حجة، وقال البخاري: رأيت أحمد وعامة أصحابنا يحتجون به.
(أن مرثد) بفتح الميم والمثلثة (بن أبي مرثد الغنوي) بفتح الغين المعجمة والنون نسبة إلى غني بن أعصر، وقيل: يعصر، واسمه مرثد بن سعد بن قيس غيلان، وشهد مرثد ووالده أبو مرثد - واسمه كناز بالنون قبل الألف بن حصين بن يربوع الغنوي - بدرًا واستشهد في غزوة الرجيع و (كان يحمل الأسارى) بضم الهمزة والمهملة بالفتح جمع أسير.
(بمكة) تفسرها رواية الترمذي: من مكة حتى يأتي بهم إلى المدينة (١) (وكان بمكة) امرأة (بغي) بغت المرأة إذا زنت (يقال لها: عناق) بفتح العين المهملة تكري نفسها للزنا.
(وكانت صديقته) أي صديقة له كما في الترمذي، وأصل الصديقة من الصدق وهو المودة، زاد الترمذي: وإنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة بحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط فلما انتهت إلي عرفتني فقالت: مرثد؟ قلت: مرثد. قالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أساراكم، قال: فتبعتني ثمانية وسلكت الخندمة بفتح الخاء المعجمة وسكون النون، قال في "النهاية": هو جبل معروف عند أهل مكة (٢). قال يعني: مرثد: فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلت فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظل بولهم على رأسي
стр. 5812
وعماهم الله عني، قال: فرجعوا فرجعت إلى صاحبي وحملته، وكان رجلًا ثقيلًا حتى انتهيت إلى الإذخر ففككت عنه أكيله، قال ابن الأثير: جمع كيل بفتح الكاف مثل فلس وأفلس، والكيل القيد الثقيل، انتهى. قال: فجعلت أحمله ويعينني حتى قدمت المدينة (قال) حتى (جئت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنكح عناق) بالفتح بلا تنوين؛ لأنه غير منصرف؛ لاجتماع التأنيث والعلمية، ومنع صرفه مع أنه خال من تاء التأنيث لكنه رباعي قبل آخره حرف علة.
(فسكت عني) وللنسائي: فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد علي حتى نزلت (١). فيه جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وفيه أنه يجب على المستفتى إذا سئل عن الجواب وكان لا يعرف جوابه إلى أن يراجع غيره أو يراجع كتب المذهب أن يسكت عن الجواب كما سكت سيد الأولين والآخرين، ولا يبادر بالجواب حياء من المستفتي، أو لئلا ينسب إلى قلة علم ونحو ذلك، ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه (فنزلت) زاد الترمذي: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (٢).
(والزانية لا ينكحها) نكاح زنا (إلا زان) مثلها، قال ابن المسيب وغيره: نسخ من هذِه الآية تحريم نكاح الزانية فيحل تزويجها بعد الاستبراء للذي زنى بها ولغيره، وهو مذهب ابن عمر وسالم وجابر ومالك بن أنس والشافعي وأبي حنيفة (٣).
стр. 5813
(أو مشرك) قال ابن هشام في "المغني": استشكل بعضهم هذِه الآية وسأل عنها فقال: كيف عطف المرفوع على المجرور؟ فقلت له: فهلا استشكلت ورود الفاعل مجرورًا وبينت له أن الأصل (زانيُ) بياء (١) مضمومة ثم حذفت الضمة للاستثقال (٢) فانحذفت الياء لالتقائها ساكنة والتنوين، فيقال: فاعل وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المضمومة المحذوفة (٣).
قال ابن المسيب وغيره: نسخ من قوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ نكاح المشرك للزانية، فلا يحل تزويج المشرك لمسلمة ولو كانت زانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٤) بضم التاء من تنكحوا، فإن الأمة اجتمعت على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام.
(فدعاني رسول الله ﷺ فقرأها علي) وللترمذي: فقال: يا مرثد ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (وقال: لا تنكحها) قيل: نزلت هذِه الآية في نساء بأعيانهن كن مشهورات بالزنا بمكة والمدينة يكرين أنفسهن للزنا لهن رايات، وقيل: بالنكاح ها هنا الوطء، والمراد أن الزاني لا يطاوعه على مثل فعله ويوافقه على مراده إلا زانية مثله أو مشرك من غير الملة لا يحرم الزنا، وقيل: المراد
стр. 5814
بالآية تحريم نكاح الزانية على العفيف والعفيف على الزانية، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذلك.
[٢٠٥٢] (ثنا مسدد وأبو معمر عبد الله) بن عمرو بن الحجاج المنقري المقعد
(قال: ثنا عبد الوارث، عن حبيب) المعلم، قال (حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد) بن أبي سعيد (المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ) في معنى الآية (لا ينكح الزاني المجلود) في حد الزنا (إلا مثله) الزانية المجلودة مثله، وعلى هذا فالآية وإن كان ظاهرها العموم فالمراد بها الخصوص، وهو هذا المجلود.
(قال أبو معمر) المنقري المقعد (ثنا) عبد الوارث، وزاد في روايته (حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب) عن سعيد المقبري.
стр. 5815
٦ - باب في الرَّجُلِ يَعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُها .
٢٠٥٣ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّريِّ، حَدَّثَنا عَبْثَرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عامِرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ جارِيَتَهُ وَتَزَوَّجَها كَانَ لَهُ أَجْرانِ" (١).
٢٠٥٤ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ قَتادَةَ وَعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها (٢).
* * *
باب في الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها
[٢٠٥٣] (ثنا هناد بن السري، ثنا عبثر) بفتح العين المهملة والثاء المثلثة بينهما موحدة، بن القاسم أبو زبيد الزبيدي (عن مطرف) بن طريف (عن عامر) بن شراحيل الشعبي (عن أبي بردة) عامر (عن) والده (أبي موسى) الأشعري ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ : من أعتق جاريته) التي يملكها (وتزوجها) سواء وطئها أم لم يطأها، وهذا يبين أن المراد به في الصحيحين وطئها أي: حل له وطئها، والظاهر أنه لا بد في تحصيل الأجرين من بقية الأوصاف المذكورة في الصحيحين، واللفظ للبخاري: "أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها" (٣).
стр. 5816
(كان له أجران) (١) أجر الإعتاق وأجر التزويج والتأديب والتعليم يوجبان الأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس، فلم يكن مختصًّا بالإماء وقيد بالتأديب والتعليم؛ لأنه أكمل الأجر إن تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب إلى إعانة زوجها على دينه.
[٢٠٥٤] (ثنا عمرو بن عون) الواسطي البزاز، شيخ البخاري (أخبرنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله (عن قتادة وعبد العزيز بن صهيب) البناني البصري (عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ أعتق صفية) بنت حيي بن أخطب (وجعل عتقها صداقها) (٢) اختلف العلماء فيمن أعتق أمة على أن تتزوج به ويكون عتقها صداقها، فقال الجمهور: لا يلزمها أن تتزوج به، ولا يصح هذا الشرط، وممن قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة (٣). وقيل: معناه أنه أعتقها بشرط أن ينكحها فلزمها الوفاء، بخلاف غيره، وجعل عياض قوله: وجعل عتاقها صداقها من قول أنس لا مرفوعًا. قال: ولعله تأويل منه؛ إذ لم يسم صداقًا، قال الشافعي: فإن أعتقها على شرط فقبلت عتقت ولا يلزمها أن تتزوج به بل عليها قيمتها (٤)؛ لأنه لم يرض بعتقها مجانًا، بل بعوض، وإذا بطل العوض في الشرع رجع إلى
стр. 5817
قيمتها لتعذر الرجوع إلى نفس سلعته، ومنهم من أجاز ذلك لظاهر الحديث، وعلى الصحيح أنه أعتقها مجانًا كما هو أقرب إلى لفظ الحديث، فيكون معناه: ثم جعل لها شيئًا غير العتق فحل محل الصداق وإن لم يكن صداقًا فهو كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له. ومنهم من جعل ذلك من خصائصه؛ لأنه خص بالموهوبة وأجيز له النكاح بغير مهر، فلا يقاس عليه فيما خص به، وهو قول مالك وغيره، ويجوز أن يحمل على أنه أعتقها لله تعالى ثم تزوجها بلا صداق برضاها (١).
стр. 5818
٧ - باب يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ
٢٠٥٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينارٍ عَنْ سُلَيمانَ بْنِ يَسارٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ الوِلادَةِ" (١).
٢٠٥٦ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ لَكَ في أُخْتي؟ قَالَ: "فَأَفْعَلُ ماذا؟ ". قَالَتْ: فَتَنْكِحُها. قَالَ: "أُخْتَكِ". قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "أَوَتُحِبِّينَ ذاكَ". قَالَتْ: لَسْتُ بِمُخْلِيَةٍ بِكَ وَأَحَبُّ مَنْ شَرَكَني في خَيْرٍ أُخْتي. قَالَ: "فَإِنَّها لا تَحِلُّ لي". قَالَتْ: فَواللَّهِ لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ - أَوْ ذُرَّةَ شَكَّ زُهَيْرٌ - بِنْتَ أَبي سَلَمَةَ. قَالَ: "بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ". قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "أَما والله لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبتي في حجْري ما حَلَّتْ لي إِنَّها ابنةُ أَخي مِنَ الرَّضاعَةِ أَرْضَعَتْني وَأَباها ثُوَيْبَةُ فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَناتِكُنَّ وَلا أَخَواتِكُنَّ" (٢).
* * *
باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
[٢٠٥٥] (ثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب (عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ قال: يحرم من الرضاعة) بفتح الراء من رضع بكسر الضاد، كتعب ورضع أيضًا من باب ضرب، لغة لأهل تهامة،
стр. 5819
وأنكر الأصمعي كسر الراء مع الباء.
(ما يحرم من الولادة) واستدل بإطلاقه من قال: أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، وقد روى ذلك علي وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن ومكحول ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي، وهو رواية عن أحمد (١). وزعم الليث أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به الصائم، واستدل أيضًا: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢)، وبقول الأمة السوداء: أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، قال: "وكيف قد زعمت أنها أرضعتكما" (٣). ولأنه فعل يحرم به تحريم مؤبد فلم يعتبر فيه العدد كتحريم أمهات النساء، ولا يلزم اللعان؛ لأنه قول (٤).
والصحيح عند الشافعي، وأحمد وغيرهما أن الذي يتعلق به التحريم خمس رضعات؛ لرواية مسلم عن عائشة أنها قالت: أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن (٥). فنسخ من ذلك خمس، وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك (٦).
стр. 5820
وصريح هذا الحديث تخصيص مفهوم ما احتجوا به من الأدلة، وسيأتي الحديث مع زيادة على هذا.
واستدل بهذا الحديث حيث لم يستثن منه شيئًا أن ما قالوه استثناء من القاعدة أن أربع نسوة يحرمن من الولادة، وفي الرضاع قد يحرمن وقد لا يحرمن، جمعها بعضهم في بيتين:
أربع في الرضاع هن حلال ... وإذا ما نسبتهن حرام
جدة ابن وأخته ثم أم ... لأخيه وحافد والسلام
أي: جدة الابن وأخت الابن وأم الأخ وأم الحافد.
وهذِه الصور الأربع ذكر الرافعي في كتاب الرضاع أنه لا حاجة إلى استثنائها، ونقل النووي من زياداته عن المحققين مثله، ولهذا لم يستثنها الشافعي ولا الجمهور، ولا استثنيت في هذا الحديث (١).
[٢٠٥٦] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا زهير) بن معاوية بن خديج الحافظ.
(عن هشام بن عروة، عن) أبيه (عروة) بن الزبير (عن زينب بنت أم سلمة) وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وكان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ زينب، سمعت النبي ﷺ عند البخاري (عن) أمها (أم سلمة) هند بنت أبي أمية.
стр. 5821
(أن أم حبيبة) بنت أبي سفيان بن صخر (قالت: يا رسول الله، هل لك في أختي) فيه عرض البنات والأخوات على الأكابر، واسمها عزة بفتح العين المهملة والزاي المشددة بنت أبي سفيان.
(قال: فأفعل ماذا؟ ) فيه مراجعة السائل إذا لم يفهم المفتي مراده (قالت: فتنكحها) أي: أرضى بأن تنكحها، قال بعض المتأخرين: أنها إنما سألت ذلك نيابة عن والدها أبي سفيان؛ فإنه أراد أن يزوج النبي ﷺ بابنته الأخرى عزة فاستعان بأم حبيبة.
(قال: أختك؟ ) أي: بالرفع أي: مرادك أختك؟ (قالت: نعم. قال: أو تحبين) بفتح الواو، أراد بالاستفهام ها هنا الاستثبات في شدة الرغبة ليقرر الجواب بعد ذلك، وإنصافًا ليعلم ما السبب في محبتها ذلك ليترتب عليه الحكم الشرعي، فلذلك أجابت بقولها: لست لك بمخلية إلى آخره والكاف في (١) (ذلك) مكسورة لأنه خطاب لمفرد مؤنث.
(قالت: لست بمخلية) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام وتخفيف الياء اسم فاعل من أخلاه وجده خاليًا، وهو من معاني أفعل كأحمدته وجدته حميدًا، وأبخلته وجدته بخيلًا، والمعنى: لست أجدك خاليًا من طلب الزوجات بعدي.
قال البرماوي: أما تفسير النووي له بقوله: أي أخلى بك بغير ضرة، فإن قرئ مبنيًّا للمفعول فخالف ضبطه أولًا، أو مبنيًّا للفاعل فلا معنى (٢)، وإنما ينبغي أن يقال: لست بمخليتك (بك) وظاهره على ما قاله النووي:
стр. 5822
لست أخلى بك دون ضرة (١).
(وأحب من شركني) بكسر الراء الخفيفة، أي: أحب من شاركني (في خير) يحصل من صحبتك ومحبتك والانتفاع بك في الدنيا والآخرة (أختي) عزة بفتح المهملة كما تقدم، وأختي مرفوع بضمة مقدرة خبر المبتدأ الذي هو أحب، وإنما قالت ذلك اعتقادًا بخصوصية النبي ﷺ بذلك وإلا فصريح القرآن تحريم الجمع بين الأختين، بل قال بذلك بعض أصحابنا أن ذلك كان من خصائصه فلهذا اعترضت بنكاح درة بنت أبي سلمة مع أن تحريم الربيبة أيضًا جوزت الجمع بين الأختين له قياسًا على الربيبة، أما إذا لم تكن عالمة بالآية فيهما فلا يلزم من تحريم الجمع بين الأختين تحريم الربيبة؛ لعدم الملازمة.
(قال: فإنها لا تحل لي. قالت: فوالله لقد أخبرت) بضم الهمزة وكسر الموحدة (أنك تخطب درة) بضم الدال المهملة وتشديد الراء المهملة.
قال ابن دقيق العيد: ومن قال فيه (أو ذرة) بفتح الذال المعجمة فقد صحفه (٢) (شك زهير) بن معاوية ﵁ (بنت) بالنصب (أبي سلمة) بن عبد الأسد القرشية المخزومية ربيبة النبي ﷺ بنت زوجته أم سلمة (قال: بنت) بنصب التاء آخره؛ لأن ما قبله منصوب، وحرف الاستفهام محذوف، أي: أبنت (أم سلمة) بن عبد الأسد، تقدم. (قالت: نعم) ويحتمل أن يكون معنى هذا الاستفهام استئنافًا لرفع الاشتراك، ويحتمل أن يكون جاء على طريق الإنكار لما أرادت من نكاح أختها.
стр. 5823
(قال: أما والله لو لم تكن ربيبتي في حجري) الربيب ولد امرأة الرجل من غيره؛ سمي بذلك لأن الرجل راب له من الرب وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأموره ويصلح أحواله، فهو فعيل بمعنى مفعول، وكان العباس لا يلحقه بالتأنيث؛ لأن فعيلًا هذا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لكنهم استعملوه بالياء خشية الالتباس؛ لأن اللفظ يشتق من التربية غلط؛ لعدم الاتفاق في الحروف الأصلية، في حجري بالفتح أفصح، ويجوز الكسر وهو مقدم على ثوب الإنسان وما بين يديه في حال اللبس، ثم استعملت اللفظة في الحفظ والستر، قال ابن عطية: لأن اللابس وما يحفظ إنما أشبهه الطفل وغيره بذلك الموضع من الثوب (١).
والتقييد بكونها في حجره جرى مجرى الغالب خلافًا لداود كما قرر ذلك في الآية الشريفة، ويجوز أن يكون ﵇ ذكر الحجر اقتداء بالقرآن، ويكون ذلك من باب التأدب بآداب القرآن في قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢)، "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" (٣).
(ما حلت لي) أي ليست الأخرى، أي أن هذا السبب وهو كونها ربيبة لو فقد لكانت حرامًا بسبب آخر وهو كذا، والحاصل أنها حرام بسببين لو فقد أحدهما لم يحتج إليه لوجود الآخر (إنها ابنة أخي) أبي سلمة (من الرضاعة) المحرمة (أرضعتني وأباها) بفتح الهمزة والموحدة أي: والدها أبو سلمة (ثويبة) بضم المثلثة وفتح الواو مصغر، زاد البخاري
стр. 5824
في أفراده، قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر خيبة، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذِه بعتاقتي لثويبة (١)، انتهى.
قال السهيلي: يقال أنها بشرت مولاها أبا لهب بميلاد النبي ﷺ فقال: اذهبي فأنت حرة (٢). وقيل: إنه أعتقها بعد الهجرة، قاله ابن سعد في "الطبقات" (٣)، والحاكم أبو أحمد، فعلى الأول سبب الإعتاق التخفف ببعض البشارة، وعلى الثاني الإعتاق ببعض الإرضاع (فلا تعرضن) بفتح التاء وسكون الضاد وكسر الراء؛ لوقوعها قبل نون النسوة مثل يضربن، ويجوز تشديد النون للتوكيد فيكسر الضاد حينئذٍ لالتقاء الساكنين، والأصل: فلا تعرضننّ بثلاث نونات، الأولى نون النسوة، والأخريان نون التوكيد المشددة فحذفت النون الأولى فالتقى ساكنان فكسر الأول، وخطابه لجمع النسوة، وأن القضية لامرأتين أم سلمة وأم حبيبة لتعميم الحكم لكل امرأة وردعًا وزجرًا أن يعود أحد لمثل ذلك.
(علي بناتكن ولا أخواتكن) بفتح الخاء. فيه النهي عن عرض ما لا يحل نكاحهن للأزواج، وكذا عرض شراء ما لا يجوز تملكه كالمعازف والملاهي ونحوه.
стр. 5825
وفي الحديث دليل على تحريم الجمع بين الأختين سواء كان عقدًا واحدًا أو عقدين.
وفيه دليل على تحريم الرضاع من النسب، وأن يقاسا بنص القرآن.
стр. 5826
٨ - باب فِي لَبَنِ الفَحْلِ
٢٠٥٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ العَبْدِيُّ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أفلَحُ بْنُ أَبي القُعَيْسِ فاسْتَتَرْتُ مِنْهُ. قَالَ: تَسْتَتِرِينَ مِني وَأَنا عَمُّكِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخي. قَالَتْ: إِنَّما أَرْضَعَتْني المَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْني الرَّجُلُ. فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: "إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ" (١).
* * *
باب في لبن الفحل
[٢٠٥٧] (ثنا محمد بن كثير العبدي، أنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة قالت: دخل علي أفلح) بفتح الهمزة وسكون الفاء (ابن أبي القعيس) بضم القاف وفتح العين المهملة، وفي البخاري: أفلح أخو أبي القعيس (٢). وقيل: أفلح أبو القعيس (٣) أخو عائشة من الرضاعة
(فاستترت منه) وللبخاري عن عائشة: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب، فأبت أن تأذن له (٤) (قال: تستترين مني وأنا عمك) فيه التثبيت بالأحكام حتى يتضح
стр. 5827
بالاستفتاء، وفيه عدم كراهة التسمية بأفلح وإن كان قد جاء ما يخالفه، ولعل تقريره ﵇ في هذا الحديث بيان الجواز، وأن النهي عن الكراهة دون التحريم أعني حديث النهي عن التسمية بأفلح (وأنا عمك) وللبخاري: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ (١).
(قالت: قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي) وفي الصحيح عن عائشة: لو كان فلان (٢) حيًّا لعمها من الرضاعة دخل علي؟ قال: "نعم". ثم قال في آخر الحديث: "إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة" (٣). قال القابسي: هما عمان لعائشة أحدهما أخو أبيها أبي بكر من الرضاعة أرضعتهما امرأة واحدة، والثاني أخو أبيها من الرضاعة يعني أخا أبي القعيس (٤). كما قال: أرضعتك امرأة أخي. قال ابن أبي حازم: هما واحد في الحديثين.
قال عياض: والأشبه قول أبي الحسن؛ إذ لو كان واحدًا لم تحتج للامتناع منه ولحجابه بعد إعلام النبي ﷺ لها بذلك، أو لسؤالها عن عمها الميت لو كان حيًّا. ورجح بعضهم قول أبي حازم، وقال: لعل عم حفصة كان بخلاف عمها، وأفلح إما أن يكون أخاها (٥) شقيقًا والآخر لأب أو أم فقط، أو يكون أحدهما أعلى في العمومة والأخر أدنى أو يكون أحدهما أرضعت زوجة أخيه بعد موته والأخر في
стр. 5828
حياته، فأشكل هذا الأمر عليها حتى سألت عن حكم ذلك.
وفي حديث عائشة حجة على أن قليل الرضاعة وكثيرها يحرم كما تقدم؛ إذ لم يقع في الرضاع سؤال عن عدد الرضعات، واكتفي فيه بأنه عم من الرضاعة مجملًا ولم يفصل (١).
(قالت: إنما أرضعتني المرأة) فيه الحصر بإنما، ومفهوم الحصر أن الرجل لم يرضع وإنما ذكر (ولم يرضعني الرجل) زيادة في البيان.
اختلف العلماء في التحريم بلبن الفحل، فجمهور العلماء على أنه يحرم كما هو ظاهر الحديث، وذهبت طائفة إلى أنه لا يحرم وإنما يقع التحريم في ناحية المرأة لا من ناحية الرجل، روي هذا عن عائشة وابن عمر وابن الزبير وغيرهم من التابعين، وهو مذهب أهل الظاهر وابن ابنة الشافعي، وقيل: إنه لا يصح عن عائشة، وهذا الأشبه؛ لأنها روت الحديث فيه، وقال الإمام الشافعي: نشر الحرمة إلى الفحل خارج عن القياس؛ فإن اللبن ليس ينفصل منه، وإنما ينفصل منها، والمتبع الحديث (٢) (فدخل علي رسول الله ﷺ فحدثته، فقال: إنه عمك) بوب عليه البخاري في الشهادات: باب: الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم.
(فليلج عليك) (٣) وللبخاري في باب: لبن الفحل: فأمرني أن آذن له.
стр. 5829
وفيه إثبات التحريم بلبن الفحل، وأن زوج المرضعة بمنزلة الوالد للرضيع، وأخاه بمنزلة العم له. قال الخطابي: اللفظ عام ومعناه خاص، وتفصيله أن الرضاع يجري عمومه في تحريم النكاح للمرضعة وذوي أرحامها على الرضيع مجرى النسب، ولا يجري بين الرضيع وذوي أرحامه مجراه، وذلك أنه إذا أرضعته صارت أمًّا له يحرم عليه نكاحها ونكاح محارمها، وهي لا تحرم على أبيه ولا على ذوي أنسابه غير أولاده (١). فيجري الأمر في هذا الباب عمومًا في أحد الشقين وخصوصًا في الشق الآخر.
стр. 5830
٩ - باب فِي رَضاعَةِ الكَبِيرِ
٢٠٥٨ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ ح وَحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ المَعْنَى واحِدٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها وَعِنْدَها رَجُلٌ قَالَ حَفْصٌ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ - ثُمَّ اتَّفَقا - قَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضاعَةِ.
فَقَالَ: "انْظُرْنَ مَنْ إِخْوانُكُنَّ فَإِنَّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ" (١).
٢٠٥٩ - حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُطَهِّرٍ أَنَّ سُلَيْمانَ بْنَ المُغِيرَةِ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: لا رِضاعَ إلَّا ما شَدَّ العَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لا تَسْأَلُونا وهذا الحَبْرُ فِيكُمْ (٢).
٢٠٦٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الأَنْبارِيُّ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ أَبي مُوسَى الهِلالِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابن مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمَعْناهُ وقَالَ: أَنْشَزَ العَظْمَ (٣).
* * *
باب في رضاعة الكبير
[٢٠٥٨] (ثنا حفص بن عمر) الحوضي (ثنا شعبة) بن الحجاج الواسطي (وثنا محمد بن كثير) العبدي (أنا سفيان) الثوري (عن أشعث) بن أبي الشعثاء (سليم) المحاربي (عن أبيه) أبي الشعثاء سليم بن أسود
стр. 5831
ابن حنظلة المحاربي الكوفي (عن مسروق، عن عائشة - المعنى واحد - أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها رجل) لم أطلع على تسميته، لكن في البخاري في باب الغسل بالصاع أن أبا (١) سلمة قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة (٢). وأخرج مسلم من حديث أبي قلابة: وعبد الله بن يزيد رضيع عائشة (٣). تابعي من أهل البصرة.
(قال حفص) بن عمر دون محمد بن كثير (فشق عليه وتغير وجهه) كأنه كره ذلك، ولمسلم: فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه (٤) (ثم اتفقا) فيما بعد (قالت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة) بفتح الراء على الأفصح (فقال: انظرن من إخوانكن) جمع أخ في رواية للبخاري: "ما إخوانكن" (٥). إيقاعًا للفظة (ما) موقع (من) في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦)، قال ابن دقيق العيد: فيه نوع من التعريض لخشية أن يكون رضاعه لذلك الشخص وقع في حال الكبر (٧). ففيه نوع تحذير، وفيه استعمال لفظ إخوان في غير الأصدقاء، وهو أكثر ما يستعمل فيهم عند أهل اللغة، والأخوة في الولادة فيقال فيهم: إخوة،
стр. 5832
وكذا الرضاع كما في هذا الحديث.
(فإنما) هي للحصر؛ لأن المقصود الرضاعة المحرمة في المجاعة لا مجرد (الرضاعة) ولمسلم: "إنما". والإتيان بالفاء أصرح في التعليل، ووجه التعليل في ذلك أن الرضاعة المعتبرة في المحرمية شرعًا ما كان فيه تقوية البدن واستغناؤه به من الجوع، وذلك إنما يكون في حال الطفولية قبل الحولين كما أشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١)، وأمَّا بعد الحولين فالولد يستغني غالبًا بغير اللبن، فليس الرضاعة (من المجاعة) ولا يشبعه بعد ذلك إلا الخبز واللحم وغير ذلك كما سيأتي في الحديث بعده "لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم" (٢).
[٢٠٥٩] (ثنا عبد السلام بن مطهر) بفتح الهاء المشددة، ابن حسام بن مصك الأزدي، شيخ البخاري (أن سليمان بن المغيرة) القيسي مولى بني قيس بن ثعلبة (حدثهم عن أبي موسى) ذكره ابن عبد البر فيمن لم يذكر له اسمٌ سوى كنيته، ويعرف بأبي موسى الهلالي (عن أبيه، [عن ابن عبد الله] (٣) بن مسعود، عن) عبد الله (بن مسعود قال: لا رضاع) بكسر الراء (إلا ما شد العظم) أي: قوَّاه (وأنبت اللحم) أي: لحم المولود في بطن أمه كما ينبت الزرع في الأرض، والمعنى: أن حرمة الإرضاع لا تنتشر، ويؤثر التحريم كما تؤثر الولادة إلا إذا أنبتت الرضاعة اللحم
стр. 5833
وشدت العظم وقَوَّته، وتراعى مدة ذلك في الحولين كما اقتضته حكمة الله تعالى، ويدل على ذلك ما رواه الدارقطني من حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" (١). وقال البيهقي: الصحيح موقوف (٢). ويحتج له بحديث فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام (٣). والظاهر أن المراد بفتق الأمعاء انفتاحها ليدخل فيها اللبن، والأصل في الحولين قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٤) (فقال أبو موسى) الأشعري عمَّن مصَّ من ثدي امرأته لبنًا: حرمت عليك. فقال ابن مسعود: انظر ما تفتي به. فقال أبو موسى: ما تقول أنت؟ فقال ابن مسعود .. الحديث. فقال أبو موسى: (لا تسألونا) عن شيء.
(وهذا الحبر فيكم) المراد بالحبر ابن مسعود في الحديث المذكور في "الموطأ" (٥) عن يحيى بن سعيد، وفيه الاعتراف بمنزلة من فاق قومه وأنه يتعين السؤال له دون من دونه.
[٢٠٦٠] (ثنا محمد بن سليمان الأنباري) بتقديم النون كما تقدم (ثنا وكيع، عن سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى) سئل أبو حاتم الرازي عن أبي موسى فقال: مجهول، وأبوه مجهول (٦) (الهلالي، عن أبيه) عن ابن
стр. 5834
لعبد الله بن مسعود (عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ بمعناه، فقال) لا رضاع إلا ما (أنشز العظم) له أنشز يروى بالراء المهملة أي: شدَّه وقوَّاه، من الإنشار بمعنى الإحياء قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (وانظر إلى العظام كيف نُنشرها) (١) بضم النون الأولى وكسر الشين بعدها راء مهملة، وقرأ ابن عباس والحسن وأبو حيوة وأبان عن عاصم بفتح النون وضم الراء المهملة، وقرأ باقي السبعة بضم النون الأولى وكسر الزاي المعجمة، فقراءة الراء المهملة: نشر وأنشر بمعنى أحيا، وقراءة الضم مع الزاي بمعنى الارتفاع عن الحالة التي كان عليها، ويروى في الحديث: "إلا ما أنشز العظم" بالزاي أي: زاد في حجمه، والنشز بالزاي ما ارتفع من الأرض. وفي الحديث: "كان إذا أوفى على نشز كبر" (٢)(٣) وهو بسكون الشين وفتحها، والحديث وإن كان قد تكلم فيه. وقال: أبو موسى وأبوه مجهولان. فقد أخرجه البيهقي من وجهٍ آخر من حديث أبي حصين عن أبي (٤) عطية قال: جاء رجل إلى أبي موسى (٥)، فذكر بمعناه.
باب من حرم به
[٢٠٦١] (ثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر بن الطبري شيخ البخاري. (ثنا عنبسة، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ . و) عن (أم سلمة) زوج النبي ﷺ : (أن أبا حذيفة) اسمه قيس، وقيل: هاشم. وقيل: هشيم (بن عتبة) بضم المهملة وسكون المثناة الفوقانية (بن ربيعة بن عبد شمس) القرشي من فضلاء الصحابة، هاجر الهجرتين وصلى القبلتين، من المهاجرين الأولين، قال البخاري: وكان ممن شهد بدرًا مع النبي ﷺ (وكان تبنى) أي: اتخذه ابنا له فنسب إليه (سالمًا) وهو أبو عبد الله سالم بن معقل بفتح الميم وسكون المهملة، مولى أبي حذيفة، كان من خيار الصحابة وفضلاء الموالي، يعد في قريش لتبني أبي حذيفة ويعد في المهاجرين لهجرته، ويعد في الأنصار لأن معتقته أنصارية، ويعد في العجم لأنه من أهل فارس من إصطخر من كرمة ومن سبي كرمان، ويعد في القراء، وكان يؤم المهاجرين بقباء وعمر فيهم.
(وأنكحه بنت أخيه هند) بالنصب، وأخيه بفتح الهمزة وكسر الخاء، وضبطه في بعض الروايات ابنة، بضم الهمزة وسكون النون والحاء، هذا غير صحيح، واحتج من خالف البخاري وأبا داود وغيرهما بأن قال: إنما هذِه سالمًا، ونكحت زينب زيدًا قبل أن يدعيا إلى أبويهما وهم يرون أن من تبنى أحدًا فإنه ابنه.
(بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة) وذكر الزبير بن بكار أن هند ولدت لقدامة بن مظعون وذكر لها شعرًا (وهو مولى لامرأة من الأنصار) اسمها
стр. 5837
ثبيتة بضم المثلثة وفتح الموحدة وإسكان المثناة، وقيل: سلمى بنت يعار (كما تبنى رسول الله ﷺ زيدًا) بن حارثة بن شراحيل (وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية) سموا بذلك لكثرة جهالاتهم (دعاه الناس إليه) أي: نسبوه إليه (وورث) بكسر الراء (ميراثه) كما قال تعالى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ (١) (حتى أنزل الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾) (٢) الذين ولدوهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) أي: قولكم لأدعيائكم فلان بن فلان، فانسبوه لأبيه الذي ولده (إلى قوله) تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾) أي: فهم إخوانكم (﴿فِي الدِّينِ﴾) إذا لم تعرفوا للداعي أن يعرف فيقول: أخي فلان (﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾) من ولاء العتاقة، وقيل: من موالاة المودة وكانوا قد تبنوا مماليكهم، فلما نزلت الآية انتسبوا لآبائهم حتى لو كان لأحدهم أبٌ حمار لانتسب إليه (فردوا) بضم الراء مبني لما لم يسم فاعله (إلى آبائهم) أي: تنسبوا الأبناء إلى آبائهم وتركوا التبني.
(فمن لم يعرف) أي: يعرف (له أب) ينتسب إليه (كان مولى) من العتاقة أو من موالاة المودة (وأخًا في الدين) سمي أخًا لأنه يتوخى أي: يقصد ما يود أخوه وما فيه نفعه ليوصله إليه (فجاءت سهلة) بفتح السين المهملة (بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري) وهي أيضًا امرأة أبي حذيفة [وولدت له] (٤) محمد بن أبي حذيفة، وولدت لعبد الرحمن بن عوف سالمًا (فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى) بضم
стр. 5838
النون أي: نظن ونعتقد (سالمًا ولدًا) أي: بمنزلة الولد في حكمه (وكان يأوي معي) بسكون الهمزة أي: ينضم ويجتمع (ومع أبي حذيفة في بيت واحد) نسكن فيه ليس لنا غيره، والمأوى المنزل، وفي الحديث: "الحمد لله الذي كفانا وآوانا" (١) أي ردنا إلى مأوى لنا ولم يجعلنا منتشرين متفرقين (و) إنه (يراني فضلًا) بضم الفاء والضاد المعجمة أيضًا مثل جنب، قال في "النهاية": أي متبذلة في ثياب مهنتي، يقال: تفضلت المرأة إذا لبست ثياب مهنتها أو كانت في ثوب واحد فهي فضل (٢). وذلك الثوب مفضال، وقيل: معنى فضل مكشوفة الرأس، وقيل: رجل فضل إذا كان عليه قميص ورداء دون سراويل.
(وقد أنزل الله) تعالى (ما قد علمت) تعني: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٣) (فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ : أرضعيه) بفتح الهمزة أي: لتحرمي (٤) عليه (فأرضعته خمس رضعات) بفتح الضاد؛ لأن فعلة إذا كانت اسمًا أو مصدرًا فعينها مفتوحة في الجمع السالم كركعات، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (٥)، وإن كانت صفة فساكنة العين كضخمات، والمراد بخمس الرضعات أن يكن متفرقات، لكن استغني عنه بجمع الرضعة (فكان) بعد ذلك سالم (بمنزلة ولدها) في التحريم والخلوة والرؤية (من) أجل تلك (الرضاعة)
стр. 5839
استدل به لما شذ من قول الليث بن سعد وعطاء أن رضاع الكبير يوجب التحريم، وهو قول عائشة كما سيأتي، وروي عن أبي موسى، وروي عنه ما يدل على رجوعه كما سيأتي، وبه قال أهل الظاهر، واتفق أئمة الأمصار أن رضاع الكبير لا يحرم (١)، واتفقوا على حمل هذا الحديث على أحد وجهين: إما على الخصوص، وإما على النسخ، كما سيأتي.
(فبذلك كانت عائشة) ﵂ (تأمر بنات) بكسر التاء آخره؛ لأنه جمع مؤنث سالم (أخواتها، وبنات) بكسر التاء أيضًا (أخويها أن يرضعن كل من أحبت عائشة) ﵂ (أن يراها) ورواية "الموطأ": فقال لها رسول الله ﷺ فيما بلغنا: "أرضعيه خمس رضعات، فيحرم بلبنها"، وكانت تراه ابنا من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أختها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال (٢).
(ويدخل عليها) ويخلو بها ويسافر معها وينظر منها ما ينظر المحرم من النسب (وإن كان الراضع كبيرًا) أي: رجلًا (خمس رضعات، ثم يدخل عليها) الراضع ويخلو بها، وهذا مذهب عائشة والليث وداود، وخالفهم الجمهور وسائر أزواج النبي ﷺ كما سيأتي، وذكر ابن المواز (٣) حديث "الموطأ" عن عائشة أنها كانت تأخذ بذلك في
стр. 5840
الحجاب خاصة، وقد اعتضد الجمهور بأن هذا مخالف للقواعد في الرضاع، ولقاعدة تحريم الاطلاع على العورة؛ لأن ثدي الحرة عورة، ولا يجوز للأجنبي الاطلاع عليه (١). قال القرطبي: ولا يقال: يمكن أن يرضع ولا يطلع؛ لأنا نقول: إن نفس التقام حلمة الثدي بالفم لا يجوز (٢). ومما يدل على قول الجمهور ما أخرجه مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن دينار قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر وأنا معه عند دار القضاء يسأله عن رضاعة الكبير، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني كانت لي وليدة أطؤها، فعمدت امرأتي فأرضعتها ثم قالت لي: دونك قد والله أرضعتها، فقال عمر: أوجعها ضربًا وأت (٣) جاريتك، فإن الرضاعة في الصغر (٤).
وروى أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٥) عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام" (٦). (وأبت) أي: امتنعت (أم سلمة) هند بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ ، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد فولدت له عمر وسلمة ودرة وزينب. وعن أم الحسن أنها كانت عند أم سلمة، فدخل عليها مساكين فجعلوا يلحون في المسألة، فقلت: اخرجن. فقالت أم سلمة: ما بهذا أمرنا يا
стр. 5841
جارية، ردي كل واحدة، ولو بتمرة تضعيها في يدها (١).
(وسائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن) بضم الياء (عليهن بتلك الرضعة) بفتح الراء (أحدًا من الناس) جاوز الحولين (حتى يرضع في المهد) المهد المكان للصبي ينام فيه، ويراد به حجراته أيضًا (وقلن لعائشة: والله ما ندري) حكم رضاعة سالم (لعلها كلانت رخصة من النبي ﷺ لسالم) مولى أبي حذيفة (دون) غيره من (الناس) وقد قال الشافعي: هو رخصة لسالم خاصة (٢). وقاله ابن المنذر.
قال القرطبي: أطلق بعض الأئمة على حديث أم سلمة أنه منسوخ، وأظنه سمى التخصص نسخًا، وإلا فحقيقة النسخ لم تحصل (٣). وعلى ما تقرر ليس يخلو إما أن يكون منسوخًا أو خاصًّا بسالم كما قالت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ ، وهن بالخاص والعام والناسخ والمنسوخ أعلم من غيرهن.
стр. 5842
١١ - باب هَلْ يُحَرِّمُ ما دُونَ خَمْسِ رَضَعاتٍ
٢٠٦٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّها قَالَتْ: كَانَ فِيما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ يُحْرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُنَّ مِمّا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ (١).
٢٠٦٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلا المَصَّتانِ" (٢).
* * *
باب هل يحرم ما دون خمس رضعات؟
[٢٠٦٢] (ثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب (القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني.
(عن) خالة أبيه (عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة من فقهاء التابعين، أخذت (عن عائشة) وكانت في حجرها (أنها قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن على محمد ﷺ عشر رضعات) زاد مسلم: معلومات (٣). (يحرمن) بتشديد الراء كما يحرم النسب (ثم نسخن) العشر تلاوة وحكمًا (بخمس) رضعات (معلومات) ووصفها بالمعلومات إنما هو محرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى الجوف
стр. 5843
من الرضعات، وبقيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات الوصول لم يحرمن، ولو شك هل رضع خمسًا أم أقل؟ وهل رضع في حولين أم بعده؟ فلا تحريم؛ لأن الأصل عدمه، ولا يخفى الورع وخمس أكلات من خبز صنع من لبن المرأة أو من زبد من لبنها في معنى الخمس رضعات.
فإن قيل: لا حجة في هذا الحديث على التحريم؛ لأن عائشة ذكرت في عشر رضعات ونسخها بخمس أن ذلك كان من القرآن وهو آحاد لم يتواتر إلينا، وخبر الآحاد لا يثبت به القرآن، ولأن عائشة لم ترفعه إلى النبي ﷺ فيكون لا يصلح التمسك به كما ذكر في الأصول، وهذا سؤال أشار إليه النووي في "شرح مسلم" (١) ولم يجب عنه، وأجاب إلكيا الطبري بأن القرآن وإن لم يثبت بخبر الواحد لكن يثبت حكمه والعمل به، والأحسن الاستدلال بحديث سالم قبله؛ فإن فيه تخصيص الرضعات بخمس، وهو محل ضرورة، فلو حصل بما دونها لذكره (فتوفي رسول ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن) تريد بذلك قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله حتى أن بعض من لم يبلغه النسخ يقرأه على الرسم الأول، وهذا مما نسخ لفظه يعني الخمس وبقي حكمه، فهو نظير: الشيخ والشيخة إذا زنيا فإنه نسخ لفظه وبقي حكمه، وأما العشر فنسخ لفظه وحكمه.
[٢٠٦٣] (ثنا مسدد بن مسرهد، ثنا إسماعيل) ابن علية (عن أيوب، عن) عبد الله بن عبيد الله (بن أبي مليكة) زهير التيمي المكي (عن عبد الله
стр. 5844
ابن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تحرم) بتشديد الراء المكسورة، زاد مسلم: الرضعة أو الرضعتان أو (١) (المصة ولا المصتان) (٢).
قال القرطبي: لم يقل أحد فيما علمت بظاهر هذا الحديث إلا داود الظاهري فإنه قال: أقل ما يحرم ثلاث رضعات، فلا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، وهو تمسك بدليل الخطاب (٣). انتهى.
وفي وجه عند الشافعية يعتبر في التحريم ثلاث رضعات، واختاره ابن المنذر من أصحابنا للحديث؛ فإن أدنى ما يكون من العدد بعد الاثنتين الثلاث (٤).
قال ابن المنذر فيما حكاه ابن الرفعة: واختاره مشايخنا، والمراد به مشايخ ابن المنذر، وزعم زاعم أن الصواب نسبة الرافعي ذلك إلى مشايخه وابن المنذر لا يقف مع المذهب أصلًا، ولا تعد اختياراته وجوهًا قطعًا، ولو حكم بالتحريم برضعة حاكم لم ينقض، وعن الإصطخري ينقض (٥). فقد حكى ابن المنذر عن جمهور العلماء أن التحريم يثبت برضعة واحدة، وحكاه عن علي وابن مسعود وابن عمر
стр. 5845
وابن عباس وعطاء وطاوس وابن المسيب والحسن ومكحول والزهري وقتادة والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة (١). لأنه أقل ما ينطلق عليه الاسم في الرضاع، ولا شك في صدق الاسم على الواحدة في مثل ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٢)، وفي: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" (٣). كما تقدم؛ فإنه يصدق على القليل كما يصدق على الكثير، وعضد هذا عمل أهل المدينة، فقد روى مالك عن عروة وسعيد بن المسيب وابن شهاب: أن القطرة الواحدة تحرم (٤)، وعضده قياس الرضاعة على الصهر، واعتذروا عن الأحاديث المخالفة، واعترضت الشافعية على المالكية بهذا الحديث: "لا تحرم المصة ولا المصتان". وأجابوا عنه بأجوبة. قال النووي: باطلة لا ينبغي ذكرها (٥).
стр. 5846
١٢ - باب فِي الرَّضْخِ عِنْدَ الفِصالِ
٢٠٦٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنا ابن العَلاءِ، حَدَّثَنا ابن إِدْرِيسَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَجّاجِ بْنِ حَجّاجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ما يُذْهِبُ عَني مَذَمَّةَ الرَّضاعَةِ؟ قَالَ: "الغُرَّةُ العَبْدُ أَوِ الأَمَةُ". قَالَ النُّفَيْليُّ: حَجّاجُ بْنُ حَجّاجٍ الأَسْلَميُّ وهذا لَفْظُهُ (١).
* * *
باب في الرضخ عند الفصال
الرضخ: عطية غير الكثير.
[٢٠٦٤] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (ثنا) محمد (ابن العلاء) بن كريب الهمداني (أنا) عبد الله (ابن إدريس) كلاهما (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن حجاج بن حجاج) الأسلمي (عن أبيه) حجاج بن مالك الأسلمي ويقال: الحجاج بن عمرو الأسلمي، والأول أصح، مدني كان ينزل العرج بفتح المهملة وإسكان الراء ثم جيم، قرية جامعة على طريق مكة (قال: قلت: يا رسول الله ما يذهب) بضم أوله وكسر ثالثه (عني مذمة) بفتح الميم وكسر الذال المعجمة وفتحها لغتان مع تشديد الميم المفتوحة، مفعلة من الذم، وهي بفتح الميم وكسرها من الذمة والذمام، وقيل: هي بالكسر والفتح، ورجحه المنذري، هي الحق
стр. 5847
والحرمة التي يذم بتضييعها، وتقييد الحديث بالوجهين يدل على أن المراد به الحق والحرمة، فكأنه سأل ما يسقط عني الحق اللازم بسبب الرضاع حتى أكون قد أديته كاملًا؟ فحذف المضاف، تقول: إنها قد خدمتك وأنت طفل، وحضنتك وأنت صغير.
(الرضاعة قال) تذهبه (الغرة) وهي الخادم، أي: كافئها على خدمتها بخادم يكفيها المهنة وهي الخدمة قضاء لذمامها وجزاء لإحسانها إليك. قال النخعي: كانوا يستحقون للمرضعة عند فصال الصبي بشيء سوى أجرتها، وأصل الغرة بياض في الوجه، ولهذا قال ابن عبد البر: لا يكون العبد أو الأمة إلا أبيضين لذكره الغرة (العبد أو الأمة) قال الجوهري: كأنه عبر عن الجسم كله بالغرة (١)، فهو من باب التعبير بالبعض عن الكل، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢)، وظاهر هذا يرد ما قاله ابن عبد البر من البياض.
(قال: ) عبد الله (النفيلي) في روايته: هو (حجاج بن حجاج الأسلمي، وهذا لفظه) بزيادة الأسلمي.