← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

البيهقي عن مجاهد: أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ حجّا ماشيين، وروي أيضًا: أن الحسن بن علي ﵄ حج خمسة وعشرين حجة ماشيًا، وإن النجائب لتقاد معه، وروى البيهقي أيضًا بسنده إلى عيسى بن سوادة، عن إسماعيل بن خالد بن (١) زاذان، قال: مرض ابن عباس فجمع إليه بنيه وأهله فقال لهم: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم"، قال بعضهم: وما حسنات الحرم؟ قال: "كل حسنة بمائة ألف حسنة"، قال البيهقي: تفرد به عيسى (٢) بن سوادة، وهو مجهول؛ لكن رواه الحاكم من الوجه الذي رواه البيهقي وصحح إسناده، وروى الطبراني في معجمه بسنده إلى ابن عباس أنه قال لبنيه: يا بني اخرجوا من مكة حاجين ماشين، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطو راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة". قلت: رجال (٣) إسناده ثقات، ويستحب أن يسيروا ذاكرين الله ملبين، كما قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": أن يسيروا على طريق ضب (٤)، بضاد معجمة وباء مشددة، قال الزمخشري: وهو اسم الجبل الذي في أصله مسجد الخيف (٥)، وهو طريق موسى بن

стр. 5462

عمران، قاله: الأزرقي، ورجعوا على طريق المأزمين [اقتداء برسول الله ﷺ قال الأزرقي في طريق ضب: طريق مختصر من المزدلفة إلى عرفة وهو في أصل المأزمين] (١) عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة (٢). قال الشيخ محب الدين الطبري: عن يسار الطريق يعني: للذاهب إلى منى من مكة دون جمرة العقبة شعب فيه مسجد على نشز من الأرض مشهور عند أهل مكة أنه مسجد البيعة [فتكون النسبة إلي العقبة] (٣) لقربه منها أو يكون المراد بالعقبة النشز الذي عليه المسجد، ورجح الطبري ذلك بما وقع من الألفاظ في حديث بيعة العقبة، فمنها قولهم: فواعدهم رسول الله ﷺ أن يوافيهم أسفل العقبة، ومنها قولهم: حتى اجتمعوا في الشعب عند العقبة، ومنها ما أتصفوا به من الاستخفاء بأمرهم، وكذلك اجتمعوا في الشعب، قال: وليس هناك موضع يناسب هذِه الألفاظ إلا ذلك الموضع فإنه صالح للاختفاء، وهو شعب فيه عقبه بني عليها مسجد فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، أي: يوم عرفة أي: يسن كما قال الشافعية إذا وصلوا إلى منى أن يصلوا الخمس بها (٤). كما روى ابن خزيمة والحاكم من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر وما

стр. 5463

بعدها والفجر بمنى ثم [بعده يزول إلى] (١) عرفة، وعند الحنفية أن الإقامة بها بعد الزوال أدب، وأنه يستحب النزول بها عند مسجد الخيف (٢). وفي الشائع (٣) أنه يصلي بها الفجر بغلس، وحكى النووي عن الأزرقي وأصحابنا: أن حد (٤) منى ما بين جمرة العقبة ووادي محسر، وليست الجمرة ولا وادي محسر من منى (٥). وكيف الجمرة خارج منى، وقد اتفق الشافعية [على أن من] (٦) رمى منى تحية منى (٧)، وقال محب الدين الطبري الشافعي: أن العقبة من منى، ومنى (٨) من الحرم بلا خلاف، وما أقبل من الجبال على منى فهو منها، وما أدبر فليس منها، قال: كان عطاء يقول: كان منزل النبي ﷺ من منى بالخيف، قال القرطبي: وإنما ذكر الصلوات الخمس ليعلم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه [من منى] (٩) إلى عرفة، ولذلك قال مالك: استحباب دخوله منى وخروجه منها؛ في هذين الوقتين المذكورين (١٠)، وإذا صلى الخمس فليصلها مع الإمام

стр. 5464

فيصلي الظهر والعصر جمعًا، والمغرب والعشاء جمعًا، وإذا جمع الظهر والعصر فيسر فيهما بالقراءة خلافًا لأبي حنيفة، وحجة الشافعي أن الأصل الإسرار، ولم ينقل خلافه (١). وهذا الجمع هل (٢) هو سنة النسك أم السفر؟ وجهان (٣) أصحهما الثاني، وينبني عليهما جوازه للمقيم، وأما القصر فلا يجوز إلا للمسافر بلا خلاف، قال الشافعي: وإذا خرج الحجاج يوم التروية ونووا (٤) الذهاب إلى أوطانهم عند فراغ نسكهم كان لهم القصر من حين خروجهم (٥) (ثم مكث) أي: بعد صلاة الصبح (قليلًا) ويعلم من قوله: فصلى بمنى العشاء والصبح، أنه بات بها ليلة التاسع (٦) من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع (حتى طلعت الشمس) أي: على ثبير بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة، وهو جبل عظيم بالمزدلفة على يمين الذاهب إلى منى (٧)، والأصح: أنه جبل بقرب مكة، قال المحب الطبري: إنه (٨) مشرف على منى من جمرة العقبة إلى بلقاء مسجد الخيف

стр. 5465

ويساره قليلًا على يسار الذاهب إلى عرفة. (وأمر بقبة) أي: على هيئة قبة البناء (له) أي: لأجله (من شعر فضربت بنمرة) بفتح النون [وكسر الميم] (١) وجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، كما في غيرها [وبفتح الميم وكسر الميم] (٢) عند الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمين الخارج من مأزمي (٣) عرفات يريد الموقف، قال الماوردي: هي عند الصخرة الساقطة بأصل الجبل على يمين الذاهب إلى عرفات (٤)، وتحت جبل نمرة غار أربعة أذرع أو خمسة أذرع، ذكروا أن النبي ﷺ كان ينزله يوم عرفة حتى يروح إلى الموقف، قاله الأزرقي، ويروى: أن جبريل أنزل إبراهيم ﵇ بنمرة حين حج به وعرفه المناسك. (فسار رسول الله) إلى نمرة (ولا تشك قريش في أن رسول الله ﷺ واقف عند المشعر الحرام) وهو جبل بالمزدلفة يقال له: قزح بضم القاف وفتح الزاي، غير منصرف للعلمية والعدل [عن قازح] (٥)، وقيل: إن المشعر الحرام كله المزدلفة، والمشعر بفتح الميم وبه جاء القرآن، وقيل بكسرها (بالمزدلفة) يحتمل أن تكون الباء بمعنى في كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾، وعلى هذا فيه دليل على أن

стр. 5466

المشعر في المزدلفة فهي بعضها لا كلها، وذكر المزدلفة ليس في "صحيح مسلم" (كما كانت) الحمس من (قريش تصنع في الجاهلية) قبل الإسلام من وقوفها بالمشعر الحرام بدل وقوف الناس بعرفة، ويقولون: نحن أهل الحرم ولا نخرج منه إلى الحل. (فأجاز) أي: جاوز (رسول الله ﷺ المزدلفة حتى أتى عرفة) كما كانت غير (١) قريش من سائر العرب يتجاوزون المزدلفة إلى عرفات امتثالًا لأمر الله تعالى في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٢) أي: سائر العرب غير قريش، وقال الضحاك (٣): كما أفاض الناس أي: إبراهيم ﵇، والمراد بالناس في الآية إبراهيم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (٤) والمراد واحد وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، فهو عام بمعنى الخاص كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٥) يعني: محمدًا ﷺ ، وظنت قريش أن محمد ﷺ يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوز فخالفهم وتجاوز إلى عرفة، وكان وقوفهم بالمزدلفة من جملة ما ابتدعت، وغيرت من شريعة إبراهيم ﵇ وسنته في الحج. (فوجد القبة قد ضربت له) قبل أن يأتي (بنمرة) وهو موضع بعرفة،

стр. 5467

وفيه دليل على جواز استظلال المحرم في القباب لقوله (فنزلها) أي: في القبة، وكذا الأخبية، قال القرطبي: ولا خلاف فيه، أي: للنازل، واختلفوا في جوازه للراكب، فمذهب الشافعي: جوازه، وبه قال كثيرون (١). وكرهه مالك وأحمد بن حنبل وأهل المدينة، وعليه عند مالك الفدية إذا (٢) انتفع به، وكذلك الاستظلال عنده في حال سيره (٣) وستأتي المسألة، وفيه جواز اتخاذ القباب سواء كانت من شعر، أو صوف، أو قطن، وفيه جواز اتخاذها للرجال والنساء واستصحابها للحاج والغازي؛ لما جاء في فضل (٤) ظل الفسطاط للمجاهد، وكذا المسافر عند الحاجة إليها، [ويستحب لكل ذي قبة أو خيمة أن يضربها بنمرة وأن يغتسل بها للوقوف] (٥). (حتى إذا زاغت) أي: مالت (الشمس) عن حد الاعتدال لجهة الغرب، والمراد به وقت الزوال من يوم عرفة (أمر بالقصواء) بفتح القاف وسكون الصاد المهملة، والمد، يعني: ناقته كما تقدم، (فرحلت) بضم الراء وكسر الحاء المهملة المخففة، أي: وضع عليها الرحل له، فيه دليل على أن العالم والكبير يأمر من يدل عليه بخدمته (فركب) عليها وسار (حتى أتى بطن الوادي) يعني: وادي عرنة بضم العين المهملة، وفتح الراء بعدها نون، المعروف، والبطن هو

стр. 5468

المنخفض من الأرض. قال المحب الطبري: والمتعارف عند أهل مكة وتلك الأمكنة مسجد عرفة بالفاء، وليس هذا المسجد من عرفات كما نص عليه الشافعي، وبه قطع جمهور العراقيين كما قال النووي، وذهب جماعة من الخراسانيين منهم الرافعي إلى أن مقدم هذا المسجد في طرف وادي عرنة لا في عرفات، وآخره من عرفات، ويميز بينهما بصخرات كبار فرشت هناك (١) وهو تفهم نسبة المسجد إلى إبراهيم الخليل ﵇، وتبعه النووي في "الروضة" (٢)، وزاد عليه فقال: مسجد إبراهيم ﷺ ، قال ابن جماعة في "منسكه": وليس لذلك أصل. (فخطب الناس) أي: بمسجد إبراهيم بعد الزوال وقبل الأذان تأسيّا به ﷺ (٣)، كما رواه الشافعي من حديث جابر الطويل (٤)، ويستحب أن يأخذ المؤذن في الأذان مع شروع الإمام في الخطبة الثانية، وأن يخفف هذِه الخطبة بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن [من الأذان (٥)] (٦)، وقيل: مع فراغه من الإقامة، ولا نظر (٧) إلى تصحيح النووي في الروضة الثاني (٨)، بل الصحيح ما صححه في "شرح

стр. 5469

المهذب" (١) وصححه الرافعي في "الشرح الصغير"، ولم يصحح في الكبير شيئًا (فقال) في خطبته (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) أي: متأكدة [الحرمة و] (٢) التحريم شديدته (٣). فإن قلت: من المعلوم [فيه حذف مضاف تقديره: فإن سفك دماءكم وغصب أموالكم، وكذا نكر أعراضكم أن] (٤) أموالنا ليست حرامًا علينا. فالجواب: أن (٥) العقل مبين للمقصود؛ وهو أن أموال كل واحد منكم حرام على غيره، وذلك عند فقدان شيء من أسباب الحل، ويؤيده ما جاء في رواية: وهو "بينكم" بدل (عليكم) وفي رواية للبخاري ذكرها في كتاب العلم: "وأعراضكم عليكم حرام". [وقيل: فيه حذف مضاف تقديره فإن سفك دمائكم وغصب أموالكم وكذا سلب أعراضكم عليكم] (٦) (كحرمة يومكم هذا) يوم النحر (في شهركم هذا في بلدكم هذا) فيه دليل لضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير قياسًا (ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية) سموا بذلك لكثرة جهالاتهم (تحت قدمي) بفتح الميم وتشديد الياء مثنى، إشارة إلى احتقاره وإبطاله (موضوع) فيه إبطال أفعال الجاهلية وبيوعها التي [يفضل فيها] (٧) قبض، وكذا ما أحدثوه من الشرائع التي شرعوها في الحج وغيره، كما تقدم من الوقوف بالمشعر الحرام، وهذا كقوله ﵇: "من

стр. 5470

أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد" (١). (ودماء) جمع دم (الجاهلية موضوعة) أي: لا قصاص في قتلها ولا دية (وأول دم أضعه) جملة أضعه فعلية في موضع جر صفة لدم (دماؤنا) بالرفع خبر المبتدأ، فيه أن الإمام وغيره ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ينبغي له أن يبدأ بنفسه وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله وإلى طيب نفس سامعه، لا سيما من قرب عهده بالإسلام. (وقال عثمان) بن أبي شيبة: (دم) إياس (بن ربيعة) بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي (وقال سليمان) بن عبد الرحمن (دم ربيعة) بإسقاط ابن (بن الحارث بن عبد المطلب) قال النووي والصواب ابن ربيعة؛ لأن ربيعة عاش بعد النبي ﷺ إلى زمن عمر بن الخطاب ﵁، وتأول هذِه الرواية الثانية أبو عبيد فقال: دم ربيعة؛ لأنه ولي الدم فنسب إليه (٢)، قالوا (٣): وكان هذا الابن المقتول طفلًا صغيرًا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كان بين بني سعد وبني ليث بن بكر، قاله الزبير بن بكار (٤)، وإلى هذا أشار بقوله: (وكان) يعني: الابن المقتول (مسترضعًا) بفتح الضاد أي: رضيعًا؛ فإن مستفعل (٥) يأتي بمعنى فعل كقولك: قر واستقر (في بني سعد) أي: له فيهم من يرضعه، والذي استرضع رسول الله ﷺ فيهم هم بنو سعد بن بكر

стр. 5471

(فقتلته (١) هذيل) حي من مضر. (وربا) (٢) مقصور (الجاهلية موضوع) كله أي: الزائد عن (٣) رأس المال، وهذا إيضاح وإلا فالمقصود مفهوم من نفس الحديث؛ لأن الربا هو الزيادة والكثرة لغة، فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع الرد والإبطال، ثم إنهم كانت لهم بيوعات يسمونها بيع الربا (٤)، منها أنهم كانوا إذا حل الأجل الذي للدين يقول الغريم لرب الدين: أنظرني وأزيدك، فينظره إلى وقت آخر على زيادة مقدرة، فإذا حل ذلك الوقت الآخر قال له أيضًا: كذلك، وربما يؤدي (٥) ذلك إلى استئصال مال الغريم في قدر يسير، فأبطل الله ذلك وحرمه وتوعد عليه، فوعظهم رسول الله ﷺ وبالغ في ذلك، فبدأ من (٦) ذلك بما يتعلق بنفسه فقال (وأول ربا أضعه) من ذلك (ربانا) ثم فسره فقال: (ربا عباس بن عبد المطلب) لخصوصيته بالنبي ﷺ ليقتدي به الناس قولًا وفعلًا فيضعون عن غرمائهم ما كان من ذلك (٧). ثم أكد ذلك بقوله (فإنه موضوع) أي: عن من هو عليه (كله) لا يطلب شيء منه. (اتقوا الله في النساء) فيه الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن وحسن معاشرتهن بالمعروف، ويدخل في عموم هذا كل معاشر زوجًا كان أو وَليّا، لكن سياق ما بعده والأمر في الأغلب للأزواج في توفية

стр. 5472

حقوقهن من المهر والنفقة وأن لا يعبس في وجوههن من غير ذنب، وأن يلين القول لهن (فإنكم أخذتموهن) وملكتم الانتفاع بهن (بأمانة الله) التي ائتمنكم عليهن، فيجب عليكم حق الأمانة وصيانتها والقيام بمصالحها الدنيوية والدينية (واستحللتم فروجهن) يدخل في عموم الحل القبل والدبر، إلا أن يخرج الدبر بدليل آخر، فإن أصحابنا قالوا: يطلق الفرج على القبل والدبر من الرجل والمرأة (بكلمة الله) قيل: هي قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١)، وقيل: المراد كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم. وقيل: المراد بإباحة الله والكلمة قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢)، قال النووي: وهذا التأويل (٣) هو الصحيح، وبالأول قال الخطابي والهروي وغيرهما، وقيل: المراد بالكلمة الإيجاب والقبول، ومعناه على هذا: بالكلمة التي أراد (٤) الله بها (٥). قال القرطبي: وأشبه هذِه الأقوال أنها عبارة عن حكم الله بحلِّيَّة النكاح وجوازه وبيان شروطه، فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء والتخيير (٦).

стр. 5473

(وإن لكم) واجبًا (عليهن أن لا يوطئن) بهمزة قبل النون أي (١): لا يدخلن (٢) منازلكم (فرشكم) بضم الفاء (٣) والراء (٤) جمع فراش (أحدًا تكرهونه) أي: تكرهون دخوله، ويحتمل أن يراد من يكرهه الزوج وإن كان يرضى دخوله إليهن لكونه محرمًا لهن كالأب ونحوه، قال المازري (٥): المراد أن لا يستخلين بالرجال، ولم يرد زناها؛ لأن ذلك يوجب حدها وهو حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه (٦)، وقال القاضي عياض: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، ولم يكن ذلك (٧) عيبًا ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك (٨)، واختار النووي أن معناه: لا يأذنَّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم، والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجل أو امرأة أجنبية أو قريبة (٩) أو أحد من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك، وكذلك عند الفقهاء لا تأذن في دخول منزل الزوج إلا لمن (١٠) علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل

стр. 5474

الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك، فإن حصل الشك في الرضى ولم توجد قرينة فلا يحل الدخول ولا الإذن (١). (فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح) بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء المشددة، والمبرح الشديد الشاق، ومعناه: اضربوهن تأديبًا ضربًا ليس بشديد ولا شاق، والبرح المشقة، وفيه تأديب الرجل زوجته على وجه الرفق، قال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب [غير] (٢) المبرح؟ قال: بالسواك ونحوه، ويشترط في الضرب أن يظن أن الضرب يصلحها ولا [ينجعها غيره] (٣) وإلا فلا، وكلام الإمام يصرح (٤) به (٥)، وليس لنا موضع يضرب المستحق من منعه حقه (٦) غير هذا، والعبد يمنع من حق سيده. ووجه استثنائهما أن الحاجة ماسة إلى ذلك لتعذر إتيانه (٧) مع أنه لا اطلاع لأحد عليه، قاله ابن عبد السلام في "القواعد" (٨) (ولهن عليكم) واجب (رزقهن) يعني: نفقتهن (وكسوتهن) فيه وجوب نفقة الزوجة (٩) وكسوتها وهو واجب (١٠)

стр. 5475

بالإجماع (بالمعروف) أي: بما يعرف من حاله وحالها، وهو حجة لمالك حيث يقول: إن النفقات على الأزواج غير مقدرات، وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهن (١). (وإني قد تركت فيكم) أي: بعدي (ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم) أي إن امتنعتم به حين علمتم (٢) به وتبعتموه لن تضلوا بعده أبدًا، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٣)، ونظيره حديث: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" (٤) وكل نفيس ثقل، فقد سماهما ثقلين إعظامًا لقدرهما (كتاب الله) بالنصب بدل من ما بيان لما يعتصم به وهو القرآن الذي هو حبل الله كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ (٥)، وفي رواية الحاكم: "إن هذا القرآن حبل الله عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه" (٦) (وأنتم مسؤولون عني) أي: عن (٧) تبليغي (فما أنتم قائلون؟ ) إذا سُئلتم (قالوا: نشهد أنك قد بلغت) الرسالة وأديت (٨) الأمانة (ونصحت) الأمة. (ثم قال بأصبعه السبابة) أي: مشيرًا بها (يرفعها إلى السماء) أما إشارته إلى السماء فلأنها قبلة الدعاء، أو لعلو الله تعالى المعنوي؛

стр. 5476

لأن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يختص بجهة، وقد بين ذلك بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) (وينكتها) [قال المنذري: بالباء الموحدة وهو الصواب، والرواية بالمثناة، وهو الرواية، وفيه بعد] (٢) (إلى الأرض) قال القرطبي: روايتي في هذِه اللفظة وتقييدي على من أعتمده من الأئمة بضم الياء وفتح النون وكسر الكاف مشددة وضم الباء الموحدة [وروي ينكبها بتخفيف] (٣) الباء، ساكنة النون وبضم الكاف (٤). قال القاضي عياض: رويناه في "سنن أبي داود" بالتاء المثناة (٥)، من طريق ابن الأعرابي أي: مع إسكان النون بعد الياء المفتوحة، وضم الكاف المخففة، قال: وبالموحدة من طريق التمار، أي: كما تقدم عن القرطبي، ومعنى: الباء الموحدة يعدلها ويعطفها (٦) (إلى الناس) وعلى رواية الموحدة يقلبها، وعلى رواية المثناة كذلك أي: يقلبها ويردها، ومنه نكت كنانته أي: قلبها، وقال: (اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد) قال ذلك؛ لأنه كان فرضًا عليه أن يبلغ ما

стр. 5477

أوحي إليه فأشهد الله عليه أنه أدى ما وجب عليه وكرر عليهم ذلك ليكون أبلغ ليسمع الحاضر ويبلغ الغائب، وكان ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، لتفهم عنه ويبلغ إلى الغائب لتقوم حجة الله على عباده (ثم أذن بلال) استدل به مالك في أحد أقواله على أن الأذان بعد كمال الخطبة، فإنه روي عنه: أنه يؤذن بعد تمام الخطبة، فيجلس الإمام على المنبر ويؤذن المؤذن، وروي عنه: كمذهب الشافعي أنه يؤذن مع شروع (١) الإمام في الخطبة الثانية، بحيث يفرغ الإمام مع فراغ المؤذن، وقال أبو ثور: يؤذن المؤذنون والإمام (٢) على المنبر قبل الخطبة كالجمعة، وروي مثله عن مالك (٣). (ثم أقام فصلى الظهر) فيه دليل على استحباب الإقامة للصلاة المجموعة (ثم أقام فصلى العصر) فيه دليل على أن الجمع بين الصلاتين يكتفي فيهما بأذان واحد للصلاتين، وعلى أن كل صلاة منهما لا بد لها من إقامة، وهذا مذهب أحمد (٤) وابن الماجشون والطحاوي (٥)، وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل صلاة، قياسًا على سائر الصلوات (٦)، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أذان واحد وإقامة واحدة، والجمع بعرفة والمزدلفة كذلك (٧) (لم يصل بينهما شيئًا) أي:

стр. 5478

لم يدخل بينهما صلاة أخرى، لا نفلًا ولا غيره، وبهذا قال الشافعي ومالك وغيره، وقال ابن حبيب: يجوز أن يفصل بينهما (١)، وكما أنه لا يفصل بينهما [بصلاة لا يفصل بينهما] (٢) بسكوت طويل، فإن طال الفصل بينهما ولو بعذر كالسهو والإغماء وجب تأخير الثانية [إلى وقتها] (٣)، ولا يضر فصل يسير؛ لأنه ﷺ (أقام) بينهما ويعرف طوله بالعرف، وعن جماعة من أصحابنا: أن اليسير يقدر بالإقامة، وضبطه [القاضي حسين] (٤) بقدر ما يتخلل بين الإيجاب والقبول [وبين الخطبتين] (٥). (ثم ركب القصواء) بالفتح والمد كما تقدم مرات، فيه دليل على أنه إذا فرغ من الصلاتين ذهب (حتى أتى (٦) الموقف) في عرفة (فجعل بطن ناقته) القصواء إلى الصخرات الكبار المفروشة في طرق الروابي الصغار التي في ذيل الجبل الذي (٧) بوسط عرفات، ويسمى جبل الرحمة، قال القرطبي: وجعل بطن ناقته إلى الصخرات، يدل - والله أعلم - أنه على الصخرات ناحية منها، حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته (٨). قال ابن جماعة: وقد تحرى والدي موقف رسول الله ﷺ واجتهد فيه فقال: إنه الفجوة المستعلية المشرفة على الموقف، وهي من وراء الموقف صاعدًا في الرابية وهي التي عن يمينها ووراءها صخر ثاني

стр. 5479

متصل بصخر الجبل المسمى جبل الرحمة، وهذِه الفجوة بين الجبل المذكور والبناء المرتفع عن يساره وهي إلى (١) الجبل أقرب بقليل بحيث يكون الجبل قبالة الواقف بيمين إذا استقبل القبلة، ويكون طرف الجبل تلقاء وجهه والبناء المرتفع (٢) عن يساره بقليل وراءه، ووافقه على ذلك من يعتمد عليه، فإن ظفر بموقف النبي ﷺ فهو الغاية في الفضل، وإن خفي عليه وقف ما بين الجبل والبناء المرتفع على جميع الصخرات والأماكن بينهما، لعله أن يصادف الموقف الشريف، فإن كان راكبًا خالط الصخرات بدابته بحسب ما يمكنه ما لم يؤذ (٣) أحدًا، قصة ما تقدم أن الصخرات ظاهرات. وفي "الكافي" أنها كانت ظاهرة والآن سترها السيل بالتراب، وفي موقفه ﵇ شبه المنارة وهو عن يسار جبل الرحمة إذا استقبلت منه مكة انتهى. قال الزعفراني: والأفضل أن يقف في ظهر الإمام بعرفة، فإن ضاق عليه فعن يمينه مستقبلًا، قال الماوردي: المرأة تخالف الرجل في ثلاثة أشياء، يستحب لها أن تقف نازلة وهو راكب، وأن تجلس وهو قائم، وأن تقف في حاشية الموقف (٤)، وهو عند الصخرات السود (٥). قال الأذرعي: وما قاله في وقوفها نازلة، هذا إن لم تكن مستورة في

стр. 5480

هودج، فإن كانت فهو أستر لها، قاله في "شرح المهذب" (١) ويرفع يديه في الدعاء ولا يجاوز بهما رأسه. (وجعل حبل المشاة) بين يديه، وفيه روايتان: حبل المشاة بفتح الحاء المهملة، وإسكان الباء الموحدة، وروي جبل المشاة، بالجيم وفتح الباء، قال القاضي وتبعه النووي: والأول أشبه (٢). واقتصر عليه ابن الأثير، قال: والحبل واحد حبال الرمل، وهو ما استطال منه مرتفعًا وضخم واجتمع رمله (٣)، وأما بالجيم فمعناه: طريقهم، وحيث يسلك الرجالة، وحكى محب الدين الطبري: ترجيح الجيم؛ فإن الواقف بموقف (٤) النبي ﷺ يكون هذا الجبل يعني الأعلى وزن الهلال بين يديه وهو جبل المشاة، ثم قال: والمشهور بالحاء، وهو طريقهم الذي يسلكونه في الرمل، واحتفالهم بصعود الجبل وإيقادهم (٥) الشموع (٦) عليه ليلة عرفة حدث بعد انقراض السلف الصالح. (واستقبل القبلة) أي: من سنة الوقوف استقبال القبلة وكمال الطهارة ويستحب كما قال الشافعية والمالكية: أن يتضحى الواقف للشمس، ولا يستظل إلا (٧) لحاجة أو مشقة ظاهرة (٨)، وقال الحنفية: لا يستظل

стр. 5481

استحبابًا (١) (فلم يزل واقفًا) يعني: على ظهر ناقته القصواء (حتى غربت الشمس) استدل به الحنفية على أن استدامة الوقوف إلى الغروب واجبة، فلو خرج من عرفة قبل الغروب ولم يعد فعليه دم كدم مجاوزة الميقات (٢) بخلاف الشافعية؛ فإن الدم مستحب (٣)، وقد يستدل به المالكية على وجوب الجمع بين الليل والنهار (٤)، وهو عند الشافعية مستحب. (وذهبت الصفرة) أي: أواخرها الآنفة (٥) للغروب، ووجه الدليل على الجمع بين الليل والنهار من الحديث أن المعلوم أن الوقوف (٦) إذا استمر حتى غربت الشمس وذهبت صفرتها لزمت بالضرورة أن يدخل عليه جزء من الليل وهو بأرض عرفة ولو حين خروجه منها (قليلًا) أي: القليلة؛ لأنه منصوب على الحال وتقديره: ذهبت الصفرة في حال كونها أي: كون الصفرة قليلة؛ فإن الحال وصف في المعنى، ففيه دليل على الاحتياط بأخذ جزء من الليل زائد على مغيب الشمس (حين (٧) غاب القرص) وفي بعض النسخ: حتى غاب [قال القاضي: صوابه حين، قال النووي: ويحتمل أن الكلام على ظاهره، ويكون قوله حتى غاب] (٨) القرص بيانًا لقوله (حتى غربت الشمس

стр. 5482

وذهبت الصفرة) فإن هذِه قد تطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فإذًا زال ذلك الاحتمال بقوله حتى غاب القرص (١). (فأردف أسامة) بن زيد (خلفه) فيه الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وارتداف أهل الفضل، ويعد ذلك من إكرامهم للرديف لا من سوء أدبه (فدفع رسول الله ﷺ ) من عرفة ليلة العيد، فيه الركوب حال الدفع من عرفة والارتداف (وقد شنق) بفتح الشين المعجمة وتخفيف النون (للقصواء الزمام) أي: ضمه و [عطف عليه] (٢) بالشدة، كفَّا لها عن السرعة في المشي (حتى) [لانتهاء الغاية كما يقال: مرض حتى] (٣) (إن) (٤) بكسر الهمزة (رأسها ليصيب مورك) بفتح الميم وكسر الراء (رجله) والمورك هو الموضع إذا أراد الراكب أن يستريح ثنى رجله عليه قدام واسطة الرحل حين يمل من الركوب، وضبطه القاضي بفتح الراء (٥)، قال: وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب يجعل في مقدم الرحل شبه المخدة، وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة (٦). (وهو يقول) [نسخة: ويقول] (٧) (بيده اليمنى) يوضحه رواية

стр. 5483

البخاري: وأشار بسوطه إليهم (السكينة) منصوب بفعل محذوف على الإغراء تقديره: الزموا السكينة، وهو الرفق والطمأنينة في السير، والمراد عدم المزاحمة (أيها الناس) الزموا (السكينة) هكذا (١) مرتين حثّا على الرفق، وفيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنة، فإذا وجد فرجة (٢) أسرع كما سيأتي في الحديث. (كلما أتى حبلًا) بفتح الحاء المهملة وإسكان الموحدة (من الحبال) بكسر المهملة جمع حبل، وهو التل اللطيف من الرمل الضخم (أرخى لها) الزمام (قليلًا حتى تصعد) بفتح التاء المثناة فوق وضمها، يقال: صعد بكسر العين في الجبل وأصعد لغتان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ (٣). (حتى أتى المزدلفة) وهي جمع، بفتح الجيم وإسكان الميم لاجتماع الناس بها، أو لجمعهم بين المغرب والعشاء بها، أو لاجتماع آدم وحواء بها (٤)، وهي المشعر الحرام كما تقدم، وسميت المزدلفة وأصلها مزتلفة بالتاء أي: مقتربة فأبدلت التاء دالًا مع الزاي كما قلبت في مزدجر ومزدرع، سميت مزدلفة من التزلف والازدلاف (٥) وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا (٦) إليها، أي: قربوا ومضوا

стр. 5484

إليها، قاله الأزهري، وقال ثعلب: لأنها بمنزلة من الله وقربه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾ (١) (٢)، وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل أي: ساعات، واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم، قاله الأزرقي والماوردي وغيرهما. حد المزدلفة ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر وليس الحدان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب والجبال الداخلة في الحد المذكور (٣)، والمراد بالمأزمين الطريق التي بين الجبلين الفاصلين بين عرفات ومزدلفة، قال النووي: المأزمين ما بين العلمين الذين هما حد الحرم (٤). قال ابن جماعة: وهذا الذي قاله غريب، وهو الذي يحمل الحاج (٥) على الزحمة بين العلمين، وليس له أصل، والمحب الطبري أبعد منه، وقد قال: هما جبلان بين عرفة ومزدلفة بينهما طريق (٦). (فجمع بين المغرب والعشاء) فيه أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء ويكون هذا التأخير بنية (٧) الجمع، ثم يجمع بينهما في المزدلفة قبل حط الرحال إن تيسر في وقت العشاء، وهذا مجمع عليه، لكن مذهب أبي حنيفة وطائفة أنه جمع بسبب

стр. 5485

النسك، ويجوز لأهل مكة ومزدلفة ومنى وغيرهم (١)، والصحيح عند أصحابنا أنه جمع بسبب السفر، ولا يجوز إلا [لمسافر يبلغ سفر] (٢) القصر وهو مرحلتان، وللشافعي قول ضعيف أنه يجوز الجمع في كل سفر وإن كان قصيرًا، وقال بعض أصحابنا: هذا الجمع بسبب النسك (٣) [كقول أبي حنيفة] (٤) (بأذان واحد وإقامتين) فيه الجمع بين الصلاتين في وقت الثانية بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة منهما إقامة، وبه قال أحمد (٥) وعبد الملك الماجشون المالكي والطحاوي الحنفي، وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى ويؤذن ويقيم للثانية (٦) وقال أبو يوسف وأبو حنيفة: أذان وإقامة واحدة (٧) وقال النووي (٨): يصليهما جميعًا بإقامة واحدة (٩) (قال عثمان) بن أبي شيبة (ولم يسبح [بينهما شيئًا]) (١٠) أي: لم يصل بينهما شيئًا أي: نافلة والنافلة تسمى سبحة؛ لاشتمالها على التسبيح، وفيه الموالاة بين الصلاتين المجموعتين كما تقدم، والصحيح عندنا أنه سنة مستحبة لا شرط،

стр. 5486

وأما لو جمع بينهما في وقت الأولى لكانت الموالاة شرطًا بلا خلاف. (ثم اتفقوا) يعني: الأربع الرواة (ثم اضطجع رسول الله ﷺ ) أي على شقه الأيمن (حتى طلع الفجر) فيه الاضطجاع على الأرض للمسافر لراحة البدن، فإن لجسدك عليك حقّا، وفيه المبيت بمزدلفة ليلة النحر وأنه بعد الدفع من عرفات نسك، وهذا مجمع عليه، ولكن اختلفوا: هل هو واجب أو ركن أو سنة، والمذهب أنه واجب من تركه فعليه دم وهو مذهب الشافعي وأحمد، وعند مالك سنة (١). (فصلى الفجر) بها (حتى (٢) تبين له الصبح) فيه أن السنة أن [يبقى بالمزدلفة إلى أن] (٣) يصلي الصبح بها بغلس في أول الوقت، وهذا مذهب المالكية (٤) ومقتضى قول الحنفية (٥). (قال سليمان) بن عبد الرحمن المعروف بابن بنت شرحبيل: (بأذان وإقامة) [رواية: بنداء] (٦) لهذِه الصلاة كما في غيرها من صلوات المسافر، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة (٧) بالأذان في السفر كما في الحضر خلافًا لمن قال: يقتصر المسافر على الإقامة وهو ضعيف مردود بهذا الحديث وغيره.

стр. 5487

(ثم اتفقوا) أي على ما يأتي (ثم ركب القصواء) فيه أن السنة الركوب وأنه أفضل من المشي (حتى أتى المشعر الحرام) أما المشعر فبفتح الميم وحكى الجوهري الكسر، وبها قرأ أبو السمال، قال النووي في "الدقائق": الحرام معناه المحرم؛ لأنه من الحرم (١) [وقيل: لحرمته] (٢) لا من الحل، وسمي مشعرًا لما فيه من الشعائر يعني معالم الدين (٣). وكل علامات الحج مشاعر، والصحيح عند أصحابنا أن المشعر الحرام قزح - بضم القاف وفتح الزاي غير منصرف - معدول عن قازح وهو الجبل المعروف بالمزدلفة يقف الحجيج عليه للدعاء بعد الصبح يوم النحر. قال الأزرقي: وعلى قزح أسطوانة من حجارة مدورة تدويرها أربع وعشرون ذراعًا وطولها في السماء اثنتا عشر ذراعًا، وفيها خمس وعشرون درجة وهي على خشبة مرتفعة كان توقد عليها في خلافة هارون الرشيد بالشمع ليلة المزدلفة ويجتمعون عليها (٤) (فرقي) بكسر القاف على اللغة الفصحى، أي: صعد (عليه) فيه أن الحاج إذا وصل إلى المشعر الحرام صعده إن أمكن وإلا وقف عنده، وهل تتأدى السنة بالوقوف في البناء المستحدث في وسط مزدلفة وغيره من مزدلفة أم لا يحصل إلا في قزح؟ وجهان أصحهما الأول (٥).

стр. 5488

وفيه دليل على أن الوقوف بالمشعر الحرام من النسك، وقد ذكره الله في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (١)، وليس المبيت بالمزدلفة ركنًا [في الحج] (٢) عند الجمهور، وقال علقمة والشعبي والنخعي والحسن البصري: هو فرض، ومن فاته جمع ولم يقف فيه (٣) فقد فاته الحج وجعل إحرامه عمرة (٤)، قال القرطبي: الأصح أن الوقوف بها سنة مؤكدة (٥). واحتج على قول الجمهور بأن الآية لا دليل (٦) فيها على الوجوب في الوقوف ولا المبيت؛ إذ ليس مذكورًا فيها، وإنما فيها مجرد الذكر وكل قد أجمع أنه لو وقف بعرفة ولم يذكر الله أن حجه تام، فإذا لم يكن (٧) الذكر المأمور به من صلب الحج فشهود الموطن أولى بأن لا يكون كذلك. (قال سليمان وعثمان: فاستقبل القبلة) [يعني: الكعبة] (٨)، فيه دليل على ما قاله أصحابنا أن السنة أن يقفوا مستقبلي القبلة، وكذا قال جماعة من الحنفية وابن الحاج المالكي (٩) (فحمد الله وكبره وهلله) (١٠)

стр. 5489

فيه أنه يستحب أن يحمد الله (وكبره) (١) وأنه يكبره فيقول: الله أكبر (وهلله) أي: وأن يقول لا إله إلا الله (زاد عثمان: ووحده) أي: من الضد والشريك وغيرهما، وكذا يستحب الدعاء، وقال صاحب "الغاية" الحنفي أنه يقف وهو مستقبل القبلة فيدعو ويحمد الله ويكبره ويهلله ويوحده ويلبي ويصلي على النبي ﷺ ويسأل الله حاجته، وقال ابن الحاجب أنه يكبر ويدعو، ويستحب الإكثار من التلبية والاستغفار خلافًا للمالكية في التلبية. (فلم يزل واقفًا حتى أسفر) فيه أن الوقوف إلى الإسفار من المناسك، والضمير في أسفر يعود إلى الفجر، قال النووي: اختلفوا في وقت الوقوف، فقال أبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا يدعو ويذكر الله حتى يسفر كما في الحديث، وقال مالك: يدفع له (٢) قبل الإسفار (٣) واحتج له بعض أصحابه بأن النبي ﷺ لم يعجل الصلاة مغلسًا إلا ليدفع قبل الشمس (٤)، وكلما بَعُدَ دفعه من طلوع الشمس كان أولى (جدّا) بكسر الجيم، أي: إسفارًا بليغًا. (ثم دفع رسول الله ﷺ قبل أن تطلع الشمس) والدفع والإفاضة (٥) بمعنى واحد، قال الأصمعي: مخالفة للكفار، فقد روى ابن خزيمة

стр. 5490

والطبري من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة حتى إذا طلعت الشمس فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا فدفع رسول الله ﷺ حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس (١) (وأردف الفضل بن عباس) بن عبد المطلب أي: حين أصبح خلف النبي ﷺ ، زاد شعيب: على عجز راحلته، وفي "صحيح البخاري" من حديث ابن عباس أن أسامة كان ردف النبي من عرفة إلى مزدلفة ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى (٢). (وكان) يعني: الفضل (رجل حسن الشعر أبيض وسيمًا) أي: حسنًا، قال الجوهري: فلان وسيم أي: حسن الوجه (٣). قال الطبري: كان الفضل أجمل الناس وجهًا قال: وفي بعض الطرق، فقال العباس (٤): لويت عنق ابن عمك يا رسول الله، فقال: "رأيت شابًا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما" (فلما دفع رسول الله ﷺ مر الظعن) بضم الظاء والعين ويجوز إسكان العين جمع ظعينة كسفينة وسفن، وأصل الظعين البعير الذي عليه المرأة في الهودج، ثم سمى به المرأة (٥) مجازًا لملابستها البعير كما أن الراوية هو الجمل [الذي يحمل الماء ثم تسمي به القربة] (٦) (يجرين) بفتح الياء وإسكان الجيم،

стр. 5491

قال القرطبي: هو بضم الياء وفتحها، وكلاهما واضح (١). (فطفق الفضل) بن عباس أخو عبد الله بن عباس، وكان أكبر أولاد العباس، وبه كان يكنى (ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل) فيه الحث على غض البصر عن الأجنبيات، وفيه تغيير المنكر بالفعل وهو مقدم على النهي باللسان إذا أمكنه ذلك، وإنما فعل ذلك؛ لأن الفضل كان ممن يفتن النساء والظعن ممن يفتن الرجال (٢) (وصرف الفضل وجهه إلى الشق) [بكسر الشين قال ابن مالك وغيره: هو الجانب] (٣) (الآخر) [ينظر كما في مسلم (وحول رسول الله ﷺ بيده) وفي بعض النسخ: يده (إلى الشق الآخر) رواية مسلم] (٤): فحول رسول الله يده من الشق الآخر على وجه الفضل (وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر) وفي رواية للطبري من حديث علي: وكان الفضل غلامًا جميلًا، فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول الله وجه الفضل إلى الشق فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنه، وقال في آخره: "رأيت غلامًا حدثًا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان". (حتى إذا أتى) زاد مسلم: بطن (٥) (محسرًا) بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين؛ سمي بذلك قيل: لأن أصحاب الفيل

стр. 5492

حسر فيه، أي: أعيى وكَلَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، وهو سيل ماء فاصل بين مزدلفة ومنى، كذا نقله النووي عن الشافعي وجزم بأنه ليس بمنى (١). وهو قول الثلاثة، وفي رواية مسلم: أن محسرًا من منى، قال الأزرقي: إنه خمسمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعًا (٢) ويسمى وادي النار؛ لأن رجلًا صاد فيه صيدًا فنزلت عليه نار فأحرقته، وهو وادٍ بين منى والمزدلفة. (فحرك) دابته (قليلًا) أي: قدر رمية بحجر، وهذا التحريك مستحب عند الأربعة، ونص عليه الشافعي في "الأم"، فإن ترك الإسراع فيه كره ولا شيء عليه (٣). وفي "الموطأ" أن ابن عمر كان يحرك دابته (٤) في محسر قدر رمية حجر (٥)، وجاء في بعض الأحاديث ما يقتضي خلاف ذلك، ولكن أحاديث الإسراع أكثر فقدمت، واستحب الثلاثة أيضًا للماشي الإسراع قدر رمية حجر، وأغرب ابن الحاج المالكي في "مناسكه" فذكر أن تحريك الدابة والإسراع في المشي ليس بشيء، وسبب الإسراع في وادي محسر أنه كان موقفًا للنصارى أو للجاهلية في العرب، قاله في "الوسيط" (٦) فاستحب مخالفتهم، ولأنه مكان نزل فيه العذاب على

стр. 5493

أصحاب الفيل القاصدين هدم الكعبة (١) فاستحب فيه الإسراع كما ثبت في الحديث الصحيح في الإسراع للمار (٢) على ديار ثمود (٣)، ويستحب أن [يقول في حال سيره] (٤): الرجز المروي عن عمر: إليك تغدو قلقًا وَضِينُها ... معترضًا في بطنها جنينها مخالفًا دين النصارى دينها (٥) زاد البكري في "معجمه" عن ابن عمر: [قد ذهب] (٦) الشحم الذي يزينها (٧) وزيد: إن تغفر اللهم اغفر جمّا ... وإني عبد لك ما ألما وفي الطبراني "الكبير" من حديث أبي الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله (٨)، عن سالم، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول: إليك يغدوا قلقًا وضينها ... مخالفًا دين النصارى دينها

стр. 5494

قال الطبراني: وهم عندي أبو الربيع في رفعه (١) لأن المشهور في الرواية عن ابن عمر أنه أفاضها من عرفات وهو يقول ذلك (٢) والموضعين بكسر الضاد المعجمة قال القتيبي: هو بطان منسوج بعضه على بعض، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ أي: بالذهب، قال الأزهري: منسوجة نسج الدرع الذي جعل (٣) بعضه في بعض (٤) (ثم سلك الطريق الوسطى) أي: في الرجوع من عرفات التي تخرجك على [نسخ: إلى] (٥) (الجمرة الكبرى و) هي جمرة العقبة (حتى أتى الجمرة) الكبرى جمرة العقبة (التي عند الشجرة) التي كانت هناك، فيه أن سلوك هذِه الطريق سنة عند الشافعية والحنابلة إن أمكنه ذلك (٦) من غير أذى تأسيًا به ﷺ ، وهذِه الطريق غير الطريق التي ذهب فيها إلى (٧) عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: فذهب إلى عرفات في طريق ضب ويرجع في طريق المأزمين (٨) ليخالف الطريق تفاؤلًا بتغير الحال كما فعل رسول الله ﷺ في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق ورجع في

стр. 5495

طريق آخر، وحول رداءه في الاستسقاء. وفي "صحيح البخاري": حدثني عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة فاستبطن الوادي، حتى إذا حاذى، - يعني: بالحاء المهملة والذال المعجمة - بالشجرة اعترضها (١) [أي: الشجرة] (٢)، وهذا أيضًا يدل على أنه كان هناك شجرة عند الجمرة، [وقد روى ابن أبي شيبة عن الثقفي عن أيوب قال: رأيت القاسم، وسالمًا، ونافعًا يرمون من الشجرة] (٣) (٤) ومن طريق عبد الرحمن ابن (٥) الأسود أنه كان إذا جاوز الشجرة رمى جمرة (٦) العقبة من تحت غصن من أغصانها (٧). (فرماها) يعني الجمرة الكبرى جمرة العقبة، وليست من منى بل هي حد منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة اسم لمجتمع الحصا، [سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال: تجمر بنو فلان إذا تجمعوا، وقيل: إن العرب تسمي الحصا] (٨) الصغار جمارًا، ويستجمر بها بعد قضاء الحاجة فسميت به تسمية للشيء بما يلازمه.

стр. 5496

وقيل: إن آدم وإبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه جمر بين يديه، أي: أسرع فسميت بذلك (بسبع حصيات) قيل (١): إن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك [قبل نزوله وأن الرمي يكون] (٢) بسبع حصيات، وهذا الرمي هو تحية منى، وسبب الرمي هو قصة الخليل في ذبح ولده. (يكبر مع كل حصاة منها) أي: يسن التكبير مع كل حصاة وصفته (٣): "الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر [والله أكبر] (٤) ولله الحمد" هكذا نقله الماوردي عن الشافعي (٥)، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات فيرميهن واحدة واحدة؛ لقوله: يكبر مع كل حصاة، وكذلك كل عبادة يشرع فيها التكبير فإنه يتكرر محله كالانتقال من ركن إلى ركن، وقد قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبع دفعة واحدة أجزأه، وأجمعوا على أن من لم يكبر فلا شيء عليه (٦). واعلم أن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي زاد عن أبيه عن ابن مسعود: أن ابن عمر لما فرغ من رمي جمرة العقبة قال: اللهم اجعله حجّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا (٧).

стр. 5497

(بمثل) [ورواه ابن عبد البر: مثل بحذف الباء] (١) (حصى الخذف) بالخاء والذال المعجمتين، وعند العابسي بالمهملة، والأول أصوب، قال الجوهري في فصل الحاء المهملة: حذفته بالعصا أي رميته بها (٢) وفي فصل الخاء المعجمة: الخذف بالحصا الدفع (٣) به بالأصابع، والمخذفة المقلاع (٤) وقوله: حصى هو مجرور بكسرة مقدرة لأنه بدل من حصيات أو من حصاة المجرورة بالإضافة في قوله قبله: كل حصاة، هكذا صحت الرواية في مسلم وأبي داود، وقد جاء في كل حصاة منها مثل حصى الخذف، والخذف رميك حصاة أو نواة نحو حبة الباقلاء كما سيأتي، وأخرج الإمام أحمد: "ارموا بمثل حصى الخذف" (٥) (فرمى من بطن الوادي) أي: السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي وهو الموضع المنحدر من العقبة بحيث يكون منى والمزدلفة وعرفات عن يمينه ومكة عن يساره، قال النووي: هذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة (٦) والمراد ببطن الوادي أسفله كما في حديث ابن مسعود، ولو رمى في أي مكان كان صح رميه. (ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المنحر) أي: إلى الموضع الذي ينحر فيه، فهو أولى من غيره على أن منى كلها منحر، فمذهب مالك أنه لا

стр. 5498

فضل لموضع من منى على غيره (١) وذكر الأزرقي أن منحر رسول الله ﷺ بمنى عن يسار منحر (٢) الإمام (فنحر منها) أي من [بدن الهدي] (٣) (بيده) فيه أن الأولى للمهدي أو المضحي أن يتولى الذبح بيده إن أمكن وكان عارفًا، وأن المنحر الذي نحر فيه النبي ﷺ أفضل، قال ابن التين: منحر النبي ﷺ هو عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، وكأنه أخذه من أثر أخرجه الفاكهي (٤) (ثلاثًا وستين) فيه استحباب تكثر الهدي، وكان هدي النبي ﷺ في تلك السنة مائة، وقيل: إنما نحر بيده ثلاثًا وستين لأنه التي أتى بها من المدينة، وعلى هذا فلا يكون فيه حجة على الاستنابة، وتقدم أنه قيل: إنما أهدى (٥) النبي ﷺ ذلك العدد (٦) لأنه منتهى عمره على ما هو الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة (٧). (وأمر عليّا فنحر ما غبر) بفتح الغين المعجمة والباء الموحدة، أي ما بقي منها، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٨) أي من الباقين في الموضع الذي عذبوا فيه، فيه استحباب تعجيل الهدايا [في يوم واحد] (٩) وإن كانت كثيرة، ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق،

стр. 5499

واحتج به على جواز الاستنابة في ذبح (١) الهدي والأضحية (بشرطه (٢) وأشركه في هديه) بفتح الهاء وإسكان الدال على المشهور. قال النووي: ظاهره أنه شاركه في نفس الهدي (٣) فيه دليل على جواز الشركة في الهدايا. قال القاضي عياض (٤): وعندي أنه لم يكن شريكًا حقيقة، بل أعطاه قدرًا يذبحه (٥). (وأمر من كل بدنة) وفي رواية: [ثم أمر] (٦) من كل بدنة (ببضعة) بفتح الباء لا غير وهي القطعة من اللحم (فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا منها) فيه استحباب الأكل من هدي التطوع وأضحيته لامتثال قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ الآية، وهما وإن لم يأكلا من كل بدنة فقد شربا من مرقها (٧) وخصوصية علي بالمؤاكلة دليل على أنه أشركه في الهدي، وفيه دليل على أن من حلف أن لا يأكل لحمًا فشرب مرقه أنه يحنث، وفيه دليل على استحباب أكل الأول (٨) من الهدايا والضحايا، وفيه دليل على جواز أكل المهدي من الهدي وإن كان قارنًا فقد تقدم

стр. 5500

أنه كان قارنًا (وشربا من مرقها) فيه دليل على أن الآكلين من الهدي وغيره يجمعون بين الأكل من اللحم والشرب من المرق، وفيه دليل على أن أكل اللحم مقدم على شرب المرق، وكذا على الثريد، وفيه دليل على ترك التأنق في المأكل؛ لأنهما اقتصرا على وضع الماء على اللحم دون إدام (١) آخر. (قال هشام) بن عمار بن نصير بضم النون مصغر خطيب دمشق، مات سنة ٢٤٥ (وسليمان: ثم ركب) القصواء (فأفاض) أي: اندفع بسرعة، وكالإفاضة دفعة (إلى البيت) أي: بطواف الإفاضة (فصلى بمكة الظهر) قال النووي: فيه حذف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة [ثم صلى الظهر فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه (٢)، والأصل في طواف الإفاضة] (٣) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، فالتفث (٤): الرمي، والنذور: الذبائح، والطواف: طواف الركن، ويسمى طواف الزيارة، ولا خلاف أن إيقاعه يوم النحر أولى وأفضل، والأفضل أن يصلي الظهر إذا عاد إلى منى كما قاله (٥) أصحابنا الشافعية (٦) واستدلوا بما رواه مسلم في "صحيحه" عن ابن عمر: أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر ثم
следующие страницы →