стр. 5741
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 131521
شرح سنن أبي داود لابن رسلان
ابن رسلان
Полный текст (13 108 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5742
٩٤ - باب في دُخُولِ الكَعْبَةِ
٢٠٢٣ - حَدَّثَنا القَعْنبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ، عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الكَعْبَةَ هوَ وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ الحَجَبي وَبِلالٌ فَأَغْلَقَها عَلَيْهِ فَمَكَثَ فِيها قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلالًا حِينَ خَرَجَ: ماذا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَراءَهُ - وَكَانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ - ثُمَّ صَلَّى (١).
٢٠٢٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ الأَذْرَميُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدي، عَنْ مالِكٍ بهذا الحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرِ السَّواري قَالَ: ثُمَّ صَلَّى وَبَيْنَه وَبَيْنَ القِبْلَةِ ثَلاثَةُ أَذْرُعٍ (٢).
٢٠٢٥ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبي ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ القَعْنَبيِّ. قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى (٣).
٢٠٢٦ - حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي زِيادٍ، عَن مُجاهِدٍ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صفْوانَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ الكَعْبَةَ؟ قَالَ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٤).
٢٠٢٧ - حَدَّثَنا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبي الحَجّاجِ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ فَأَمَرَ بِها فَأُخْرِجَتْ قَالَ: فَأَخْرَجَ صُورَةَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَفي
стр. 5743
أَيْدِيهما الأَزْلامُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قاتَلَهُمُ اللهُ والله لَقَدْ عَلِمُوا ما اسْتَقْسَما بها قَطُّ". قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ فَكَبَّرَ في نَواحِيهِ وَفي زَواياهُ ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ (١).
* * *
باب في دخول الكعبة (٢)
[٢٠٢٣] (ثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة) وهذا إنما كان عام الفتح كما جاء منصوصًا عليه في رواية، ولم يكن النبي ﷺ يوم الفتح محرمًا، فلا يستدل به على أن دخول البيت نسك في الحج والعمرة كما ذهب إليه بعضهم.
قال القرطبي: وأما حديث حجة الوداع فليس في شيء منها تحقيق أنه ﷺ دخل أم لا (٣). وإذا قلنا: إنه ليس بنسك. فهو مستحب.
(هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة) بن أبي طلحة (الحجبي) بفتح الحاء والجيم منسوب إلى حجابة الكعبة (٤)، وهي ولايتها وفتحها وإغلاقها وخدمتها، ويقال له ولأقاربه: الحجبيون، واسم أبي طلحة عبد الله بن [عبد العزى] (٥)، شهد مكة، ودفع النبي ﷺ مفتاح الكعبة إليه وإلى (٦) شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وقال: "خذوها يا بني
стр. 5744
طلحة خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم" (١).
(وبلال) بن رباح (فأغلقها عليه) ليكون أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه، ولئلا يجتمع عليه الناس ويزدحموا فينالهم ضرر، وفيه دليل على اختصاص السابق للمنفعة المشتركة بها، ومنعها ممن يخاف تشويشها عليه، وقيل: أغلقها لئلا يصلى بصلاته فتتخذ الصلاة فيها سنة (ومكث فيها) أي: للدعاء بعدما صلى.
(قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالًا حين خرج) من الكعبة: (ماذا صنع رسول الله ﷺ ) وفي رواية البخاري عن ابن عمر: فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا فسألته: هل صلى فيه (٢) رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم (٣) (جعل عمودًا عن يساره، وعمودين (٤) عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه) وكذا في رواية البخاري، وفي "الموطأ" بمعناه (٥)، وفي رواية لمسلم: جعل عمودين عن يساره وعمودًا عن يمينه (٦)، وفي رواية البخاري: عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره (٧).
قال القرطبي: وظاهر هذا الاختلاف اضطراب، ويمكن أن يقال: إنه ﷺ تكررت صلاته في تلك المواضع وإن كانت القصة واحدة؛ فإنه
стр. 5745
- ﷺ مكث في الكعبة طويلًا (١).
(وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة) قال النووي: بناء مكة اليوم هو بناء الحجاج بن يوسف، هكذا كانت على زمن النبي ﷺ ، أي: على ستة أعمدة (ثم صلى) (٢) فيه، فيستحب لمن دخل الكعبة أن يكون حافيًا، وأن يقصد مصلى رسول الله ﷺ ، والمراد بالصلاة الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود، ولهذا قال ابن عمر: نسيت أن أسأله: كم صلى؟ .
[٢٠٢٤] (ثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة، وبعد الراء ميم [منسوب إلى أذرم، قرية من قرى عين أذرمة عند الموصل] (٣). قال (ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بهذا الحديث، ولم يذكر السواري) يعني: الأعمدة (وقال: ثم (٤) صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع) (٥) وفي البخاري عن ابن عمر أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حين يدخل، ويجعل الباب قبل الظهر يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع فيصلي يتوخي المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله ﷺ صلى فيه (٦).
[٢٠٢٥] (ثنا عثمان بن أبي شيبة) قال: (ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله)
стр. 5746
بالتصغير (عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ بمعنى حديث القعنبي) المتقدم (وقال) فيه (ونسيت أن أسأله كم صلى) (١) فيه دليل على أن المراد بالصلاة ذات الركوع والسجود كما تقدم.
[٢٠٢٦] (ثنا زهير بن حرب) بن شداد النسائي، قال (ثنا جرير) بالجيم كما تقدم (عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان) بن عبد الرحمن، قال ابن عبد البر: وأظنه عبد الرحمن بن صفوان بن قدامة (٢) (قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: كيف صنع رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة؟ ) شرفها الله تعالى (قال: صلى ركعتين) (٣) فيه دليل (٤) على ما تقدم عن القرطبي في الجمع بين الروايات أن صلاته تكررت (٥).
[٢٠٢٧] (ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي (٦) الحجاج) ميسرة البصري، قال (ثنا عبد الوارث (٧)، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ (٨) أن النبي ﷺ لما قدم مكة) شرفها الله تعالى (أبى أن
стр. 5747
يدخل البيت وفيه الآلهة) يعني: الأصنام التي كانت قريش تعبدها من دون الله تعالى، قال الداودي: وهذا كان عام الفتح سنة ثمانٍ حين فتح (١) مكة ودخلها بالسيف، وسبب عدم (٢) دخوله [لما كان في البيت من الأصنام، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، وفيه أنه لا يجوز دخول] (٣) الكنائس التي فيها الأصنام إلا إذا كان قادرًا على تغييرها.
(فأمر بها فأخرجت، فأخرج) [بضم الهمزة] (٤) وكسر الراء، رواية البخاري: فأخرجوا (٥) (صورة إبراهيم وإسماعيل) ﵉ (وفي أيديهما الأزلام) واحدها زلم بفتح الزاي وضمها، وفتح اللام، وهي القداح، وهي أعواد كانت الجاهلية يتخذونها (٦) ويكتبون في إحداها: افعل، وفي الأخرى: لا تفعل، ولا شيء في الآخر، فإذا أراد أحدهم سفرًا أو حاجة ألقاها وأخرج، فإن خرج افعل فعل، وإن خرج لا تفعل لم يفعل، وإن خرج الآخر أعاد الضرب حتى يخرج له افعل أو لا تفعل، وكانت القداح بيد قيم الأصنام وهو السادن، وكان إذا أراد أن يخرج القدح سأل الصنم أن يوضح له ما يعتمد عليه.
(فقال رسول الله ﷺ : قاتلهم الله) أي: لعنهم الله (والله لقد علموا ما استقسما) والاستقسام طلب معرفة ما قسم له وما لم يقسم بالأزلام، وكذا
стр. 5748
معرفة ما أمر به وما نهي عنه، قال التيمي: يعني قاتل الله المشركين الذين صوروا صورة إبراهيم وإسماعيل، ونسبوا إليهما الضرب بالقداح وكانوا بريئين من ذلك، وإنما هو شيء أحدثه الكفار الذين غيروا دين إبراهيم وأحدثوا فيه أحداثًا (١). (بها) أي بالأزلام (قط) ظرف لاستغراق ما مضى.
(قال: ثم دخل البيت) [بعد ذلك] (٢) (فكبر في نواحيه.) فيه أنه يستحب لمن دخل البيت أن يكبر في نواحيه (٣). ويدعو الله بالدعوات المهمة وشأنه حضور القلب والخشوع (و) كذا (في زواياه) جمع زاوية، اسم فاعل من زويته إذا جمعته (ثم خرج ولم يصل فيه).
فإن قيل: تقدم في الحديث المتقدم أنه دخل البيت فصلى فيه، وفي هذا الحديث (٤) أنه خرج ولم يصل؟
فالجواب: أن الحديث المتقدم مثبت، وهو مقدم على النافي كما تقرر في كتب الأصول، ولأن (٥) بلالًا لما صلى النبي ﷺ كان قريبًا منه فرآه، والمخبر في هذا الحديث (٦) كان بعيدًا عنه مشتغلًا بالدعاء فلم يره، لا سيما والباب مغلق، وجمع ابن حبان بين الحديثين بأن حديث ابن عمر كان يوم الفتح، وحديث ابن عباس كان في حجة الوداع، وفيه نظر لما روى ابن أبي مليكة عن عائشة في الحديث
стр. 5749
стр. 5750
٩٥ - باب الصلاة في الحِجْرِ
٢٠٢٨ - حَدَّثَنا القَعْنَبيُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّها قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ البَيْتَ فَأُصَلّي فِيهِ فَأخَذَ رَسولُ اللهِ ﷺ بِيَدي فَأَدْخَلَني في الحِجْرِ فَقَالَ: "صَلّي في الحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ البَيْتِ فَإِنَّما هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ البَيْتِ فَإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوُا الكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ البَيْتِ" (١).
٢٠٢٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عَبْد اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبي ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِها وَهُوَ مَسْرُورٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَي وَهوَ كَئِيبٌ فَقَالَ: "إِنّي دَخَلْتُ الكَعْبَةَ وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْري ما اسْتَدْبَرْتُ ما دَخَلْتُها إِنّي أَخافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتي" (٢).
٢٠٣٠ - حَدَّثَنا ابن السَّرْحِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمُسَدَّدٌ قالُوا: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ الحَجَبي حَدَّثَني خالي عَنْ أُمّي صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ الأَسْلَمِيَّةَ تَقُولُ قُلْتُ لِعُثْمانَ: ما قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ دَعاكَ؟ قَالَ: "إِنّي نَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَ القَرْنَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغي أَنْ يَكُونَ في البَيْتِ شَيء يَشْغَلُ المُصَليَ". قَالَ ابن السَّرْحِ: خالي مُسافِعُ بْنُ شَيْبَةَ (٣).
* * *
باب الصلاة في الحجر
[٢٠٢٨] (ثنا القعنبي) قال: (ثنا عبد العزيز) بن محمد الدراوردي (٤)
стр. 5751
(عن علقمة) بن أبي علقمة واسمه بلال (عن أمه) واسمها مرجانة (عن عائشة أنها قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه) فيه دليل على أن الصلاة في الكعبة كانت معلومة عندهم للرجال والنساء (فأخذ رسول الله ﷺ بيدي) بكسر الدال (فأدخلني الحجر) بكسر الحاء، وحكى النووي فتحها (١)، سمي بذلك لاستدارته.
فيه أنه يستحب للمرأة دخول الحجر، وهو أولى لها من دخول البيت بخلاف الرجل، لا سيما في هذا الزمان لما يحصل [في دخولها] (٢) من المفاسد العظيمة، فنسأل الله العافية، فإذا كان مع الرجل امرأة من محارمه وأرادت دخول البيت فيستحب له أن يدخلها الحجر تأسيّا به ﷺ .
(فقال: صلّي) بإثبات ياء التأنيث آخره (في الحجر إذا أردت دخول البيت) فيه أن الصلاة في الحجر وفي البيت ليسا واجبين؛ إذ لو كانا واجبين لما علقهما بإرادتها (فإنما هو قطعة من البيت) [فيه استحباب الإكثار من دخوله الحجر والصلاة فيه والدعاء؛ لأنه من البيت أو بعضه] (٣) وقد اختلف العلماء هل الحجر كله من البيت أو بعضه؟ وفيه (٤) وجهان لأصحابنا، أصحهما أن بعضه المتصل بالبيت من البيت، والزائد ليس من البيت، واختلفوا في قدر البعض الذي هو من البيت، والأصح ستة أذرع (٥)، وقيل: خمسة.
(إن قومك) يعني: قريشًا (اقتصروا) أي: من البيت على بعضه (حين
стр. 5752
بنوا الكعبة) أي لما ضاقت بهم النفقة الطيبة التي تصلح للإنفاق في عمارته (فأخرجوه من البيت) وفيه دليل على أنه كان داخلًا في البيت قبل ذلك.
[٢٠٢٩] (ثنا مسدد) قال (ثنا عبد الله بن داود) الخريبي الهمداني ثقة (١).
(عن إسماعيل بن عبد الملك) بن أبي [الصفير بالفاء] (٢) مصغر المكي، قال البخاري: يكتب حديثه.
(عن عبد الله بن أبي مليكة) مؤذن ابن الزبير (عن عائشة أن النبي ﷺ خرج من عندها وهو مسرور) رواية الترمذي: وهو قرير العين طيب النفس (٣) (ورجع إلي وهو كئيب) أي: حزين، كما في الترمذي، وزاد: فقلت له (فقال: إني دخلت الكعبة) واستدل صاحب "المهذب" (٤) وغيره لاستحباب دخول البيت بحديث ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورًا له" (٥). رواه البيهقي وقال: انفرد به عبد الله بن مؤمل وهو ضعيف (٦).
(ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها) أي: لو حصل لي هذا الحزن (٧) والكآبة في هذا الأمر الذي حصل لي في الآخر بعد
стр. 5753
الدخول في الأول قبل (١) دخولها لما دخلتها، وفي رواية الترمذي: "وددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي" (٢). ثم قال: حديث حسن صحيح (٣). قال البيهقي: كان هذا في حجة النبي ﷺ لا في الفتح، ولا في عمرته؛ لأنه عن عائشة، وعائشة لم تكن معه فيهما، وإنما لم يدخل في عمرته لما كان في البيت من الأصنام والصور، وكان غير متمكن من إزالتها، بخلاف عام الفتح، والله أعلم.
(إنِّي أخاف أن أكون شققت (٤) على أمتي) فيه دليل على جواز الاجتهاد له ﷺ فيما لم يرد فيه نص، وفيه بيان ما كان النبي ﷺ عليه (٥) من الرفق بأمته والشفقة عليهم، ودفع ما يشق عليهم.
[٢٠٣٠] (ثنا سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني (ومسدد و) (٦) أحمد بن عمرو (ابن (٧) السرح) قال (أخبرنا [سفيان، عن] (٨) منصور) ابن عبد الرحمن بن طلحة (الحجبي) بفتح الحاء والجيم كما تقدم،
стр. 5754
المكي (١)، قال (حدثني خالي) سيأتي اسمه (عن أمي صفية بنت شيبة) بن عثمان الحجبي، وقد اختلف في رؤيتها النبي ﷺ ، فقيل: إنها لم تره.
(قالت (٢): سمعت الأسلمية) هي امرأة من بني (٣) سليم صحابية، قال ابن حجر: لم أقف على اسمها (٤) (تقول: قلت لعثمان) [بن طلحة] (٥) العبدري الحجبي (ما قال لك رسول الله ﷺ حين دعاك) إليه؟ (قال: إني نسيت) فيه جواز النسيان على الأنبياء ﵈ (أن آمرك أن تخمر) بفتح الخاء أي تستر وتغطي (القرنين) يشبه أن يكون القرنان قرني الكبش الذي فدي به إسماعيل ﵇[(فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت) أي: العتيق، وفي معناه سائر بيوت الله المتخذة للصلاة فيها] (٦) (شيء يشغل) بفتح أوله وثالثه (المصلي) فيه النهي عن ترك كل ما يشغل قلب المصلي برؤيته في سارية أو حائط أو مصلى من نقش وتزيين وغير ذلك مما (٧) هو موجود في هذا الزمان من الملوك وغيرها كما جاء عن ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى (٨).
وروى ابن ماجه عن عمر قال رسول الله ﷺ : "ما ساء (٩) عمل قوم
стр. 5755
قط (١) إلا زخرفوا مساجدهم" (٢). والمعنى أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، وذلك من شروط الساعة، ومما كثر فعله البسط المنقوشة التي يصلى عليها، وكذا السجادات، والعمر التي تلصق [في القبلة] (٣)، وغير ذلك، ولهذا [رجح ابن عبد السلام] (٤) تغميض العينين في الصلاة إذا كان في فتحهما ما يشوش عليه خشوعه وحضور قلبه مع ربه ، قال الأذرعي بعد حكايته عنه: ولا سيما إذا كان تجاهه ما يلهي كتزويق الجدران كما امتحنا بكثرته في عصرنا.
(قال ابن السرح (٥): خالي) هو (مسافع بن شيبة) بن عثمان الحجبي.
стр. 5756
٩٦ - باب في مالِ الكَعْبَةِ
٢٠٣١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّدٍ المُحارِبيُّ، عَنِ الشَّيْباني، عَنْ واصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَن شَيْبَةَ - يَعْني: ابن عُثْمانَ - قَالَ: قَعَدَ عُمَرُ بْن الخَطّابِ ﵁ في مَقْعَدِكَ الذي أَنْتَ فِيهِ فَقَالَ: لا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مالَ الكَعْبَةِ. قَالَ: قُلْتُ: ما أَنْتَ بِفاعِلٍ. قَالَ: بَلَى لأفْعَلَنَّ. قَالَ: قُلْتُ: ما أَنْتَ بِفاعِلٍ. قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ رَأى مَكانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ وَهُما أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى المالِ فَلَمْ يُخْرِجاهُ. فَقَامَ فَخَرَجَ (١).
٢٠٣٢ - حَدَّثَنا حامِدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِنْسانٍ الطّائِفيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمّا أَقْبَلْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ لِيَّةَ حَتَّى إِذَا كُنّا عِنْدَ السِّدْرَةِ وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في طَرَفِ القَرْنِ الأَسْوَدِ حَذْوَها فاسْتَقْبَلَ نَخِبًا بِبَصَرِهِ وقَالَ مَرَّةً: وادِيَهُ وَوَقَفَ حَتَّى اتَّقَفَ النّاسُ كُلُّهُمْ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ صَيْدَ وَجِّ وَعِضاهَهُ حَرامٌ مُحَرَّمٌ لله". وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطّائِفَ وَحِصارِهِ لِثَقِيفٍ (٢).
* * *
باب في مال الكعبة
[٢٠٣١] (ثنا أحمد بن حنبل) قال (ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي) أبو محمد، وكان [حافظًا يغرب] (٣) (عن) سليمان بن أبي
стр. 5757
سليمان (الشيباني، عن واصل الأحدب، عن شقيق) بن سلمة (عن شيبة. يعني ابن عثمان) العبدري (قال: قعد عمر بن الخطاب) رواه ابن ماجه وأوله عن شقيق قال: بعث معي رجل بدراهم هدية (١) إلى البيت [قال: فدخلت البيت] (٢) وشيبة جالس على كرسي، فناولته إياها، فقال: ألك هذِه؟ قلت: لا، ولو كانت لي لم آتك بها. قال: أما لئن قلت ذاك، لقد جلس عمر بن الخطاب (٣).
(في مقعدك الذي أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم) بفتح الهمزة وكسر السين (مال الكعبة) زاد ابن ماجه: بين فقراء (٤) المسلمين. ورواية (٥) البخاري في كتاب الاعتصام: جلس إلي عمر في مجلسك (٦) هذا، فقال: هممت أن لا أدع هنا (٧) صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين (٨). وذكره في الحج في باب كسوة الكعبة، فقال شيبة: إن صاحبيك لم يفعلا. فقال: هما المرآن أقتدي بهما (٩). والمعنى: أن عمر لما رأى ما (١٠) في الكعبة من الذهب والفضة لا
стр. 5758
تحتاج إليه الكعبة لكثرته، فأراد أن ينفق ما فضل عن ذلك إلى أهل الحاجة من فقراء المسلمين.
(قلت (١): ما أنت بفاعل. قال: بلى، لأفعلن (٢). قلت (٣): ما أنت بفاعل. قال: لم) ذاك؟ (قلت (٤): لأن رسول الله ﷺ قد رأى مكانه) أي: وعلم به (وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال فلم يحركاه) [نسخة: يخرجاه] (٥) (فقام) لما رأى شيبة ذكره بأن النبي ﷺ وأبا بكر لم يتعرضا له لم يسعه خلافهما، ورأى أن الاقتداء بهما واجبًا، فربما تهدم البيت، أو [نقض شيء] (٦) من الأبنية فيصرف ذلك المال فيه، ولو صرف ذلك في منافع المسلمين لكان كأنه قد أخرجه عن وجهه الذي سبل فيه؛ لأن ما جعل للكعبة و [سيق إليها] (٧) يجري مجرى الأوقاف، ولا يجوز تغيير الأوقاف عن وجوهها، ولا صرفها في غير طرقها، وفي ذلك تعظيم حرمة الإسلام (فخرج) عمر ورجع عما كان هم به.
[٢٠٣٢] (ثنا حامد بن يحيى) بن هانئ البلخي، قال (ثنا عبد الله بن الحارث) هو المخزومي المكي (عن محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي)
стр. 5759
وأثني عليه خيرًا (١) (عن أبيه) عبد الله (٢) (عن عروة بن الزبير، عن الزبير) ابن العوام القرشي (قال: لما أقبلنا مع رسول الله ﷺ من لِيَّة) بكسر اللام وتشديد الياء المثناة تحت، قال الزمخشري: وادٍ أعلاه لثقيف وأسفله لمضر (٣). وهو قبل الطائف كثير السدر، لية موضع، قال ابن مقبل (٤):
أمست (٥) بأذرع أكباد فحم لها ... ركب بلية أو ركب بسايونا (٦)
وسايون بالسين المهملة والياء المثناة تحت على وزن فاعول اسم إلى جانب لية.
(حتى إذا كنا بالسدرة) (٧) قال البكري: الشجرة التي أحرم منها النبي ﷺ بالقرب من مزارع أبي هريرة على (٨) طريق مكة (٩) (وقف رسول الله ﷺ في طرف) بفتح الراء. أي: آخر (القرن الأسود) والقرن بإسكان الراء جبل صغير يشرف على وهدة، ووج (١٠) ذكروا أنه من ناحية الطائف (١١).
стр. 5760
قال أبو حنيفة: هو على طريق من أنجد من حاج اليمن، قال الشاعر:
لا تقمرن [على قرن] (١) وليلته ... لا إن رضيت ولا إن كنت مغتضبًا
قال في "المحكم": أقمر: ارتقب طلوع القمر (٢). (حذوها) (٣) بفتح الحاء المهملة ونصب الواو على الظرفية، أي: مقابل السدرة.
(فاستقبل نخبًا) بضم النون وإسكان الخاء المعجمة على الأصح، وفي بعض النسخ بفتح النون، [قال المنذر في: نخب بفتح الخاء المعجمة ثم باء موحدة، قيل: وادٍ. . . (٤)] (٥) قال الزمخشري: هو وادٍ من الطائف على ساعة (٦) (٧)، وقد ذكره أبو ذؤيب في شعره، قال يذكر طيبة:
يعن لها (٨) بالجزع من نخب النجل
(ببصره وقال مرة: واديه) أي: استقبل واديه بدل نخبًا (ووقف) هناك (حتى اتقف) بتشديد التاء المثناة والقاف والفاء (٩) المفتوحتين. أي (١٠)
стр. 5761
وقفوا (الناس كلهم) فيه دليل أن أمير الجيش أو كبير القوم إذا كان سائرًا أو ماشيًا في غير السفر فوقف يقف الناس لوقوفه، لا سيما إذا كانوا في نسك؛ فإنه لم يقف ولا أتبع بصره الشيء إلا لحكمة، ولعله ما وقف وأتبع بصره إلا ليرى صيدًا أو شجرة، فيعلمهم بحكمه (١) ليكون أبلغ في التعريف.
(ثم قال: إن صيد وج) بفتح الواو وتشديد الجيم أرض الطائف عند أهل اللغة، وقال أصحابنا: هو وادٍ بالطائف، وقيل: كل الطائف، وسمي وجّا بوج بن عبد الحي من العمالقة، ويقال: وج وأج بالهمزة، وقال الحازمي: في "المؤتلف والمختلف" في الأماكن: وج اسم لحصون الطائف، وقيل: لواحد منها، وربما اشتبه وج بوح بالحاء المهملة وهي ناحية بعمان (٢). قال الشافعي في "الإملاء": أكره صيد وج، وللأصحاب فيه طريقان، أصحهما وهو الذي أورده الجمهور القطع بتحريمه، قالوا: ومراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم (٣).
(وعضاهه) بكسر العين، قال الجوهري: العضاه كل شجر يعظم وله شوك (٤). وهو على ضربين: خالص وغير خالص، فالخالص كالغرف والطلح (٥) والسلم والشمر والسدر والعوسج، وما ليس بخالص كالشوحط والنبع والسراء، وما صغر من شجر الشوك فهو العض يعني
стр. 5762
بتشديد الضاد المعجمة، وواحد العضاه عضاهة وعضهة (١) وعضة [بوزن عدة بحذف الهاء الأصلية كما حذف من الشفة ونقصانها الهاء (٢)؛ لأنها تجمع على عضاه] (٣) فتزاد الهاء في الجمع والتصغير، فيقال: عضيهة (٤).
(حرم) بفتح الحاء والراء كقولهم (٥): زمن وزمان (محرم لله) تعالى تأكيد للحرمة، وقد روى البندنيجي عن نص الشافعي في "الإملاء" أن الشجر كالصيد، فعلى الأصح يحرم ما اصطيد منه أو احتش (٦) أو احتطب، وفيه طريقان: أصحهما، وهو قول الجمهور أنه يأثم ويؤدبه الحاكم على فعله، ولا يلزمه شيء؛ لأن الأصل عدم الضمان إلا فيما ورد الشرع، ولم يرد في هذا شيء، والطريق الثاني حكمه في الضمان حكم المدينة وشجرها، وفي وجوب الضمان فيه خلاف (٧). وفي ماذا يضمن؟ قيل: سلب القاتل لمن أخذه، قال الخطابي: ولست أعلم لتحريمه معنى إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم إلى مدة محصورة ثم نسخ، ويدل على ذلك التحريم قوله (وذلك قبل نزوله الطائف) (٨) سمي بذلك لأن رجلًا أصاب دمًا في قومه بحضرموت
стр. 5763
فخرج هاربًا حتى نزل برج، وكان له مال عظيم، فقال لهم: هل لكم في أن أبني طوفًا عليكم يكون عليكم (١) ردءًا من العرب، فقالوا: نعم، فبناه وهو الحائط المطيف به (٢) (وحصاره ثقيفًا) [رواية: لثقيف] (٣) وكانت غزوة الطائف في سنة ثمان.
تنبيه: هذا الحديث سكت عليه المصنف وحسنه الترمذي (٤)، ورواه البيهقي، وذكر الذهبي أن الشافعي صححه (٥)، وذكر النووي أن البخاري قال في "صحيحه": لا يصح. وأراد به "تاريخه" (٦)؛ فإنه ذكر ذلك في ترجمة عبد الله بن إنسان (٧)، وإلا فالبخاري لم يتعرض لهذا في "صحيحه".
стр. 5764
٩٧ - باب في إِتْيانِ المَدِينَةِ
٢٠٣٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَساجِدَ مَسْجِدِ الحَرامِ وَمَسْجِدي هذا والمَسْجِدِ الأَقْصَى" (١).
* * *
باب إتيان المدينة
[٢٠٣٣] (ثنا مسدد) قال: (ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا تشد الرحال) هو كناية عن السفر البعيد، وقد فسر هذا الحديث (٢) في رواية في (٣) الصحيح: "إنما يسافر" (٤) (إلا إلى ثلاثة مساجد) وإنما خص هذِه المساجد لفضلها على سائر المساجد؛ لكونها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وثلاث مساجد من إضافة الصفة (٥) إلى الموصوف، وفيه فضيلة شد الرحال إليها؛ لأن معناه عند الجمهور: [لا فضيلة] (٦) في شد الرحال [إلى مسجد غيرها (٧). قال الشيخ أبو
стр. 5765
محمد الجويني من أصحابنا: يحرم شد الرحال] (١) إلى غيرها، قال النووي: وهو غلط (٢). والذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره إعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع المعروفة بالفضل وغير ذلك (٣).
(المسجد الحرام) سمي بذلك لتحريم ما حوله، فلا يصاد صيده، ولا يقطع شجره، وعمر أول من وسعه بعد النبي ﷺ ، وأول من بنى له جدارًا ثم وسعه عثمان، واتخذ له الأزوقة (ومسجدي هذا) [يحتمل أنه قاله] (٤) حين كان فيه، وكان (٥) في زمنه ﵇[سبعين ذراعًا في ستين ذراعًا] (٦)، قال أهل السير: بناه النبي ﷺ مرتين بناه حين قدم [من مكة أقل] (٧) من مائة في مائة، فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاد عليه في الدور (والمسجد الأقصى) وهو بيت المقدس باتفاق العلماء، سمي بذلك لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام.
стр. 5766
٩٨ - باب في تَحْرِيمِ المَدِينَةِ
٢٠٣٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ التَّيْميِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلي ﵁ قَالَ: ما كَتَبْنا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا القُرْآنَ وَما في هذِه الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المَدِينَةُ حَرامٌ ما بَيْنَ عائِرٍ إِلَى ثَوْرٍ فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلا صَرْفٌ وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ يَسْعَى بِها أَدْناهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلاِئكَةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلا صَرْفٌ وَمَنْ والَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلا صَرْفٌ" (١).
٢٠٣٥ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، حَدَّثَنا قَتادَةُ، عَنْ أَبي حَسّانَ، عَنْ عَلي ﵁ في هذِه القِصَّةِ عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: "لا يُخْتَلَى خَلاها وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُها وَلا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُها إلَّا لِمَنْ أَشادَ بِها وَلا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيها السِّلاحَ لِقِتالٍ وَلا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْها شَجَرَةٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ" (٢).
٢٠٣٦ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ الحُبابِ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْن كِنانَةَ مَوْلَى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، أَخْبَرَنا عَبْد اللهِ بْن أَبي سُفْيانَ، عَنْ عَدي بْنِ زَيْدٍ قَالَ: حَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلَّ ناحِيَةٍ مِنَ المَدِينَةِ بَرِيدًا بَرِيدًا لا يُخْبَطُ شَجَرُهُ وَلا يُعْضَدُ إِلَّا ما يُساق بِهِ الجَمَلُ (٣).
стр. 5767
٢٠٣٧ - حَدَّثَنا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ - يَعْني: ابن حازِمٍ - حَدَّثَني يَعْلَى بْنُ حَكيمٍ، عَن سُلَيْمانَ بْنِ أَبي عَبْدِ اللهِ قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبي وَقّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ الذي حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَبَهُ ثِيابَهُ فَجاءَ مَوالِيهِ فَكلَّمُوهُ فِيهِ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّمَ هذا الحَرَمَ وقَالَ: "مَنْ وَجَدَ أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ ثِيابَهُ". فَلا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ ولكن إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ ثَمَنَهُ (١).
٢٠٣٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ أَخْبَرَنا ابن أَبي ذِئْبٍ، عَن صالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ مَوْلًى لِسَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا وَجَدَ عَبِيدًا مِنْ عَبِيدِ المَدِينَةِ يَقْطَعونَ مِنْ شَجَرِ المَدِينَةِ فَأَخَذَ مَتاعَهُمْ وقَالَ - يَعْني لِمَوالِيهِمْ - سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى أَنْ يُقْطَعَ مِنْ شَجَرِ المَدِينَةِ شَيء وقَالَ: "مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ" (٢).
٢٠٣٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَطّانُ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ خالِدٍ أَخْبَرَني خارِجَةُ بْنُ الحارِثِ الجُهَني أَخْبَرَني أَبي عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا يُخْبَطُ وَلا يُعْضَدُ حِمَى رَسُولِ الله ﷺ ولكن يُهَشُّ هَشّا رَفِيقًا" (٣).
٢٠٤٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى ح وَحَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، عَنِ ابن نُمَيْرٍ، عَن عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتي قُباءً ماشِيًا وَراكِبًا زادَ ابن نُمَيْرٍ وَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ (٤).
* * *
стр. 5768
باب تحريم المدينة وغير ذلك
[٢٠٣٤] (ثنا محمد بن كثير العبدي) قال (ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي) بن (١) يزيد بن شريك التيمي من تيم (٢) الرباب بكسر الراء وتخفيف الباء الأولى، [كوفي تابعي] (٣) مات في حبس الحجاج سنة ٩٢ (٤) (عن أبيه) يزيد بن شريك [(عن علي ﵁] (٥) قال: ما كتبنا عن رسول الله ﷺ شيئًا) أي (٦): من أحكام الشريعة (إلا القرآن وما في هذِه الصحيفة) فيه تصريح من علي بإبطال ما زعمته الرافضة والشيعة من قولهم أن عليًّا أوصى إليه النبي ﷺ من كنوز الشريعة، وأنه خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم.
فإن قلت: ليس الحكم منحصرًا فيهما؛ إذ عندهم من السنة كثير، فالجواب: المراد عندهم كثير من السنة، لكنه غير مكتوب؛ إذ لم تكن السنة في ذلك الوقت [مكتوبة في الكتب مدونة في الدواوين كما هو الآن، ولم يكن عندهم في ذلك الوقت] (٧) مكتوب من السنة إلا ما في هذِه (٨) الصحيفة.
فإن قلت: معلوم أن في الصحيفة العقل (٩) وفكاك الأسير، وليس هو مذكور هنا.
стр. 5769
قلت: لا منافاة بينهما (١)؛ لجواز كون الكل فيها.
(قال رسول الله ﷺ : المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور) كذا رواية البخاري (٢)، ورواية (٣) مسلم: "ما بين عير إلى ثور" (٤) بالعين المهملة والياء المثناة تحت. قال مصعب الزبيري وغيره: ليس بالمدينة عير ولا ثور. قالوا: وإنما ثور بمكة، وكذا عير. قال القاضي عياض: أكثر رواة البخاري ذكروا (عير)، وأما (ثور) فمنهم من كنى عنه بكذا (٥). ومنهم من ترك مكانه بياضًا؛ لأنهم اعتقدوا أن ذكر ثور خطأ؛ إذ ليس في المدينة موضعًا يسمى ثورًا (٦). وقال بعضهم: الصحيح بدل أحد.
قال [النووي: يحتمل أن ثورًا كان اسمًا لجبل هناك إما أحد، وإما غيره (٧)، فخفي اسمه (٨). قال الطيبي: المراد أن حرم المدينة] (٩) قدر ما بين عير وثور من حرم مكة بتقدير حذف المضاف (١٠).
(من أحدث) منكم (١١) (حدثًا) أي عمل فيه بخلاف السنة منكم، (أو
стр. 5770
آوى) بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، لكن القصر في اللازم والمد في المتعدي أشهر (محدثًا) بكسر الدال. يعني: من ضم إليه من ظلم أو [اعتدى ظلمًا] (١)، وحكى المازري (٢) فتح الدال على معنى أوجد الإحداث نفسه فيها، ومن كسر أراد فاعل الحدث.
[(فعليه لعنة الله) هذِه الجملة الإسمية خبر لقوله: (من) والأحسن أن تكون لعنة فاعلًا بالمجرور الذي هو قوله (عليه) لكونه قد اعتمد لكونه خبرًا بذي خبر، فرفع ما بعده على الفاعلية لكونه قد أخبرت عنه بمفرد، بخلاف الإعراب الأول، فإنك أخبرت عنه بالجملة، والمعنى أن عليه اللعنة المستقرة من الله على الكفار، فأضيف إلى الله على سبيل التخصيص لا على سبيل الحدوث] (٣) (والملائكة) ثنى بلعنة الملائكة لما في النفوس من عظم شأنهم وعلو مرتبتهم (والناس أجمعين) ثم ثلَّث بالناس لأنهم من جنسهم؛ فإن الإنسان يشق عليه إذا فاجأه مساويه بالمكروه، فهو أشق عليه من صدوره من أعلى منه (لا يقبل) بضم أوله وفتح ثالثه (منه عدل) بفتح العين (ولا صرف) العدل: الفدية، والصرف: التوبة، قاله الأصمعي، وقيل: الصرف: الفريضة، والعدل: التطوع، وعكس ذلك الحسن (٤). وفي هذا وعيد شديد، وقد أستدلوا به على أنه من الكبائر.
стр. 5771
(ومن والى قومًا) رواية البخاري: "تولى قومًا" (١) أي: اتخذهم أولياء له لغرض دنيا أو غيرها (بغير إذن مواليه) ليس هذا لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره (٢) عليه، وإنما المراد به إيراد الكلام على ما هو الغالب، وهذا صريح في تعظيم (٣) إثم من انتمى إلى غير أبيه، أو انتمى العتيق إلى غير معتقه، وفي معنى ذلك إذا انتمى المتعلم إلى غير من علمه؛ لكونه أعلى مرتبة ممن علمه أو غير ذلك؛ لما فيه من كفر النعمة وتضييع حقوق الإرث (٤) والولاء والعقل وغير ذلك [مع ما فيه من] (٥) قطيعة الرحم والعقوق (لا يقبل منه صرف ولا عدل) أي: لا يقبل منه الفريضة والنافلة قبول رضى ومحبة، وإن قبل منه لحصول الأجر والثواب.
[٢٠٣٥] (ثنا) محمد (ابن المثني) قال (ثنا عبد الصمد) قال (ثنا همام) قال (ثنا قتادة، عن أبي حسان) مسلم الأجرد الأعرج يعد في البصريين.
(عن علي في هذِه القصة) وفيها (عن النبي ﷺ قال (٦): لا يختلى خلاها) أي: لا يقطع حشيشها كما تقدم (ولا ينفر صيدها) أعلم أن الله تعالى اختص الحرم من أرض مكة والمدينة بأحكام لا يشاركه غيره من البلاد فيها، وهي مذكورة في أبوابها، منها أنه يحرم أخذ الصيد
стр. 5772
منه وتنفيره، والثاني: يحرم قطع شجره وكلئه على جميع الناس، أهل الحرم وغيرهم.
(ولا تلتقط لقطتها) (١) هذا هو الثالث أنه لا يحل لقطته للتملك على المذهب (إلا لمن أشاد بها) أي: رفع صوته بتعريفها أبدًا لا سنة كما في غيرها (ولا يصلح (٢) لرجل أن يحمل فيها السلاح) ولا يشهره فيها (لقتال) ولا محاربة، وهذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة؛ فإن كان لحاجة جاز (ولا يصلح أن يقطع منها شجرة) فيه حجة لمذهب الشافعي والجمهور أن قطع شجر المدينة حرام، وهو قول أحمد ومالك خلافًا لأبي حنيفة (٣). فإن قطع فلا ضمان عليه عند الشافعي ومالك؛ لأنه ليس بمحل النسك، فأشبه الحمى (٤) (إلا أن يعلف رجل بعيره) قال النووي: العلف بفتح اللام اسم [للحشيش و] (٥) التبن ونحوها، وفيه [دليل على] (٦) جواز أخذ الأشجار للعلف، بخلاف قطع الأغصان وخبطها فإنه حرام (٧).
[٢٠٣٦] [(ثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني (أن زيد (٨) بن
стр. 5773
الحباب) بضم الحاء المهملة وتكرير الباء الموحدة المخففة (حدثهم) قال (ثنا سليمان بن كنانة مولى عثمان بن عفان) قال (أخبرني عبد الله بن أبي سفيان) قال الذهبي: لا يعرف عدي إلا بهذا الحديث، وما ندري من عبد الله في خلق الله. تفرد عنه سليمان بن كنانة وما هو بالمشهور (١). وهو عجيب منه، قال في "الكاشف": عبد الله بن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبيه، وعدي الحداني، وعنه ابن إسحاق وإبراهيم بن أبي يحيى وعدة، وثق (٢).
(عن عدي بن زيد) (٣) الجذامي، قال ابن الأثير: يذكر في الوحدان، مختلف في إسناد حديثه (٤) [قال الذهبي: روى عنه داود بن الحصين وغيره (٥)] (٦).
(قال: حمى رسول الله ﷺ كل (٧) ناحية من المدينة بريدًا) بفتح الباء أوله (بريدًا) والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وهو موافق لما في الصحيحين من رواية أبي هريرة قال: حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى (٨). وعند الأزهري:
стр. 5774
الميل عند العرب مقدار مد البصر من الأرض (١)، وقال الجيلي: الميل اثنا عشر ألف قدم وأربعة آلاف خطوة وستة آلاف ذراع بذراع اليد، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا، والإصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض، والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون.
(لا يخبط شجره) أي: لا يضرب بعضها ليسقط ورقه (ولا يعضد) أي: يقطع كما تقدم (إلا ما يساق به الجمل) أي: ما يقطع منه إلا ما تدعو الحاجة إليه كالقضيب الذي يساق به الجمل، والرحل الذي يوضع على ظهره، ويوضحه ما رواه الإمام أحمد عن جابر: أن النبي ﷺ لما أتى المدينة قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا فرخص لنا، فقال: "القائمتان والوسادة والعارضة والمسد، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء". قال خارجة: المسد (٢) مرود البكرة واستثنى ذلك وجعله مباحًا كالإذخر (٣).
[٢٠٣٧] (ثنا أبو سلمة موسى) بن إسماعيل المقرئ، قال: (ثنا جرير) بفتح الجيم (يعني: ابن حازم) بالحاء المهملة والزاي، قال: (حدثني يعلى بن حكيم) الثقفي ثقة (٤).
(عن سليمان بن أبي عبد الله) قال الذهبي: تابعي وثق (٥) (قال: رأيت
стр. 5775
سعد بن أبي وقاص ﵁ أخذ رجلًا يصيد في المدينة) صيدًا في المكان (الذي حرم رسول الله ﷺ ) الصيد منها، وهو ما بين جبليها طولًا، وما بين لابتيها عرضًا (فسلبه ثيابه) أي أخذ ما عليه من الثياب، وفي هذا دلالة لقول الشافعي في القديم: إن من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه (١). وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة.
قال القاضي عياض: ولم يقل أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم، وخالفه أئمة الأمصار.
قال النووي: ولا تضر مخالفته إذا كانت السنة معه، انتهى (٢).
وقد حكى ابن قدامة عن أحمد في إحدى الروايتين القول به، قال: وروي ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر (٣).
قال النووي: وهذا القول القديم هو المختار لثبوت الحديث (٤) فيه، وعمل الصحابة على وفقه، ولم يثبت له دافع.
قال أصحابنا: وإذا قلنا بالقديم ففي كيفية الضمان وجهان أحدهما (٥): يضمن الصيد والكلأ والشجر كضمان حرم مكة، وأصحهما وبه قطع جمهور المفرعين على القول القديم أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ، وبه قال أحمد، وعلى هذا فالمراد
стр. 5776
بالسلب قولان (١). أحدهما أنه ثيابه فقط، وأصحهما وبه قطع الجمهور أنه كسلب القتيل من الكفار فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته وغير ذلك مما يدخل في سلب القتيل (٢).
(فجاؤوا) يعني (مواليه) يدل على أن الرجل عبدًا كما سيأتي (فكلموه فيه) أي: في السلب الذي أخذه من عبدهم (فقال: إن رسول الله ﷺ (٣) حرم هذا الحرم) أشار إلى الحرم؛ لأنه كان فيه أو قريبًا منه (وقال: من أخذ أحدًا) [يعني: شخصًا] (٤) (يصيد فيه، فليسلبه) أي (٥): يأخذ (ثيابه) قال القرطبي: وهذا كله مبالغة في الردع والزجر، [لا أنها] (٦) حدود ثابتة في كل أحد وفي كلّ وقت (٧).
(فلا أرد عليه طعمة) بضم الطاء وكسرها، ومعنى الطعمة الأكلة، وأما الكسر فجهة الكسب (٨) وهيئته (أطعمنيها رسول الله ﷺ ) أي: أعطانيها.
قال القرطبي: وامتناعه من رد السلب؛ لأنه رأى أن ذلك أدخل في باب الإنكار والتشديد ولتنتشر القضية في الناس فيكفوا عن الصيد، وقطع
стр. 5777
الشجر (١) (ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه) كائنًا مهما كان.
[٢٠٣٨] (ثنا عثمان بن أبي شيبة) قال (ثنا يزيد بن هارون) السلمي، أحد الأعلام، قال أحمد: حافظ متقن، وكان يصلي الضحى ستة عشر ركعة، وقد عمي (٢).
قال (ثنا) محمد بن عبد الرحمن (ابن أبي ذئب، عن صالح) بن نبهان (مولى التوأمة) بفتح التاء وسكون الواو وفتح الهمزة، وهي ابنة أمية بن خلف (عن مولى لسعد) بن أبي وقاص (أن سعدًا) قال الحافظ البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن النبي ﷺ إلا سعد، ولا عنه إلا عامر بن سعد، انتهى (٣). وعامر هو ابن سعد بن أبي وقاص (وجد عبيدًا من عبيد المدينة) وأخرجه الحاكم، ولفظ ابن سعد: كان يخرج من المدينة فيجد الحاطب من الحطاب معه شجر رطب قد عضده من شجر المدينة فيأخذ سلبه فيكلم فيه، فيقول: لا أدع غنيمة غنمنيها رسول الله ﷺ وإني لمن أكثر الناس مالًا. وصححه (٤). (يقطعون من شجر المدينة) ورواية مسلم: وجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه (٥). وعجبت من الحاكم [أنه خرجه] (٦) في "المستدرك" وزعم أنهما لم يخرجاه، وقد عد من أوهامه.
стр. 5778
(فأخذ متاعهم) قال ابن البلقيني في حواشي "الروضة": لو كان الصائد في حرم المدينة أو قاطع شجر حرم (١) المدينة عبدًا هل يسلب ثيابه كما اتفق لسعد؟ فالذي يقتضيه النظر أنه لا يسلب ثياب العبد؛ لأنه لا ملك له، وكذلك لو كان على الصائد ثوب مستأجر أو مستعار فإنه لا يسلب (٢). ولم أر من تعرض لذلك، وهذا عجب منه مع كثرة اطلاعه، فإن القمولي وابن الرفعة في "شرح الوسيط" قالا بعد ما قالا: قال الماوردي وصححه النووي: ليس له أخذ ما عليه من ثياب مغصوبة قطعًا، كما ليس لقاتل الحربي أخذ ما عليه من الثياب لمسلم (٣).
قال بعض شارحي الكتاب: فينبغي أن تكون الثياب المستعارة كذلك. قال: وينبغي أن لا يسلب العبد ثيابه (٤)؛ لأن جنايته تتعلق برقبته، وثيابه ملك لسيده، لكن قضية سعد كانت مع عبد، واستدل له بعموم الخبر، ولو لم يشاهده أحد عند اصطياده، قال: فالظاهر أنه يلزمه حمل (٥) السلبة إلى الإمام.
(وقال: يعني لمواليهم) على سبيل الاعتذار عن أخذ متاعهم لولا أني (سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن يقطع من شجر المدينة شيء) أي: كما لا يقطع من شجر مكة (٦)، قال ابن قدامة: يفارق حرم (٧) المدينة حرم مكة
стр. 5779
في شيئين: أحدهما: يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل.
الثاني: أن (١) من صاد صيدًا خارج المدينة، ثم أدخله إليها لم يلزمه إرساله، نص عليه أحمد؛ لأن النبي ﷺ قال: "يا أبا عمير ما فعل النغير" (٢)، وهو طائر صغير، فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة؛ إذ (٣) لم ينكر ذلك. وحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة، بدليل أنه لا يدخلها إلا محرم (٤).
(وقال: من قطع منه شيئًا فلمن أخذه سلبه) أي: جميعه.
قال الدارمي: إن كان عليه سراويل أخذه وستر المسلوب نفسه.
قال ابن الرفعة: وهذا صريح في أن لا يبقى له سترة، وقال الماوردي: يبقى له ما يستر عورته (٥). وصححه النووي (٦)، واختاره صاحب "البيان" (٧) وفي الحديث دلالة على أن السلب يستحقه السالب، وفي المسألة ثلاثة أوجه هذا أصحها، والثاني أنه لمساكين المدينة، والثالث أنه لبيت المال.
قال أصحابنا: يسلب بمجرد الاصطياد سواء تلف الصيد أم لا (٨).
стр. 5780
[وأتلف المقطوع من الشجر أم لا] (١).
[٢٠٣٩] (ثنا أبو عبد الرحمن محمد بن حفص القطان) خال عيسى بن شاذان، قال: (ثنا محمد بن خالد) يعني: ابن عثمة بفتح العين المهملة وإسكان الثاء المثلثة البصري صدوق (٢)، قال (أخبرني خارجة) يعني (بن الحارث) بن رافع (الجهني) صدوق (٣)، قال (أخبرني أبي) الحارث بن رافع بن مكتب (عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ ، قال: لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله ﷺ ) وهو اثنا عشر ميلًا كما تقدم (ولكن يهش هشًّا رفيقًا) قال الجوهري: هششت (٤) الورق أهشه هشّا: خبطته بعصا ليتحات (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ (٦) أي: أخبط بها الشجر ليتناثر ورقه فتأكله (٧) غنمي، فيه دليل على أنه ترخص لمن كان بالمدينة وقرب منه زرع أن يحتش منه ما تدعو الحاجة إليه لدوابه تعلف به؛ إذ لو منعناه من الاحتشاش مع الحاجة أفضى ذلك إلى الضرر فاستثني ذلك مع ورق الشجر وجوز للحاجة إليه كما استثني الإذخر بمكة.
[٢٠٤٠] (ثنا مسدد) قال: (ثنا يحيى) القطان (وثنا عثمان بن أبي شيبة، عن) عبد الله (ابن نمير، عن عبيد الله) بالتصغير (عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يأتي قباء) قال النووي: المشهور فيه المد والتذكير والصرف، وهو قريب من المدينة في عواليها (٨). فيه أنه