَرَةَ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا السّائِبُ بْنُ عُمَرَ المَخْزُومي، حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ ابن عَبّاسٍ فيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ الثّالِثَةِ مِمّا يَلي الرُّكْنَ الذي يَلي الحَجَرَ مِمّا يَلي البابَ فيَقولُ لَهُ ابن عَبّاسٍ: أُنْبِئْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يصَلّي ها هُنا فيَقُولُ: "نَعَمْ". فيَقُومُ فيُصَلّي (٣). * * *

стр. 5402

باب الملتزم روى الطبراني (١) عن مجاهد، عن ابن عباس قال: الملتزم ما بين الركن والباب (٢) سمي بذلك؛ لأن الناس يلتزمونه. [١٨٩٨] ([حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا] (٣) جرير) بفتح (٤) الجيم (بن عبد الحميد) الضبي القاضي، مات سنة ١٨٨ ([عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن] (٥) عبد الرحمن بن صفوان) بن قدامة (٦) القرشي الجمحي الصحابي المشهور. (قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة قلت (٧): لألبسن) بفتح الباء الموحدة (ثيابي) أي: أحسن ثيابي المعدة لاجتماع الناس (وكانت داري على الطريق) أي: طريق الكعبة (فلأنظرن) بفتح اللام والهمزة كما في لألبسن، وهذِه اللام جواب القسم (كيف يصنع رسول الله ﷺ ) فيه المشي إلى أهل العلم لرؤية أفعالهم وأقوالهم؛ ليقتدى بها وينقل عنه ما رواه منه وما سمعه.

стр. 5403

قال: (فانطلقت) لذلك (فرأيت) وفي بعض النسخ: فوافقت (النبي ﷺ قد خرج من الكعبة هو وأصحابه) فيه [دليل على] (١) مشروعية الدخول إلى الكعبة منفردًا ومع جماعة، وأن الكبير يخرج أولًا ثم يخرج أتباعه. (وقد استلموا) يعني: النبي ﷺ وأصحابه، يعني: اعتنقوا (البيت) ثم فسر المكان الذي استلموه من البيت وهو الملتزم، وهو (من الباب) أي: باب الكعبة (إلى الحطيم) وسياق هذا (٢) اللفظ يشعر بأن الحطيم هو الحجر الأسود، والمشهور - كما ذكره [الشيخ محب] (٣) الدين الطبري المكي وغيره - أنه ما (٤) بين الركن والباب، فلعله أراد ما بين الباب وانتهاء الحطيم على حذف المضاف فهو انتهاء (٥) والله أعلم. وقال مالك في "المدونة": الحطيم (٦) ما بين الباب إلى المقام فيما أخبره بعض الحجبة (٧)، وقال ابن جبير (٨): هو ما بين الحجر الأسود إلى الباب إلى المقام، وقيل: الحطيم الشاذروان، وسمي هذا الموضع حطيمًا؛ لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالإيمان، ويستجاب فيها

стр. 5404

الدعاء للمظلوم على الظالم، قيل: من حلف هناك كاذبًا عجلت له العقوبة، وكان ذلك لجحد (١) الناس عن المظالم، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء الإسلام (٢) فأخر الله ذلك لما أراد إلى يوم القيامة، ذكره الأزرقي (٣). وفي كتب الحنفية أن الحطيم هو الموضع الذي فيه الميزاب (٤). والصحيح أن الحطيم هو الركن، كما جاء مفسرًا في رواية أحمد عن عبد الرحمن بن صفوان قال: رأيت رسول الله ﷺ بين الركن والباب واضعًا وجهه على البيت (٥). وقوله: واضعًا وجهه يحتمل أن يريد به وضع الخد كما جاء (٦) في الحديث المتقدم وأطلق عليه وضع الخد (٧)، ويحتمل أن يريد به وضع جبهته كهيئة الساجد، وعلى هذا فيكون فيه رد لقول من أنكره وهو مجاهد كان يقول: ضع خدك على البيت ولا تسجد عليه سجودًا تضع جبهتك عليه، والله أعلم. (وقد وضعوا خدودهم على البيت) [هذا ما بين الركن والباب، وهذا] (٨) ظاهر في أن المراد بالاستلام وضع الخد لا وضع الجبهة.

стр. 5405

(ورسول الله ﷺ وسطهم) قال الجوهري: تقول: جلست وسط القوم بالتسكين؛ لأنه ظرف وجلست وسط الدار بالفتح؛ [لأنه اسم (١)] (٢) قال: وكل وسط يصلح فيه "بين" فهو وسط بالإسكان، وإن لم يصلح فيه "بين" فهو وسط بالفتح، قال الأزهري: كل ما يبين (٣) بعضه من بعض [كوسط الصف، والقلادة، والسبحة، وحلقة الناس فهو بالإسكان، وما كان منضمًا لا يبين بعضه من بعض] (٤) كالساحة والدار والراحة فهو وسط بالفتح قال: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح فافهمه (٥). [١٨٩٩] ([حدثنا مسدد، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا] (٦) المثنى) بتشديد النون (بن الصباح) بتشديد الباء الموحدة المكي (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال المنذري (٧): سمع شعيب من عبد الله على الصحيح، وفي كتاب ابن ماجه عن أبيه عن جده، فيكون شعيب ومحمد طافا جميعًا مع عبد الله (٨).

стр. 5406

(قال) شعيب (طفت (١) مع عبد الله) يعني: جده (فلما جئنا دبر الكعبة) وهو بين الركن اليماني والباب المسدود، وهو مقابل الملتزم المذكور. قال عمر بن عبد العزيز ﵀: إن ذلك الملتزم وهذا المتعوذ (٢) بفتح الواو (قلت: ألا تتعوذ؟ ) لأننا أمام المتعوذ. (قال: نعوذ بالله من النار) ولهذا سمي المتعوذ؛ لأنه يتعوذ عنده من النار كأنهم جعلوا الملتزم موضع رغبة وسؤال، وهذا موضع استعاذة، التجاء، كان جماعة من السلف منهم القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وجعفر بن محمد وأيوب السختياني (٣) وحميد الطويل يلتزمون هذا المتعوذ (٤)، ويروى أن عبد الله بن الزبير لما بلغ القواعد التي أسسها إبراهيم ﵇ لبناء البيت أتوا على تربة صفراء عثد الحطيم فقال ابن الزبير: هذا قبر إسماعيل ﵇، فواراه، رواه ابن (٥) إسحاق (٦). (ثم مضى حتى استلم الحجر) (٧) الأسود ثم تقدم (وأقام (٨) بين الركن) الذي فيه الحجر الأسود (والباب) الذي للكعبة فوضع صدره (ووجهه) أي: خده الأيمن والأيسر (وذراعيه وكفيه هكذا، وبسطهما)

стр. 5407

يعني: وبسط (١) كفيه وذراعيه على البيت إلى جهة أعلى (٢) الكعبة (بسطًا) لطيفًا، ويجتهد في الدعاء والإخلاص. ومن الدعاء الوارد عن صالحي السلف [اللائق بالحال، والمنقول عن الشافعي أنه استحبه في "الإملاء" في مختصر الحج الصغير] (٣): اللهم إن البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سيرت (٤) من خلقك حتى صيرتني في بلادك وبلغتني نعمتك حتى أعنتني على قضاء نسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا وإلا فمن الآن قبل أن تنأى (٥) عن بيتك داري ويبعد عنه مزاري، هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك (٦)، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني بالعافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي خير الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير (٧). قوله: "فمن الآن" يجوز فيه ثلاثة أوجه: أجودها ضم الميم وتشديد النون، والثاني كسر الميم وتخفيف النون وفتحها، والثالث كذلك، لكن النون مكسورة. قال النووي: ويتعلق الداعي بهذا الدعاء بأستار الكعبة [في

стр. 5408

تضرعه] (١). [١٩٠٠] ([حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا السائب بن عمرو المخزومي، حدثنا محمد بن عبد الله بن السائب] (٢) عن أبيه) عبد الله بن السائب بن يزيد الكندي، حج به (٣) أبوه السائب وأمه مع النبي ﷺ في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن عشر سنين، مات سنة إحدى وتسعين. (أنه كان يقود عبد الله بن عباس) ﵄، وكان ابن عباس في حجة الوداع قد ناهز الحلم، وفي آخر عمره حين عمي، وخرج مع معاوية حاجّا فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم (فيقيمه عند الشقة) بضم الشين المعجمة وتشديد القاف [وآخره تاء مثناة] (٤) الشقق التي يسير بها إلى (٥) البيت (الثالثة) الشقة الأولى التي على الحجر الأسود، والثانية هي التي قبل الحجر الأسود [وبدأ بالحجر الأسود لأنه أول الطواف، هذا ما ظهر لي، والله أعلم] (٦). (مما يلي الركن) العراقي (الذي يلي الحجر) بكسر الحاء المهملة وإسكان الجيم (مما يلي الباب) يشبه أن يكون المراد أنه بين الحجر والباب، قال ابن المنذر: قال عمرو بن علي، عن عاصم بإسناده

стр. 5409

قال: ثم خرج - يعني: النبي ﷺ من الكعبة فصلى ركعتين بين الحجر والباب. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إن الحفرة الملاصقة للكعبة بين الباب والحجر هي المكان الذي صلى فيه جبريل بالنبي ﷺ الصلوات الخمس في يومين حين فرضها الله على أمته واستبعده بعضهم؛ لأن ذلك لو كان صحيحًا لنبهوا عليه بالكتابة في الحفرة، وهذا لا يلزم. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ : أن جبريل ﵇ أم به حين فرضت الصلاة عند باب الكعبة مرتين. ورواه الشافعي بإسناد حسن، وفي كتاب الأزرقي أن آدم ﵇ طاف بالبيت سبعًا حين نزل ثم صلى وجاه باب الكعبة ركعتين (١). (فيقول له ابن عباس: أنبئت) بضم الهمزة وإسكان النون وكسر الباء الموحدة بعدها همزة ساكنة ثم تاء المخاطب، أي: أخبرت، وفي بعض النسخ: أثبت [بثاء مثلثة] (٢) بدل الهمزة لكن همزته الأولى مفتوحة مبني للفاعل من الإثبات، وفي آخره تاء المخاطب المفتوحة أدغمت في التاء الأصلية، والأصل فيه الاستفهام استفهام إخبار وتأكيد، وهذا الوجه أظهر، والله أعلم، وفي نسخة: أنبأت (٣) بفتح الحروف الأربعة مخففًا. (أن رسول الله ﷺ كان يصلي ها هنا فيقول (٤): نعم) هذا يدل على

стр. 5410

تقدم الاستفهام فيقوم فيصلي، فيه دليل على التحري في الأماكن التي صلى فيها النبي ﷺ وفضل الصلاة فيها، قال أصحابنا: المحراب الذي صلى فيه رسول الله ﷺ لا يجتهد فيه المصلي في تيامنه فيه (١) أو تياسره بخلاف محاريب المسلمين، فإن له أن يجتهد فيها تيامنًا وتياسرًا ليلتفت إليها.

стр. 5411

٥٧ - باب أَمْرِ الصَّفا والمَرْوَةِ ١٩٠١ - حَدَّثَنا القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ ح وَحَدَّثَنا ابن السَّرْحِ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قلْتُ لِعائِشَةَ زَوْجِ النَّبي ﷺ وَأَنا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَأيْتِ قَوْلَ اللهِ تَعالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فَما أَرى عَلَى أَحَدٍ شيْئًا أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما. قَالَتْ عَائِشَةُ: كَلَّا، لَوْ كَانَ كَما تَقُولُ كَانَتْ فَلا جُناحَ عَليْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما، إِنَّما أُنْزِلَتْ هذِه الآيَةُ في الأَنْصارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ، وَكَانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُديْدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَلَمّا جاءَ الإِسْلامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١). ١٩٠٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ بْنُ أَبي خالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اعْتَمَرَ فَطافَ بِالبيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتيْنِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النّاسِ، فَقِيلَ لِعَبْدِ اللهِ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الكَعْبَةَ؟ قَالَ: لا (٢). ١٩٠٣ - حَدَّثَنا تَمِيمُ بْنُ المُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنا إِسْحاقُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا شَرِيكٌ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ أَبي خالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبي أَوْفَى بهذا الحَدِيثِ. زادَ: ثُمَّ أَتَى الصَّفا والمَرْوَةَ فَسَعَى بيْنَهُما سَبْعًا، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ (٣). ١٩٠٤ - حَدَّثَنا النُّفيْليُّ، حَدَّثَنا زُهيْرٌ، حَدَّثَنا عَطَاءُ بْنُ السّائِبِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهانَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ: يا أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنّي أَراكَ

стр. 5412

تَمْشي والنّاسُ يَسْعَوْنَ؟ قَالَ: إِنْ أَمْشِ فَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْشي، وَإِنْ أَسْعَ فَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْعَى وَأَنا شيْخٌ كَبِيرٌ (١). * * * باب أمر (٢) الصفا والمروة [١٩٠١] عبد الله (ابن السرح) عبد الله (ابن وهب، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير ﵄ (أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي ﷺ وأنا يومئذٍ حديث السن) أي: لم يكن بعد فقه ولا علم من سنة النبي ﷺ ما يتأول به نص القرآن (أرأيت) معناه: الاستخبار والاستفهام، أي: أستخبرك عن كذا، وهو بفتح التاء للمذكر والمؤنث والجمع والمثنى. (قول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) قال الأزهري: الشعائر: المعالم (٣) التي [ندب الله إليها، وأمر بالقيام عليها (٤) فوجوب السعي مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله التي] (٥) أمر بها، والعمدة في الوجوب قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (٦).

стр. 5413

(فما أرى على أحد شيئًا) أي: من الإثم (أن لا يطوف بهما) أي: إذا لم يطف بهما، بل تركه، وحاصله أن عروة احتج لإباحة ترك السعي بينهما باقتصار الآية على رفع الجناح وهو الإثم، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحب بإثبات الآخر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك (قالت عائشة: كلا) وفي رواية في الصحيحين: بئسما قلت يا ابن أختي (١). (لو كان) مباحًا تركه (كما تقول: كانت) رواية البخاري: لو كانت كما أولتها عليه كانت (٢) (٣) التلاوة (فلا جناح عليه [أن لا] (٤) يطوف بهما) وحاصل كلام عائشة في جوابها أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه مصرحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك. (إنما أنزلت هذِه الآية في الأنصار) أي: في جماعة منهم ومن غسان (كانوا) قبل أن يسلموا (يهلون) بضم الياء (لمناة) بفتح الميم والنون الخفيفة والقصر، وهو صنم في الجاهلية كانوا يحجون إليه، قال ابن الكلبي: كانت صخرة عظيمة (٥) نصبها عمرو بن لحي لهذيل، فكانوا يعبدونها (٦).

стр. 5414

(وكانت مناة حذو) بالذال المعجمة (قديد) أي: مقابله، وقديد (١) بضم القاف وتكرير الدال المهملة مصغر، وهي قرية حليفة (٢) بين مكة والمدينة كثيرة المياه، قاله أبو عبيد البكري (٣). (وكانوا يتحرجون) بالحاء المهملة والجيم، أي: يحاجون من الحرج وهو الإثم في فعله، وهو (أن يطوفوا بين الصفا والمروة) وروى الفاكهي أن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديد، وكانت الأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى أتوا مناة فأهلوا لها، فمن أهل لها لم يطف بين الصفا والمروة (٤). (فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن) فعل (ذلك) بعد الإسلام (فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾). قال الجوهري في "الصحاح": الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علمًا لطاعة الله (٥) والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمر في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لذلك، وأما وجوب السعي فمستفاد من دليل آخر، ولا مانع من أن يكون الفعل واجبًا ويعتقد

стр. 5415

إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة فيقال (١) له: لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل (٢) نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفى الإثم عن التارك، وقد وقع في بعض الشواذ باللفظ الذي قالت عائشة أنها لو كانت للإباحة لكانت كذلك، حكاه الطبري (٣)، وحكيت (٤) عن أبي بن كعب (٥) وابن مسعود وابن عباس ﵃ (٦). [١٩٠٢] (عن عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن الحارث [من الصحابة] (٧) من أصحاب الشجرة (أن رسول الله ﷺ اعتمر) لعلها عمرة الحديبية (وطاف بالبيت) أسبوعًا. (وصلى في خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس) رواية البخاري: وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد (٨) (فقيل لعبد الله) يوضحه رواية البخاري: فقال (٩) له صاحب لي، وهذا اللفظ هو مقول إسماعيل بن أبي خالد، كذا قاله الكرماني (١٠) (أدخل رسول الله ﷺ

стр. 5416

الكعبة؟ قال: لا) فإن قلت: قد ثبت أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة فكيف قال: لا؟ فالجواب عرضه أنه لم يدخل في تلك المرة (١) لا أنه لم يدخل مطلقًا. [١٩٠٣] (تميم بن (٢) المنتصر) بتقديم النون على المثناة فوق، ابن الصلت بن تمام، قال النسائي: هو ثقة، ولد سنة ١٧٦ وتوفي ٢٤٤ (٣) (عبد الله بن أبي أوفى) يقول: أعتمرنا مع نبي الله ﷺ فطاف بالبيت سبعًا، وصلى ركعتين عند أي: خلف المقام كما في الرواية المتقدمة، (وزاد: ثم أتى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعًا) (٤) استدل به على وجوب السعي من يقول أن أفعاله ﷺ للوجوب (ثم حلق رأسه) يدل على أن العمرة كالحج (٥) في استحباب الحلق، وأنه أفضل من التقصير، وفيه تفصيل ذكره الشافعي في "الإملاء" في أثناء كتاب الحج قبل آخره بنحو خمسة عشر ورقة، قال فيه: ومن قدم أي: مكة معتمرًا قبل الحج في وقت أن حلق قد (٦) حمم رأسه حتى يأتي عليه يوم النحر أحببت له أن يبتدئ الحلاق فإني لا أدري لعله لا يدرك حلاق الحج وإن قدم يوم التروية أو يوم عرفة في وقت إن حلق فيه لم يحمم رأسه إلى يوم النحر أحببت له أن يقصر ليحلق يوم النحر، ولو حلق

стр. 5417

لم يكن عليه شيء، وهي مسألة نفيسة، وقوله: (يحمم) هو بحاء مهملة معناه أسود من الشعر، ويؤيد التقصير أنه إذا [تعاطى أي] (١): المعتمر لزم أن يقوم في كل نسك بواجب من [الحلق أو التقصير، فيثاب ثواب الواجب، ويدخل في دعوة النبي ﷺ بالفعلين معًا. وقد ذكر النووي] (٢) المسألة لكنه أطلق أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج، قال: ليقع الحلق في أكمل العبادتين (٣). وهذا الحديث يرد هذا الإطلاق. [١٩٠٤] (عن كثير بن جمهان) بضم الجيم وإسكان الميم الكوفي (أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر) حين رآه يمشي (بين الصفا والمروة) يعني: في موضع السعي (يا أبا عبد الرحمن، إني أراك تمشي) في موضع السعي (والناس يسعون) يعني: الرجال؛ فإن المرأة لا تسعى فيه؛ لأنه أستر لها، وقيل: إن سعت في الليل سعت كالرجل. فـ (قال: إن أمشي فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي) أي: على هينته، وفيه رد على ما ذهب إليه ابن حزم: أن رسول الله ﷺ كان راكبًا في جميع الطواف بين الصفا والمروة (٤). وتأول حديث جابر والمشي عند الشافعي أفضل، والركوب مكروه لغير عذر (٥). وعند الحنفية أن من ركب في

стр. 5418

جميع السعي أو أكثره لغير عذر أراق دمًا (١) وعند المالكية من سنن السعي المشي (٢). (وإن أسعى) بين الميلين الأخضرين (فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى) بينهما (وأنا شيخ كبير) جعله علة لمشيه في موضع السعي، وكذا يمشي لضعف أو غيره من الأعذار، فالمشي جائز؛ لأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه، فتركه بين الصفا والمروة أولى بأن لا يجب فيه شيء.

стр. 5419

٥٨ - باب صِفَةِ حَجَّةِ النَّبي ﷺ - ١٩٠٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفيْلي وَعُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ وَهِشامُ بْنُ عَمّارٍ وَسُليْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيّانِ - وَرُبَّما زادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الكَلِمَةَ والشَّيء - قَالُوا: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلْنا عَلَى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَلَمّا انْتَهيْنا إِليْهِ سَأَلَ عَنِ القَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَقُلْتُ: أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلي بْنِ حُسيْنٍ. فَأَهْوى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسي فَنَزَعَ زِرّي الأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرّي الأَسْفَلَ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بيْنَ ثَدْيَى وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلامٌ شابٌّ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ وَأَهْلًا يا ابن أَخي سَلْ عَمّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى وَجاءَ وَقْتُ الصَّلاةِ فَقَامَ في نِساجَةٍ مُلْتَحِفًا بِها يَعْني ثَوْبًا مُلَفَّقًا كُلَّما وَضَعَها عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفاها إِليْهِ مِنْ صِغَرِها فَصَلَّى بِنا وَرِداؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى المِشْجَبِ. فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أُذِّنَ في النّاسِ في العاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حاجٌّ فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ويَعْمَلَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَرَجْنا مَعَهُ حَتَّى أَتيْنا ذا الحُليْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْماء بِنْتُ عُميْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ: "اغْتَسِلي واستَذْفِري بِثَوْبٍ وَأَحْرِمي". فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ القَصْواءَ حَتَّى إِذا اسْتَوَتْ بِهِ ناقَتُهُ عَلَى البيْداءِ. قَالَ جابِرٌ: نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَري مِنْ بيْنِ يَديْهِ مِنْ راكِبٍ وَماشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يَسارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنا وَعَليْهِ يَنْزِلُ القُرْآنُ وَهُوَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، فَما عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيء عَمِلْنا بِهِ فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبّيْكَ اللَّهُمَّ لَبّيْكَ لَبّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ". وَأَهَلَّ النّاسُ بهذا الذي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَليْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ شيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تلْبِيَتَهُ. قَالَ جابِرٌ: لَسْنا نَنْوي إلَّا الحَجَّ لَسْنا نَعْرِفُ العُمْرَةَ حَتَّى إِذا

стр. 5420

أَتيْنا البيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقامِ إِبْراهِيمَ فَقَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَجَعَلَ المَقامَ بيْنَهُ وَبَيْنَ البيْتِ قَالَ: فَكَانَ أَبي يَقُولُ: قَالَ ابن نُفيْلٍ وَعُثْمانُ وَلا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا، عَنِ النَّبي ﷺ . قَالَ سُليْمانُ وَلا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَبِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى البَيْتِ فاسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البابِ إِلَى الصَّفا فَلَمّا دَنا مِنَ الصَّفا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: "نَبْدَأُ بِما بَدَأَ اللهُ بِهِ". فَبَدَأَ بِالصَّفا فَرَقي عَليْهِ حَتَّى رَأى البيْتَ فَكَبَّرَ اللهَ وَوَحَّدَهُ وقَالَ: "لا إله إِلَّا الله، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيي ويُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ لا إله إلَّا اللهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعا بيْنَ ذَلِكَ وقالَ مِثْلَ هذا ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَماهُ رَمَلَ في بَطْنِ الوادي حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى المَرْوَةَ فَصَنَعَ عَلَى المَرْوَةِ مِثْلَ ما صَنَعَ عَلَى الصَّفا حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ الطَّوافِ عَلَى المَرْوَةِ قَالَ: "إِنّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْري ما اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدي، وَلَجَعَلْتُها عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ليْسَ مَعَهُ هَدي فَلْيَحْلِلْ وَلْيَجْعَلْها عُمْرَةً". فَحَلَّ النّاسُ كلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبي ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدي فَقَامَ سُراقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَلِعامِنا هذا أَمْ لِلأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصابِعَهُ في الأُخْرى ثُمَّ قَالَ: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ". هَكَذا مَرَّتَيْنِ: "لا بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ لا بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ". قَالَ: وَقَدِمَ عَلي ﵁ مِنَ اليَمَنِ بِبُدْنِ النَّبي ﷺ فَوَجَدَ فاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا واكْتَحَلَتْ فَأَنْكرَ عَلي ذَلِكَ عَليْها وقَالَ مَنْ أَمَرَكِ بهذا فَقَالَتْ أَبِي. فَكَانَ عَلي يَقُولُ بِالعِراقِ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فاطِمَةَ في الأَمْرِ الذي صَنَعَتْهُ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ في الذي ذَكَرَتْ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ أنّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَليْها فَقَالَتْ إِنَّ أَبي أَمَرَني بهذا. فَقَالَ: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ ماذا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الحَجَّ". قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنّي أُهِلُّ بِما أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: "فَإِنَّ مَعي الهَدي فَلا

стр. 5421

تَحْلِلْ". قَالَ: وَكَانَ جَماعَةُ الهَدى الذي قَدِمَ بِهِ عَلي مِنَ اليَمَنِ والَّذي أَتَى بِهِ النَّبي ﷺ مِنَ المَدِينَةِ مِائَةً فَحَلَّ النّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبي ﷺ وَمَنْ كانَ مَعَهُ هَدي قَالَ: فَلَمّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَوَجَّهوا إِلَى مِنًى أَهَلُّوا بِالحَجِّ فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى بِمِنًى الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ والصُّبْحَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ لَهُ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ بِنَمِرَةَ فَسارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلا تَشُكُّ قُريْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ واقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ بِالمُزْدَلِفَةِ كَما كَانَتْ قُريْشٌ تَصْنَعُ في الجاهِلِيَّةِ فَأَجازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ القُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِها حَتَّى إِذَا زاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالقَصْواءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَرَكِبَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الوادي فَخَطَبَ النّاسَ فَقَالَ: "إِنَّ دِماءَكُمْ وَأَمْوالَكُمْ عَليْكُمْ حَرامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا أَلا إِنَّ كُلَّ شَيء مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَى مَوْضُوعٌ وَدِماءُ الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دِماؤُنا دَمُ". قَالَ عُثْمانُ: "دَمُ ابن رَبِيعَةَ". وقالَ سُليْمانُ: "دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ". وقَالَ بَعْضُ هؤلاء كَانَ مُسْتَرْضَعًا في بَني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذيْلٌ: "وَرِبا الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبانا رِبا عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ اتَّقُوا الله في النِّساءِ فإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمانَةِ الله واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله وَإِنَّ لَكُمْ عَليْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ فاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَليْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَإِنّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتابَ اللهِ وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنّي فَما أَنْتُمْ قَائِلُونَ". قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدّيْتَ وَنَصَحْتَ. ثُمَّ قَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبّابَةِ يَرْفَعُها إِلَى السَّماءِ ويَنْكِبُها إِلَى النّاسِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ". ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ ثُمَّ أَقامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثمَّ أَقامَ فَصَلَّى العَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بيْنَهُما شيْئًا ثُمَّ رَكِبَ القَصْواءَ حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ القَصْواءَ إِلَى الصَّخَراتِ وَجَعَلَ حَبْلَ المُشاةِ بيْنَ يَديْهِ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتَّى

стр. 5422

غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حِينَ غابَ القُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسامَةَ خَلْفَة فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْواءِ الزِّمامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَها ليُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: "السَّكِينَةَ أيُّها النّاسُ السَّكِينَةَ أيُّها النّاسُ" كُلَّما أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبالِ أَرْخَى لَها قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ فَجَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بِأَذانٍ واحِدٍ وَإِقامَتيْنِ - قَالَ عُثْمانُ: وَلَمْ يُسَبِّحْ بيْنَهُما شيْئًا ثُمَّ اتَّفَقُوا - ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ - قَالَ سُليْمانُ بِنِداءٍ وَإِقامَةٍ ثُمَّ اتَّفَقُوا - ثُمَّ رَكِبَ القَصْواءَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرامَ فَرَقي عَليْهِ قَالَ عُثْمانُ وَسُليْمانُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَحَمِدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ زادَ عُثْمانُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدّا ثُمَّ دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الفَضْلَ بْنَ عَبّاسٍ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا فَلَمّا دَفَعَ رَسُول اللهِ ﷺ مَرَّ الظُّعُنُ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِليْهِنَّ فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الفَضْلِ وَصَرَفَ الفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ وَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ وَصَرَفَ الفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا فَحَرَّكَ قَلِيلًا ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى الذي يُخْرِجُكَ إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرى حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ التي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَماها بِسَبْعِ حَصياتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ مِنْها بِمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ فَرَمَى مِنْ بَطْنِ الوادي ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى المَنْحَرِ فَنَحَرَ بِيَدِهِ ثَلاثًا وَسِتِّينَ وَأَمَرَ عَلِيّا فَنَحَرَ ما غَبَرَ - يَقُولُ ما بَقي - وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلا مِنْ لْحَمِها وَشَرِبا مِنْ مَرَقِها قَالَ سُليْمانُ ثُمَّ رَكِبَ ثُمَّ أَفاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى البيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَتَى بَني عَبْدِ المُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: "انْزِعُوا بَني عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النّاسُ عَلَى سِقايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ". فَناوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ (١).

стр. 5423

١٩٠٦ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنا سُليْمانُ يَعْني ابن بِلالٍ ح وَحَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ الثَّقَفي - المَعْنَى واحِدٌ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبي ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ بِأَذانٍ واحِدٍ بِعَرَفَةَ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُما وَإِقامَتيْنِ وَصَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعٍ بِأَذانٍ واحِدٍ وَإِقامَتيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بيْنَهُما. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هذا الحَدِيثُ أَسْنَدَهُ حاتِمُ بْنُ إِسْماعِيلَ في الحَدِيثِ الطَّوِيلِ، وَوافَقَ حاتِمَ بْنَ إِسْماعِيلَ عَلَى إِسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلي الجُعْفيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جابِرٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَصَلَّى المَغْرِبَ والعَتَمَةَ بِأَذانٍ وَإِقامَةٍ (١). ١٩٠٧ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنا أَبي، عَنْ جابِرٍ قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبي ﷺ : "قَدْ نَحَرْتُ ها هُنا وَمِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ". وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَالَ: "قَدْ وَقَفْتُ ها هُنا، وَعَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ". وَوَقَفَ في المُزْدَلِفَةِ فَقَالَ: "قَدْ وَقَفْتُ ها هُنا وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ" (٢). ١٩٠٨ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، عَنْ جَعْفَرٍ بِإِسْنادِهِ زادَ: "فانْحَرُوا في رِحالِكُمْ" (٣). ١٩٠٩ - حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ، عَنْ جَعْفَرٍ حَدَّثَني أَبي، عَنْ جابِرٍ فَذَكَرَ هذا الحَدِيثَ وَأَدْرَجَ في الحَدِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قَالَ: فَقَرَأَ فِيها بِالتَّوْحِيدِ وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وقَالَ فِيهِ: قَالَ عَلي ﵁ بِالكُوفَةِ. قَالَ أَبي: هذا الحَرْفُ لَمْ يَذْكُرْهُ جابِرٌ، فَذَهَبْتُ مُحَرِّشًا. وَذَكَرَ قِصَّةَ فاطِمَةَ ﵂ (٤). * * *

стр. 5424

باب صفة حجة النبي ﷺ حجة الوداع [بفتح الواو] (١). [١٩٠٥] ([حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان] (٢) وربما زاد (٣) بعضهم) أي: بعض الأربعة المذكورين (على بعض الكلمة والشيء قالوا: حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا] (٤) جعفر بن محمد، عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بجعفر الصادق، مات سنة ١٤٨، وهو ابن (٥) ٧٤ (٦) سنة. (قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فلما انتهينا إليه سأل عن القوم) فيه: أن من ورد عليه زائرون أو ضيفان ونحوهم أن يسأل عنهم لينزلهم منازلهم كما في حديث عائشة: أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم (٧) (حتى انتهى إلي فقلت: أنا محمد بن علي (٨) بن حسين) إنما لم يعرفه لأنه كان قد عمي. (فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل) فيه

стр. 5425

مشروعية استعمال الأزرار للقميص والملوطة (١) ونحوهما، وتعدد الأزرار (٢) وبعضها أسفل من بعض، وأن الصبي يشد إزاره بخلاف الرجل؛ لما ورد في الحديث عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ في رهط من مزينة فبايعناه وإنه لمطلق الأزرار، فأدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم (٣). وعن محمد بن قيس قال: رأيت ابن عمر معتمّا قد أرسلها من بين يديه ومن خلفه لا أدري أيهما أطول، قال: ورأيته محلل أزرار قميصه (٤). (ثم وضع كفه بين ثديي) فيه دليل على جواز تسمية الثدي للرجل، وفيه خلاف لأهل اللغة، ومن منعه قال: يختص الثدي بالمرأة، ويقال في الرجل: ثندوة، وفيه ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنسه، وهذا سبب حل جابر زر محمد بن علي ووضع يده بين ثدييه. وقوله: (وأنا يومئذٍ غلام شاب) تنبيه على أن سبب فعل جابر ذلك التأنيس؛ لكونه صغيرًا، وأما الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في جيبه (فقال: مرحبًا بك) أي: أتيت (٥) مكانًا رحبًا أهلًا (٦) (يا ابن أخي) فيه جواز قول هذا لابن صديقه؛ وأن الصديق أخ في الله،

стр. 5426

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) أي: في الدين والولاية، قال أبو (٢) عثمان الجيزي: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب؛ فإن أخوة (٣) النسب تنقطع بالمخالفة في الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخوة في الدين، فقال: هو أنت في الحقيقة، إلا أنه غيرك في الشخص. (سل عما شئت، فسألته وهو أعمى) فيه جواز استفتاء الأعمى، قال ابن الصلاح: لا بأس أن يكون المفتي أعمى أو أخرس مفهوم الإشارة، أو كاتبًا (٤) لكن البصير (٥) أولى (وجاء (٦) وقت الصلاة) فيه تجوز وأن الوقت لا يجيء حقيقة. (فقام في نساجة) بكسر النون وتخفيف السين المهملة، وبعد الألف (٧) جيم مفتوحة وتاء تأنيث، قال النووي: هذا هو المشهور في نسخ بلادنا ورواياتنا لـ "سنن أبي داود" و"صحيح مسلم"، ووقع في بعض النسخ: في ساجة (٨). بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور قال: وهو الصواب، قال: والساج والساجة ثوب كالطيلسان وشبهه، قال:

стр. 5427

ورواية النون معناه ثوب ملفق (١). قال النووي: وكلاهما صحيح، ويكون الجمع بينهما أن يكون ثوبًا ملفقًا على هيئة الطيلسان، وقيل: هي الخضر منها، وقيل: هو طيلسان مقور (٢). (ملتحفًا بها) يدل على ما قاله ابن الأثير: أن النساجة ضربٌ من الملاحف [المنسوجة (٣). ثم فسر المصنف النساجة] (٤) كأنه سمي بالمصدر، يقال: نسجت (٥) نساجة (٦). فقال: (يعني: ثوبًا ملفقًا) [نسخة: ملففًا بفاءين] (٧) كما تقدم عن النووي. (كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها) بفتح الراء (إليه من صغرها) بكسر الصاد، [لعل صوابه رجع طرفها] (٨) فيه دليل على أن الملحفة والرداء ونحوهما إذا ضاق عن ستر جميع البدن جعل على المنكبين وجعل النقص مما يلي الرجلين كما في كفن مصعب بن عمير؛ فإنه لم يوجد له ما يكفن فيه إلا نمرة إذا وضعناها (٩) على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها (١٠) على رجليه خرجت رأسه، فقال رسول الله

стр. 5428

- ﷺ : "ضعوها مما يلي رأسه" (١). (فصلى بنا) فيه دلالة على جواز إمامة الأعمى للبصير؛ إذ لا خلاف في جواز ذلك إلا ما حكي عن أنس أنه قال: ما حاجتهم إليه؟ (٢). وعن ابن عباس [أنه قال: أؤمهم] (٣) وهم يعدلونني إلى القبلة (٤). لكن اختلفوا في الأفضل، وفيه ثلاثة أوجه، أصحها عن أصحابنا أنهما سواء، وهو نص الشافعي؛ لأنه أخشع؛ إذ لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما يلهيه فيقابل ذلك فضيلة النظر (٥) وتوقي النجاسة، فيستويان (٦)، وقد يستدل بهذا الحديث على أن الأعمى أولى؛ للحديث المتقدم أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى (٧)، وعن الشعبي: أن النبي ﷺ غزا ثلاث عشرة غزوة كل ذلك (٨) يقدم ابن أم مكتوم يؤم بالناس (٩). ولأن العمى فقد حاسة لا تخل بأفعال الصلاة فأشبه فقد الشم، ولأن البصير لو أغمض عينيه لكان مكروهًا ولو كان ذلك فضيلة لكان مستحبًّا؛ لأنه يحصل بتغميضه ما يحصل للأعمى،

стр. 5429

وله فيه فضيلة وأجر؛ لأنه يترك المكروه مع إمكانه اختيارًا (١)، والأعمى يترك اضطرارًا (ورداؤه إلى جانبه) [نسخة: جنبه] (٢) (على المشجب) بميم مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم جيم مفتوحة ثم باء موحدة، وهي اسم لأعواد [يضم رأسها ويفرج بين قوائمها] (٣) مركبة يوضع عليها الثياب ومتاع البيت، وفيه دليل على جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة عليه، وإن كان الأفضل أن يصلي في (٤) الاثنين (فقلت: أخبرني عن حجة) بفتح الحاء وكسرها، والكسر أشهر (رسول الله ﷺ ) والمراد بها حجة الوداع (فقال بيده، فعقد تسعًا) فيه التعليم بالقول والإشارة (ثم قال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج) فيه التعليم بالقول، فقد جمع بين التعليم بالفعل (٥) وبالقول، والمراد: لم يحج من مكة بل مكث بالمدينة بعد الهجرة وأما بمكة فحج واحدة بالاتفاق، واختلف في ثانية هل حجها أم لا؟ (ثم آذن) (٦) [وآذن بالمد] (٧) بمعنى الإعلام، فهو ممدود الهمزة مفتوح الذال، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ (٨)، ومن قرأ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٩)،

стр. 5430

بمد الهمزة فمعناه: أعلموا من وراءكم، فإذا كان بمعنى الصياح والآذان فهو أذن بالتشديد كقوله ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١)، والتشديد هو الأصح، ثم أذن في الناس بالحج (٢)، وقوله: فأذن بالرحيل والحج، وقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) أي: نادى منادٍ يسمع الفريقين (في) السنة (العاشرة أن) بفتح الهمزة وتشديد النون، ويجوز تخفيف النون الساكنة، ورفع (رسول) على أن تكون مفسرة أو مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف ورسول مبتدأ (٤) و (حاج) خبره، والجملة خبر أن المخففة، كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥)، وقرئ بالوجهين في السبع في قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ (٦)، وقوله تعالى في النور: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ (٧)، قال النووي: [أذن هنا] (٨) معناه: أعلم وأشاع بينهم الحج ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشاهدوا أفعاله وأقواله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، ويشيع دعوة الإسلام، ويبلغ الرسالة للقريب والبعيد.
следующие страницы →