١٢ - باب فِي الرَّضْخِ عِنْدَ الفِصالِ
٢٠٦٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّدٍ النُّفَيْليُّ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنا ابن العَلاءِ، حَدَّثَنا ابن إِدْرِيسَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَجّاجِ بْنِ حَجّاجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ما يُذْهِبُ عَني مَذَمَّةَ الرَّضاعَةِ؟ قَالَ: "الغُرَّةُ العَبْدُ أَوِ الأَمَةُ". قَالَ النُّفَيْليُّ: حَجّاجُ بْنُ حَجّاجٍ الأَسْلَميُّ وهذا لَفْظُهُ (١).
* * *
باب في الرضخ عند الفصال
الرضخ: عطية غير الكثير.
[٢٠٦٤] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (ثنا) محمد (ابن العلاء) بن كريب الهمداني (أنا) عبد الله (ابن إدريس) كلاهما (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن حجاج بن حجاج) الأسلمي (عن أبيه) حجاج بن مالك الأسلمي ويقال: الحجاج بن عمرو الأسلمي، والأول أصح، مدني كان ينزل العرج بفتح المهملة وإسكان الراء ثم جيم، قرية جامعة على طريق مكة (قال: قلت: يا رسول الله ما يذهب) بضم أوله وكسر ثالثه (عني مذمة) بفتح الميم وكسر الذال المعجمة وفتحها لغتان مع تشديد الميم المفتوحة، مفعلة من الذم، وهي بفتح الميم وكسرها من الذمة والذمام، وقيل: هي بالكسر والفتح، ورجحه المنذري، هي الحق
стр. 5847
والحرمة التي يذم بتضييعها، وتقييد الحديث بالوجهين يدل على أن المراد به الحق والحرمة، فكأنه سأل ما يسقط عني الحق اللازم بسبب الرضاع حتى أكون قد أديته كاملًا؟ فحذف المضاف، تقول: إنها قد خدمتك وأنت طفل، وحضنتك وأنت صغير.
(الرضاعة قال) تذهبه (الغرة) وهي الخادم، أي: كافئها على خدمتها بخادم يكفيها المهنة وهي الخدمة قضاء لذمامها وجزاء لإحسانها إليك. قال النخعي: كانوا يستحقون للمرضعة عند فصال الصبي بشيء سوى أجرتها، وأصل الغرة بياض في الوجه، ولهذا قال ابن عبد البر: لا يكون العبد أو الأمة إلا أبيضين لذكره الغرة (العبد أو الأمة) قال الجوهري: كأنه عبر عن الجسم كله بالغرة (١)، فهو من باب التعبير بالبعض عن الكل، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢)، وظاهر هذا يرد ما قاله ابن عبد البر من البياض.
(قال: ) عبد الله (النفيلي) في روايته: هو (حجاج بن حجاج الأسلمي، وهذا لفظه) بزيادة الأسلمي.
"حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَّى لِي وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلالًا وَلا أُحِلُّ حَرامًا ولكن والله لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكانًا واحِدًا أَبَدًا" (١).
٢٠٧٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، وعَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيكَةَ بهذا الخَبَرِ قَالَ: فَسَكَتَ عَلَيٌّ عَنْ ذَلِكَ النِّكاحِ (٢).
٢٠٧١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - المَعْنَى - قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: "إِنَّ بَنَي هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابنتَهُمْ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ فَلا آذَنُ ثُمَّ لا آذَنُ ثُمَّ لا آذَنُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ ابن أَبِي طالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابنتَي وَيَنْكِحَ ابنتَهُمْ فَإِنَّما ابنتِي بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي ما أَرابَها وَيُؤْذِينِي ما آذاها". والإِخْبارُ فِي حَدِيثِ أَحْمَدَ (٣).
* * *
باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء
[٢٠٦٥] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا زهير، ثنا داود بن أبي هند) واسم أبي هند دينار، قاله المصنف فيما سأله عنه الآجري البصري أحد الأعلام (عن عامر) بن شراحيل (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تنكح) يحتمل أن تكون التاء مفتوحة والحاء مجزومة وتكسر لالتقاء الساكنين على الجزم بلا الناهية (المرأة) بالنصب، ويحتمل أن تكون لا نافية وتنكح بضم أوله وفتح ثالثه
стр. 5851
والحاء مرفوعة خبر معناه النهي؛ فإنه أبلغ من النهي بصيغته وأظهر في الرواية، والمرأة على هذا مرفوع، وقد جاء في رواية البخاري: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة (١) (على عمتها) ومعناه النهي عن هذا النكاح، أنه يفضي إلى التنافر بينهما والتباغض، وإلى قطيعة الرحم، ويدل عليه ما في رواية ابن عدي من حديث ابن عباس: نهى رسول الله ﷺ أن تزوج المرأة على العمة والخالة، وقال: "إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن" (٢). وإن كان في سنده من فيه فقد أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣). (ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها) المراد بالعمة والخالة أخت الأب وأخت الأم، وهذا حقيقة، وفي معناها أخت الجد ولو من جهة الأم، وأخت أبي الجد وإن علا وأخت الجدة هان علت، وكذا أخت أم الجدة ولو من قبل الأب، لكن هل ذلك لأنهن عمات وخالات حقيقة كالأول، أو لكونه مجازًا، ولكن حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، وهو جائز عند الشافعي (٤) (ولا تنكح) العمة (الكبرى على) بنت أختها (الصغرى ولا) تنكح بنت الأخ (الصغرى على) عمتها (الكبرى) ولا تنكح المرأة الكبرى على خالتها الصغرى، ولا تنكح الخالة الصغرى على بنت أختها الكبرى.
стр. 5852
قال القرطبي: وهذا مساق حسن بيِّن غير أن فيه واوًا اقتضت إشكالًا، وهي التي في قوله: ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى، فأتى بواو العطف التي تقتضي المغايرة، وبالنهي عن إدخال إحداهن على الأخرى طردًا وعكسًا.
قال: ويرتفع الإشكال بأن تقدر الواو زائدة، ويكون الكلام الذي بعد الجملة الأولى مؤكدًا لما قبله ومبينًا له (١).
[٢٠٦٦] (ثنا أحمد بن صالح، ثنا عنبسة، قال: أخبرني يونس، عن) محمد (بن شهاب، قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب، أنه سمع أبا هريرة يقول: نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها) معنى الجمع بينهما أن يستحل وطئهما معًا بأن يجمع بينهما في نكاح أو يطؤهما بملك اليمين.
قال الشافعي في كتاب "الأم": وهذا مما لا خلاف فيه (٢). وقالت طائفة من الخوارج والشيعة وعثمان البتي: يجوز، ولكن لما لم يقيد بهذا الخلاف لم يقدح في حكاية الإجماع، وسواء كان الجمع بالنكاح معًا أم مرتبًا فتبطل الثانية؛ لأن بها حصل الجمع، والمرتب هو المراد به في الحديث قبله: "لا تدخل المرأة على خالتها" (٣).
[٢٠٦٧] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا خطاب) بفتح الخاء المعجمة أوله والموحدة آخره (ابن القاسم) قاضي حران، وثقه ابن
стр. 5853
معين (عن خصيف) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وبعد ياء التصغير فاء، ابن عبد الرحمن بن أبي عون الحراني مولى بني أمية صدوق سيء الحفظ.
(عن عكرمة، عن ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ ، أنه كره أن يجمع بين) المرأة (العمة والخالة) لها سواء كانت خالتها بنسب أو رضاع، وضبطوه بكل امرأتين بينهما قرابة أو نكاح، لو فرضت إحداهما ذكرًا لحرمت المناكحة بينهما، واحترز بالنسب والرضاع عن المصاهرة كالمرأة وأم زوجها فإنه يجوز أن يجمع بينهما، وقد أفتى ابن الفركاح بجواز الجمع بين المرأة وبين خالتها.
قال ابن النحاس: الواجب على لفظ هذا الحديث أن لا يجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى، قال: وهذا يخرج على وجه صحيح، وهو أن يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها، تزوج الأب البنت، والابن الأم، فولدت كل واحدة منهما بنتًا، فابنة الأب عمة ابنة الأم، وابنة الأبن خالة ابنة الأب (١).
(و) لا (بين الخالتين) وهو أن يتزوج رجل ابنة رجل، ويتزوج الثاني ابنة الأول، فيولد لكل واحد منهما ابنة، فابنة واحد منهما خالة الأخرى.
(و) أن يجمع بين (العمتين) وهو أن يتزوج أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر، ثم يولد لكل واحد منهما ابنة، فبنت كل واحد منهما عمة الأخرى (٢).
стр. 5854
[٢٠٦٨] (ثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري، ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ ) ﵂ (عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) (١) أي: فزعتم، وهو ضد الأمن، وقد يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونًا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف، فقال أبو عبيدة: خفتم: أيقنتم (٢). وقال آخرون: خفتم: ظننتم.
قال ابن عطية: والذي اختاره أن الخوف على بابه من الظن لا من اليقين، والتقدير: من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها (﴿أَنْ لَا تُقْسِطُوا﴾) تعدلوا، يقال: أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار وظلم، وقرأ ابن وثاب والنخعي: تقسطوا. بفتح التاء على تقدير زيادة: لا، كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا (٣) (﴿فِي الْيَتَامَى﴾) اليتيم في بني آدم من قبل الأب، وفي الحيوان من قبل الأم، وأصل اليتيم أن يقال على من لم يبلغ، وقد أطلق في هذِه الآية على المحجور عليها صغيرة كانت أو كبيرة، استصحابًا لإطلاق اسم اليتم لبقاء الحجر عليها، وإنما قلنا أن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنها قد أبيح العقد عليها في الآية، ولا تنكح اليتيمة الصغيرة؛ إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن بإذنها.
стр. 5855
(﴿فَانْكِحُوا مَا﴾) وجاز وقوع ما للآدميين وإن كان أصلها لمن لا يعقل؛ لأن من وما يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ (١) أي من بناها، وقال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ (٢) أي: ما يمشي، فمن هنا لمن يعقل ومن النساء؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وقرأه ابن أبي عبلة (٣): من طاب. على الأصل ﴿طَابَ لَكُمْ﴾ قيل: المراد نكاحًا طيبًا، وقراءة ابن أبي عبلة ترده.
واتفق كل من يعاني العلوم أن قوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ليس له مفهوم، فقد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى فله أن ينكح أكثر من واحدة (٤)، وقد تعلق أبو حنيفة بهذِه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وقال: إنها تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ ليست بيتيمة (٥)، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها لأنها تختار ذلك، فيجوز إجماعًا، وذهب مالك والشافعي والجمهور إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ (٧)، والنساء اسم يطلق على الكبار، كالرجال في الذكور (قالت: يا ابن أختي) لأن عروة
стр. 5856
من أسماء وهي أخت عائشة (هي اليتيمة) مجاز، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) فسماهم يتامى وقد بلغوا، مجازًا، وقيل: سُمِّين يتامى وأيتام؛ لأنهن كن أيتام، كقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ (٢) ولا سحر مع السجود، فلا يتم مع البلوغ، وكان يقال للنبي ﷺ : يتيم أبي طالب؛ اعتبارًا لما كان عليه (تكون في حجر) بفتح الحاء وكسرها (وليها فتشاركه في ماله) أي: في المال المتخلف عن أبيه أو أمه، ولا يلزم من المشاركة التسوية في المال، أو يكون لها مال عنده من غير الميراث (فيعجبه مالها) الذي تحت يده (وجمالها) إن كانت جميلة (فيريد وليها أن يتزوجها) إن جاز له ذلك (من غير أن يقسط) بضم أوله وكسر ثالثه، أي يعدل في مقدار صداقها (فيعطيها) بالنصب (مثل ما يعطيها) بسكون الياء؛ لأنه في موضع صلة الموصول الذي هو (ما) عطاء (غيره) لو أراد زواجها (فنهوا) عن (أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن) قرأ ابن وثاب والنخعي بفتح التاء من: تقسطوا. على تقدير زيادة: لا. كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا. وعلى قراءة الجمهور: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تَعْدِلُوا﴾ (٣) (ويبلغوا بهن أعلى سنتهن) أي: أعلا عادتهن (من الصداق) ومهور أمثالهن (وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم) أي حل لهم من النساء، هذا الأمر بالنكاح هو ندب لقومه وإباحة، لا تحذير بحسب قرائن الأمر، والنكاح في الجملة في
стр. 5857
الأغلب مندوب إليه سواهن، فإنه أبعد في التهمة وأسلم في الدين والعرض.
(قال عروة) بن الزبير (قالت عائشة) ﵂ (ثم إن الناس) أي: جماعة من الصحابة (استفتوا رسول الله ﷺ ) أي: سألوه أن يفتيهم بعد هذِه الآية التي في أول النساء (فيهن) في إماء الأيتام (فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾) (١) أي: في أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك (﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾) أمر الله نبيه أن يقول لهم: إن الله يفتيكم فيهن، أي: يبين لكم حكم ما سألتم عنه. وروى أشهب، عن مالك، كان النبي ﷺ يسأل فلا يجيب حتى نزل عليه الوحي، وذلك في كتاب الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. (﴿وَمَا يُتْلَى﴾) في موضع رفع عطف على اسم الله، والمعنى: والقرآن يفتيكم، وهو قوله ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
(﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾) أي: القرآن (﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾) معناه: النهي عما كانت العرب تفعله من ضم اليتيمة الجميلة الغنية بدون ما تستحقه من المهر، ومن عضل اليتيمة الدميمة الفقيرة عن النكاح أبدًا، والدميمة الغنية حتى يرثها الولي، ونحو ذلك مما يقصد به الولي منفعة نفسه في الدنيا لا نفع اليتيمة، والذي كتب لهن هو توفية ما تستحقه من مهر وإلحاقها بأقرانها.
وقرأ أبو (عبد الله) (٢) المدني في: ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بياءين من
стр. 5858
تحت (١)، قال أبو الفتح: والقول في هذِه القراءة أنه أراد أيامى فقلبت الهمزة ياء، كما قلبت الهمزة في: قطع الله أديه. أي: يده (٢). والأيامى: جمع أيم بتشديد الياء (﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾) أي: في أن تنكحوهن فحذفت في، أي: ترغبون في مالها إذا كانت كثيرة المال، وحديث عائشة يدل على أن المحذوف: عن. أي: وترغبون عن أن تنكحوهن. قال في حديثها: وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، كما سيأتي.
(قالت) عائشة (والذي ذكر الله) تعالى (أنه يتلى عليهم في الكتاب) هي (الآية التي قال الله تعالى فيها) في أول النساء: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾) أي: حل (﴿لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾) (٣) قال بعضهم: تأويل الآية أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى، فقال: وإن خفتم من أنفسكم المشاحة في صداقهن وأن لا تعدلوا فتبلغوا بهن صداق أمثالهن فلا تنكحوهن وانكحوا غيرهن من الغرائب اللاتي أحل الله لكم خطبتهن (قالت عائشة: وقول الله في الآية الآخرة) من سورة النساء (﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾) (٤) هذِه الرغبة (هي رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره) يجوز أن يكون من حجر الثوب وهو
стр. 5859
طرفه المقدم؛ لأن الإنسان يربي ولده ويتيمته في حجره، وكذا الولي القائم بأمر اليتيم يأخذه في حجره غالبًا (حين تكون قليلة المال والجمال) فلا يرغب في نكاحها، وكان عمر بن الخطاب يأخذ الناس في الدرجة الفضلى في هذا المعنى، فكان إذا سأل الولي عن يتيمته فقيل: هي غنية جميلة. قال: اطلب لها من هو خير منك وعد عليها بالنفع. وإذا قيل: هي دميمة قليلة المال. قال له: أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك (فنهوا) الأولياء (أن ينكحوا ما) أي: اليتيمة التي (رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء) اللاتي في حجورهن (إلا بالقسط) يعني: بالعدل (من أجل رغبتهم عنهن) حيث كن قليلات المال والجمال (قال يونس) بن يزيد بن أبي النجاد القرشي، أحد الرواة (وقال ربيعة) قال المنذري: يشبه أن يكون ابن أبي عبد الرحمن شيخ مالك (١). (في قول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قال: يقول) الله تعالى لأولياء الميت حين تحرجوا عن القيام بمصالح أموال اليتامى (اتركوهن) أي: اتركوا نكاحهن (إن خفتم) العجز عن القيام بمصالحهن (فقد أحللت لكم) من غيرهن (أربعًا) فإن لم تقدروا أي تتركوهن فلا تكثروا منهن فتحتاجون إلى مخالطتهن.
قال القرطبي: وأقرب الأقوال وأصحها قول عائشة في تفسيرها من الفقه ما قال به مالك من صداق المثل والرد إليه فيما فسد من الصداق، ووقع الاختلاف في مقداره لقولها: بأدنى من سنة صداقها. فوجب أن يكون صداق المثل معروفًا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم،
стр. 5860
وقال مالك: للناس صداقات عرفت لهم وعرفوا لها صداقات وأكفاء، وقال: إذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي صداقها جاز له أن يتزوجها، ويكون هو الناكح والمنكح على ما قررته عائشة، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان أو يزوجها عنه ولي لها مثله، أو أعلى منه (١).
[٢٠٦٩] (ثنا أحمد بن محمد بن حنبل، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) (٢) الزهري قال (حدثني أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني.
(عن الوليد بن كثير) المدني الكوفي قال (حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي، أن) محمد (بن شهاب) الزهري (حدثه، أن علي بن حسين) بن علي بن أبي طالب زين العابدين ﵄ حدثه (٣) (أنهم) أي وجماعته الذي كانوا معه (حين قدموا المدينة) شرفها الله تعالى (من عند يزيد بن معاوية مقتل) منصوب لنيابته عن ظرف الزمان (٤)، وهو من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي أيام مقتل، ومنه كان كذا طلوع الثريا، أي وقت طلوع الثريا، وهو كثير يقاس (الحسين بن علي) بن أبي طالب، وكان مقتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وقيل: سنة اثنتين وستين.
стр. 5861
(لقيه المسور بن مخرمة) بن نوفل الزهري (فقال له: هل لك إلي من حاجة). (من) زائدة تنصص العموم، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (١) (تأمرني بها؟ ) فيه فضيلة قضاء حوائج أهل العلم والصلاح وبيت النبوة والشرف، وسؤالهم عما لهم من الحوائج ليبادر إلى قضائها.
(قال) علي بن الحسين (فقلت له: لا) ثم (قال: فهل أنت معطيَّ) بتشديد الياء المفتوحة للتخفيف (سيف رسول الله ﷺ ) استفهام بمعنى الطلب، طلب المسور سيف رسول الله إرادة التبرك، وكان على يد الحسين فلما قتل أراد المسور أن يأخذه لئلا يأخذه بنو أمية، ثم حلف على القطع على المستقبل ثقة بالله في إبراره.
(فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وايم الله لئن أعطيتنيه) فيه حجة لابن مالك وغيره أيما وقع ثاني ضميرين منصوبين فالاتصال أرجح، ويجوز: أعطيني إياه (لا يخلص) بضم الياء وفتح اللام (إليه) أي: لا يصل إليه أحد (أبدًا) وتكرر ذكر: خلص، بمعنى: وصل، ومنه حديث الإسراء: "فلما خلصت" (٢) أي: وصلت وبلغت. ومنه حديث هرقل: إني أخلص إليه (٣).
(حتى يصل) (٤) بضم المثناة تحت وفتح اللام (إلى) أي حتى يبلغ
стр. 5862
الهلاك إلى (نفسي) قبله، ورواية مسلم: حتى تبلغ نفسي (١). بضم المثناة فوق من: يبلغ، ثم قال (إن علي بن أبي طالب ﵁ خطب بنت أبي جهل) بن هشام، كما تقدم نسبه، قال الطبري: اسم بنت أبي جهل هذِه: جويرية، أسلمت وبايعت وتزوجها عتاب بن أسيد (٢)، وقيل: اسمها جميلة (٣)، وقيل: اسمها العوراء، ذكره عبد الغني بن سعيد، وهي معدودة من الصحابة، وقيل: اسمها: جويرية (على فاطمة) البتول سيدة نساء العالمين، عن علي قال: قلت: يا رسول الله، لم سميت فاطمة؟ قال: "إن الله فطمها وذريتها من النار يوم القيامة" (٤). قال الطبري: أخرجه الحافظ الدمشقي (سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس) فيه ما يدل على جواز خطبة الإمام الناس وجمعهم للأمر الذي يحدث (في ذلك على المنبر) فيه أن السنة للخطيب أن يكون على منبر أو مرتفع (وأنا محتلم) أي بلغت مبالغ الرجال، كذا في الصحيحين (٥)، وفيه نظر؛ فإن الجماعة نصوا على أنه ولد بمكة في السنة الثانية، وتوفي رسول الله وهو ابن ثمان سنين، فإن كان يريد كالمحتلم لكثرة ضبطه لصغره (فقال: إن فاطمة مني) أي: جزء مني، كما في الرواية الآتية: "بضعة مني" (وإني أخاف أن تفتن في دينها)
стр. 5863
فكره النبي ﷺ فتنتها وتخوف من ذلك لفرط ما تحملها الغيرة على زوجها من عداوة بنت عدو أبيها ومشاركتها في زوجها، وأن عداوة الآباء قد تؤثر، وخاف ﷺ على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر يسري إليها (قال: ثم ذكر صهرًا له) الصهر يطلق على زوج البنت وأقاربه، من صهرت الشيء وأصهرته إذا قربته، والمصاهرة مقاربة بين الأجانب المتباعدين (من بني عبد شمس) هو أبو العاص ابن الربيع، زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، واسمه: هشيم، ويقال: لقيط، ويقال: القاسم، وحكى البغوي فيه: مقسم (١).
(فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن) لأنه أحسن في معاشرته مع ابنته وكان محبًّا لها، وأرادت قريش منه أن يطلقها فأبى، فشكر النبي ﷺ له ذلك، ثم إنه حضر مع المشركين ببدر فأسر وحمل إلى المدينة، فبعثت فيه زينب قلادتها، فردت عليها وأطلق لها ﷺ (قال: حدثني فصدقني) حدثه أن يرد أموال قريش ويسلم، ففعل (ووعدني فوفى) بتخفيف الفاء (لي) كان وعد النبي أن يرسل إليه ابنته زينب، فوفى له بوعده وأرسلها، وهاجرت زينب، وبقي هو بمكة على شركه إلى أن خرج في عير لقريش تاجرًا، وذلك قبل الفتح بيسير، فعرض لتلك العير زيد بن حارثة في سرية من أصحاب النبي ﷺ ، فأخذها، وأفلت أبو العاص هاربًا إلى أن جاء المدينة فاستجار بزينب فأجارته، وكلم النبي ﷺ الناس في رد جميع ما أخذت تلك السرية.
(وإني لست أحرم حلالًا) فيه الإعلام بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي
стр. 5864
- ﵁، وأنه حلال، فلم يحرمه النبي ﷺ ، وفيه تصريح بأن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى، وإنما الرسول مبلغ عن الله تعالى، ويستدل به من منع من اجتهاد النبي ﷺ في الأحكام، ومن منع جواز تفويض الأحكام للنبي ﷺ ، ولا حجة فيه؛ لأن اجتهاد المجتهد لا يوجب الأحكام، وإنما يظهرها من النصوص كما هو مقرر في كتب الأصول، ويقيد هذا أن حكم الله تعالى على علي وعلى غيره التخيير من نكاح ما طاب له من النساء الأربع، وإنما نهى النبي ﷺ بينهما لعلتين منصوصتين: أحدهما أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذٍ النبي ﷺ فيهلك من آذاه، فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وعلى فاطمة، والثانية خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة، قال الداوودي: فيه دليل على أن النبي ﷺ كان اشترط على علي، ولعله إن صح ذلك أن يكون علي تطوع به بعد العقد وقبل.
(ولا أحل حرامًا) ولعله قاله استطرادًا لما قبله (ولكن والله) أقسم بالله على المستقبل ثقة بالله أن يبر قسمه (لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ ) وقد ذكر أبو علي السبخي في "شرح التلخيص" أنه يحرم التزوج على بنات النبي ﷺ ، أي: كل من تنسب إليه بالبنوة (١). (وبنت عدو الله) فيه دليل على أن الأصل أن ولد الخبيث خبيث وولد العدو عدو، إلى أن يتبين خلاف ذلك، وفيه بقاء عار الآباء في أعقابهم بقوله: "بنت عدو الله" مع كونها مسلمة كما سبق، وكذلك الخير والشرف في الدين يبقى في العقب، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (٢)، وقد استنبط بعض
стр. 5865
الفقهاء من هذا منع نكاح الأمة على الحرة، ورد ذلك بعضهم؛ لأنه يلزم منه منع نكاح الحرة المكاتبة على المسلمة، ومنع نكاح ابنة المرتد على من ليس أبوها كذلك (مكانًا) منصوب على المفعول به بعد إسقاط الخافض توسعًا، والتقدير: في مكان (واحدًا) وقيل: منصوب على الظرفية تشبيهًا له بالمبهم، ورواية ابن ماجه وغيره: "ولا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد" (أبدًا) ولعل هذِه الرواية مبينة للرواية التي قبلها؛ فإن قوله: في مكان واحد. يفهم أنه لو كانا في مكانين لجاز، وهذا بعيد المراد.
[٢٠٧٠] (ثنا محمد بن) عبد الله بن خالد بن (فارس) بن ذؤيب الهذلي شيخ البخاري (ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، وعن أيوب، عن) عبيد الله (بن أبي مليكة، بهذا الخبر، وقال: فسكت علي عن) تلك الخطبة التي لابنة أبي جهل (وذلك النكاح) الذي عزم عليه وعن غيره، ولم يتزوج عليها ولا تسرى عليها حتى ماتت.
[٢٠٧١] (ثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس، وقتيبة بن سعيد - المعنى - قال أحمد) بن يونس (ثنا الليث، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة القرشي التيمي، أن المسور بن مخرمة ﵁ حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر يقول: إن بني هشام (١) بن المغيرة استأذنوا) النبي ﷺ (أن ينكحوا) أي: يزوجوا (ابنتهم من علي بن أبي طالب) ﵁.
فإن قيل: لفظ الحديث قبله أن عليًّا خطب بنت أبي جهل على فاطمة، وهنا: بني هشام (٢) بن المغيرة استأذنوا؟
стр. 5866
فالجواب: لا منافاة بينهما، فأبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي.
(فلا آذن) في ذلك (ثم لا آذن، ثم لا آذن) فإن قيل: ثم حرف عطف ولا بد فيه من المغايرة بين المتعاطفين.
فالجواب: أن الثاني مغاير للأول، باعتبار أن فيه تأكيدًا ليس للأول، وبوب عليه البخاري: باب: ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف (١). لما يخاف على فاطمة في الجمع بينها وبين ابنة أبي جهل من الافتتان لأجل الغيرة، ولما يتوقع من مناكدة هذِه الضرة؛ لأن عداوة الآباء قد تؤثر في عداوة الأبناء (إلا أن يريد) علي (ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي) فيه جواز سؤال الأب طلاق ابنته من زوجها إذا كان بسبب كخوف فتنتها من الغيرة أو غيرها، وأما الطلاق من غير سبب فمكروه (٢) (وينكح ابنتهم) أي: ابنة بني هشام بن المغيرة (فإنما ابنتي بضعة) بفتح الباء هي القطعة من اللحم، ويجمع على بضاع كقصعة وقصاع، وسماها في رواية الصحيحين: "مضغة" (٣)، وهي قدر ما يمضغه الماضغ (مني) ويعني بذلك أنها كالجزء منه، ويؤلمه ما آلمها (يريبني) يجوز الضم.
قال ابن القوطية: يقال: رابني الشيء وأرابني إذا خوفني وشككني.
قال النووي: يريبني بفتح الياء. قال إبراهيم الحربي: الريب ما رابك
стр. 5867
من شيء خفت عقباه، وقال الفراء وأبو زيد وغيرهما: راب وأراب بمعنى (١).
وقال غيرهم: يريبني، أي: يشق علي ويؤلمني. يقال: رابني فلان إذا رأيت منه ما تكره، ثلاثيًّا، وهذيل يقال: أرابني رباعيًّا. ومنه (ما أرابها) أي شق عليها (ويؤذيني ما آذاها) يعني: إذا تأذت فاطمة في نفسها تأذى النبي ﷺ بسببها، وأذى النبي ﷺ حرام، وفيه القول بسد الذرائع وإعمال للمصالح، وأن حرمة النبي ﷺ أعظم من حرمة غيره ويظهر حالنا مع النبي ﷺ ، بل يحرم علينا كل شيء يتأذى به، وإن كان في أصله مباحًا لنا وإن أدى إلى أذى النبي ﷺ ارتفعت الإباحة ولزمت التحريم، وفيه ما يدل على غضب الرجل لابنته وولده وحرمه، وعلى الحرص في دفع ما يؤدي إلى ضررهم وإن كان بوجه جائز.
(والإخبار) بكسر الهمزة (في حديث أحمد) دون قتيبة.
стр. 5868
١٤ - باب فِي نِكاحِ المُتْعَةِ
٢٠٧٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كُنّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، فَتَذاكَرْنا مُتْعَةَ النِّساءِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ رَبِيعُ بْن سَبْرَةَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْها فِي حَجَّةِ الوَداعِ (١).
٢٠٧٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرَيِّ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّساءِ (٢).
* * *
باب نكاح المتعة
[٢٠٧٢] (ثنا مسدد بن مسرهد، ثنا عبد الوارث، عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد الأموي.
(عن الزهري، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء) لا متعة الحج (فقال رجل: يقال: ربيع ابن سبرة) بفتح السين المهملة وكسر الموحدة، الجهني.
(أشهد على أبي) سبرة بن معبد الجهني يكنى أبا ثرية بفتح الثاء المثلثة، قال في "الاستيعاب": والصواب ضمها، سكن المدينة وله بها دار، ثم انتقل إلى المروة (٣) (أنه حدث أن رسول الله ﷺ نهى عنها) قال النووي بعد أن نقل كلام القاضي: والصواب المختار أن التحريم
стр. 5869
والإباحة كانا مرتين (١) فكانت حلالًا قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس، ثم حرمت يومئذٍ بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة، واستمر التحريم (٢).
قال القاضي: واتفق العلماء على أن هذِه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل لا ميراث فيه، وفراقها بانقضاء الأجل من غير طلاق، ووقع الإجماع على تحريمها إلا الروافض، وكان ابن عباس يقول بإباحتها، وروي عنه أنه رجع عنه، وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه، واختلف أصحاب مالك: هل يحد فيه؟ ومذهبنا لا يحد لشبهة العقد وشبهة الخلاف (٣).
(في حجة الوداع) بفتح الحاء والواو، قال النووي: الصحيح أن الذي جرى في حجة الوداع مجرد النهي كما في الرواية؛ لاجتماع الناس وليبلغ الشاهد الغائب، ولتمام الدين، قال: وذكر إباحتها يوم حجة الوداع خطأ؛ لأنه لم يكن يومئذٍ ضرورة ولا عزوبة وأكثرهم حجوا بنسائهم (٤)، ولأن المتعة إنما كانت في السفر دون الحضر، وإنما كانت في أسفارهم في الغزو عند ضرورتهم وعدم النساء، وفي حديث ابن عمر أنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة ونحوها، وعن ابن عباس نحوه.
стр. 5870
[٢٠٧٣] (ثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله (بن فارس) الذهلي (ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن ربيع بن سبرة، عن أبيه) سبرة بن معبد الجهني (أن النبي ﷺ حرم متعة النساء) يعني: النكاح إلى أجل معين، وهو من التمتع بالشيء وهو الانتفاع به، يقال: تمتعت بالشيء تمتعًا، والاسم: المتعة، كأنه ينتفع بها إلى أمد معلوم.
стр. 5871
١٥ - باب فِي الشِّغارِ
٢٠٧٤ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ ح وَحَدَّثَنا مُسَدَّدٌ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ كِلاهُما عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغارِ. زادَ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ: قُلْتُ لِنافِعٍ: ما الشِّغارُ؟ قَالَ: يَنْكِحُ ابنةَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابنتَهُ بِغَيْرِ صَداقٍ وَيَنْكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَداقٍ (١).
٢٠٧٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْن إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا أَبِي، عَنِ ابن إِسْحاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن هُرْمُزَ الأَعْرَجُ أَنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ العَبّاسِ أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَكَمِ ابنتَهُ، وَأَنْكحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنتَهُ وَكانا جَعَلا صَداقًا، فَكَتَبَ مُعاوِيَةُ إِلَى مَرْوانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُما وقَالَ فِي كِتابِهِ: هذا الشِّغارُ الذي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢).
* * *
باب في الشغار
[٢٠٧٤] (ثنا) عبد الله بن مسلمة (القعنبي، عن مالك. وثنا مسدد بن مسرهد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بن عبد الله (كلاهما عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار) بكسر الشين المعجمة وتخفيف الغين المعجمة، وهو نكاح من أنكحة الجاهلية، وأغرب الشريف المرتضى فحكى فيه فتح الشين، وأصله في اللغة الرفع، ومنه شغر الكلب رجله إذا رفعها عند البول، فكأن المتناكحين رفعا المهر
стр. 5872
بينهما، وقيل: من المكان الشاغر أي: الخالي لخلوه عن المهر، وكانوا في الجاهلية يقول الرجل للرجل: شاغرني وليتي بوليتك، أي: عاوضني جماعًا بجماع.
(زاد مسدد في حديثه: قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: ينكح) بفتح أوله (الرجل ابنة الرجل) أو ابنة ابنه أو نحوها ممن له الولاية عليها (وينكحه) بضم الياء أي: زوجة الآخر (ابنته) أو نحوها ممن له الولاية عليها (بغير صداق) قال ثعلب: كأن كلا من الوليين يقول: لا ترفع رجل موليتي ما لم ارفع رجل موليتك (١).
واختلفوا في علة النهي، والمشهور التشريك في البضع؛ لأنه جعله موردًا للعقد وصداقًا فأشبه تزويجها من رجلين (وينكح أخت الرجل فينكحه) بضم الياء (أخته) ذكر الابنة في الحديث قبله والأخت هنا على سبيل المثال، وكل مولية من عمة وغيرها كذلك، وظاهر هذا السياق يدل على أن التفسير من قول مالك، وفي كتاب "المدرج" للخطيب أن تفسير الشغار من قول مالك (٢). وقال القرطبي في "المفهم": جاء تفسير الشغار من قول نافع، وجاء في حديث أبي هريرة من كلام رسول الله ﷺ وظاهره الرفع (٣).
(بغير صداق) فلو اقتصر على قوله: زوجتك لتزوجني. ولم يتعرضا لإسقاط الصداق بينهما، أو لم يجعلا البضع صداقًا فالأصح الصحة
стр. 5873
في النكاحين بمهر المثل؛ لأنه لم يعلق ولا جعلا البضع صداقًا.
[٢٠٧٥] (ثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله (بن فارس) الذهلي (ثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد (حدثني أبي) إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أخرج له الشيخان.
(عن) محمد (ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: أن العباس بن عبد الله) وكان من أكبر ولد أبيه، وبه كان يكنى، وكان يقال له: الأعتق. وكان من أجمل ولد عبد الله (بن عباس) وقد روي عنه: ولا عقب له (أنكح عبد الرحمن بن الحكم) بن أبي العاص أخو مروان (ابنته، وأنكحه عبد الرحمن) بن الحكم (ابنته، وكانا قد جعلا صداقًا) لكل واحد منهما (فكتب معاوية إلى مروان) بن الحكم والد عبد الملك بن مروان (يأمره بالتفريق بينهما) في العقدين بعد أن دخلا (وقال في كتابه) إليه (هذا) هو (الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ) لأنهما شركا في العقد الذي جعلاه صداقًا، وبين البضع فجعلا البضع مع الصداق مهرًا، فلو لم يزوج كل واحد منهما الآخر لم يرضَ بهذا الصداق، وقيل: علة البطلان تعليق عقد النكاح على عقد الأخرى. قاله القفال.
стр. 5874
١٦ - باب فِي التَّحْلِيلِ
٢٠٧٦ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ حَدَّثَنِي إِسْماعِيلُ، عَنْ عامِرٍ، عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلَيٍّ ﵁ قَالَ إِسْماعِيلُ: وَأُراهُ قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ" (١).
٢٠٧٧ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عامِرٍ، عَنِ الحارِثِ الأَعْوَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَرَأَينا أَنَّهُ عَلِيٌّ ﵇ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْناهُ (٢).
* * *
باب في التحليل
[٢٠٧٦] (ثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) اليربوعي شيخ الشيخين (ثنا زهير) بن معاوية، قال (ثنا إسماعيل) بن أبي خالد، أخرج له البخاري، واسم أبي خالد سعد (عن عامر) بن شراحيل الشعبي (عن الحارث) بن عبد الله الأعور الهمداني.
قال ابن أبي داود: كان أفقه الناس وأفرض الناس وأحسب الناس، تعلم الفرائض من علي (عن علي) بن أبي طالب (﵁، قال إسماعيل) بن أبي خالد (وأراه) بضم الهمزة (قد رفعه إلى النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ قال) ورفعه الترمذي وغيره من غير أظن، وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد
стр. 5875
على شرط البخاري، وله طرق أخرى عن ابن مسعود وأبي هريرة وعقبة بن عامر (١)، وصححه ابن السكن، ورواه ابن ماجه والحاكم.
(لعن الله) كذا للترمذي (٢)، ولابن ماجه (٣): لعن رسول الله ﷺ (المحل) (٤) بكسر الحاء وتشديد اللام، وكذا للترمذي (٥) وابن ماجه (٦) والنسائي (٧)، لكن في قوله: لعن رسول الله ﷺ الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة وآكل الربا ومؤكله.
والمحل اسم فاعل من أحل، وفي حديث بعض الصحابة: "لا أوتى بحال ولا محلل إلا رجمته"، وجعله الزمخشري حديثًا لا أثرًا (٨)، فهذِه ثلاثة ألفاظ: محل ومحلل وحال، وهي ثلاث لغات: أحللت وحللت وحللت، فعلى الأول جاء الأول محل تقول: أحل يحل فهو محل ومحلل له، وعلى الثانية جاء الثاني تقول: حلل فهو محلل ومحلل له (و) على الثانية جاء (المحلل له) وعلى الثالثة جاء الأثر، تقول: حللت، فأنا حال وهو محلول له. وقيل: أراد بقوله: لا أوتى بحال. أي: بذي إحلال، مثل: ريح لاقح، أي: ذات ألقاح. والمعنى في الجميع هو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا فيتزوجها رجل آخر على شريطة
стр. 5876
أن يطلقها بعد وطئها لتحل لزوجها الأول. وقيل: سمي محللًا بقصده إلى التحليل كما يسمى مسريًا إذا قصد السراء، واللعنة تقتضي التحريم، والتحريم يقتضي البطلان، هذا إذا شرط الطلاق أو البينونة في نفس العقد، وإن تواطأ عليه قبل العقد ثم عقدًا بلا شرط فليس كالمشروط على الصحيح، نعم يكره؛ لأن كل ما صرح به أبطل، فإذا أضمره كره؛ لأن الله وضع عن البشر حديث النفس. وفي قول مخرج أن الشرط المتقدم كالمقارن، قال ابن قيم الجوزية: سمعت شيخ الإسلام - يعني ابن تيمية - يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه:
أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعًا في أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يشرع في زمن.
الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن في الصحابة من تحلل.
الثالث: أن نكاح المتعة مختلف بين الصحابة، فأباحه ابن عباس وأباحه ابن مسعود.
الرابع: أن الرسول لم يجئ عنه لعن المستمتع والمستمتع بها.
والخامس: أن المستمتع له غرض صحيح في المرأة، ولها غرض، والمحلل لا غرض له إلا أنه مستعار في الضراب كالتيس.
السادس: أن المستمتع لم يحتل على تحليل ما حرم الله.
السابع: أن المستمتع يريد المرأة لنفسه فيريد بنكاحها حلها له والمحلل لا يريد حلها لنفسه وإنما يريد حلها لغيره، فلهذا سمي محللًا.
والثامن: أن الفطر السليمة والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل
стр. 5877
تنفر من التحليل أشد نفار، ونكاح المتعة لا ينفر منه ولو نفرت منه لم يبح أول الإسلام.
التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب، ونكاح المحلل لا يشبه شيئًا، ولهذا شبهه الصحابة بالسفاح وباستعارة التيس للضراب.
العاشر: أن الله نسب هذِه الأسباب كالبيع والنكاح، فجعل البيع سببًا لملك المنفعة والنكاح سببًا لملك منفعة البضع، والمحلل مناقض لشرع الله؛ فإنه جعل نكاحه سببًا لتحليل المطلق البضع.
الحادي عشر: أن المحلل من جنس المنافق يظهر أنه زوج، وليس كذلك.
الثاني عشر: أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح الجاهلية ولا الإسلام، بخلاف المتعة (١).
[٢٠٧٧] (ثنا وهب بن بقية) الواسطي شيخ مسلم (عن خالد) بن عبد الله الطحان (عن حصين) بمهملتين مصغر، ابن عبد الرحمن السلمي (عن عامر) بن شراحيل (عن الحارث) بن عبد الله (الأعور) كنيته أبو زهير كان كذابًا (عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: قرئنا) بضم القاف وتشديد الراء المكسورة وسكون الهمزة من القراءة أي: أقرأنا مشايخنا (أنه علي) ﵁، عن النبي ﷺ بمعناه المتقدم.
стр. 5878
١٧ - باب فِي نِكاحِ العَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوالِيهِ
٢٠٧٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وهذا لَفْظُ إِسْنادِهِ - وَكِلاهُما عَنْ وَكِيعٍ، حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْن مَوالِيهِ فَهُوَ عاهِرٌ" (١).
٢٠٧٩ - حَدَّثَنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنا أَبُو قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَكَحَ العَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلاهُ فَنِكاحُهُ باطِلٌ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هذا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَهُوَ مَوْقُوفٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابن عُمَرَ ﵄ (٢).
* * *
باب في نكاح العبد بغير إذن مواليه
[٢٠٧٨] (ثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وهذا لفظ إسناده) إسناد ابن أبي شيبة (وكلامه) بالجر (عن وكيع، قال: ثنا الحسن بن صالح) الهمداني، أخرج له مسلم.
(عن عبد الله بن محمد بن عقيل) بن أبي طالب الهاشمي المدني، أمه زينب بنت علي بن أبي طالب.
قال الترمذي: صدوق، تكلم فيه من قبل حفظه، سمعت محمد بن
стр. 5879
إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل (١).
وقال المنذري: احتج به غير واحد من الأئمة (٢).
(عن جابر) بن عبد الله ﵄ (قال: قال رسول الله ﷺ : أيما عبد تزوج) امرأة (بغير إذن مواليه) ظاهر الجمع أنه لو كان العبد مشتركًا وله مال فلا بد من إذن الجميع، فلو أذن بعضهم دون بعض لم يصح في حقه غير الآذن؛ لأن إذن كل منهم شرط لصحة العقد (فهو عاهر) أي: زانٍ كما في رواية ابن ماجه (٣)، ونكاحه باطل كما سيأتي، وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه أخبر أن عبدًا له تزوج بغير إذنه، ففرق بينهما وأبطل صداقه وضربه حدًّا (٤).
[٢٠٧٩] (ثنا عقبة بن مكرم) بضم الميم وفتح الراء العمي البصري، أخرج له مسلم.
(ثنا) أبو (٥) (قتيبة) (٦) سلم (٧) بن قتيبة الشعيري (٨) الخراساني نزيل البصرة.
стр. 5880
قال أبو داود وأبو زرعة: ثقة (١).
(عن عبد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري.
قال أحمد: لا بأس به.
وقال أبو حاتم: رأيت أحمد يحسن الثناء عليه.
وقال ابن معين: صويلح (٢).
وقال ابن عدي: لا بأس به، صدوق (٣).
(عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: إذا نكح العبد بغير إذن مولاه) أي: سيده سواء كان رجلًا أو امرأة، وحكى الماوردي وجهًا أنه لا بد من إذن ولي المرأة (٤) مع إذنها ذريعة (فنكاحه باطل) سهل إطلاقه ما لو استأذنه فمنعه، وهو الصحيح.
وفي المجموع. . . . (٥) وجه أنه يصح إذا منعه لشدة احتياجه إليه، ومقتضى كلامهم في السفيه أنه لو وطئ في هذا النكاح لم يلزمه شيء كما لا يلزم السفيه، ومفهوم الحديث أن السيد لو أذن صح النكاح.
(قال المصنف: هذا الحديث ضعيف وهو) على الصواب (موقوف، وهو من قول ابن عمر) وصوب الدارقطني في "العلل" وقفه على ابن
стр. 5881
عمر (١)، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا أنه أخبر: [أن عبدًا له بغير إذنه] (٢). كما تقدم قريبًا.
стр. 5882
١٨ - باب فِي كَراهِيَةِ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ
٢٠٨٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ" (١).
٢٠٨١ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ" (٢).
* * *
باب كراهية أن يخطب الرجل على خطبة أخيه
[٢٠٨٠] (ثنا أحمد بن عمر بن السرح، ثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يخطب الرجل على خطبة) بكسر الخاء اسم من خطب فهو خاطب وخطاب مبالغة (أخيه) خرج مخرج الغالب كقوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٣)، فإن الأصح تحريم الخطبة على خطبة الذمي، وينبغي إلحاق العاقد والمستأمن به بخلاف الحربي والمرتد.
[٢٠٨١] (ثنا الحسن بن علي) (٤) الحلواني (ثنا عبد الله بن نمير) الهمداني (عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال
стр. 5883
رسول الله ﷺ : لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) الذي صرح له بالإجابة؛ فإن لم يجب ولم يرد لم يحرم في الأظهر، كحديث فاطمة بنت قيس فإن الخطاب تواردوا عليها ولم ينه النبي ﷺ المتأخر منهم لما لم يصرح بالإجابة، وعن القديم المنع في إذا لم يجب ولم يرد لإطلاق النهي في هذا الحديث. والحديث فيه استثناء مأخوذ من الاستثناء فيما بعده؛ فإن عند الشافعي أدن الجمل المتعاطفة يعود الاستثناء بعدها إلى الكل (١) فيقول قوله بعد الجملة الثانية في البيع على النكاح أيضًا؛ لأن الأصل اشتراك المتعاطفين في جميع المتعلقات كالحال والشرط، وتكون الجمل المتعاطفة بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، ويدل على هذا المقدر، ورواية البخاري: "لا يخطب الخاطب على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" (٢)(٣).
(ولا يبيع على بيع أخيه) والمعنى في تحريمه ما فيه من الإيذاء والقطيعة والعداوة، ولهذا شرط ابن حربويه أن يكون الأول مسلمًا، وخالفه الجمهور وحملوا الحديث على أنه خرج مخرج الغالب كما تقدم، وإنما يحرم ذلك قبل لزوم العقد (. . .) (٤) ضرورة وذلك بأن يعقد ويبقى الخيار في المجلس والشرط وصورته في التحريم أن يقول من عنده السلعة للمتعاقدين في حال ثبوت خيار المجلس أو الشرط:
стр. 5884
أفسخ البيع لأبيعك مثله بأرخص من هذا القدر، أو إلى أجل، أو أبيعك أحسن منه بهذا السعر (إلا بإذنه) أي: إلا أن يأذن البائع للآخر في البيع على بيعه؛ فإن أذن ارتفع التحريم على الصحيح في أصل "الروضة" ولم يصرح الرافعي بتصحيحه، وذكر ابن كج من شروط التحريم أن لا يكون المشتري مغبونًا غبنًا مفرطًا، فإن كان فله أن يعرفه ويبيع على بيعه، وهو ضرب من النصيحة.
قال في "الروضة": وقد انفرد به ابن كج، وظاهر الحديث يخالفه؛ فإن المختار عدم اشتراطه (١). وكما يحرم البيع على البيع يحرم الشراء على الشراء، بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه منه بأكثر، وذكر الماوردي أنه يحرم أيضًا طلب السلعة من المشتري بزيادة ربح والبائع حاضر؛ لأنه يؤدي إلى أن يفسخ البيع (٢).
стр. 5885
١٩ - باب فِي الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى المَرْأَةِ وَهُوَ يُرِيدُ تَزْوِيجَها
٢٠٨٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ واقِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي: ابن سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ - عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ المَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى ما يَدْعُوهُ إِلَى نِكاحِها فَلْيَفْعَلْ". قَالَ: فَخَطَبْتُ جارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَها حَتَّى رَأَيْتُ مِنْها ما دَعانِي إِلَى نِكاحِها وَتَزَوُّجِها فَتَزَوَّجْتُها (١).
* * *
باب الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها
[٢٠٨٢] (ثنا مسدد، حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم البصري (ثنا محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين) القرشي، مولى عمر بن عثمان بن عفان الأموي المدني.
(عن واقد بن عبد الرحمن) كذا ذكر المصنف، قيل: إنه واقد بن عمرو (ابن سعد بن معاذ) كما ذكره البخاري وأبو حاتم، والصواب الذي ذكره الذهبي وغيره أنهما اثنان أحدهما واقد بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ، وهو من أفراد أبي داود، والثاني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، أخرج له الشيخان والمصنف (٢).
(عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا خطب أحدكم المرأة) المراد إذا أراد أحدكم أن يخطب امرأة بدليل