← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

بالسلب قولان (١). أحدهما أنه ثيابه فقط، وأصحهما وبه قطع الجمهور أنه كسلب القتيل من الكفار فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته وغير ذلك مما يدخل في سلب القتيل (٢). (فجاؤوا) يعني (مواليه) يدل على أن الرجل عبدًا كما سيأتي (فكلموه فيه) أي: في السلب الذي أخذه من عبدهم (فقال: إن رسول الله ﷺ (٣) حرم هذا الحرم) أشار إلى الحرم؛ لأنه كان فيه أو قريبًا منه (وقال: من أخذ أحدًا) [يعني: شخصًا] (٤) (يصيد فيه، فليسلبه) أي (٥): يأخذ (ثيابه) قال القرطبي: وهذا كله مبالغة في الردع والزجر، [لا أنها] (٦) حدود ثابتة في كل أحد وفي كلّ وقت (٧). (فلا أرد عليه طعمة) بضم الطاء وكسرها، ومعنى الطعمة الأكلة، وأما الكسر فجهة الكسب (٨) وهيئته (أطعمنيها رسول الله ﷺ ) أي: أعطانيها. قال القرطبي: وامتناعه من رد السلب؛ لأنه رأى أن ذلك أدخل في باب الإنكار والتشديد ولتنتشر القضية في الناس فيكفوا عن الصيد، وقطع

стр. 5777

الشجر (١) (ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه) كائنًا مهما كان. [٢٠٣٨] (ثنا عثمان بن أبي شيبة) قال (ثنا يزيد بن هارون) السلمي، أحد الأعلام، قال أحمد: حافظ متقن، وكان يصلي الضحى ستة عشر ركعة، وقد عمي (٢). قال (ثنا) محمد بن عبد الرحمن (ابن أبي ذئب، عن صالح) بن نبهان (مولى التوأمة) بفتح التاء وسكون الواو وفتح الهمزة، وهي ابنة أمية بن خلف (عن مولى لسعد) بن أبي وقاص (أن سعدًا) قال الحافظ البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن النبي ﷺ إلا سعد، ولا عنه إلا عامر بن سعد، انتهى (٣). وعامر هو ابن سعد بن أبي وقاص (وجد عبيدًا من عبيد المدينة) وأخرجه الحاكم، ولفظ ابن سعد: كان يخرج من المدينة فيجد الحاطب من الحطاب معه شجر رطب قد عضده من شجر المدينة فيأخذ سلبه فيكلم فيه، فيقول: لا أدع غنيمة غنمنيها رسول الله ﷺ وإني لمن أكثر الناس مالًا. وصححه (٤). (يقطعون من شجر المدينة) ورواية مسلم: وجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه (٥). وعجبت من الحاكم [أنه خرجه] (٦) في "المستدرك" وزعم أنهما لم يخرجاه، وقد عد من أوهامه.

стр. 5778

(فأخذ متاعهم) قال ابن البلقيني في حواشي "الروضة": لو كان الصائد في حرم المدينة أو قاطع شجر حرم (١) المدينة عبدًا هل يسلب ثيابه كما اتفق لسعد؟ فالذي يقتضيه النظر أنه لا يسلب ثياب العبد؛ لأنه لا ملك له، وكذلك لو كان على الصائد ثوب مستأجر أو مستعار فإنه لا يسلب (٢). ولم أر من تعرض لذلك، وهذا عجب منه مع كثرة اطلاعه، فإن القمولي وابن الرفعة في "شرح الوسيط" قالا بعد ما قالا: قال الماوردي وصححه النووي: ليس له أخذ ما عليه من ثياب مغصوبة قطعًا، كما ليس لقاتل الحربي أخذ ما عليه من الثياب لمسلم (٣). قال بعض شارحي الكتاب: فينبغي أن تكون الثياب المستعارة كذلك. قال: وينبغي أن لا يسلب العبد ثيابه (٤)؛ لأن جنايته تتعلق برقبته، وثيابه ملك لسيده، لكن قضية سعد كانت مع عبد، واستدل له بعموم الخبر، ولو لم يشاهده أحد عند اصطياده، قال: فالظاهر أنه يلزمه حمل (٥) السلبة إلى الإمام. (وقال: يعني لمواليهم) على سبيل الاعتذار عن أخذ متاعهم لولا أني (سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن يقطع من شجر المدينة شيء) أي: كما لا يقطع من شجر مكة (٦)، قال ابن قدامة: يفارق حرم (٧) المدينة حرم مكة

стр. 5779

في شيئين: أحدهما: يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل. الثاني: أن (١) من صاد صيدًا خارج المدينة، ثم أدخله إليها لم يلزمه إرساله، نص عليه أحمد؛ لأن النبي ﷺ قال: "يا أبا عمير ما فعل النغير" (٢)، وهو طائر صغير، فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة؛ إذ (٣) لم ينكر ذلك. وحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة، بدليل أنه لا يدخلها إلا محرم (٤). (وقال: من قطع منه شيئًا فلمن أخذه سلبه) أي: جميعه. قال الدارمي: إن كان عليه سراويل أخذه وستر المسلوب نفسه. قال ابن الرفعة: وهذا صريح في أن لا يبقى له سترة، وقال الماوردي: يبقى له ما يستر عورته (٥). وصححه النووي (٦)، واختاره صاحب "البيان" (٧) وفي الحديث دلالة على أن السلب يستحقه السالب، وفي المسألة ثلاثة أوجه هذا أصحها، والثاني أنه لمساكين المدينة، والثالث أنه لبيت المال. قال أصحابنا: يسلب بمجرد الاصطياد سواء تلف الصيد أم لا (٨).

стр. 5780

[وأتلف المقطوع من الشجر أم لا] (١). [٢٠٣٩] (ثنا أبو عبد الرحمن محمد بن حفص القطان) خال عيسى بن شاذان، قال: (ثنا محمد بن خالد) يعني: ابن عثمة بفتح العين المهملة وإسكان الثاء المثلثة البصري صدوق (٢)، قال (أخبرني خارجة) يعني (بن الحارث) بن رافع (الجهني) صدوق (٣)، قال (أخبرني أبي) الحارث بن رافع بن مكتب (عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ ، قال: لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله ﷺ ) وهو اثنا عشر ميلًا كما تقدم (ولكن يهش هشًّا رفيقًا) قال الجوهري: هششت (٤) الورق أهشه هشّا: خبطته بعصا ليتحات (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ (٦) أي: أخبط بها الشجر ليتناثر ورقه فتأكله (٧) غنمي، فيه دليل على أنه ترخص لمن كان بالمدينة وقرب منه زرع أن يحتش منه ما تدعو الحاجة إليه لدوابه تعلف به؛ إذ لو منعناه من الاحتشاش مع الحاجة أفضى ذلك إلى الضرر فاستثني ذلك مع ورق الشجر وجوز للحاجة إليه كما استثني الإذخر بمكة. [٢٠٤٠] (ثنا مسدد) قال: (ثنا يحيى) القطان (وثنا عثمان بن أبي شيبة، عن) عبد الله (ابن نمير، عن عبيد الله) بالتصغير (عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يأتي قباء) قال النووي: المشهور فيه المد والتذكير والصرف، وهو قريب من المدينة في عواليها (٨). فيه أنه

стр. 5781

يستحب استحبابًا متأكدًا أن يأتي مسجد قباء إذا أمن على نفسه وماله وهو في يوم السبت آكد لرواية البخاري: كان يأتي مسجد (١) قباء كل سبت (٢)، ولرواية مسلم: أن ابن عمر كان يأتي قباء كل سبت ويقول: رأيت رسول الله ﷺ كان يأتيه كل سبت (٣). (ماشيًا وراكبًا) فيه أنه يجوز زيارته راكبًا وماشيًا، وإن كان المشي أفضل لمن لا يشق عليه مشيه (زاد ابن نمير: ويصلي فيه ركعتين) وينوي في إتيانه التقرب إلى الله تعالى بزيارته والصلاة فيه، والاقتداء بالنبي ﷺ ، والشرب من بئر أريس الذي عنده، والوضوء منه؛ لأن النبي ﷺ تفل فيه، وروى الطبراني [في "الكبير"] (٤) أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل مسجد قباء فيركع فيه أربع ركعات كان ذلك عدل رقبة" (٥) فعلى هذا يأتي بئر أريس أولًا ويتوضأ منه، ثم يأتي مسجد قباء ليحوز الفضيلة، قال القرطبي: قباء (٦) بينها وبين المدينة نحو ثلاثة أميال، وليست مما يشد إليها الرحال، وكان تعاهده لقباء لتعاهد مسجدها وتفقد أهلها واعتناء بهم، وليس في تعاهده مسجد قباء ما يدل على إلحاق مسجدها بالمساجد الثلاثة كما ذهب إليه محمد بن مسلمة (٧).

стр. 5782

٩٩ - باب زِيارَةِ القُبُورِ ٢٠٤١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنا المُقْرِئُ، حَدَّثَنا حَيْوَةُ، عَنْ أَبي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ، عَن يَزِيدَ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ما مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلي إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلي رُوحي حَتَّى أَرُدَّد ﵇" (١). ٢٠٤٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ نافِعٍ أَخْبَرَني ابن أَبي ذِئْبٍ، عَن سَعِيدٍ المَقْبُرَيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلا تَجْعَلُوا قَبْري عِيدًا وَصَلُّوا عَلي فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُني حَيْثُ كُنْتُمْ" (٢). ٢٠٤٣ - حَدَّثَنا حامِدُ بْن يَحْيَى، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ المَدِيني أَخْبَرَني دَاوُدُ بْنُ خالِدٍ، عَن رَبِيعَةَ بْنِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَبِيعَةَ - يَعْني: ابن الهُدَيْرِ - قَالَ: ما سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَ حَدِيثٍ واحِدٍ. قَالَ: قُلْتُ: وَما هُوَ؟ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُرِيدُ قُبُورَ الشُّهَداءِ حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنا عَلَى حَرَّةِ واقِمٍ فَلَمّا تَدَلَّيْنا مِنْها وَإِذَا قُبُورٌ بِمَحْنِيَّةٍ قَالَ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللهِ أَقُبُورُ إِخْوانِنا هذِه قَالَ: "قُبُورُ أَصْحابِنا". فَلَمّا جئْنا قُبُورَ الشُّهَداءِ قَالَ: "هذِه قُبُورُ إِخْوانِنا" (٣). ٢٠٤٤ - حَدَّثَنا القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ، عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَاخَ بِالبَطْحاءِ التي بِذي الحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِها، فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (٤). ٢٠٤٥ - حَدَّثَنا القَعْنَبي قَالَ: قَالَ مالِكٌ لا يَنْبَغي لأَحَدٍ أَنْ يُجاوِزَ المُعَرَّسَ إِذَا

стр. 5783

قَفَلَ راجِعًا إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى يُصَلّي فِيها ما بَدا لَهُ لأَنَّهُ بَلَغَني أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَّسَ بِهِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحاقَ المَدَني قَالَ: المُعَرَّسُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ (١). * * * باب في الصلاة على النبي ﷺ وزيارة قبره [وهذِه الترجمة ساقطة عند ابن داسة] (٢). [٢٠٤١] (ثنا محمد بن عوف) بن سفيان الطائي، قال (ثنا عوف المقرئ) قال (ثنا حيوة) بن شريح (عن أبي صخر حميد بن زياد) المدني الخراط (٣) قال أحمد: ليس به بأس (٤). (عن يزيد بن عبد الله بن قسيط) بالتصغير الليثي (عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇ رواية أحمد (٥): "إلا رد الله إلي روحي" [يحتمل أنه حي] (٦) لم يؤذن له في الكلام إلا في رد جواب المسلم عليه عند قبره، ويحتمل في رد جواب كل مسلِّم أين كان. قال البيهقي في كتاب "الاعتقاد": الأنبياء بعدما قبضوا ردت إليهم

стр. 5784

أرواحهم، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء (١). وأفرد جزءًا في حياة الأنبياء في قبورهم. [٢٠٤٢] (ثنا أحمد بن صالح) المصري، قال (قرأت على عبد الله بن نافع) قال (أخبرني) محمد بن عبد الرحمن (ابن أبي ذئب، عن سعيد) بن أبي سعيد (المقبري، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : لا تجعلوا بيوتكم قبورًا) أي: صلوا فيها ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة، والمراد به صلاة النافلة أي: صلوا في بيوتكم، وقيل: هذا في الفريضة، ومعناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم؛ ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وعبيد ومريض ونحوهم، والمشهور أن المراد النافلة؛ لكونه أخص، وليتبرك البيت بها وتنزل فيه الرحمة والملائكة وينفر الشيطان، فيه أن القبور لا يصلى فيها، وفيه رد لما يفعله بعض الصالحين من بناء قبر في بيته يواظب الصلاة فيه في حياته ليدفن فيه إذا مات. (ولا تجعلوا قبري عيدًا) قيل: يحتمل أن يراد الحث على كثرة زيارته، ولا يجعل كالعيد الذي لا يؤتى في العام إلا مرتين فقط. (وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) يوضحه رواية النسائي: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام" (٢). رواه الحاكم في "صحيحه" وابن حبان (٣). ويدل على الحث على زيارته:

стр. 5785

حديث (١) "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا"، أي: لا تتركوا الصلاة في بيوتكم. [٢٠٤٣] (ثنا حامد بن يحيى) بن هانئ البلخي، قال (ثنا محمد بن معن المديني) بفتح الميم، قال (أخبرني داود بن خالد) المدني (عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) فروخ صاحب الرأي. (عن ربيعة) بن عبد الله (ابن الهدير) بضم الهاء وفتح الدال مصغر التيمي، له رؤية، [وذكره ابن حبان] (٢) في كبار التابعين (٣). (قال: ما سمعت طلحة بن عبيد الله) بالتصغير، ابن عثمان التيمي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة (يحدث عن رسول الله ﷺ حديثًا قط) أي: في المدة التي قضيتها (٤) من عمري (غير [حديث واحد]) (٥) بالنصب صفة لما قبله. (قال: قلت: وما هو؟ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نريد قبور الشهداء) أي: لزيارتها، فسرنا (حتى أشرفنا على حرة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، كل أرض ذات حجارة سود يقال لها: حرة، وذلك لشدة حرها ووهج الشمس فيها (واقم) بكسر القاف. قال الجوهري: واقم: أطم من آطام المدينة وحرة واقم مضافة إليها (٦). وكانت وقعة الحرة المشهورة في أيام يزيد بن معاوية في ذي

стр. 5786

الحجة عام [٦٣] (١) (تدلينا منها فإذا قبور بمحنية) بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة وكسر النون وتخفيف المثناة تحت [يعني: بمنحنى الوادي، وجمع محنية محاني. قال الجوهري] (٢): وهي معاطف الأودية (٣). [ومنه قول كعب: من ماء محنية] (٤) قيل: دفن في هذِه القبور سفيان بن عيينة، والمشهور كما قال ابن الأثير أنه مات بمكة ودفن بالحجون (٥). فيه مشروعية الدفن بعطف الوادي إذا لم يكن الوادي يمر عليه، فإن المار بأحد (٦) القبور (٧). (قلنا: يا رسول الله أقبور إخواننا هذِه؟ قال: هذِه قبور أصحابنا) فيه التفرقة بين الإخوة والصحابة؛ فإن الصحابة يشترط فيها الاجتماع بخلاف الإخوة فلا يشترط فيها الاجتماع، ولا أن يكون في عصره كما (٨) قال:

стр. 5787

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (١). (فلما جئنا قبور الشهداء) لعلها التي بأحد؛ فإن النبي ﷺ خرج في آخر حياته إليها وصلى على أهل أحد كما في الصحيحين (٢). قال العلماء: أراد بالصلاة عليهم الدعاء لهم، استدل به ابن عبد البر على أن يكون فيمن يأتي بعض (٣) أصحابه أفضل من بعضهم (٤). (وقال: هذِه قبور إخواننا) فيه فضيلة الجهاد بعد عصره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين لا يجدون أعوانًا. [٢٠٤٤] (ثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ أناخ) يعني: الإبل التي معه (بالبطحاء التي بذي الحليفة) وقد تقدم ذكرهما. قال القاضي: المراد بالإناخة النزول بالبطحاء (٥) في رجوعه من الحج، وليس هذا من مناسك الحج، وإنما نزلها لأنها بطحاء مباركة كما في الصحيح (٦)، قيل: ولئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلًا كما نهى عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة (٧)، فربما وجد الرجل زوجته

стр. 5788

على هيئة يستقذرها من الشعث ورثاثة الهيئة، فيكون ذلك سببًا لفقد الألفة وعدم الصحبة (١). وهذا منه ﷺ إرشاد للأزواج في حق زوجاتهم. (فصلى بها) فيه استحباب الصلاة بالبطحاء إذا نزل، وأن لا يجاوزها حتى يصلي فيها، وإن كان في غير (٢) وقت صلاة مكث حتى يدخل وقت الصلاة فيصلي قال (فكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك) تبركًا بآثار النبي ﷺ . وقد استحب مالك النزول والصلاة فيه (٣). [٢٠٤٥] (قال مالك) في "الموطأ": (لا ينبغي لأحد أن يجاوز المعرس) بتشديد الراء المفتوحة. قال القاضي: المعرس: موضع النزول. قال أبو زيد: عرس القوم في المنزل إذا نزلوا به أي وقت كان من ليل أو نهار. وقال الخليل والأصمعي: التعريس: النزول آخر الليل (٤) (إذا قفل) أي: رجع، [ولا يقال إلا في الرجوع، وربما سميت الرفقة قافلة تفاؤلًا بالسلامة (راجعًا إلى المدينة حتى يصلي] (٥) فيها ما بدا له) وأقله ركعتان. وزاد في "الموطأ": وإن مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له (لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ عرس به) (٦).

стр. 5789

(قال أبو داود: سمعت محمد بن إسحاق) بن يسار (المدني) نسبة إلى المدينة، صاحب "المغازي" ([قال]: المعرس على ستة أميال من المدينة) وهو نصف بريد وفرسخان. (ثنا أحمد بن صالح) المعروف بابن الطبري (قال: قرأت على عبد الله بن نافع) الصائغ (قال: ثنا عبد الله بن عمر (١) يعني: العمري) بضم المهملة وفتح الميم. (عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قدم يعني من الحج بات بالمعرس حتى يغتدي) (٢) أي: حتى (٣) يصلي الفجر بها، وهي صلاة الغداة، والسنة في كيفية نوم المسافر ما رواه أبو قتادة أنه ﵇ كان إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه. أخرجه مسلم (٤)، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" وقال: هو صحيح على شرط مسلم، ولم يروه مسلم ولا البخاري (٥). وعُدَّ هذا من وهم الحاكم؛ لأن مسلمًا رواه، انتهى. وإنما نام كذلك قبل الصبح لئلا يستغرق في النوم فتفوته صلاة الصبح

стр. 5790

أو أول وقتها، والله أعلم (١).

стр. 5791

كِتَابُ النِّكَاحِ

стр. 5792

١٢ - النِّكَاحُ ١ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى النِّكاحِ ٢٠٤٦ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: إِني لأَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنًى إِذْ لَقِيَهُ عُثْمانُ فاسْتَخْلاهُ، فَلَمّا رَأى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حاجَةٌ قَالَ لي: تَعالَ يا عَلْقَمَةُ. فَجِئْتُ فَقَالَ لَهُ: عُثْمانُ: أَلا نُزَوِّجُكَ يا أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِجارِيَةٍ بِكْرٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ما كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذاكَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجاءٌ" (١). * * * ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كتاب النكاح

стр. 5793

باب التحريض على النكاح [٢٠٤٦] (ثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي مولاهم، الكوفي، شيخ الشيخين (عن جرير) بفتح الجيم، بن عبد الحميد الضبي الراوي (عن) سليمان (الأعمش، عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي، يكنى أبا شبل، كان يشبَّه بعبد الله بن مسعود (قال: إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود بمنى) وللبخاري عن علقمة: كنت مع عبد الله بن مسعود فلقيه عثمان بمنى (١). وللنسائي: ابن مسعود لقي عثمان (٢). كذا في "جامع الأصول" (٣) ولم أجده في ذا الباب (إذ لقيه عثمان ﵁ فاستخلاه) أي: انفرد به في موضع خالٍ، فيه الخلوة عند استكتام السر إذا احتيج إلى ذلك. (فلما رأى عبد الله) بن مسعود (أن ليست له) أي (حاجة) لعثمان (فقال لي: تعال) بفتح اللام، فعل أمر من تعالى: ارتفع. وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل فيقول: تعالى. يعني: ارتفع عندي، ثم كثر حتى استعمل في معنى: هلم. مطلقًا، سواء كان موضعه أعلى أم أسفل، فهو في الأصل لمعنى خاص، ثم استعمل في معنى عام، قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ (٤).

стр. 5794

(يا علقمة، فجئت فقال: ألا نزوجك؟ ) لابن مسعود، وهو المراد بقوله: ألا نزوجك (يا أبا عبد الرحمن) وظاهر هذِه الرواية أن قوله: ألا نزوجك جارية بكرًا؟ كان بحضور علقمة، وظاهر رواية البخاري أنه قال في غيبة علقمة وغيره، بل حين انفرد به، ويحتمل أنه قاله مرتين، مرة في غيبته ومرة في حضوره ليجمع بين الروايتين؛ فإن رواية البخاري: فخليا (١)، فقال عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكرًا؟ فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة إلى هذا، أشار إلي، فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك .. (جارية) أصل الجارية السفينة، سميت بذلك؛ لسرعة جريها، ثم قيل للأمة والبنت التي تصلح للزواج، والخدمة جارية على التشبيه بالسفينة لجريها في أشغال مواليها، والبنت في حوائج والديها وزوجها، ويؤخذ منه أنه ينبغي لمن أراد تزوج امرأة أن يسأل عن حالها في حركتها هل هي نشاط وسرعة وتثبيط وتثاقل عن الحركة وعن حال أبويها هل هي ممهنة بالخدمة وبالصلاة أو لا تمكن من فعل شيء بسبب الدلال. (بكرًا) فيه استحباب تزوج البكر، كما سيأتي في الحديث بعده، وللنسائي: ألا نزوجك جارية شابة (٢) (لعله) هاء ضمير القصة والشأن وهو مخالف للقياس من خمسة أوجه في عوده على ما بعده لزومًا، وأن مفسرة لا تكون إلا جملة، كما في قوله: أن (يرجع إليك من

стр. 5795

نفسك ما كنت تعهد) أي: من نشاطك وقوة شبابك، ولعل المراد بالرجوع هنا التذكر، كما في رواية البخاري والنسائي، والمراد: يتذكر ما كان يعهد من النشاط والقوة بذكر نعم الله تعالى عليه في حال الشباب، ولا ينسى نعم الله عليه، بل يشكر الله على النعم السالفة والحاضرة. وفيه استحباب تحصيل ما يُذَكِّره النعم إذا نسيها كأخ نصوح، أو معلم شفيق مرشد، وزوجة ديِّنة تذكره نعم الله وتعينه على الطاعة، لا زوجة تشغله عن الله تعالى، فمثل هذا يستحب نكاحها، وفيه أن على الخليفة أن (١) يتفقد أحوال الرعية لا سيما العاملين والأولياء والصالحين، وأن يعرض عليهم ما يحتاجون إليه من زواج وغيره، وأن يدفع عن المحتاج ما يحتاجه من صداق وغيره. (وقال عبد الله بن مسعود: والله لئن قلت ذاك، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول) زاد البخاري: "يا معشر الشباب" (٢) (من استطاع) وفي رواية له عن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله، فقال عبد الله: كنا مع النبي ﷺ شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع" (٣) (منكم) أصل استطاع، استطوع استثقلت الحركة على الواو فنقلت إلى الساكن قبلها، ثم قلبت الواو ياء، ومعناه: أطاق وقدر، فليست السين فيه للطلب. (الباءة) بالمد والهاء على الأفصح، المشهورة، وفيها لغة بالقصر

стр. 5796

ولغة بلا هاء مع المد، ولغة باهة بالهاء عوض الهمزة، وأصلها لغة الجماع مأخوذة من المباءة وهي المنزل؛ لأن من تزوج امرأة بوأها منزلًا، والمراد بالباءة هنا على الأصح المعنى اللغوي، وإنما يتحقق قدرته بالقدرة على مؤنته وهي مؤن النكاح، وقيل: بل أطلق اللفظ هنا على نفس المؤن من مجاز الملازمة، ولو كان المراد الجماع لم يقل: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"؛ لأن العاجز عن الجماع لا يحتاج الصوم، إنما يحتاجه من يقدر عليه، لا على مؤنته، فيكسر به شهوته، وأجيب بأن المراد: وإن لم يستطع الجماع لعدم قدرته على مؤنه فهو عاجز حكمًا وإن كان قادرًا حسًّا، يدل عليه قوله في الرواية المتقدمة: كنا شبابًا لا نجد شيئًا. ويرجح الأول رواية النسائي: "يا معشر الشباب عليكم بالباءة" (١). ويرجح الثاني رواية النسائي: "من كان ذا طول فليتزوج" (٢). وفي بعض شروح "التنبيه" أنها بالمد: القدرة على المؤن، وبالقصر: الوطء، وبالجملة فالمراد واحد، وإنما الخلاف في التعبير عنه هل هو من مجاز الاستعارة بإطلاق الباءة على المؤن، أو من حمل الاستعارة على معناها اللغوي، وهو القدرة شرعًا. (فليتزوج) معنى التفعل هنا بمعنى الاتخاذ كيتختم إذا اتخذ خاتمًا، أي: فليتخذ له زوجة، وليس في كلام العرب: تزوجت بامرأة، وأما قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٣) على التضمين، أي: قرناهن بهن، (فإنه

стр. 5797

أغض للبصر) أفعل تفضيل إما بمعنى غاضٍّ، كما أشار إليه ابن دقيق العيد، أو للتفضيل على أنه من غض طرفه أي حفظه، وكل شيء كففته فقد غضضته، وأريد بالبصر هنا الطرف؛ لرواية النسائي: "فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" (١). فإن قيل: هل لا يكون غض البصر إلا بهذين الأمرين؟ فالجواب: إن هذين أكثره، وقد يكون غض البصر بأن يغطي رأسه حتى لا يرى أحدًا إن كان المعني الجارحة، وإن كان المعني الجارحة مع سكون الفكر في ذلك، فهذا قد يزيله نوع آخر، مثل شدة الخوف والتألم، كما روى الثوري أنه كان إذا مر به خاطر لغير الله يضرب نفسه بقضيب، فربما كان يقطع في اليوم الواحد جملة من القضبان. (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ذهب بعضهم إلى أنه إغراء للغائب (٢)، كقوله: ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣) وسهَّل ذلك تَقَدَّم المغرى به في: "من استطاع منكم الباءة"، فصار كالحاضر، وكأنه قيل: فإن لم تستطيعوا فعليكم بالصوم، ذهب ابن عصفور إلى أن الباء زائدة في المبتدأ، والتقدير: فعليه الصوم، فهو خبر لا أمر، وضعف باقتضائه حينئذٍ الوجوب؛ لأن ذلك ظاهر هذِه الصيغة ولا قائل به, وذهب ابن حزم إلى أنه من إغراء المخاطب بتأويل، فقال: ولعل مراده: ومن لم يستطع فدلوه على الصوم. وأوله بعضهم بتقدير:

стр. 5798

فأشيروا عليه بالصوم، فحذف فعل الأمر وجعل: "عليه" عوضًا منه. على أن ابن (١) مالك لم يدخل مثل هذا الإغراء، بل ذكره من أحكام اسم الفعل إذا كان أصله الجار والمجرور أو الظرف، نحو: عليك وإليك وعندك، بمعنى: الزم، وإليك بمعنى تنح، وفيه دليل على أن الصوم يقطع مادة النكاح ويضعفها، وهذا أمر منه ﷺ للشباب كما في رواية البخاري وغيره أن الشاب له من شهوة النكاح ما قد يغلب عليه، بخلاف الكبير، فإن تلك المادة الكبرى ليست عنده. وفيه دليل على أن المرء مأمور بعمل الأسباب؛ لأن النبي ﷺ أمر بالتسبب في دفع حرارة ما يجده الإنسان مما أشرف إليه بالتأهل. (فإنه له وجاء) بكسر الواو وتخفيف الجيم مع المد، وهو رض الخصيتين، فإن نزعتا نزعًا فهو الخصاء، وأما ما في حديث ابن حبان بعد قوله: "وجاء" وهو الإخصاء، فإما من تفسير بعض الرواة، وإما مرفوع لكن على المجاز والمشابهة لتقاربهما في المعنى. قال القرطبي: وقاله بعضهم بفتح الواو والقصر، وليس بشيء، انتهى (٢). وذكر ابن سيده الوجهين، قال ابن دقيق العيد: وهو من مجاز المشابهة، الوجاء قطع الفعل، وإعدام الشهوة قطع له أيضًا (٣).

стр. 5799

٢ - باب ما يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ تَزْوِيجِ ذاتِ الدِّينِ . ٢٠٤٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى - يَعْنَي: ابن سَعِيدٍ - حَدَّثَني عُبَيْدُ اللهِ حَدَّثَني سَعِيدُ بْنُ أَبي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "تُنْكَحُ النِّساءُ لأَرْبَعٍ لِمالِها وَلحَسَبِها وَلِجَمالِها وَلدِينِها فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ" (١). * * * باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين [٢٠٤٧] (ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد) القطان، قال (ثني عبيد الله) بالتصغير بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبيه) أبي سعيد بن كيسان (عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: تنكح النساء لأربع: لمالها) وفيه دليل على أن للرجل الاستمتاع بمال الزوجة، وأنها تقصد لذلك، وإلا فكانت كالفقيرة، فإن طابت به نفسها فهو حلال، وإن منعت فله بقدر ما بذل من الصداق. قال النووي: الصحيح في معنى الحديث، أخبر بما يفعله الناس في العادة؛ فإنهم يقصدون هذِه الخصال الأربع، وخيرها (٢) ذات الدين فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين، لا أنه أمر بذلك (٣). قال عياض في "الإكمال": قال الإمام: ظاهر هذا حجة لقولنا أن

стр. 5800

المرأة إذا دفع إليها في الصداق الزوج ليسارها، أو لأنها تسوق إلى بيته من الجهاز ما جرت عادة أمثالها به، وجاء الأمر بخلافه، أن للزوج مقالًا في ذلك، ويحط من الصداق الزيادة؛ لاستباحة البضع، كمن اشترى سلعتين فاستحقت الأدنى منهما، فإنه إنما ينقضي في البيع في قدر المستحقة خاصة (١). (وحسبها) قال الهروي: احتاج أهل العلم لمعرفة الحسب مما يعتبر في مهر مثل المرأة، قال شمر: الحسب: الفعل الجميل للرجل وآبائه، مأخوذ من الحساب، إذا حسبوا مناقبهم، وذلك أنهم إذا تفاخروا أعد كل منهم مناقبه ومآثر آبائه، وفي حديث آخر: "كرم الرجل: دينه، وحسبه: خلقه" (٢). (وجمالها) حسن الوجه مطلوب؛ إذ به يحصل التحصن، والطبع لا يكتفي بالدميمة غالبًا، (ودينها) والحث على الدين كما سيأتي، وأن المرأة لا تنكح لجمالها؛ ليس زجرًا عن رعاية الجمال، بل هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع عدم الدين وقلة الصلاة، ويدل على الالتفات إلى معنى الجمال أن الألفة والمودة تحصل به غالبًا، وقد ندب الشرع إلى مراعاة أسباب الألفة، ولذلك استحب النظر، ومعلوم أن النظر لا يعرف به الخلق والدين والمال، وإنما يعرف به الجمال والقبح، وروي أن رجلًا تزوج على عهد عمر، وكان قد خضب لحيته، فنصل عليه خضابه، فاستعدى عليه أهل

стр. 5801

المرأة، وقالوا: حسبناه شابًّا. فأوجعه عمر ضربًا، وقال: غررت القوم. (فاظفر) أنت (بذات الدين) قال الرافعي في "أماليه": الدين يمكن حمله هنا على الملة والتوحيد، ولكن الأظهر حمله على الطاعات والأعمال الصالحة والعفة التي هي من واجب الملة، وفي الحديث الحث على استحباب الدينة فهي أولى من الفاسقة، والمسلمة أولى من الكتابية، نعم لو كانت المسلمة تاركة للصلاة، قال الزركشي: ويحتمل أن الذمية الكتابية أولى؛ لأن نكاحها مجمع على صحته وتاركة الصلاة باطل عند قوم بناء على ارتدادها، فإن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وزوجها وأزرت بزوجها فإن سلك فيها سبيل الغيرة والحمية لم يزل في بلاء ومحنة وإن سلك سبيل التهاون كان نقصًا في دينه، وإنما بالغ في الحث على الدين، لأنها حينئذٍ تكون عونًا له على الدين وإن لم تكن متدينة كانت شاغلة عن الدين ومشوشة له إذ يأمرها بالصلاة فلا تطيع أو تطيع في حضوره دون غيبته. (تربت يداك) ترب الرجل إذا افتقر، وأترب إذا استغنى، وهذِه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر به كما يقولون: قاتله الله. وقيل: معناها: لله درك. وقال بعضهم: هو دعاء على الحقيقة، فإنه قد قال لعائشة: "تربت يداك"، لأنه رأى الفقر خيرًا لها، والأول أوجه.

стр. 5802

٣ - باب في تَزْوِيجِ الأَبْكارِ . ٢٠٤٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، أَخْبَرَنا الأَعْمَشُ، عَنْ سالِمِ بْنِ أَبي الجَعْدِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَزَوَّجْتَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا". فَقُلْتُ: ثَيِّبًا. قَالَ: "أَفَلا بِكْرٌ تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ" (١). * * * باب تزويج الأبكار [٢٠٤٨] (ثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (أنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم، الكوفي (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري، شهد العقبة مع أبيه وهو صبي، وشهد ما بعد أحد، استغفر له رسول الله ﷺ (قال: قال لي رسول الله: أتزوجت؟ ) بإثبات همزة الاستفهام، وسبب استفهامه ما في الصحيحين عن جابر: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فلما أقفلنا تعجلت على بعير لي، فقال: "ما يعجلك؟ " فقلت: إني حديث عهد بعرس، فقال: "أتزوجت؟ ". (قلت: نعم، قال: بكرًا أم ثيبًا؟ ) منصوب بفعل مقدر، تقديره: تزوجت بكرًا أم ثيبًا، ومن حذف الفعل ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (٢). أي: وأتوا خيرًا لكم. (قلت) تزوجت (ثيبًا، قال: أفلا بكرًا) (٣) منصوب

стр. 5803

بفعل محذوف، تقديره: أفلا تزوجت بكرًا، رواية البخاري: "فهلا جارية" (١) (تلاعبها وتلاعبك) (٢) قال عياض عن بعضهم: يحتمل أن يراد بقوله: تلاعبها من اللعاب بكسر اللام، ويدل عليه ما في بعض طرق مسلم: "فأين أنت من العذارى ولعابها" (٣) وما جاء في الحديث الآخر: "إنهن أطيب أفواهًا وأنتق أرحامًا" (٤). ورواية أبي ذر في البخاري من طريق المستملي: "ولعابها" بضم اللام. قال القاضي: قال أكثر المتكلمين على الحديث: حملوا الملاعبة من اللعب بدليل قوله في الحديث: "وتضاحكها وتضاحكك" وفي كتاب أبي عبيد: "وتداعبها وتداعبك" (٥). ثم قال عياض: وفي الحديث فضل تزويج الأبكار لا سيما للشباب، وفيه سؤال الإمام رعيته عن أمورها وتفقدهم في مصالحهم، وأن مقصود النكاح الاستمتاع والاستلذاذ، وبقدر ذلك تكون الألفة وذلك في الأبكار أوجد، وفيه جواز ملاعبة الأهل والترغيب فيها (٦).

стр. 5804

٤ - باب النَّهْي عَنْ تَزْوِيجِ منْ لَمْ يَلِدْ مِنَ النِّساءِ ٢٠٤٩ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَتَبَ إِلي حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ المَرْوَزيُّ، حَدَّثَنا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتي لا تَمْنَعُ يَدَ لامِسٍ. قَالَ: "غَرِّبْها". قَالَ: أَخافُ أَنْ تَتْبَعَها نَفْسي. قَالَ: "فاسْتَمْتِعْ بِها" (١). * * * [٢٠٤٩] (قال) المصنف (كتب إلي حسين بن حريث) بضم الحاء المهملة، مصغر ابن عمار الخزاعي (المروزي) فيه دليل على صحة العمل بكتابة الشيخ إلى الراوي عنه بأن يكتب إليه يقول له: أجزت لك ما كتبته لك. سواء اقترنت الكتابة بالإجازة أو انفردت عنها، وهو الصحيح بين أهل الحديث وهو عندهم معدود في المسند الموصول، وقد استعمله البخاري فقال في كتاب الأيمان والنذور: كتب إلي محمد بن بشار. (أنا الفضل بن موسى) الشيباني، قرية من قرى مرو (عن الحسين بن واقد) بالقاف، قاضي مرو، أخرج له مسلم. (عن عمارة) بضم العين (بن أبي حفصة) مولى المهلب، أخرج له البخاري والأربعة، وذكر الدارقطني أن الحسين بن واقد تفرد به عن عمارة هذا، وأن الفضل بن موسى تفرد به عن الحسين بن واقد، وأخرجه النسائي من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن ابن

стр. 5805

عباس. وبوب عليه: باب تزويج الزانية (١). (عن عكرمة، عن ابن عباس) ﵄ (قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي) زاد النسائي: من أحب الناس إلي، وهي (لا ترد يد لامس) قال الإمام أحمد: أي أنها تعطي من ماله من يلتمس منها، أي: يطلب، قال: وهذا أشبه؛ إذ لم يكن يأمره بإمساكها وهي تفجر. قال علي وابن مسعود: إذا جاءكم الحديث عن رسول الله فظنوا به الذي هو أهدى وأتقى (٢)، ومنه الحديث: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا" (٣). أي: يطلبه، فاستعار له اللمس، وسئل عنه ابن الأعرابي فقال: هو الفجور (٤). وقال الخطابي: معناه الزانية (٥)، وأنها مطاوعة لمن أرادها لا ترده (٦). ويدل عليه تبويب النسائي: باب تزويج الزانية. وقد يحتج به لما قاله أصحابنا وغيرهم أن من قال عن زوجته: لا ترد يد لامس أو أنها تحب الخلوة بالأجنبي ونحوه فهو كناية، فإن أراد الزنا فقذف وإلا

стр. 5806

فلا، فإن أنكر الإرادة صدق بيمينه، وأن هذا اللفظ لو كان صريح قذف لما سكت عنه؛ إذ لم يقر على خطأ. قيل: هي إجابتها لمن أرادها (قال: غربها) (١) أي: أبعدها، يريد الطلاق، يقال: غربته وأغربته إذا تجنبته وأبعدته. ومن كنايات الطلاق عند الشافعي: اغربي، بالغين المعجمة والراء، من غرب يغرب تباعد، واعزبي (٢) بالمهملة والزاي من عزب يعزب إذا تباعد، ولفظ رواية النسائي قال: "طلقها" قال: لا أصبر عنها (٣). (قال) إني (أخاف أن تتبعها نفسي) كناية عن الموت (قال: فاستمتع بها) أي: لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة النفس بها ومن وطئها، وخاف عليه النبي ﷺ إن هو أوجب عليه طلاقها أن تتوق نفسه إليها فيقع في الحرام ويفسد حاله، فرأى في دوام نكاحه مع دفع الفساد عنه مع ضيق قلبه أولى، وإن كانت فاسدة الدين، فيحرص عليها ويواقي مواضع التهم وإلا كان شريكًا في المعصية مخالفًا لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٤).

стр. 5807

٢٠٥٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ أَخْبَرَنا مُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدِ ابن أُخْتِ مَنْصُورِ بْنِ زاذانَ، عَنْ مَنْصُورٍ - يَعْني: ابن زاذانَ - عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِني أَصَبْتُ امْرَأَةً ذاتَ حَسَبٍ وَجَمالٍ وَإِنَّها لا تَلِدُ أَفأَتَزَوَّجُها؟ قَالَ: "لا". ثُمَّ أَتاهُ الثّانِيَةَ فَنَهاهُ ثُمَّ أَتاهُ الثّالِثَةَ فَقَالَ: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فَإِني مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ" (١). * * * باب في تزويج الوليد [٢٠٥٠] (ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا يزيد بن هارون) أبو خالد السلمي (٢) (أنا مسلم بن سعيد) الثقفي الواسطي (بن أخت منصور بن زاذان) صدوق، قال عنه يزيد بن هارون: مكث أربعين عامًا لا يضع جنبه الأرض (عن منصور بن زاذان) صدوق، الواسطي (عن معاوية بن قرة) بن إياس البصري (عن معقل بن يسار ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال) وللنسائي: ذات حسب ومنصب (٣). (وإنها) بكسر الهمزة؛ لأنها بعد واو الحال (لا تلد) فيه السؤال عن المرأة قبل العقد هل هي (. . .) (٤) فإن كانت ثيبًا فيعرف حالها من زوجها الأول، وإن لم يعرف حالها فيراعى صحتها وشبابها؛ فإنها تكون ولودًا

стр. 5808

في الغالب مع هذين الوصفين، قاله الغزالي (١). ونحب له أن يعرف من أقاربها وذي عشيرتها كما اعتبر في انقطاع الحيض ونحوه (أفأتزوجها؟ قال: لا) فيه النهي عن تزويج العقيم، وبوب عليه النسائي: باب كراهة تزويج العقيم (٢). (فأتاه الثانية) فسأله (فنهاه، فأتاه الثالثة) فيه جواز تكرر سؤال المفتي إلى ثلاث ولا يزيد عليها، وإنما جازت إعادة السؤال لجواز أن يكون تغير اجتهاده، أو وقف على نص آخر كما يجوز أن يكون نسخ ذلك الحكم بحكم آخر بوحي أو غيره، هذا في حقه ﷺ ، كما أنه يجوز تكرر السؤال لثلاث مفتين اتفقوا في المذهب أو اختلف مذهبهم. (فقال: تزوجوا الودود) أي: المتحببة إلى زوجها بالتلطف في الخطاب وكثرة الخدمة والأدب والبشاشة في الوجه، وقد قال تعالى في وصف أهل الجنة: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ (٣)، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٤) فالعرب جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها، قال المبرد: وهي العاشقة لزوجها (٥). (الولود) فيه استحباب نكاح الولود كما تقدم، قال بعض المتأخرين: إلا أن تكون المصلحة في غير الولود، وكأنه فيما إذا كانت المنكوحة لا لقصد أولادها كما إذا تزوج كتابية لما يحصل في معاشرة الولد لها من

стр. 5809

المفاسد، وكذا الأمة المملوكة إذا كانت سوداء سيئة الخلق وقليلة الدين. (فإني مكاثر بكم) فيه بيان علة الأمر بالتزويج لموافقة محبة الله ومحبة رسوله ﷺ ، أما محبة الله فبالسعي في تحصيل الولد لبقاء جنس الحيوان، وإظهار عجائب صنع الله ومجاري حكمته، وبيانه أن السيد إذا سلم إلى عبده البذر وآلات الحرث وهيأ له أرضًا مهيأة للحراثة وكان العبد قادرًا على الحراثة فإن تكاسل وعطل آلة الحرث وترك البذر ضائعًا حتى فسد، ودفع الوكيل عن نفسه بنوع من الحيلة كان مستحقًا للمقت والعقاب من سيده، والله تعالى خلق النطفة في القفا، وهيأ لها في الأنثيين عروقًا ومجاري، وخلق الرحم قرارًا، فلو لم يصرح به الخالق على لسان نبيه فالمراد في الحديث فكيف وقد صرح بالأمر وباح بالسر، فكل ممتنع من النكاح معرض عن الحراثة مضيع للبذر ومعطل لما خلق له، وللحكمة المفهومة من الشواهد. وأما السعي في محبة رسول الله ﷺ ورضاه بتكثير ما هو مباهٍ به الأمم كما في رواية أبي بكر بن مردويه في "تفسيره" من حديث ابن عمر بلفظ: "تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة" (١). وزاد البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي: حتى بالسقط (٢).

стр. 5810

٥ - باب في قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ ٢٠٥١ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْميُّ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَي مَرْثَدٍ الغَنَويَّ كَانَ يَحْمِلُ الأُسارى بِمَكَّةَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغيٌّ يُقالُ لَها: عَناقُ وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أَنْكِحُ عَناقَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنَّي فَنَزَلَتْ ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فَدَعاني فَقَرَأَها عَلَيَّ وقَالَ: "لا تَنْكِحْها" (١). ٢٠٥٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَأَبُو مَعْمَرٍ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ حَبِيبٍ حَدَّثَني عَمْرُو بْنُ شُعَيبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُريِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَنْكِحُ الزّاني المَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ". وقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَني حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (٢). * * * باب في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [٢٠٥١] (ثنا إبراهيم بن محمد التيمي) قاضي مرو، ثقة (ثنا يحيى) ابن سعيد القطان (عن عبيد الله بن الأخنس) بن مالك النخعي الخزاز (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب بن محمد (عن جده) محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص (٣)، قال يحيى القطان: إذا روى عنه ثقة فهو ثقة

стр. 5811

حجة، وقال البخاري: رأيت أحمد وعامة أصحابنا يحتجون به. (أن مرثد) بفتح الميم والمثلثة (بن أبي مرثد الغنوي) بفتح الغين المعجمة والنون نسبة إلى غني بن أعصر، وقيل: يعصر، واسمه مرثد بن سعد بن قيس غيلان، وشهد مرثد ووالده أبو مرثد - واسمه كناز بالنون قبل الألف بن حصين بن يربوع الغنوي - بدرًا واستشهد في غزوة الرجيع و (كان يحمل الأسارى) بضم الهمزة والمهملة بالفتح جمع أسير. (بمكة) تفسرها رواية الترمذي: من مكة حتى يأتي بهم إلى المدينة (١) (وكان بمكة) امرأة (بغي) بغت المرأة إذا زنت (يقال لها: عناق) بفتح العين المهملة تكري نفسها للزنا. (وكانت صديقته) أي صديقة له كما في الترمذي، وأصل الصديقة من الصدق وهو المودة، زاد الترمذي: وإنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة بحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط فلما انتهت إلي عرفتني فقالت: مرثد؟ قلت: مرثد. قالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أساراكم، قال: فتبعتني ثمانية وسلكت الخندمة بفتح الخاء المعجمة وسكون النون، قال في "النهاية": هو جبل معروف عند أهل مكة (٢). قال يعني: مرثد: فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلت فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظل بولهم على رأسي

стр. 5812

وعماهم الله عني، قال: فرجعوا فرجعت إلى صاحبي وحملته، وكان رجلًا ثقيلًا حتى انتهيت إلى الإذخر ففككت عنه أكيله، قال ابن الأثير: جمع كيل بفتح الكاف مثل فلس وأفلس، والكيل القيد الثقيل، انتهى. قال: فجعلت أحمله ويعينني حتى قدمت المدينة (قال) حتى (جئت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنكح عناق) بالفتح بلا تنوين؛ لأنه غير منصرف؛ لاجتماع التأنيث والعلمية، ومنع صرفه مع أنه خال من تاء التأنيث لكنه رباعي قبل آخره حرف علة. (فسكت عني) وللنسائي: فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد علي حتى نزلت (١). فيه جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وفيه أنه يجب على المستفتى إذا سئل عن الجواب وكان لا يعرف جوابه إلى أن يراجع غيره أو يراجع كتب المذهب أن يسكت عن الجواب كما سكت سيد الأولين والآخرين، ولا يبادر بالجواب حياء من المستفتي، أو لئلا ينسب إلى قلة علم ونحو ذلك، ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه (فنزلت) زاد الترمذي: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (٢). (والزانية لا ينكحها) نكاح زنا (إلا زان) مثلها، قال ابن المسيب وغيره: نسخ من هذِه الآية تحريم نكاح الزانية فيحل تزويجها بعد الاستبراء للذي زنى بها ولغيره، وهو مذهب ابن عمر وسالم وجابر ومالك بن أنس والشافعي وأبي حنيفة (٣).

стр. 5813

(أو مشرك) قال ابن هشام في "المغني": استشكل بعضهم هذِه الآية وسأل عنها فقال: كيف عطف المرفوع على المجرور؟ فقلت له: فهلا استشكلت ورود الفاعل مجرورًا وبينت له أن الأصل (زانيُ) بياء (١) مضمومة ثم حذفت الضمة للاستثقال (٢) فانحذفت الياء لالتقائها ساكنة والتنوين، فيقال: فاعل وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المضمومة المحذوفة (٣). قال ابن المسيب وغيره: نسخ من قوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ نكاح المشرك للزانية، فلا يحل تزويج المشرك لمسلمة ولو كانت زانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٤) بضم التاء من تنكحوا، فإن الأمة اجتمعت على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام. (فدعاني رسول الله ﷺ فقرأها علي) وللترمذي: فقال: يا مرثد ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (وقال: لا تنكحها) قيل: نزلت هذِه الآية في نساء بأعيانهن كن مشهورات بالزنا بمكة والمدينة يكرين أنفسهن للزنا لهن رايات، وقيل: بالنكاح ها هنا الوطء، والمراد أن الزاني لا يطاوعه على مثل فعله ويوافقه على مراده إلا زانية مثله أو مشرك من غير الملة لا يحرم الزنا، وقيل: المراد

стр. 5814

بالآية تحريم نكاح الزانية على العفيف والعفيف على الزانية، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذلك. [٢٠٥٢] (ثنا مسدد وأبو معمر عبد الله) بن عمرو بن الحجاج المنقري المقعد (قال: ثنا عبد الوارث، عن حبيب) المعلم، قال (حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد) بن أبي سعيد (المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ) في معنى الآية (لا ينكح الزاني المجلود) في حد الزنا (إلا مثله) الزانية المجلودة مثله، وعلى هذا فالآية وإن كان ظاهرها العموم فالمراد بها الخصوص، وهو هذا المجلود. (قال أبو معمر) المنقري المقعد (ثنا) عبد الوارث، وزاد في روايته (حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب) عن سعيد المقبري.

стр. 5815

٦ - باب في الرَّجُلِ يَعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُها . ٢٠٥٣ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّريِّ، حَدَّثَنا عَبْثَرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عامِرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ جارِيَتَهُ وَتَزَوَّجَها كَانَ لَهُ أَجْرانِ" (١). ٢٠٥٤ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ قَتادَةَ وَعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها (٢). * * * باب في الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها [٢٠٥٣] (ثنا هناد بن السري، ثنا عبثر) بفتح العين المهملة والثاء المثلثة بينهما موحدة، بن القاسم أبو زبيد الزبيدي (عن مطرف) بن طريف (عن عامر) بن شراحيل الشعبي (عن أبي بردة) عامر (عن) والده (أبي موسى) الأشعري ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ : من أعتق جاريته) التي يملكها (وتزوجها) سواء وطئها أم لم يطأها، وهذا يبين أن المراد به في الصحيحين وطئها أي: حل له وطئها، والظاهر أنه لا بد في تحصيل الأجرين من بقية الأوصاف المذكورة في الصحيحين، واللفظ للبخاري: "أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها" (٣).
следующие страницы →