← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) أي: في الدين والولاية، قال أبو (٢) عثمان الجيزي: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب؛ فإن أخوة (٣) النسب تنقطع بالمخالفة في الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخوة في الدين، فقال: هو أنت في الحقيقة، إلا أنه غيرك في الشخص. (سل عما شئت، فسألته وهو أعمى) فيه جواز استفتاء الأعمى، قال ابن الصلاح: لا بأس أن يكون المفتي أعمى أو أخرس مفهوم الإشارة، أو كاتبًا (٤) لكن البصير (٥) أولى (وجاء (٦) وقت الصلاة) فيه تجوز وأن الوقت لا يجيء حقيقة. (فقام في نساجة) بكسر النون وتخفيف السين المهملة، وبعد الألف (٧) جيم مفتوحة وتاء تأنيث، قال النووي: هذا هو المشهور في نسخ بلادنا ورواياتنا لـ "سنن أبي داود" و"صحيح مسلم"، ووقع في بعض النسخ: في ساجة (٨). بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور قال: وهو الصواب، قال: والساج والساجة ثوب كالطيلسان وشبهه، قال:

стр. 5427

ورواية النون معناه ثوب ملفق (١). قال النووي: وكلاهما صحيح، ويكون الجمع بينهما أن يكون ثوبًا ملفقًا على هيئة الطيلسان، وقيل: هي الخضر منها، وقيل: هو طيلسان مقور (٢). (ملتحفًا بها) يدل على ما قاله ابن الأثير: أن النساجة ضربٌ من الملاحف [المنسوجة (٣). ثم فسر المصنف النساجة] (٤) كأنه سمي بالمصدر، يقال: نسجت (٥) نساجة (٦). فقال: (يعني: ثوبًا ملفقًا) [نسخة: ملففًا بفاءين] (٧) كما تقدم عن النووي. (كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها) بفتح الراء (إليه من صغرها) بكسر الصاد، [لعل صوابه رجع طرفها] (٨) فيه دليل على أن الملحفة والرداء ونحوهما إذا ضاق عن ستر جميع البدن جعل على المنكبين وجعل النقص مما يلي الرجلين كما في كفن مصعب بن عمير؛ فإنه لم يوجد له ما يكفن فيه إلا نمرة إذا وضعناها (٩) على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها (١٠) على رجليه خرجت رأسه، فقال رسول الله

стр. 5428

- ﷺ : "ضعوها مما يلي رأسه" (١). (فصلى بنا) فيه دلالة على جواز إمامة الأعمى للبصير؛ إذ لا خلاف في جواز ذلك إلا ما حكي عن أنس أنه قال: ما حاجتهم إليه؟ (٢). وعن ابن عباس [أنه قال: أؤمهم] (٣) وهم يعدلونني إلى القبلة (٤). لكن اختلفوا في الأفضل، وفيه ثلاثة أوجه، أصحها عن أصحابنا أنهما سواء، وهو نص الشافعي؛ لأنه أخشع؛ إذ لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما يلهيه فيقابل ذلك فضيلة النظر (٥) وتوقي النجاسة، فيستويان (٦)، وقد يستدل بهذا الحديث على أن الأعمى أولى؛ للحديث المتقدم أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى (٧)، وعن الشعبي: أن النبي ﷺ غزا ثلاث عشرة غزوة كل ذلك (٨) يقدم ابن أم مكتوم يؤم بالناس (٩). ولأن العمى فقد حاسة لا تخل بأفعال الصلاة فأشبه فقد الشم، ولأن البصير لو أغمض عينيه لكان مكروهًا ولو كان ذلك فضيلة لكان مستحبًّا؛ لأنه يحصل بتغميضه ما يحصل للأعمى،

стр. 5429

وله فيه فضيلة وأجر؛ لأنه يترك المكروه مع إمكانه اختيارًا (١)، والأعمى يترك اضطرارًا (ورداؤه إلى جانبه) [نسخة: جنبه] (٢) (على المشجب) بميم مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم جيم مفتوحة ثم باء موحدة، وهي اسم لأعواد [يضم رأسها ويفرج بين قوائمها] (٣) مركبة يوضع عليها الثياب ومتاع البيت، وفيه دليل على جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة عليه، وإن كان الأفضل أن يصلي في (٤) الاثنين (فقلت: أخبرني عن حجة) بفتح الحاء وكسرها، والكسر أشهر (رسول الله ﷺ ) والمراد بها حجة الوداع (فقال بيده، فعقد تسعًا) فيه التعليم بالقول والإشارة (ثم قال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج) فيه التعليم بالقول، فقد جمع بين التعليم بالفعل (٥) وبالقول، والمراد: لم يحج من مكة بل مكث بالمدينة بعد الهجرة وأما بمكة فحج واحدة بالاتفاق، واختلف في ثانية هل حجها أم لا؟ (ثم آذن) (٦) [وآذن بالمد] (٧) بمعنى الإعلام، فهو ممدود الهمزة مفتوح الذال، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ (٨)، ومن قرأ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٩)،

стр. 5430

بمد الهمزة فمعناه: أعلموا من وراءكم، فإذا كان بمعنى الصياح والآذان فهو أذن بالتشديد كقوله ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١)، والتشديد هو الأصح، ثم أذن في الناس بالحج (٢)، وقوله: فأذن بالرحيل والحج، وقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) أي: نادى منادٍ يسمع الفريقين (في) السنة (العاشرة أن) بفتح الهمزة وتشديد النون، ويجوز تخفيف النون الساكنة، ورفع (رسول) على أن تكون مفسرة أو مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف ورسول مبتدأ (٤) و (حاج) خبره، والجملة خبر أن المخففة، كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥)، وقرئ بالوجهين في السبع في قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ (٦)، وقوله تعالى في النور: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ (٧)، قال النووي: [أذن هنا] (٨) معناه: أعلم وأشاع بينهم الحج ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشاهدوا أفعاله وأقواله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، ويشيع دعوة الإسلام، ويبلغ الرسالة للقريب والبعيد.

стр. 5431

وفيه: أنه يستحب للإمام [إيذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها (١)، وقد استدل بهذا الحديث على أن الحج واجب على] (٢) التراخي، وأنه يجوز تأخيره عن سنة الإمكان، ووجهه: أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي ﷺ من غير مانع؛ فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج، وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميرًا على الحاج سنة تسع، وحج هو سنة عشر؛ وتأخره مع كونه هو (٣) وعامة أصحابه قادرون على الحج غير مشتغلين بقتال ولا غيره، فدل على جواز تأخيره، قال أصحابنا: ونزلت قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤)، [نزلت سنة خمس من الهجرة، وهي دالة على وجوب الحج، ونزل بعدها: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٥) توكيد] (٦) للوجوب، وأجمع المسلمون على أن الحديبية كانت (٧) سنة ست، وثبتت الأحاديث على أن غزوة حنين بعد فتح مكة، وأنه ﷺ قسم غنائمها واعتمر من سنته من (٨) ذي القعدة وكان إحرامه بالعمرة من الجعرانة، ولم يكن بينه وبين الحج إلا أيامًا يسيرة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكة حتى حج؛ مع أنه هو (٩) وأصحابه كانوا موسرين قد غنموا الغنائم الكثيرة ولا لهم عذر ولا شغل، وإنما أخره بيانًا للجواز.

стр. 5432

(فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم) بتشديد الميم (برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله) حتى قال أبو زرعة الرازي: إنه حضر مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، كلهم رآه وسمع منه وأتمَّ به. هذا قول الإمام أبي زرعة الذي لم يحفظ أحد من حديث رسول الله ﷺ كحفظه ولا ما يقاربه (١). (فخرج رسول الله ﷺ وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة) التي هي ميقات الحج (فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر) كما تقدم في باب الحائض تهل بالحج [فقال: "اغتسلي"] (٢) فيه دليل على استحباب غسل الإحرام للنفساء والمستحاضة (فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستثفري بثوب) واستثفار الحائض والنفساء هو: أن تشد على فرجها بخرقة عريضة مشقوقة الطرفين تشدهما على جنبيها من قدام وخلف، بحيث يكون وسطها على الفرج مشدودًا، لتمنع الدم أن يجري أو يقطر، وأصله: من ثفر الدابة بفتح الثاء المثلثة والفاء، وهو ما يكون تحت ذنبها يغطي حياها، ويحتمل أن يكون من الثفر بسكون الفاء وهو الفرج فاستعير لغيره لملازمته له، والأول أظهر لقوله في رواية أخرى: "تلجمي بثوب"، وكذلك يفعل من به جرح يفور منه الدم، وفيه دليل على أمر الحائض بالاستثفار، وكذا النفساء والمستحاضة (وأحرمي) فيه دليل على صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه.

стр. 5433

وفي قوله (وصلى رسول الله في المسجد) أي: مسجد الشجرة، كما تقدم (ثم ركب القصواء) بفتح القاف والمد، وفي نسخة: بضم القاف مع القصر وهو أصوب، قال ابن الأعرابي: القصواء، التي قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه (١). وقال أبو عبيد: القصواء: المقطوعة الأذن عرضًا (٢). ولم تسم بذلك لشيء أصابها (حتى إذا استوت به ناقته على البيداء [قال جابر] (٣) نظرت إلى مد بصري) بتشديد الدال، هذا هو الصواب ومعناه: منتهى بصري، وأنكره بعض أهل اللغة، وقال: الصواب: مدى بتخفيف الدال وألف بعدها ترسم ياء، وليس بمنكر، بل هما لغتان ومدى أشهر (من بين يديه من راكب وماش) فيه جواز الحج راكبًا وماشيًا وهو مجمع عليه، واختلفوا في الأفضل منهما، فمال مالك والشافعي والجمهور إلى أن الركوب أفضل، لكن يستحب كما قال في "شرح المهذب" أن يركب على القتب والرحل دون المحمل والهودج، أقتداءً به ﵇. والثاني: المشي أفضل، وصححه الرافعي، والثالث: هما سواء، قال ابن سريج: هذا قبل الإحرام، فإذا أحرم فالمشي أفضل (٤)، قال الغزالي: إن سهل عليه المشي فهو أفضل، وإن ضعف وساء خلقه فالركوب (٥). قال الإسنوي: والمتجه أن أداء النسك ماشيًا أفضل؛ لما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من حج من مكة ماشيًا حتى

стр. 5434

يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم الحسنة بمائة ألف حسنة" (١). وضعف البيهقي هذا الحديث، لكن قد رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وسيأتي له مزيد إن شاء الله تعالى (وعن يمينه مثل ذلك) أي: من راكب وماشٍ، [ومن خلفه مثل ذلك، أي: من راكب وماشٍ] (٢)، وفي تقديم الركوب على المشي في هذا الحديث إشارة إلى تفضيله، ولعل تقديمه إلى أن الركاب (٣) أكثر، وإلا فالله تعالى قدم الماشي على الراكب في قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٤)، قيل: ليزيل مشقة المشي والعناء، وقد رئي بعض الصالحين بمكة المشرفة فقيل له: جئت راكبًا أم ماشيًا؟ فقال: ما حق العبد العاصي الهارب من مولاه أن يرجع إليه (٥) راكبًا ولو أمكنني لجئت على رأسي. وأجاب من رجح المشي على (٦) ركوب النبي في الحج [بأنه كافٍ في] (٧) القدوة فكانت الحاجة ماسة إلى ظهوره ليراه الناس، ويسأله من احتاج إلى سؤاله ويقتدي به من كان عن بعد ويقصده من له به

стр. 5435

حاجة ومن خلفه مثل ذلك، وإنما أحاطوا به من الجهات الأربع ليسهل عليهم رؤيته للاقتداء بأفعاله وأقواله، وليتمتعوا بمشاهدته من كل الجهات (ورسول الله ﷺ بين أظهرنا) أي: بيننا، يقال: بين أظهرهم وظهورهم وظهرانيهم بفتح النون مثنى بمعنى الجمع (وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله) فيه الحث على التمسك بما أخبرهم به [عن فعل] (١) رسول الله ﷺ في حجته تلك، فإنه كان ينزل عليه بما يفعله الوحي في جميع حجه فيفهمه عن الله ويبينه للناس، فلذلك قال: "خذوا عني مناسككم" (٢)، فكانوا كما قال جابر (فما عمل به من شيء عملنا به) أي: إذا عمل شيئًا اقتدوا به فيه وعملوا على نحو عمله (فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد) أي: بكلمة التوحيد النافية للشريك بقوله: لا شريك لك. بخلاف ما كانت تلبي الجاهلية إذ كانت تشرك بالله فتقول في تلبيته: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. ثم فسر كلمة التوحيد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) ولبيك كلمة (٣) يجاب بها المنادي، والقصد بها ها هنا: الإجابة لقول إبراهيم حين أمره الله بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ الآية، وهي مشتقة من لب بالمكان وألب لغتان، ومعناها: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، ولفظها مثنى سقطت نونه للإضافة، ولكن المعنى على التكثير كما تقدم (إن) بكسر الهمزة على الأفصح للاستئناف، ويجوز الفتح على معنى لأن

стр. 5436

(الحمد) بالنصب على المشهور، ويجوز الرفع على أن (١) أن بمعنى نعم (والنعمة لك والملك) يستحب أن يقف عند قوله والملك وقفة لطيفة (لا شريك لك) هذِه الكلمة مثبتة للوحدانية. (وأهل الناس بهذا الذي يهلون) بضم الياء (به) (٢) قال القرطبي: يعني: أنهم لم يلتزموا هذِه التلبية الخاصة التي لبى بها رسول الله ﷺ ؛ إذ فهموا أنها ليست متعينة؛ فإنه قد ترك ﷺ كل أحد على ما تيسر له من ألفاظها، ومع هذا فلا بد أن يأتي بهذِه التلبية ولا يجزئ منها التحميد (٣) ولا التكبير ولا غيره عند مالك (٤). وأنه يجب الدم بتركها جملة وإن كان ناسيًا، خلافًا للشافعية والحنابلة، قال الشافعي في "الأم": اتفق الأربعة على أن من لا يحسن التلبية بالعربية لبى بلسانه (٥). (فلم يرد عليهم رسول الله ﷺ شيئًا منه) أي: مما زادوه، قال القاضي عياض: فيه إشارة إلى ما روي من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذكر، كما روي في ذلك عن عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن (٦)، والنعماء بفتح النون والمد؛ لبيك مرهوبًا منك مرغوبًا إليك، وعن ابن عمر: لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك

стр. 5437

والعمل (١)، وعن أنس: لبيك حقًّا، تعبدًا ورقًّا (٢). وعن أبي هريرة: "لبيك إله الحق، لبيك"، رواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه على شرط الشيخين (٣) (٤). وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وقف بعرفات، فلما قال: "لبيك اللهم لبيك"، قال: "إن الخير خير الآخرة". رواه الحاكم وصححه (٥) عن يونس ﵇: لبيك فراج الكرب لبيك (٦)، وعن عيسى ﵇: لبيك (٧) أنا عبدك ابن أمتك بنت عبديك لبيك، أخرجه الأزرقي (٨)، وعن الأسود بن يزيد: لبيك غفار الذنوب (٩)، وعن عبد الله بن مسعود: لبيك عدد الحصا والترب (ولزم رسول الله تلبيته) فيستحب أن يكرر التلبية ثلاثًا، ويستحب عند غير المالكية أن يصلي على النبي ﷺ بعد التلبية، ويسأل الله رضوانه (١٠) والجنة، ويستعيذ به من النار، وقال سند من المالكية:

стр. 5438

ليس في التلبية صلاة على النبي ﷺ ولا دعاء (١). قال ابن المنذر: ويختم دعاءه بربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (قال جابر: لسنا ننوي) بفتح النون الأولى (إلا الحج) فيه دليل لمن قال بترجيح (٢) الإفراد، وقد تقدم الكلام فيه (لسنا نعرف العمرة) قال القرطبي: يحتمل أن يخبر به عن حالهم الأول قبل الإحرام؛ فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فلما كان عند هذا الإحرام بين النبي ﷺ لهم ذلك (٣) فقال: "من أراد أن يهل بالحج فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليفعل" (٤) فارتفع الوهم الواقع بهم (٥) (حتى إذا أتينا البيت معه) فيه بيان (٦) أن السنة للحاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات ليطوفوا للقدوم وغير ذلك (استلم الركن) يعني الحجر الأسود كما تقدم قريبًا (فرمل) كما تقدم بيانه (٧) (ثلاثًا) أي: ثلاث أطواف يستوعب الرمل فيهن كلهن كما تقدم على الصحيح، والمراد بالثلاث الأول، ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، فإن طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل بلا خلاف، وإنما يشرع في طواف يعقبه سعي ويتصور ذلك في

стр. 5439

طواف القدوم، ويتصور في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع (ومشى أربعًا) على هيئته؛ فإن الإسراع ليس بتسمية للمشي، بل التأني فيه والسكينة (١) (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم) هكذا الرواية في أبي داود، ورواية مسلم: ثم نفذ (٢) بالفاء والذال المعجمة يعني: أنه صار إليه (٣) بعد فراغه من طوافه (فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾) قال القرطبي: الرواية هنا: ﴿واتخِذوا﴾ بكسر الخاء على الأمر (٤) قطعوه من الأول وهي قراءة الجمهور (٥) (﴿مِنْ مَقَامِ﴾) هو في اللغة موضع القدمين، قال النحاس: مقام من قام يقوم، يكون مصدرًا واسمًا للموضع (٦). (﴿إِبْرَاهِيمَ﴾) ﵊. وقد [اختلف في تعيين] (٧) المقام على أقوال: قال القرطبي: أصحها أنه الحجر الذي يعرفه (٨) الناس اليوم، ويصلون عنده ركعتي الطواف (٩). وفي البخاري (١٠) أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت وعرفت قدماه فيه.

стр. 5440

قال أنس: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبيه وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، حكاه القشيري، قال السدي: المقام هو الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه (١) فغابت رجله فيه، فجعله الله من الشعائر، وقيل: إنه الذي وقف عليه إبراهيم فأذن في الناس بالحج، وذكر الأزرقي أنه لما فرغ من التأذين أمر بالمقام فوضعه قبله فكان يصلي إليه مستقبل الباب، والصحيح أنه كان في عهد النبي ﷺ ملصقًا بالبيت، ويدل عليه ما قاله مالك في "المدونة": كان (٢) المقام في عهد إبراهيم في مكانه اليوم، وكان أهل الجاهلية ألصقوه بالبيت خيفة السيل، فكان كذلك في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر، فلما ولي عمر [رده بعد أن] (٣) قاس موضعه بخيوط قديمة (٤) قيس بها كانت محفوظة عند المطلب بن أبي وداعة (٥). وعن مالك أن الذي حمل عمر على ذلك ما كان النبي يذكره من كراهة تغيير مراسم إبراهيم ﵇، كقوله ﷺ لعائشة (٦): "لولا حدثان قومك بكفر" (٧)، والمقام اليوم في صندوق من حديد، حوله شباك من حديد وخلف الشباك المصلى، وعليه عمودان من حجارة (﴿مُصَلًّى﴾).

стр. 5441

عن ابن عباس: [مدعًى يدعى عنده أو فيه، وقيل] (١): موضع صلاة يصلى فيه، وقيل: قبلة [يصلي الإمام عندها] (٢) (فجعل) بفتح الجيم والعين (المقام بينه وبين البيت) قال القرطبي: في هذا بيان دال على أن المقام هو الموضع المعروف هناك الذي يستقبل باب البيت (٣)، وفيه دليل على أن الصلاة لا تصح فيه إلا إلى الكعبة، فلو صلى فيه إلى غيرها لم يصح. (قال) جعفر بن محمد الراوي (وكان أبي) يعني: محمد بن علي بن حسين (يقول: قال) عبد الله بن محمد بن علي (بن نفيل) النفيلي (وعثمان) ابن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة الكوفي (فلا أعلمه) أي: أعلم أبي محمدًا (إلا ذكره (٤) عن النبي ﷺ ) أنه كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (قال هشام) (٥) بن عمار بن نصير بن ميسرة خطيب دمشق (لا أعلمه) أي لا أعلم أبي (إلا كان (٦) رسول الله ﷺ يقرأ) لا (٧) عن قراءة جابر في صلاته بل رفعه إلى النبي ﷺ . وقد ذكر البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي ﷺ طاف بالبيت فرمل من

стр. 5442

الحجر الأسود ثلاثًا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١). (فقرأ في الركعتين) قال القرطبي: هاتان الركعتان هما المسنونتان للطواف، وهما مؤكدتان يجب بتركهما دم عند مالك (٢) (بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾) قال النووي: معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣)، ويدل على هذا الترتيب رواية البيهقي المتقدمة، وقراءة هاتين (٤) السورتين في هاتين الركعتين مستحبة عند الأربعة، وقال الشافعية: يجهر بالقراءة إن صلاهما ليلًا، ويسر (٥) نهارًا (٦). وعند الشافعية والحنابلة: إذا صلى فريضة بعد الطواف أجزأته عن ركعتي الطواف تفريعًا على أنهما سنة كإجزاء الفريضة عن تحية المسجد (٧)، وفي وجه ثان عندنا أن هاتين الركعتين واجبتان، وفي قول ثالث: إن كان الطواف واجبًا فواجبتان وإلا فسنتان. (ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن) يعني: الحجر الأسود بعد طوافه [بالبيت وركعتيه، فيكون آخر عهده بالاستلام كما افتتح الطواف به، قاله

стр. 5443

الرافعي (١)، واقتصاره في الحديث على الاستلام يقتضي أنه لا يستحب التقبيل ولا السجود عليه، وعلى] (٢) هذا فلعل سببه المبادرة إلى السعي، نبه عليه الإسنوي، لكن روى الحاكم في "مستدركه" عن جابر قال: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فدخل رسول الله ﷺ المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه ففاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثًا ومشى أربعًا حتى فرغ، فلما فرغ (٣) قبل الحجر، ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه، وقال في آخره: صحيح على شرط مسلم (٤)، وروى الإمام أحمد من حديث جابر أيضًا: أن رسول الله ﷺ طاف (٥) ثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر، وصلى ركعتين ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منه وصب على رأسه، ثم رجع فاستلم الركن، ثم رجع إلى الصفا فقال " [أبدأ بما بدأ به الله" (٦). فينبغي العمل بذلك، قال ابن المكفى: ولم أر من نص عليه، نعم وكره] (٧) الكرماني في "مناسكه": أن يأتي زمزم بعد طواف القدوم وصلاته، ويشرب من مائها ويدعو. وفي "فضائل مكة" (٨) من حديث جابر أيضًا: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام ركعتين وشرب من ماء زمزم

стр. 5444

غفرت له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت" (١). (ثم خرج) بعد الاستلام، وعد ابن الحاجب المالكي هذا الاستلام الذي قبل الخروج إلى الصفا من سنن السعي، وعلى هذا فتكون العلة في الاستلام أن (٢) السعي لما كان تابعًا للطواف استحب أن يبتدئه بالاستلام كما بدأ (٣) الطواف به (من الباب) أي: من باب الصفا اقتداء برسول الله ﷺ . وفي "الغاية" من كتب الحنفية: أن الصحيح استحباب الخروج من باب بني مخزوم (٤). وفي "المدونة" أن مالكًا ما كان يأمر بالخروج من باب مخصوص (٥). ويستحب في خروجه من المسجد أن يقدم رجله اليسرى باتفاقهم، ويقول ما قدمناه في دخول المسجد وهو: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" (٦) الحمد لله، اللهم صلِّ وسلم (٧) على محمد، [وعلى آل محمد] (٨) باسم الله (٩)، ويزيد عليه.

стр. 5445

ولأبي عوانة: "وسهل لنا أبواب رزقك (١)، [اللهم إني أسألك من فضلك العظيم"] (٢)، وفي "الشفا": ["اللهم سهل] (٣) لنا أبواب رزقك (٤). ولابن السني: وأعذني من الشيطان الرجيم" (إلى الصفا) جمع صفاة وهي الحجارة الملس، مشتق من صفا يصفو إذا خلص من التراب والطين، قال الشعبي: كان على الصفا صنم يقال له في الجاهلية إساف، قال الشافعية: السنة لمن خرج إلى الصفا للسعي أن يقطع عرض الوادي (٥). (فلما دنا من الصفا) أي بحيث أن يكون بينه وبين الصفا قريبًا من ثلاثة أذرع (قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) أي: مواضع عباداته التي أشعرها الله أي: جعلها إعلامًا لخلقه، والشعار: العلامة، فجعل الله هذين الجبلين علامة على العبادة بالسعي بينهما والرقي عليهما وقراءة الآية قبل رقيهما ليتذكر أمر الله بالعبادة ليكون فعله (٦) ممتثلًا لأمر الله، وهذا جار في العبادات التي ورد النص بها في الكتاب والسنة. ومن هذا ما قال بعضهم: يستحب لمن توضأ أن يتذكر عند غسل وجهه قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وعند غسل يديه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وعند مسح رأسه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وعند غسل

стр. 5446

رجليه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١)، وقد قال بعضهم: إن هذا أفضل الذكر، وهو أن يذكر الله بقلبه عند أمره ونهيه فيذكر الله عند امتثال أمره وانتهاء نهيه، وعند وقوفه عما أشكل عليه، وهذا الذكر أفضل من ذكر اللسان، ومن تمسك بهذا انتفع به (٢) في أكثر عباداته (يبدأ) رواية أبي داود ومسلم على أنها فعل مضارع للمتكلم، ورواها النسائي بإسنادٍ صحيح على شرط مسلم: فابدؤا (٣). بلفظ الأمر وصيغة الجمع (بما بدأ الله به) وفي رواية لمالك في "الموطأ": "نبدأ بما بدأ الله به" بنون المضارعة أوله على الخبر، فلو بدأ الساعي بالمروة وأكمل سبعًا بطلت المرة الأولى، ويأتي بأخرى بدلها كما في الوضوء يرتب الوضوء ويبدأ بما بدأ الله به. (فرقي) بكسر القاف (٤) [على الأفصح، أي: صعد] (٥) عليه قدر قامة (حتى رأى البيت) قال الإمام: ورؤية البيت تحصل إذا رقي عليه قدر قامة أي: قامة رجل معتدل الخلقة. قال النووي: واعلم أن بعض الدرج مستحدث فالحذر؛ من تركها فلا يصح سعيه (٦)، وقال غيره: قولهم: أنه يصعد قدر قامة [بحيث

стр. 5447

يرى البيت كان هذا أولًا، أما اليوم فإن البيت لا يرى من الصفا قدر صعود قدر قامة] (١)؛ لما حدث من الأبنية يعني حتى ارتفعت الأرض، وقيل: إن الكعبة كانت ترى من أعلى المروة فحالت الأبنية بينها وبين المروة، وهذا الرقي مخصوص بالرجل كما تقدم، بخلاف المرأة والخنثى. والجمهور على أن هذا الارتقاء مستحب أو مسنون، وعن أبي حفص بن الوكيل من أصحابنا: أنه واجب، كما حكاه القاضي حسين وغيره، وطرده بعضهم في الارتقاء على المروة، ووجهه (٢) بأنه لا يتم (٣) سعيه إلا باستيفاء ما بينهما بلا خلاف عندنا، ولا يستوفيه إلا بذلك، فوجب كغسل جزء من الوجه (٤) في الوضوء، قال الماوردي: وهو خلاف إجماع الصحابة؛ لأن الشافعي روى بسنده أن أبا النجيح قال: أخبرني من رأى عثمان يقوم في أسفل الصفا ولا يظهر عليه فلم ينكر ذلك أحد من الصحابة، فدل على أنه إجماع. وأما قوله لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا بالصعود عليهما فغلط؛ لأنه يلصق عقبيه بالصفا، ثم يسعى، فإذا انتهى إلى المروة ألصق أصابع قدميه بالمروة فيستوفي ما بينهما (٥).

стр. 5448

وفي الحديث دليل على أنه (١) يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، وهكذا يستحب أن يستقبل القبلة (٢) في الوضوء والذكر والدعاء وغيرهما من العبادات إذا أمكن، فقد قيل: إن استقبال القبلة ينور البصر (وكبر الله) أي قال: الله أكبر (ووحد) يعني: ثلاث مرات كما سيأتي. (وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، [وله الحمد] (٣)، يحيي ويميت) وقوله: يحيي ويميت. ليست في مسلم، بل في النسائي "ومسند أبي يعلى"، وزاد في "الشامل" لابن الصباغ بعد قوله (يحيي ويميت) "وهو حي لا يموت بيده الخير" (٤) (وهو على كل شيء قدير، لا إلة إلا الله وحده) ورواه ابن المنذر وزاد فيه: "لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". (أنجز وعده، ونصر عبده) يعني: محمدًا ﷺ (وهزم الأحزاب وحده) يعني (٥): هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا سبب من جهتهم، بل أرسل عليهم ريحًا وجنودًا، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٦)، والمراد بالأحزاب: الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ يوم

стр. 5449

الخندق، وكان الخندق في شوال سنة ٤ (١) من الهجرة (٢). (ودعا) زاد النسائي: بما قدر له. أي: من أمور الدنيا والآخرة، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه بما شاء، زاد ابن عمر في رواية البيهقي على الصفا: "اللهم أحيني على سنة نبيك ﷺ ، وتوفني على ملته، وأعذني من مضلات الفتن" (٣)، وزاد ابن المنذر: "اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الأخرى والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، ومن ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٤) وأنت (٥) لا تخلف الميعاد، اللهم كما (٦) هديتني للإسلام فلا (٧) تنزعه مني ولا تنزعني منه حتى تتوفاني على الإسلام وقد رضيت عني، اللهم لا تعذبني (٨) بعذاب، ولا تؤخرني لسيء الفتن. انتهى، ويصلي على النبي ﷺ ، ويكون رافعًا يديه وبطون كفيه كما في الدعاء (بين ذلك) أي: بين (٩) الفراغ من

стр. 5450

التكبير ثلاثًا والتهليل، وبين التكبير والتهليل في المرة الثانية، وكذا [بين الفراغ من التكبير والتهليل في المرة الثالثة، ثم لا يدعو بعد الثالثة، (وقال) التكبير] (١) الثلاث والتهليل (مثل هذا) الذي تقدم (ثلاث مرات) فيكون التكبير الثلاث في الثلاث مرات تسع (٢) تكبيرات، ويكون التهليل ثلاث مرات، والدعاء [مرتان، هذا على ما جزم به الرافعي، ورد هذا النووي وقال: يكرر الذكر، والدعاء] (٣) ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا، وقال جماعة (٤) من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثًا والدعاء مرتين، والصواب الأول (٥). لكن قوله (بين ذلك) يحتاج على هذا إلى تقدير، ورواية النسائي صريحة بأنه (٦) يدعو بعد الثالثة فقط فيما رواه عن جابر أنه ﵇ بدأ بالصفا، وقال ثلاث مرات: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وكبر الله وحده ثم دعا بما قدر له (٧)، لم يزل" ورواية أحمد عن ابن عمر: كان يخرج إلى الصفا من الباب الأعظم فيقوم عليه (٨) فيكبر سبع مرات ثلاثًا ثلاثًا ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ." إلى آخره.

стр. 5451

(ثم نزل إلى المروة) قيل: هي حجارة بيض براقة (١) يكون فيها النار، قال الشعبي: كان عليها في الجاهلية صنم يسمى نائلة، قيل: ذكر الصفا؛ لأن آدم وقف عليه (٢) فسمي به، ووقفت حواء (٣) على المروة فسميت باسم المروة، يمشي على هيئته (حتى إذا انصبت) (٤) بتشديد الباء (قدماه) (٥) أي: انحدرت قدماه (رمل) أي: سعى سعيًا شديدًا فوق الرمل إذا صار بينه وبين الميل الأخضر المعلق بركن المسجد نحو ستة أذرع، ويستمر سعيه حتى يحاذي الميلين الأخضرين أي: يتوسطهما فيترك السعي؛ لأن هذا القدر هو محل الانحدار (٦) في بطن الوادي، والمراد بالميل: العمود، وهذان الميلان أحدهما متصل بركن المسجد، وكان موضوعًا على بناء على الأرض في الموضع الذي شرع فيه ابتداء السعي، وكان السيل يهدمه ويحطمه فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد، والميل الآخر (٧) في الموضع المعروف بدار العباس عم النبي ﷺ (في بطن الوادي، حتى إذا صعد) بالإفراد (٨) بكسر العين يعني: قدماه حين حاذى الميلين الأخضرين (مشى) على عادته.

стр. 5452

(حتى أتى المروة) قال بعض المتأخرين: ما بين الصفا والمروة خمس (١) وعشرون خطوة، قال القاضي حسين: الأصل في السعي قصة إبراهيم ﵇، روي أنه أمر ابنيه إسماعيل وإسحاق بالمسابقة فاستبقا فسبق إسماعيل إسحاق؛ فأجلسه في حجره وإسحاق بين يديه، فدخلت زوجته سارة أم إسحاق فقالت: ولد أمتي تجلسه في حجرك وولدي على الأرض، فحلف إبراهيم أن يهاجر بإسماعيل وأمه هاجر، فهاجر بهما إلى مكة وحمل معهما جرابًا من الزاد وقربة من الماء، ومكة إذ ذاك ربوة حمراء (٢) ليس فيها ديار ولا نافخ نار، فقالت هاجر: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله تعالى، قالت: إذًا لا يضيعنا، ففني الماء، فتحيرت هاجر فسمعت صوتًا من الصفا فرقتها بقدر قامة ثم خفي ذلك الصوت [فنزلت وهي تمشي، فلما بلغت الموضع الذي يبتدأ السعي منه سمعت ذلك الصوت] (٣) من المروة فأخذت في السعي الشديد، فلما بلغت المكان الذي يقطع فيه السعي خفي الصوت فرجعت إلى سجية المشي، وهكذا سبع مرات، فرأت على المروة الماء قد نبع من تحت عقب إسماعيل، قيل (٤): إن جبريل ضرب بجناحه الأرض فنبع الماء وهو ماء زمزم، فصار هذا السعي سنة بعد زوال سببه. (ففعل على المروة مثل ما فعل على الصفا) فيه أنه يسن (٥) عليها من

стр. 5453

الذكر والدعاء والرقي مثل ما يسن (١) على الصفا، وهذا متفق عليه، (حتى إذا كان آخر طواف على المروة) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرّة والرجوع من المروة إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا، فيكون ابتداء السبع (٢) من الصفا وآخرها من المروة (٣)، فإنه لو كان الذهاب والإياب مرّة واحدة قياسًا على مسحِ الرأس لكان الختم بالصفا. قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: المروة أفضل من الصفا؛ لأنه مروره أربع مرات، والصفا مروره ثلاثًا (٤)، وما كانت العبادات فيه أكثر فهو أفضل، وتبعه على ذلك تلميذه الشيخ شهاب الدين القرافي المالكي (٥)، و [قيل الصفا أفضل (٦)] (٧) لأن الله تعالى بدأ به، والبدء (٨) به ليعطف عليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ (٩)، [أوكد من الطواف وهذا كما فهم التفضيل في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (١٠)] (١١) وقيل: إن المروة أفضل؛ لاختصاصها باستحباب

стр. 5454

النحر والذبح، وبالصلاة فيها عند الفراغ من السعي كما حكاه الجويني دون الصفا, (قال: إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة) أي: لو كان (١) ظهر لي من أمر النسك قبل إحرامي ما ظهر لي بعده لأحرمت بعمرة، قال ذلك تطييبًا لقلوب أصحابه وتسكينًا لنفرتهم من إيقاع العمرة في أشهر الحج، وفيه دليل على رد قول من زعم أن النبي ﷺ أحرم متمتعًا ولما أمر أصحابه بالتحلل بعمل العمرة؛ لأنه لم يتحلل أخبرهم بسبب امتناعه وهو سوقه الهدي. (فمن كان منكم ليس معه هدي فليتحلل) بفتح الياء وكسر اللام الأولى، أي (٢): فليتحلل بعمل عمرة (وليجعلها عمرة) بعد فسخه من (٣) الحج كما تقدم، ومن كان معه هدي فليستمر على إحرامه حتى ينحر هديه (فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ) هذا مما تقدم أيضًا، وإنما قصروا ولم يحلقوا مع أن الحلق أفضل؛ لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق في الحج، فكان التقصير هنا أحسن، ليحصل في النسكين إزالة شعر، والله أعلم، وقوله: فحل الناس كلهم، فيه إطلاق اللفظ العام وإرادة الخصوص؛ لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي (ومن كان معه هدي) فإنه لم يحل حتى يبلغ الهدي محله. (فقام سراقة بن مالك بن جعشم) بضم الجيم والعين (٤) كما تقدم (فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ ) يعني: هل الحل مخصوص

стр. 5455

بنا أم هو باقٍ في كل الأعوام إلى الأبد؟ (فشبك النبي ﷺ أصابعه في الأخرى) [ببطن كف إلى كف] (١) ليريهم دخول أصابعه بعضها في بعض [(ثم قال] (٢): دخلت العمرة في الحج) أي: في حق القارن بين الحج والعمرة (هكذا) أي: كدخول هذِه الأصابع في هذِه (٣)، والذي حملهم على هذا التأويل أن الأصل وجوب إتمام الحج والعمرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (٤) (مرتين، لا بل (٥) لأبد أبد) [نسخة: بل لأبد أبدًا نفي لكلامه] (٦)، فيه روايتان حكاهما القاضي وغيره: إحداهما: تنكير الاثنين مع الإضافة. والرواية الثانية: تنكير الأول وتعريف الثاني مع الإضافة أولى، أي (٧): إلى آخر الدهر، والأبد: الدهر (قال: وقدم علي بن أبي طالب من اليمن ببدن) بسكون الدال (النبي ﷺ ) تقدم عددها (فوجد فاطمة ممن أحل) [نسخة: حل] (٨)؛ لأنه لم يكن معها هدي (ولبست ثوبًا صبيغًا) أي: مصبوغًا فعيل بمعنى مفعول كخضيب [بمعنى مخضوب] (٩) , (واكتحلت) بما فيه زينة (فأنكر علي ذلك عليها) أي: أنكر تحللها؛ لأنه [لم يكن] (١٠) يعلم أنها أحرمت بالحج.

стр. 5456

(فقال: من أمرك بهذا) الذي فعلتيه؟ (فقالت) أمرني (أبي، قال: فكان علي يقول بالعراق) لعله قال بعد الرجوع (ذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا) التحريش: الإغراء والتسليط على الغير ووصف ما يوجب عتاب المنقول عنه ويوشحه (١)، قاله ابن الأثير (٢) (على فاطمة) ﵂ (في الأمر الذي صنعته) فاطمة (مستفتيًا) أي: طالبًا فتواه، وفي بعض النسخ: مستثبتًا من الثبوت يقال: استثبت فلانًا في الأمر وثبته بمعنى (لرسول الله ﷺ في المعنى (٣) الذي ذكرته) [نسخة: ذكرت] (٤) بإسكان التاء المثناة فوق (عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها) فيه أن الرجل إذا رأى على زوجته [شيئًا ينكره] (٥) عليها أن يذهب إلى أبيها فيذكره له، وإن كان لها عذر ذكره له وإلا أدبها وردعها. (فقالت (٦): أبي أمرني) [نسخة: إن أبي أمرني] (٧) (بهذا، فقال النبي ﷺ : صدقت صدقت) هذا من التوكيد اللفظي وهو أن يكرر اللفظة المؤكدة بإعادة لفظه أو تقويته بمرادفة بقصد التقرير في النفس خوفًا من النسيان أو للاعتناء به، وكثيرًا ما تكرر الجملة بعاطف كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (٨)،

стр. 5457

[ويأتي بغير عاطف كقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (١)، (ماذا قلت حين فرضت الحج؟ ) فيه استفهام] (٢) السائل عن كيفية ما نطق به؛ فإن الأحكام تتغير بتغير الألفاظ. (قال (٣): قلت: اللهم إني أهل) بضم الهمزة وكسر الهاء (بما أهل به رسول الله ﷺ ) هذا يدل على أن عليّا لم يكن عنده خبر بما أحرم به النبي ﷺ ، ولم يتقدم له فيه عهد، وأن عليّا هو الذي ابتدأ إحرامه محالًا به على إحرام النبي من غير تعيين حج ولا عمرة، وأنه ﷺ أقره على ذلك، فكان ذلك حجة على جواز الحوالة على إحرام الغير مطلقًا إذا تحقق أنه أحرم ولا بد، وبه قال الشافعي (٤). والجمهور (٥)، وعند المالكية: لا يصح الإحرام على الإبهام (٦)، وهو قول الكوفيين، قال ابن المنذر (٧): كأنه مذهب البخاري؛ لأنه أشار بالترجمة في قوله: باب من أهل في زمن النبي ﷺ كإهلال [النبي ﷺ ] (٨) إلى أن ذلك خاص بذلك الزمن؛ لأن عليّا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام فأحالاه على النبي ﷺ ، وأما الآن فقد استقرت الأحكام، وعرفت مراتب الأحكام (٩)، ولا يصح ذلك، والله أعلم.

стр. 5458

وقد يستدل بهذا [الحديث على ما قاله أصحابنا] (١) في باب صلاة المسافر بما لو اقتدى المسافر بمن علمه أو ظنه مسافر ولم يعرف نيته، فإن علق على نيته فنوى إن قصر قصرت وإن أتم أتممت، والأصح جواز التعليق (٢)، ولم (٣) يلحق بهذا ما لو اقتدى متطوع في صلاة لا تتعلق بسبب ولا وقت بمن علمه أو ظنه كذلك ولم يدر العدد الذي نواه، أو علم أنه نوى ركعتين ولم يدر هل هو في الأولى أو الثانية، فالظاهر أن له أن يعلق صلاته بصلاته في عدد ما يصلي به، ويتصور هذا كثيرًا في التراويح والمحيا في رمضان، ولم أره منقولًا، وفي الحديث دليل على أن [لفظه الذي] (٤) يتقدم على النية في العبادات كالصلاة وغيرها فيقول مثلًا: اللهم إني أصلي فرض الصبح ركعتين لله تعالى. (قال) يعني: النبي ﷺ [لعلي ﵁] (٥): (فإن معي) يجوز في الياء الفتح والسكون (الهدي) بالنصب اسم إن ومعي خبره مقدم, (فلا تحلل) بفتح التاء وكسر اللام الأولى أي: من إحرامك، حتى يبلغ الهدي محله. فإن قيل: إن عليّا وأبا موسى كليهما علقا (٦) الإهلال بإهلال رسول الله ﷺ ، فما الفرق بينهما حيث (٧) أمر عليّا أن لا يحل وأن يدوم على

стр. 5459

إحرامه، وأمر أبا موسى بفسخه إلى العمرة؟ فالجواب: أن عليّا كان معه الهدي كما كان مع النبي ﷺ كما سيأتي، ولم يكن مع أبي موسى هدي، فجعل حكمه حكم من لم يكن معه الهدي وهو المتمتع (١) (فكان جماعة الهدي) أي: جميع الهدي (الذي قدم به [علي من اليمن، والذي قدم به النبي ﷺ من المدينة) النبوية] (٢) (مائة) كما تقدم (فحل الناس كلهم) تقدم أن هذا من ذكر العام المراد به الخصوص (وقصروا؛ إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي) كما تقدم (فلما كان) هي التامة، أي وجد (يوم التروية) وهو الثامن من ذي الحجة، كما تقدم مرات: أنهم كانوا يتروون من الماء لقلة الماء، وأما الآن فقد كثرت المياه جدّا واستغنوا عن حمل المياه (وجهوا) رواية مسلم: توجهوا بزيادة التاء قبل الواو (إلى منى) فيه التذكير والتأنيث، واقتصر الجوهري: على التذكير والصرف (٣). قال الفراء: والأغلب غلب (٤) التذكير (٥)، واقتصر ابن قتيبة: على التأنيث وعدم الصرف، وجزم الحازمي: بتشديد النون. وسميت بذلك لما يمنى فيها من الدماء أي يصب ويراق، وقيل: لما أراد مفارقة جبريل قال له: تمن، قال: أتمن الحجة، رواه الأزرقي وغيره، وقيل: لأن الله منَّ فيها على إبراهيم بأن فدى ابنه بكبش،

стр. 5460

حكاه الماوردي (١) قيل: من مكة إلى منى ثلاثة أميال، وهو فرسخ عند الجمهور، وقال الرافعي: فرسخان (٢). وذرع [من منى] من جمرة العقبة (٣) إلى وادي محسر سبعة آلاف ومائتا ذراع، وهذا التوجه المذكور في الحديث يكون بعد صلاة الصبح بحيث يوافون الظهر بمنى على الصحيح. (وأهلوا) أي: أحرموا من مكة (بالحج) قبل أن يتوجهوا إلى منى، قال الماوردي: إلا الإمام إذا كان بمكة فإنه يستحب له أن يحرم يوم السابع ويصعد المنبر محرمًا (٤)، واستغرب في "شرح المهذب" هذا الاستثناء (٥)، ويستثنى أيضًا المتمتع الذي لا يجد الهدي ويريد الصوم فيتعجل الإهلال ليصوم ثلاثة أيام بعد أن يحرم. (فركب رسول الله ﷺ ) قال النووي: فيه بيان سن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين: [أن الركوب أفضل، وللشافعي قول ضعيف] (٦): أن المشي أفضل، وقال بعض أصحابنا: الأفضل في جملة الحج الركوب؛ إلا في مواطن المناسك وهي: مكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينهما (٧)، ويرجح المشي في التردد ما رواه

стр. 5461

البيهقي عن مجاهد: أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ حجّا ماشيين، وروي أيضًا: أن الحسن بن علي ﵄ حج خمسة وعشرين حجة ماشيًا، وإن النجائب لتقاد معه، وروى البيهقي أيضًا بسنده إلى عيسى بن سوادة، عن إسماعيل بن خالد بن (١) زاذان، قال: مرض ابن عباس فجمع إليه بنيه وأهله فقال لهم: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم"، قال بعضهم: وما حسنات الحرم؟ قال: "كل حسنة بمائة ألف حسنة"، قال البيهقي: تفرد به عيسى (٢) بن سوادة، وهو مجهول؛ لكن رواه الحاكم من الوجه الذي رواه البيهقي وصحح إسناده، وروى الطبراني في معجمه بسنده إلى ابن عباس أنه قال لبنيه: يا بني اخرجوا من مكة حاجين ماشين، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطو راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة". قلت: رجال (٣) إسناده ثقات، ويستحب أن يسيروا ذاكرين الله ملبين، كما قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": أن يسيروا على طريق ضب (٤)، بضاد معجمة وباء مشددة، قال الزمخشري: وهو اسم الجبل الذي في أصله مسجد الخيف (٥)، وهو طريق موسى بن

стр. 5462

عمران، قاله: الأزرقي، ورجعوا على طريق المأزمين [اقتداء برسول الله ﷺ قال الأزرقي في طريق ضب: طريق مختصر من المزدلفة إلى عرفة وهو في أصل المأزمين] (١) عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة (٢). قال الشيخ محب الدين الطبري: عن يسار الطريق يعني: للذاهب إلى منى من مكة دون جمرة العقبة شعب فيه مسجد على نشز من الأرض مشهور عند أهل مكة أنه مسجد البيعة [فتكون النسبة إلي العقبة] (٣) لقربه منها أو يكون المراد بالعقبة النشز الذي عليه المسجد، ورجح الطبري ذلك بما وقع من الألفاظ في حديث بيعة العقبة، فمنها قولهم: فواعدهم رسول الله ﷺ أن يوافيهم أسفل العقبة، ومنها قولهم: حتى اجتمعوا في الشعب عند العقبة، ومنها ما أتصفوا به من الاستخفاء بأمرهم، وكذلك اجتمعوا في الشعب، قال: وليس هناك موضع يناسب هذِه الألفاظ إلا ذلك الموضع فإنه صالح للاختفاء، وهو شعب فيه عقبه بني عليها مسجد فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، أي: يوم عرفة أي: يسن كما قال الشافعية إذا وصلوا إلى منى أن يصلوا الخمس بها (٤). كما روى ابن خزيمة والحاكم من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر وما

стр. 5463

بعدها والفجر بمنى ثم [بعده يزول إلى] (١) عرفة، وعند الحنفية أن الإقامة بها بعد الزوال أدب، وأنه يستحب النزول بها عند مسجد الخيف (٢). وفي الشائع (٣) أنه يصلي بها الفجر بغلس، وحكى النووي عن الأزرقي وأصحابنا: أن حد (٤) منى ما بين جمرة العقبة ووادي محسر، وليست الجمرة ولا وادي محسر من منى (٥). وكيف الجمرة خارج منى، وقد اتفق الشافعية [على أن من] (٦) رمى منى تحية منى (٧)، وقال محب الدين الطبري الشافعي: أن العقبة من منى، ومنى (٨) من الحرم بلا خلاف، وما أقبل من الجبال على منى فهو منها، وما أدبر فليس منها، قال: كان عطاء يقول: كان منزل النبي ﷺ من منى بالخيف، قال القرطبي: وإنما ذكر الصلوات الخمس ليعلم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه [من منى] (٩) إلى عرفة، ولذلك قال مالك: استحباب دخوله منى وخروجه منها؛ في هذين الوقتين المذكورين (١٠)، وإذا صلى الخمس فليصلها مع الإمام

стр. 5464

فيصلي الظهر والعصر جمعًا، والمغرب والعشاء جمعًا، وإذا جمع الظهر والعصر فيسر فيهما بالقراءة خلافًا لأبي حنيفة، وحجة الشافعي أن الأصل الإسرار، ولم ينقل خلافه (١). وهذا الجمع هل (٢) هو سنة النسك أم السفر؟ وجهان (٣) أصحهما الثاني، وينبني عليهما جوازه للمقيم، وأما القصر فلا يجوز إلا للمسافر بلا خلاف، قال الشافعي: وإذا خرج الحجاج يوم التروية ونووا (٤) الذهاب إلى أوطانهم عند فراغ نسكهم كان لهم القصر من حين خروجهم (٥) (ثم مكث) أي: بعد صلاة الصبح (قليلًا) ويعلم من قوله: فصلى بمنى العشاء والصبح، أنه بات بها ليلة التاسع (٦) من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع (حتى طلعت الشمس) أي: على ثبير بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة، وهو جبل عظيم بالمزدلفة على يمين الذاهب إلى منى (٧)، والأصح: أنه جبل بقرب مكة، قال المحب الطبري: إنه (٨) مشرف على منى من جمرة العقبة إلى بلقاء مسجد الخيف

стр. 5465

ويساره قليلًا على يسار الذاهب إلى عرفة. (وأمر بقبة) أي: على هيئة قبة البناء (له) أي: لأجله (من شعر فضربت بنمرة) بفتح النون [وكسر الميم] (١) وجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، كما في غيرها [وبفتح الميم وكسر الميم] (٢) عند الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمين الخارج من مأزمي (٣) عرفات يريد الموقف، قال الماوردي: هي عند الصخرة الساقطة بأصل الجبل على يمين الذاهب إلى عرفات (٤)، وتحت جبل نمرة غار أربعة أذرع أو خمسة أذرع، ذكروا أن النبي ﷺ كان ينزله يوم عرفة حتى يروح إلى الموقف، قاله الأزرقي، ويروى: أن جبريل أنزل إبراهيم ﵇ بنمرة حين حج به وعرفه المناسك. (فسار رسول الله) إلى نمرة (ولا تشك قريش في أن رسول الله ﷺ واقف عند المشعر الحرام) وهو جبل بالمزدلفة يقال له: قزح بضم القاف وفتح الزاي، غير منصرف للعلمية والعدل [عن قازح] (٥)، وقيل: إن المشعر الحرام كله المزدلفة، والمشعر بفتح الميم وبه جاء القرآن، وقيل بكسرها (بالمزدلفة) يحتمل أن تكون الباء بمعنى في كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾، وعلى هذا فيه دليل على أن
следующие страницы →