الألف واو مفتوحة وهو حي من قيس عيلان (قال: تثويت) بفتح التاء المثناة فوق مع المثلثة والواو المشددة وسكون المثناة تحت (أبا هريرة بالمدينة) أي: جئته ضيفًا، والثوي بفتح المثلثة وكسر الواو وتشديد الياء هو الضيف، وهذا كما تقول: تضيفته إذا ضفته، ومن قولهم: ثوى بالمكان إذا أقام به.
وفيه استضافة أهل الدين والعلم والمجيء إليهم ليأكلوا من طعامهم ويستشفوا به؛ فإن طعامهم شفاء لحاجة ولغير حاجة، وأما استضافة أهل الشر أو من لا يعرف حاله فلا يكون إلا لحاجة إلى الطعام، كما في قصة موسى ﵇ والخضر حين أتيا أهل قرية فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، أي: استضافوهم فلم ينزلوهما منزلة الأضياف.
(فلم أر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أشد) لما لم يجز أن يصاغ من (شَمَّرَ) أفعل التفضيل لكونه رباعيًّا توصل بـ (أشد) الذي جمع الشروط صيغ منه أفعل، وأتى بمصدر الفعل الذي عَدِمَ الشروط تمييزًا فقيل: (تشميرًا) مصدر شمر ثوبه تشميرًا إذا رفعه عن الأرض، وشمر في العبادة تشميرًا إذا اجتهد فيها مع السرعة (ولا أقوم على ضيف منه) من قام على الضيف إذا قام بخدمته وبما يتعين له من حقه.
وفي الحديث دلالة على إكرام الضيف وخدمته، وفيه تشمير الثوب عند الخدمة كتشمير كمه وذيله عند السباق، وفيه التشمير والاجتهاد في إكرام الضيف بسرعة، وخدمة الضيف دون استنابة، بل يتولى من جاءه الضيف خدمته بنفسه وإن كانت مرتبته أعلى من ضيفه؛ فإن أبا هريرة أفضل من ضيفه، وإبراهيم ﵇ أفضل من الملائكة الذين أتوه على
стр. 6092
هيئة الأضياف فتولى خدمتهم بنفسه وفاجأهم حين جاءهم بعجلٍ حنيذٍ.
(فبينما أنا يومًا عنده) يحتمل أن يريد يومًا من أيام الضيافة (وهو على سرير) فيه جواز الجلوس والنوم على السرير؛ لأنه يرفع عن برودة الأرض وعن هوامها وحشراتها، وكان له ﷺ سرير (١) ينام عليه (له) فيه أن اليد تدل على الملك، فمن عليه ثوب أو تحته سرير فيحكم بأنه له إلى أن يثبت ما يخالفه (ومعه كيس) وهو الذي يخاط من الخرق (فيه حصًى أو نوىً) شك من الراوي، والحصى أقرب إلى المعنى، ولكونه ابتدأ به (وأسفل) بالنصب على الظرفية وهو خبر مقدم (منه جارية) ولهذا جاز رفع جارية وهي نكرة؛ لتقدم الظرف عليها، ولأنه وصف بقوله (له) أي: ملك له، وفيه استخدام الجواري واسترقاقهن للخدمة؛ لأنه إعانة على الطاعة وفي اقتنائهن تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني؛ إذ لو تكفل الإنسان بجميع أشغال المنزل لضاعت أكثر أوقاته ولم يتفرغ للعبادة، وعلى هذا فليست الخادم من الدنيا؛ لأنها تفرغ العبد للآخرة كالزوجة الصالحة.
(سوداء) وهي أولى من البيضاء لكونها أخف ثمنًا وأقوى للعمل وأبعد عن الشهوة في حق من يدخل إليه (وهو يسبح بها) فيه فضيلة التسبيح، وفي معناه التحميد والتهليل والإكثار منه وإشغال الأصابع بتحريك الحصى أو النوى ونحوهما أو السبحة وهو داخل في الحديث المتقدم: "واعقدن بالأصابع فإنهن مسئولات مستنطقات" (٢). وفيه
стр. 6093
جمع بين العبادة بالقلب واللسان والجوارح، والظاهر أن الحصى شاهدات للمسبح بهن كما أن الأرض تشهد كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ (١) (حتى إذا أنفد) بفتح الهمزة والفاء، والدال المهملة، أي: أفنى جميع (ما في الكيس) يقال: نفد الشيء كتعب نفادًا إذا فني، وأنفدته أنا فيتعدى بالهمزة (ألقاه إليها) والظاهر أن الحصى الذي يفنى له عدد مخصوص معلوم من الأعداد التي ورد لها ثواب مخصوص في السنة.
(فجمعته فأعادته في الكيس فدفعته إليه) ليعيد التسبيح به، وهذا يدل على شدة اجتهاد الصحابة ﵃ في العبادة، وملازمتهم التسبيح والأذكار وإعراضهم عن السعي في التكاثر من الدنيا والاكتلاب عليها كما هو مشاهد اليوم (فقال: ألا أحدثك عني وعن رسول الله ﷺ ) وما سمعته منه؟ فيه تعليم العلم لمن لا يسأل عنه (قال الشيخ: قلت: بلى) أبا هريرة (قال: بينا أنا أوعك) بضم الهمزة وفتح العين، والوعك هو الحمى أو ألمها، وقد وعكه المرض فهو موعك (في المسجد) فيه جواز إقامة الموعك والمريض في المسجد إذا لم يحصل منه نجاسة في المسجد ونومه فيه ليلًا أو نهارًا (إذ جاء رسول الله) يسأل عنه (حتى دخل المسجد) الظاهر أنه في غير أوقات الصلاة؛ فإنه لم يأته إلا ليعود المريض الذي به (فقال: من أحس الفتى) أصل الإحساس الإبصار، ومنه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٢)، ثم استعمل في الوجدان
стр. 6094
والعلم بأي حاسة كانت، وربما زيدت الباء فقيل: أحس به. على معنى: شعرت به (الدوسي) بفتح الدال المهملة نسبة إلى دوس بن عدنان بطن كبير من الأزد، ونسب إليه خلق كثير منهم أبو هريرة هنا، ومنهم الطفيل بن عمرو الدوسي الذي قدم على رسول الله ﷺ (ثلاث مرات) وليس هذا من إنشاد الضالة المنهي عنه.
(فقال رجل: هو ذا) حاضر (يوعك في جانب المسجد) فيه أن المريض إذا احتاج إلى الإقامة في المسجد لكونه عازبًا أو غريبًا ونحوهما أن يجلس في جانب المسجد لا في صدره ومواضع الصفوف الأول، بل في جوانب المسجد وأواخره لئلا يضيق على المصلين، قال: (فأقبل يمشي) بعدما صلى تحية المسجد؛ فإن تحية المسجد حق لله تعالى، وهو مقدم على حق الآدمي من عيادة مريض أو سلام على قادم حاضر فيه ونحو ذلك (فوضع يده علي) في الحديث دلالة على أن من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده ويسأله كيف هو (وقال لي معروفًا) صفة لمصدر محذوف، أي: قولًا معروفًا كقوله: "لا بأس طهور إن شاء الله تعالى" (١). ونحو ذلك مما كان يقوله ﷺ ويدعو به للمريض إذا عاده.
(فنهضت) من ساعتي فرحًا برسول الله ﷺ (فانطلق يمشي) في المسجد (حتى مقامه) بفتح الميم هو اسم الموضع الذي يقوم فيه المصلي وغيره، وبضم الميم اسم موضع من أقام بالموضع اتخذه وطنًا (الذي) يعتاده (يصلي فيه) فيه مشروعية أن يتخذ الإنسان مكانًا
стр. 6095
في المسجد يعتاد الصلاة فيه أو التدريس أو التعليم ونحو ذلك.
(فأقبل عليهم ومعه) في المسجد (صفان من رجال وصف من نساء) فيه ترتيب الصفوف وهو أن يتقدم في الصفوف الرجال ثم النساء، هذا إذا لم يكن صبيان؛ فإن كان صبيان قدم الرجال ثم الصبيان ثم النساء حتى لو حضر النساء أولًا ووقفوا في الصف ثم جاء الرجال، تأخروا للرجال ولو لم يكمل الصف الأول بالرجال لم يكمل بالنساء بل بالصبيان (أو) معه.
(صفان من نساء وصف من رجال) قبلهم وأمامهم، فقال رسول الله ﷺ (إن نسَّاني) بتشديد السين (الشيطان شيئًا من صلاتي) فيه جواز النسيان عليه في أحكام الشرع، وهو مذهب جمهور العلماء وظاهر القرآن، لكن لا يقر عليه بل يعلمه الله تعالى به، وظاهر الحديث وقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ (١)، أن الشيطان ينسي الأنبياء، وكما قال تعالى ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (٢) قال ابن عباس: لما تضرع يوسف إلى مخلوق وكان قد اقترب خروجه أنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن (٣).
(فليسبح القوم) يعني: يسبح الرجال دون النساء إذا نسي الإمام في الصلاة، وأما النساء فيصفقن، وصفة التسبيح سبحان الله، ويجهر بحيث يسمع المقصود، لا واحد له من لفظه، قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ
стр. 6096
قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (١) ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾، فخص القوم بالرجال، جاء لفظ الحديث على ذلك، قال بعضهم: وربما يجعل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأن قوم كل نبي رجال ونساء، والقوم يذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (٢) فذكَّر، وقال تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (٣) فأنث، وسمي القوم قومًا لأنهم قوامون على النساء، بالأمور التي ليست للنساء أن يقمن بها وسميت النساء (٤) لتأخرهن عن منازل الرجل، من نسأته إذا أخرته أو نسيته إذا تركته. (ولتصفق النساء) بضرب الكف اليمين على ظهر اليسار، ولا ينبغي أن تضرب بطن الكف على بطن الكف؛ فإنه لعب، ولو فعلت ذلك على وجه اللعب بطلت صلاتها وإن كان قليلًا؛ لأن اللعب ينافي الصلاة، وتقدم في كتاب الصلاة زيادة.
(قال: فصلى رسول الله ﷺ ولم ينس من صلاته شيئًا) وفيه تعليم الإمام المأمومين أحكام الصلاة قبل الدخول فيها (فقال: مجالسكم مجالسكم) بالنصب فيهما على الإغراء، وهما منصوبان بفعل مضمر تقديره: الزموا مجالسكم، ولا يجوز إظهار هذا الفعل المضمر؛ لأن التكرار جعل كالبدل من التلفظ بالفعل، فلا يجمع بين البدل والمبدل، وأمرهم بلزوم مجالسهم ليستمعوا ما يعلمهم من أمر دينهم بعد
стр. 6097
الصلاة، وفيه أن الصلاة إذا أريد بعدها قراءة حديث أو (. . .) (١) أو تفسير أو تعليم شيء من أمور الدين فللإمام أو المبلغ والمؤذن أن يقول بعد انتهاء الصلاة: مجالسكم مجالسكم. كما في الحديث، أو كما يقال اليوم: رحم الله من جلس وسمع الواعظ أو المحدث. وهذا إنما يحتاج إليه إذا كان في الابتداء، فإن استمرت قراءة الحديث أو غيره فيعلم بالعادة ولا يحتاج إلى إعلامهم.
(زاد موسى) بن إسماعيل شيخ المصنف (ها هنا: ) ثم إن النبي ﷺ (حمد الله) تعالى (وأثنى عليه) فيه أنه يستحب لكل خطيب وواعظ ونحو ذلك أن يبدأ أول كلامه بحمد الله تعالى وحسن الثناء عليه؛ لأن كل ما لا يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أجذم أي: مقطوع البركة (ثم قال: أما بعد) مبني على الضم، والإضافة فيه مقدرة تقديره: أما بعد حمد الله والثناء عليه، وثبت أنه ﷺ كان يقول: "أما بعد". في خطبته وكتبه، حتى رواه الحافظ عبد القاهر الرهاوي في "الأربعين" التي له بأسانيد عن أربعين صحابيًّا، واختلفوا في أول من ذكرها، فقيل: داود ﵇، وأن هذِه الكلمة ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ المشار إليها في الآية (ثم اتفقوا) يعني: مسدد والجريري ومؤمل وموسى (ثم أقبل على الرجال) وبدأ بهم أولًا لتفضيلهم على النساء (فقال: هل منكم الرجل) الألف واللام للجنس وتعريف الحضور، فهو نفس الجنس بدأ به والحضور بدخول (الـ) (إذا أتى أهله فأغلق عليه) وعليها (بابه) فيه قول بسم الله
стр. 6098
كما في الحديث (١)، فيه اتخاذ الأبواب للبيوت والدور (وألقى عليه) وعليها (ستره) الذي يسترهما.
(واستتر بستر الله) الذي يحبه كما في الحديث: "إن الله حيي ستير يحب الحياء ويريده لعباده" (٢)، وفي حديث آخر: "أيما رجل أغلق بابه وأرخى أستاره فقد تم صداقها". والإسارة كالستارة (قالوا: ) الرجال (نعم، قال: ثم يجلس بعد ذلك) يحدث به في المجالس أو لآحاد الناس (فيقول: فعلت) بأهلي (كذا) و (فعلت كذا) وكذا (قال: فسكتوا) الرجال، فيه أن الإنسان إذا سئل عن فعل شيء قبيح وكان فعله فينبغي أن يسكت؛ لأن سكوته علامة على خجله واستحيائه بما وقع منه أن يذكره في حضرة الأكابر ومجالس أهل العلم والصلاح.
(قال: فأقبل في النساء فقال: هل منكن من متحدث) أصله: تتحدث به، بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفًا (فسكتن) النساء واستحيين (فجثت) بفتح الجيم والثاء المثلثة (فتاة) أي: شابة حديثة السن (على إحدى ركبتيها) أي: جلست على إحدى ركبتيها كما يجلس المخاصم، وفي "مسند أحمد" ما يدل على أن هذِه الفتاة أسماء بنت يزيد (٣).
(وتطاولت) جلساؤها، أي: رفعت قامتها لتطول عليهن (لرسول الله ﷺ ليراها) رسول الله ﷺ ويقع نظره الكريم عليها (ويسمع كلامها)
стр. 6099
ويصغي إليه (يا رسول الله) والله (إنهم ليتحدثون) بذلك، يعني: الرجال (وإنهن) يعني: النساء (ليتحدثنه) أي: ليتحدثن به، أخبر ﷺ بوقوع ذلك من الرجال والنساء ليعلم ما يتعلق به من الثواب والعقاب؛ فإنه ﷺ لم يسأل عن هذا السؤال إلا لإظهار فائدة شرعية.
(فقال: هل تدرون ما مثل ذلك؟ ) فقالوا: لا يا رسول الله (فقال: إنما مثل ذلك مثل) بفتح الميم والثاء وبكسر الميم وسكون الثاء شَبَه وشِبْه، فيه ضرب الأمثال والمقصود منها أنها تؤثر في القلوب ولا يؤثر وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته ويصير الحس مطابقًا للعقل، وذلك هو النهاية في الإيضاح، ألا ترى أن التنفير إذا وقع عن ذكر ما يقع بين الزوجين في الخلوة مجردًا عن ضرب مثال لم يتأكد وقوعه كما إذا شبه بالشيطانة والشيطان في السكة يقضي بها حاجته، ولهذا أكثر الله تعالى ورسوله في كتبه المنزلة وعلى ألسنة أنبيائه من ذكر الأمثال (شيطانة لقيت شيطانًا) استشهد بالشيطان لأن الحامل على التحدث به الشيطان، ويحتمل أن هذا فعل الشيطان والشيطانة يفعلان حقيقة في الطريق فشبه فعله بفعلهما (في السكة) جمعها سكك وهي الطرق والأزقة وأصلها النخل المصطفة ثم شبهت السكك بالطرق لاصطفاف المنازل بجانبيها (فقضى منها حاجته) في الطريق (والناس) المارون بالطريق (ينظرون إليه) ومقصود الحديث أن الرجل له مع أهله خلوة وحالة يقبح ذكرها والتحدث بها، ويلزم من كشفها عار عند أهل المروءة والحياء؛ فإن تكلم بشيء من ذلك وأبداه كان مثل كشف عورة
стр. 6100
نفسه وزوجته؛ إذ لا فرق بين كشفها للعيان وكشفها للأسماع والآذان؛ إذ كل منهما يحصل به الاطلاع على العورة، ولذلك قال ﷺ : "لا تعمد المرأة فتصف المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها" (١). كما تقدم في الحديث؛ فإن دعت حاجة إلى ذكر شيء من ذلك فليذكر معها غير معين بحسب الحاجة والضرورة كما قال ﵇: "فعلته أنا وهذِه" (٢). وكقوله: "هل أعرستم الليلة" (٣).
(ألا إن طيب الرجال) من هنا رواه الترمذي (٤) والنسائي (٥) دون ما قبله (ما ظهر ريحه) زاد الترمذي: "وخفي لونه" (ولم يظهر لونه) لأن لون الطيب والثياب ليسا مقصودين في الشرع، بل المحبوب استعمال الطيب والبخور، والرائحة الطيبة مرغوب فيه مندوب إليه، فإن فيه النفع المتعدي، لكن إنما يكون مندوبًا إليه إذا قصد به الأمور الشرعية كاستعماله عند حضور الجمع والجماعات والأمور المعظمات ليكون في العبادات على أشرف الحالات، فلو قصد بذلك المباهاة والفخر والاختيال لكان ذلك من أسوأ الذنوب وأقبح الأفعال (ألا إن طيب النساء) المحمود (ما ظهر لونه) للزوج كما لها أن تتحلى له بألوان الثياب المصبغة (ولم يظهر ريحه) (٦) للرجال الأجانب؛ فإنه جالب
стр. 6101
للفتنة وداع إلى استجلاب قلوب الرجال إليهن.
(قال المصنف: ومن ها هنا حفظته) بكسر الفاء (عن مؤمل) بن هشام (وموسى) بن إسماعيل (ألا لا يفضين) بضم أوله وكسر الضاد المعجمة وتشديد نون التأكيد (رجل إلى رجل ولا امرأة إلى امرأة) قال بعضهم: الإفضاء المنهي عنه هنا أن يتضاجعا تحت لحاف واحد ويلتصق بشرة أحدهما بالآخر ليس بينهما حاجز، وإذا امتنع إفضاء الرجل إلى الرجل والمرأة إلى المرأة فأحرى وأحق أن يمتنع إفضاء الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل؛ إذ لا زوجية بينهما ولا مبيح لذلك (إلا إلى ولد أو والد) يحتمل أن يعود الاستثناء إلى جميع ما قبله كما هو قاعدة مذهب الشافعي أن الاستثناء يعود إلى جميع ما قبله، فيجوز أن يفضي الرجل إلى ولده الصغير تحت لحاف واحد، وكذا المرأة إلى ولدها الصغير، وكذا يفضي الولد إلى والده ووالدته وجده وجدته وإن علوا (وذكر) خصلة (ثالثة فنسيتها) ولم أذكرها.
قال المصنف (وهو في حديث مسدد، قال موسى: حدثنا حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن الطفاوي) بضم المهملة كما تقدم في أول الإسناد.
стр. 6102
كِتَابُ الطَّلَاقِ
стр. 6103
١٣ - الطلاق
١ - باب فِيمَنْ خَبَّبَ امْرَأةً عَلى زَوْجِها .
٢١٧٥ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، حَدَّثَنا عَمّارُ بْن رُزَيْقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِها أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ" (١).
* * *
تفريع أبواب الطلاق
* * *
باب فيمن خبب امرأة على زوجها
[٢١٧٥] (ثنا الحسن بن علي) الحلواني، شيخ الشيخين (ثنا زيد بن
стр. 6104
الحباب) بضم الحاء المهملة العكلي الخراساني، أخرج له مسلم (عن عمار، عن رزيق) بتقديم الراء على الزاي، الضبي أبو الأحوص (عن عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري (عن عكرمة، عن يحيى بن معمر) بفتح الميم وضمها غير منصرف.
(عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس منا) قيل: معناه ليس على هدينا وسيرتنا الكاملة (من خبب) بفتح الخاء المعجمة والباء المشددة الأولى (امرأة) أي خدعها وأفسدها (على زوجها) وفي الحديث: "لا يدخل الجنة خب ولا خائن" (١) الخب بالفتح: الخداع، وهو الجُربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وامرأة خب وقد يكسر خاؤه، فأما المصدر فبالكسر لا غير (أو) خبب (عبدًا على سيده) أو جارية على سيدها، أو ولدًا على والده أو والدته، ورواية الحاكم في "صحيحه": "من خبب عبدًا على أهله فليس منا، ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا" (٢).
стр. 6105
٢ - باب فِي المَرْأَةِ تَسْأَلُ زَوْجَها طَلاقَ امْرَأَةٍ لَهُ .
٢١٧٦ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنادِ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِها لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها وَلْتَنْكِحْ فَإِنَّما لَها ما قُدِّرَ لَها" (١).
* * *
باب في المرأة تسأل زوجها طلاق امرأة له
[٢١٧٦] (ثنا) عبد الله بن مسلمة (القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسأل) بكسر اللام (المرأة) على النهي، ويجوز الرفع على الخبر الذي يراد به النهي. قال النووي: وهو المناسب لقوله ﷺ : "لا يخطب"، "ولا يسوم" (٢). ومعنى هذا الحديث: نهي المرأة أن تسأل زوج المرأة (طلاق أختها) أو عمتها أو خالتها (٣) أو أجنبية وأن ينكحها عوضًا عنها ويصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ونحوها ما كان للمطلقة فعبر عن ذلك باستفراغ صحفتها لها مجازًا.
قال القرطبي: هذا مثل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها (٤). انتهى. وتسميتها أختها كالعلة للنهي المذكور؛ فإنها أختها
стр. 6106
في الإيمان، والأخ لا يضار أخاه.
(لتستفرغ) هذِه سين الطلب، أي: تسأل طلاقها لتطلب أن تفرغ ما في (صحفتها) لها، قال في "النهاية": الصحفة إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها (١). وهذا مثل تريد به الاستئثار عليها بحظها فيكون كمن استفرغ صحفة غيره وقلب ما في إنائه إلى إناء نفسه. وبوب البخاري على هذا الباب: باب الشروط التي لا تحل في النكاح (٢). وبوب عليه في كتاب الشروط: باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح (٣).
(ولتنكح) بفتح المثناة وكسر الكاف، فأمرها أن تنكح من شاءت ولا تشترط طلاق ضرتها؛ فإن النكاح بشرط باطل كما بوب عليه البخاري (فإنما لها) في ذلك النكاح (ما قدر) الله (لها) فإن كان الله قدر أن تنفرد بذلك الزوج وصلت إلى ذلك، وإن لم يقدره لم يحصل ولم (٤) ينفعها ما اشترطته فقد يطلق الضرة ثم يردها فلا يصح للمشترطة مقصودها.
стр. 6107
٣ - باب فِي كَراهِيَةِ الطَّلاقِ .
٢١٧٧ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا مُعَرِّفٌ، عَنْ مُحارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما أَحَلَّ اللهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ" (١).
٢١٧٨ - حَدَّثَنا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ خالِدٍ عَنْ مُعَرِّفِ بْنِ واصِلٍ عَنْ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَبْغَضُ الحَلالِ إِلَى اللهِ تَعالَى الطَّلاقُ" (٢).
* * *
باب كراهية الطلاق
[٢١٧٧] (ثنا أحمد بن) عبد الله بن (يونس، ثنا معرف) بن واصل السعدي الكوفي أخرج له مسلم (عن محارب) بن دثار، من جلة التابعين، أرسله عن النبي ﷺ (قال: قال رسول الله ﷺ ) وذكره (. . .) (٣).
ورواه الدارقطني من حديث مكحول عن معاذ بن جبل بلفظ: "ما خلق الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق". وإسناده ضعيف، وأوله عنده: "ما خلق الله على وجه الأرض أحب إليه من العتاق" (٤).
(ما أحل (٥) الله شيئًا أبغض) بالنصب (إليه من الطلاق) البغض والفرح
стр. 6108
والغضب من صفات المخلوقين التي تعرض لهم (١)، والمراد من بغض الله الطلاق الزجر منه والتحذير عنه في غير ما بأس فيستدل به على كراهته كما سيأتي، وإنما عبر بالبغض للتقريب على الأفهام بالخطاب المتعارف الجاري على ألسنة العرب ووجوه الاستعارات صحيحة ثابتة عند أهل المعرفة.
[٢١٧٨] (ثنا كثير بن عبيد) الحمصي أبو الحسن، إمام الجامع، له معرفة ورحلة (ثنا محمد بن خالد) الوهبي أخو أحمد، وكان الأكبر، لا بأس به (عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ) قال البيهقي: وفي رواية ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر موصولًا، ولا أراه يحفظه (٢) (قال: أبغض الحلال إلى الله الطلاق) استدل به على أن الطلاق مكروه، والظاهر أنها كراهة تحريم؛ لأنه ورد في هذا الحديث نهي مخصوص فيه بالتصريح ببغضه، وإنما يكون مبغضًا من حاجة إليه تقتضيه، وقد سماه النبي ﷺ حلالًا مع الكراهة.
قال القرافي: فسر الحلال بجواز الإقدام عليه، فيشمل الوجوب والندب والكراهة والإباحة، وعليه يحمل قوله ﵇: "أبغض المباح إلى الله الطلاق" فإن البغضة تقتضي رجحان الترك، والرجحان مع التساوي محال عندهم (٣). ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصلحة
стр. 6109
المندوب إليها، فيكون مكروهًا، ولأن فيه إيذاء للزوجة وأقاربها وأولادها إن كان لها من غير سبب، ومهما طلقها فقد آذاها، ولا يباح إيذاء الغير إلا لجناية توجبه أو لضرورة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (١) أي: لا تطلبوا حيلة الفراق.
قال بعض العلماء من أصحابنا وغيرهم: الطلاق على خمسة أقسام منها المكروه، وهو أن تكون الحال بينهما مستقيمة، ولم يقع بينهما شيء يقتضي المفارقة فيكره لما فيه من قطع سبب الوصلة (٢). وجعل الخطابي سبب الكراهة منصرف إلى السبب الجالب للطلاق وهو سوء العشرة لا إلى نفس الطلاق (٣).
طَلَّقَ وَإِنْ شاءَ أَمْسَكَ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ الحَسَنِ عَنِ ابن عُمَرَ نَحْوُ رِوايَةِ نافِعٍ والزُّهْرِيِّ والأَحَادِيثُ كُلُّها عَلَى خِلافِ ما قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ (١).
* * *
باب في طلاق السنة
[٢١٧٩] (ثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر) عند المحدثين أن الإسناد الذي فيه مالك عن نافع عن ابن عمر يسمى: سلسلة الذهب (٢).
(أنه طلق امرأته) آمنة بنت غفار، قاله ابن باطيش وابن نقطة في "تكملة الإكمال" (٣)، وعزاه لابن سعد (٤)، وقيل: آمنة بنت عمار، وفي "مسند أحمد" من حديث نافع أن عمر قال: يا رسول الله إن عبد الله طلق
стр. 6113
امرأته النوار (١) فيحتمل أن يكون هذا لقبها وذاك اسمها.
(وهي حائض) جملة حالية، وليست بحامل.
(على عهد رسول الله ﷺ ) وهذا معلوم مما بعده، فذكره له على سبيل التأسيس، ومن ورود التأسيس في كتاب الله ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢) فإنها تأسيس لقوله تعالى بعدها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٣) والتأكيد خلاف التأسيس (فسأل عمر بن الخطاب ﵁ رسول الله عن ذلك) فيه سؤال أهل العلم عند تجدد الحوادث؛ ليعلم حكم الله فيها وليبلغ حكمها من لم يكن حاضرًا (فقال رسول الله ﷺ : مره) أصلها: اأمره بهمزتين الأولى للوصل مضمومة تبعًا لثالث الفعل وهو الميم كما في أقبل، والثانية فاء الكلمة ساكنة تبدل تخفيفًا من جنس حركة ما قبلها فيقال: أؤمر، وإذا وصل الفعل بما قبله زالت همزة الوصل وسكنت الهمزة الأصلية كما قال تعالى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ (٤) لكن هذِه الثلاثة ألفاظ استعملتها العرب من غير همز، فقالوا: خذ ومر وكل؛ لكثرة دورها في الكلام، واستدل بقوله ﷺ : "مره". على الأمر بعد بالمراجعة على طريق الندب وهو قول الشافعي (٥) وأحمد (٦) وأبي حنيفة (٧)؛ لأن الأمر بالأمر بالشيء لا يكون أمرًا بذلك الشيء على
стр. 6114
الأصح عند الأصوليين (١)، فلا تكون المراجعة واجبة، فلو كانت واجبة لقال رسول الله لعمر: أخبره أن الله أمره بالمراجعة، أو إني آمره بالرجعة، ولا يصار إلى أنه أمر إلا بدليل. قال عياض: فأمره بمراجعتها واجب عندنا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، ولا حجة لهما إن قالا: فإن الآمر لابن عمر بالمراجعة أبوه وليس لأبيه أن يضع الشرع لأن أباه إنما أمره بأمر النبي ﷺ ، فهو مبلغ إليه أمر النبي ﷺ (٢) (فليراجعها) بكسر اللام على الأصل؛ لأنها لام الأمر الجازمة للمضارع، ويجوز إسكانها، وقرئ بهما في السبع (٣)، والأمر بالمراجعة للندب كما تقدم، قال أصحابنا: والصارف للأمر للوجوب؛ فإن الله قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤) وغيرها من الآيات المقتضية للتخيير بين الإمساك بالرجعة أو الفراق بتركها، وفيه جمع بين الحديث والآيات إذا حملنا الأمر على الندب (ثم ليمسكها) بضم الياء وكسر السين، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ (٥) وفي رواية في الصحيح: "ثم يمسكها" (٦). بحذف لام الأمر، وجزم الكاف، عطفًا على الأمر قبله. والمراد بهذا الأمر: استمرار الإمساك لها؛ لأن الرجعة إمساك لها
стр. 6115
(حتى تطهر) واختلف في المعنى الذي لأجله منعه إيقاع الطلاق في الطهر الثاني للحيضة التي طلق فيها (ثم تحيض) بعد ذلك (ثم تطهر) فإنه أمر أولًا بالرجعة ثم بتأخير الطلاق إلى طهر يلي هذا الحيض، فقيل: لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، ولو طلق في أول طهر بخلاف الطهر الثاني حتى قيل: إنه يستحب الوطء في الطهر الأول، وإن كان المرجح خلافه، وقيل: هو عقوبة للمطلق في الحيض المحرم وتغليظ عليه، ورد (١) بأن ابن عمر لم يكن يعلم تحريمه.
وأجيب بأن تغليظه ﷺ دون أن يعذره يقتضي أن ذلك في غاية الظهور، وأن هذا لا يكاد يخفى على أحد، وقيل: لأن الطهر الأول مع الحيض قبله كالشيء الواحد، وقيل: لأنه إذا طال مقامها رجي أن لا يطلق لأنه قد يطأها في الطهر الأول، فيذهب ما في نفسه منها من سبب طلاقها.
وادعى القرطبي أن هذا الحديث رواه سالم بن عبد الله ويونس بن جبير عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق". ولم يقولوا: "ثم تحيض ثم تطهر"، وهذا الذي في "المختصر" رواه الترمذي بلفظ: "ثم يطلقها طاهرًا أو حاملًا" (٢).
قال شيخنا البلقيني: وليس في رواية سالم ويونس، ورواية ابن عمر مخالفة في المعنى، بل في اللفظ، قال: وإنما يختلفان من وجه آخر،
стр. 6116
وهو أن في رواية لسالم في مسلم: فأمره أن يراجعها طاهرًا من غير جماع. وسيأتي في الرواية الآتية: "مره فليراجعها ثم ليطلقها إذا طهرت أو وهي حامل" كما سيأتي.
(ثم إن شاء) الزوج (أمسك) زوجته، أي: دام عصمتها (بعد ذلك) كله (وإن شاء طلق) فيه دليل على جواز الجمع بين الطلقات الثلاث؛ لأنه قال: طلقها فأطلق الطلاق، ولم يفصل بين الثلاث والثنتين، أو الواحدة تدل على جواز الجمع؛ لأن قاعدة مذهب الشافعي أن ترك التفصيل في قضايا الإجمال منزل منزلة العموم في المقال، وطلق هنا قضية الإجمال فكان كالعموم (١).
(قبل أن يمس) بفتح الياء والميم، أي: قبل أن يجامعها، واحترز قبل اللمس عما لو طلقها في طهر جامعها فيه، وكانت ممن تحبل ولَمَّ بها حمل فإن الطلاق في هذِه الحالة حرام وواقع عليها، وعلل التحريم بأمرين: أن الزوج لا يأمن أن تكون حاملًا فيندم على مفارقتها مع الولد، والثاني أنها تكون مرتابة بالحمل؛ فإنها في هذِه الحالة لا تعلم هل تعتد بوضع الحمل أم بالأقراء.
(فتلك) المدة زمن (العدة التي أمر الله) تعالى في كتابه العزيز في قوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) (أن تطلق لها النساء) أي: فيها؛ فاللام بمعنى: في، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٣) ﴿لَا
стр. 6117
يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١)، وقولهم: مضى لسبيله، ولا تصح الإشارة التي في قوله: "فتلك" إلى (٢) الحيضة؛ لأن الطلاق في الحيض غير مأمور به، بل منهي عنه، انتهى.
[٢١٨٠] (ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع، أن) عبد الله (بن عمر ﵁ طلق امرأة له وهي حائض تطليقة) يعني: واحدة كما سيأتي مصرحًا به في الرواية الآتية (بمعنى حديث مالك) عن نافع كما تقدم.
[٢١٨١] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع) بن الجراح ومات قبله (عن سفيان) بن عيينة.
(عن محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد (مولى آل طلحة) التيمي من الكوفة، أخرج له مسلم والبخاري في "الأدب".
(عن سالم) بن عبد الله (بن عمر) ﵄ (أنه طلق امرأته) آمنة، كما تقدم (وهي حائض) جملة حالية، وطلاق النفساء في معنى الحائض.
واستثني من الطلاق في الحيض صور منها: الحامل إذا حاضت. فلا يحرم طلاقها على الأصح، ومنها: إذا قال: أنت طالق مع آخر حيضك، ومنها: الحكمان في صورة الشقاق لا يحرم في الحيض للحاجة إلى قطع النزاع، ومنها: المؤلي إذا طولب فطلق في زمن الحيض، قاله الإمام وغيره وتوقف فيه الرافعي (٣).
стр. 6118
(فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: مره فليراجعها) الأمر للاستحباب كما تقدم؛ لأنه بالمراجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق من أجله وهو تطويل العدة، وإذا راجعها فهل يرتفع أثر التحريم؟ حكى النووي في تعليقه على الوسيط أن جماعة من مشايخه قالوا: يرتفع التحريم؛ لأنها كفارة له، ولأنه رجوع عن المصيبة لأنها توبة وهي تجب ما قبلها، وبه يتقوى مذهب مالك أن الأمر بالرجعة هنا أمر وجوب (١)؛ لأنها توبة من معصية، والتوبة واجبة، وردَّ الماوردي على مالك بأنه أورد على أن الارتجاع لا يجب إذا طلقها في طهر جامعها فيه مع أنه حرام بالاتفاق، فكذا في الطلاق في الحيض (٢) (ثم ليطلقها) يعني إن شاء طلاقها، قال الماوردي والروياني: لو طلق للسنة ثم راجعها ندب أن لا يطلق أخرى حتى يطأ لتكون المراجعة للاستمتاع.
قال الرافعي: وكان الوجهين للاستحباب أما الإباحة فما ينبغي فيها خلاف (إذا طهرت) أي: إذا شرعت في الطهر الأول قبل أن يمس لأنه إن جامعها حرم عليه أن يطلق في ذلك الطهر (أو) يطلقها (وهي حامل) ولفظ الترمذي: "فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا".
قال عياض: في قول مسلم: "ليطلقها طاهرًا أو حاملًا" فيه دلالة على جواز طلاق الحامل على الإطلاق دون التفصيل، يعني سواء كانت حائضًا أو غير حائض. قال: وقد منعه بعض أصحابنا كما منع طلاق من لم يدخل بها وهي حائض، وأجازه الآخرون. قال: وهذا راجع
стр. 6119
إلى الاختلاف في النهي عن الطلاق في الحيض، فمن رأى أنه معلل بتطويل العدة أجازه في الحامل وفي التي لم يدخل بها؛ إذ الحامل عدتها الوضع فلا تطويل فيها، ومن لم يدخل بها لا عدة عليها أصلًا فتوصف بطول أو قصر، ومن رآه غير معلل منع الطلاق في المسألتين جميعًا. قال: وفيه نظر؛ لأن قضية ابن عمر قضية عين، فإذا قلنا أن النهي غير معلل افتقر المنع في المسألتين إلى دليل على القول بأن القضايا في الأعيان لا تتعدى، أو كون مجرد النهي غير معلل لا يوجب الحكم في المسألتين بالمنع. وأما الطريقة الأخرى وهي إثبات التعليل فإنما يصح ما قالوه فيها أيضًا على القول بأن العلة إذا ارتفعت ارتفع حكمها، وهذا فيه تفصيل وتحقيق (١).
وقال النووي: فيه دليل لجواز طلاق الحامل التي تبين حملها وهو مذهب الشافعي (٢).
قال ابن المنذر: وبه قال أكثر العلماء - يعني: بحل طلاق الحامل وإن كان قد جامعها فيه - لأن المطلق مع العلم بالحمل قد وطأ نفسه عليه (٣).
وقد استدل بهذا الحديث أصحابنا على أن طلاق (٤) الحامل سني كما قال القفال، قال: وكأن الشافعي لم يبلغه هذا الحديث (٥).
стр. 6120
والأصح عند الشافعية ليس ببدعي ولا سني.
[٢١٨٢] (ثنا أحمد بن صالح) العبدي (ثنا عنبسة، ثنا يونس، عن) محمد (بن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ (أنه طلق) الطلاق لفظ جاهلي ورد الشرع باستعماله أو تقريره كما قاله الإمام (١) (امرأته) فيه أن غير الزوج لا يصح طلاقه بغير نيابة شرعية أو قولية لا بالتخيير ولا بالتعليق (وهي حائض) مدخول بها.
(فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ) الغيظ هو الغضب المحيط بالكيد (٢) (رسول الله) وفي النسائي: فتغير وجه رسول الله ﷺ (٣).
وفيه دليل على تحريم الطلاق في الحيض؛ فإنه أنكره بتغيظه عليه مع أن ابن عمر لم يكن عرف تحريم ذلك عليه.
وأجيب بأن تغيظه ﷺ دون أن يعذره لعدم علمه يقتضي أن تحريم ذلك في غاية الظهور، وأنه لا يكاد يخفى على أحد.
وقد استدل بهذا الحديث من يقول من أصحابنا وغيرهم أن طلاق الحامل الحائض أنه بدعي فيحرم؛ لأنه طلاق في الحيض وقد نهي عن الطلاق في الحيض، ووجه التحريم أنه ﷺ تغيظ على ابن عمر حين طلق الحائض ولم يستفصل بين أن تكون حاملًا أو غير حامل، فدل على أنه لا فرق في التحريم للقاعدة المطردة أن ترك الاستفصال في
стр. 6121
قضايا الإجمال منزل منزلة العموم في المقال.
(ثم قال: مره) استدل به على أن المراجعة التي بعده غير واجبة؛ لأنه لم يأمر عبد الله وإنما أمر أباه، والأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء؛ لقوله ﷺ : "مروهم بالصلاة لسبع" (١). والصلاة ليست واجبة على ابن سبع.
(فليراجعها) فيه دليل على أن قول المطلق رجعيًّا: راجعتك، أو ارتجعتك، صريح في المراجعة، لا يفتقر إلى نية، وقد اشتهرت هذِه اللفظة في المراجعة بين أهل العرف كاشتهار اسم الطلاق فيه، والاحتياط في المراجعة أن يقول: راجعت امرأتي أو زوجتي إلى نكاحي أو زوجتي، أو راجعتها لما وقع عليها من طلاقي، وقد يؤخذ من اقتصاره في الحديث على لفظ المراجعة أن الرجعة لا تفتقر إلى ولي ولا صداق ولا رضا المرأة ولا علمها، وكذا لا تفتقر إلى شاهدي عدل يحضران المراجعة، لكن يستحب، وهو المذهب (٢).
(ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر) قال ابن قدامة في "المغني": فإذا راجعها وجب إمساكها حتى تطهر، واستحب إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر على ما أمر به النبي ﷺ (٣).
قال ابن عبد البر: وذلك من وجوه: منها: أن الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء؛ لأنه المبتغى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلا في
стр. 6122
الطهر؛ فإذا وطئها حرم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر. ومنها: أن الطلاق حرم في الحيض لتطويل المدة، فلو طلقها عقب الرجعة من غير وطء كانت في معنى المطلقة قبل الدخول، وكانت تبني على عدتها، فأراد رسول الله ﷺ قطع حكم الطلاق بالوطء، واعتبر الطهر الذي في محل الوطء، فإذا وطئ حرم عليه طلاقها حتى تحيض ثم تطهر، وقد جاء في حديث عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت مسها، حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها". رواه ابن عبد البر (١).
ومنها: أنه عوقب على إيقاعه في الوقت المحرم بمنعه منه في الوقت الذي يباح له.
(ثم إن شاء طلقها) فيه دليل على أنه لا إثم في الطلاق بغير سبب، لكن يكره كما في الحديث المتقدم: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". فيكون "أبغض الحلال" بيانا لكراهة التنزيه، وتعليقه هنا على المشيئة لبيان أنه ليس بحرام.
(طاهرًا قبل أن يمس) أي: قبل أن يطأها، وفيه تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه كما تقدم.
(فذلك الطلاق للعدة) أي: عند زمان عدتهن، وهو عند الشروع في الطهر، فاللام في العدة بمعنى: عند، كقولهم: لخمس خلون، وجعل منه ابن جني قراءة الجحدري: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (٢) بكسر اللام
стр. 6123
وتخفيف الميم (١)، والمراد أنها تأتي للتأقيت إذا قرنت بالوقت مثل: "صوموا لرؤيته" (٢)، وجعل منه الزمخشري: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣).
(كما أمر الله تعالى) الظاهر أن أمر هنا بمعنى أذن وأباح، وهو كقولك: يا من طرق الباب ادخل؛ لأن الطلاق غير مأمور به، قيل: قد جاء: "أبغض المباح إلى الله الطلاق" (٤).
[٢١٨٣] (ثنا الحسن بن علي) الخلال (ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني.
(عن) محمد (بن سيرين قال: أخبرني يونس بن جبير) أبو غلاب الباهلي البصري (أنه سأل) عبد الله (ابن عمر فقال: كم طلقت امرأتك) وهي حائض؟ (فقال) طلقة (واحدة) ووهم من روى ثلاثًا. كما رواه مسلم عن ابن سيرين أيضًا (٥).
استدل به مالك وعامة أصحابه على ما ذهبوا إليه من أنه لا بد في طلاق السنة من أن يعتبر في الوقت أن يطلقها واحدة، ويتركها حتى تنقضي عدتها ولا يردفها، ومتى خالف شيئًا من ذلك خرج عن طلاق السنة ووصف بالبدعة (٦).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا أحسن الطلاق (٧).
стр. 6124
وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: ليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة (١)
[٢١٨٤] (عن) عبد الله بن مسلمة (القعنبي، ثنا يزيد بن إبراهيم) القشيري أبو يزيد (عن محمد بن سيرين) قال (حدثني يونس بن جبير، قال: سألت عبد الله بن عمر، قلت: رجل) رجل مبتدأ، ويحتمل أن يكون سوغ الابتداء به وهو نكرة كونه موصوف بصفة محذوف تقديره: رجل متزوج (طلق امرأته) فحذف الصفة كما قالوا: ضعيف عاذ بقرملة (٢) فيه حذف تقديره: رجل ضعيف، والمبتدأ في الحقيقة المحذوف وهو موصوف مبتدأ وضعيف خبره، ثم حذف المبتدأ وثبتت خبره صفته.
(وهي حائض، فقال: تعرف) فيه حذف لهمزة الاستفهام تقديره: أتعرف. كقول الشاعر:
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرًا ... عدد الرمل والحصى والتراب (٣)
تقديره: أتحبها؟ .
(عبد الله بن عمر؟ قلت: نعم. قال: فإن عبد الله بن عمر) سؤاله عن معرفة ابن عمر مع جوابه كالتوطئة لما يأتي بعده (طلق امرأته وهي حائض)
стр. 6125
في غيبة النبي ﷺ (فأتى عمر النبي ﷺ فسأله) عن ذلك (فقال: مره) فيه أن تأديب الوالد ولده وتعليمه الأحكام الشرعية أولى من الحاكم، ولهذا لم يطلبه النبي ليأمره بالمراجعة مشافهًا له، بل أمر والده ليأمره تشريعًا لهذِه الأمة بأمور دينها، وكذلك المفتي الوالد عن مسألة تتعلق بولده يجيبه عنها، ليكون الوالد هو المباشر لذلك دون المفتي، هذا ما ظهر لي من معنى الحديث. والله أعلم.
(فليراجعها) المراجعة مما استعمل فيه فاعل لغير المشاركة في الفعل بل لموافقة أفعل الذي همزته للتعدية نحو: باعدته بمعنى: أبعدته، وضاعفته بمعنى: أضعفته، وراجعتها بمعنى أرجعتها إلى عصمتي (ثم يطلقها) بجزم القاف عطفًا على الأمر قبله (في قبل) (١) بضم القاف والباء الموحدة (عدتها) أي: وقت استقبال العدة والشروع فيها، أي: طلقها في طهر لم يجامعها فيه.
قال السفاقسي: فيه رد على أبي حنيفة في قوله: الأقراء الحيض؛ لأن قبل العدة وهي حالة تعتد بها من العدة وهي فيها طاهر، فدل على أن الأقراء هي الأطهار (قال: فقلت) له (فيعتد) في بعض النسخ: فتعتد بفتح المثناتين بينهما عين مهملة، وفي بعضها: يعتد بضم المثناة تحت مبني لما لم يسم فاعله، وفيه حذف همزة الاستفهام كما تقدم، أي: أفيعتد (بها؟ ) أي: بتلك التطليقة وتحسب عليها، يعني: المطلقة (قال: فمه) أصلها: فما؟ أي: فهل يكون إلا ذلك؟ والفاء في (فمه) دخلت على (ما) الاستفهامية وأبدلت ألف ما هاء لقرب مخرجها منها
стр. 6126
كما في هرقت وأرقت، أي: فما يكون إن لم تحسب بتلك التطليقة.
قال الكرماني: ويحتمل أن تكون يعني: (مه) التي هي كلمة الكف والزجر عنه أي: انزجر عنه فإنه لا شك في وقوع الطلاق وكونه محسوبًا في عدد الطلاق (١) (أرأيت إن عجز) إن عجز عن النطق بالرجعة أأسقط عنه عجزه وقوع الطلاق وحكمه؟ وهذا من المحذوف منه جواب إن الشرطية لدلالة مجرى الكلام عليه.
(واستحمق) هذا مثال لما جاء فيه استفعل للتحول من حالة إلى حالة؛ لأن معنى استحمق أي صار كالأحمق حين فعل فعله. كما يقال: استحجر الطين، أي: صار كالحجر، واستنسر البغاث (٢) أي: صار كالنسر، كقول الشاعر:
إن البغاث بأرضنا تستنسر (٣)
أي: تتحول وتصير إلى صفة النسر. قال النووي: أي أيرتفع عنه الطلاق وإن استحمق؟ فهو استفهام إنكار تقديره: لا يمنع احتسابها لعجزه وحماقته، والقائل لهذا الكلام هو عبد الله بن عمر صاحب القضية، ويريد به نفسه وإن ذكر الضمير بلفظ الغيبة. وقد جاء في رواية مسلم أن ابن عمر قال: ما لي لا أعتد بها وإن كنت عجزت واستحمقت؟ (٤)(٥) وفيه حذف تقديره: أرأيت إن عجز واستحمق
стр. 6127
أيسقط عنه الطلاق حمقه أو يبطله عجزه؟ قال القرطبي: هو بفتح التاء والميم مبنيًّا للفاعل، ولا يجوز بناؤه للمفعول؛ لأنه غير متعدٍ (١). انتهى.
وفيه رد على من يرويه بالضم على ما لم يسم فاعله، يعني: إن الناس استحمقوه وعدوه أحمق حين وضع الطلاق في غير موضعه، وإنما هو بفتح التاء مبنيًّا للفاعل، أي: يكلف الأحمق بما يفعله من الطلاق وامرأته حائض.
[٢١٨٥] (ثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الرزاق، أن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس (أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن) المخزومي المكي مولى عزة، ويقال (مولى عروة) قال ابن طاهر: وهو أصح (يسأل ابن عمر وابن الزبير يسمع) سؤاله (فقال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ ) منصوب على الحال.
(قال: طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ . فسأل عمر رسول الله، فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض) فيه أنه يجوز للسائل والمفتي أن يبهم السائل فيقول: ما تقول؟ أو: ما ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ كما فعل عبد الرحمن بن أيمن في سؤال ابن عمر، ويجوز أن يعينه إذا كان المفتي يعلمهما ويقول: إني طلقت زوجتي وهي حائض. كما فعل ابن عمر في سؤال رسول الله ﷺ .
(قال عبد الله) بن عمر ﵁ (فردها) يعني التطليقة (عليَّ) وللنسائي: فقال رسول الله ﷺ : "ليراجعها" فردها علي (٢).
стр. 6128
ويحتمل أن يراد: فرد الزوجة عليَّ حين أمرني بمراجعتها (ولم يرها) أي: لم ير التطليقة شيئًا ولم يحسبها من الطلقات الثلاث، كما سيأتي (وقال: إذا طهرت) من حيضها (فليطلق) في أي طهر شاء من الأول والثاني سواء اغتسلت أم لا، والمراد بالطهر الذي يطلق فيه طهر تشرع فيه في العدة منه؛ فإنها قد تطهر ولا تشرع في عدته كما في وطء الشبهة الواقع في المدة التي تثبت له المراجعة فيها، وحينئذٍ فلا يقع طلاق فيه؛ لأنه بدعي بل يتأخر وقوعه إلى وقت طهر تشرع به في عدته (١) (أو ليمسك) إن شاء (قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾) وللنسائي: فقال النبي ﷺ (﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾) (٢) نادى النبي ﷺ ثم خاطب أمته؛ لأنه السيد المقدم، فإذا نودي وخوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب، ومعنى ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾: إذا أردتم التطليق، كقوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣)، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (٤) (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قبل) بضم القاف والموحدة (عدتهن) قال في "النهاية": وفي رواية: "في قبل طهرهن"، أي: في إقباله وأوله حين يمكنها الدخول في العدة والشروع فيها، وذلك في حالة الطهر، يقال: كان ذلك في قبل الشتاء، أي: إقباله (٥).
وهذِه القراءة رواها المصنف والنسائي، وحكاها المازني عن النبي ﷺ وعثمان وجابر (٦) بن عبد الله ومجاهد وزيد، وقرأ أبو نهيك وأبو ذر:
стр. 6129
(فطلقوهن لقبل عدتهن) بضم القاف وسكون الباء (١).
قال ابن مهران: وعن مجاهد (فطلقوهن قبل عدتهن) بفتح القاف واللام مع سكون الباء (٢).
(قال المصنف: روى) بفتح الراء والواو (هذا الحديث عن ابن عمر: يونس بن جبير، وأنس بن سيرين) أو محمد بن سيرين (وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبو الزبير) محمد بن مسلم (ومنصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي.
(عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (معناهم كلهم) برفع اللام (أن النبي أمره أن يراجعها) ثم يمسكها (حتى تطهر، ثم إن شاء طلق) بعد ذلك (وإن شاء أمسك) يعني أنها إذا شرعت في أول الطهر فهو مخير بين الطلاق والإمساك (وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمن) ابن عبيد مولى آل طلحة بن عبيد القرشي (عن سالم) بن عبد الله (عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄، وأما رواية الزهري، عن سالم بن عبد الله ونافع عن ابن عمر: أن النبي أمره أن يراجعها) ويمسكها (حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر) طهرًا يشرع فيه العدة كما تقدم (ثم إن شاء طلق) طلقة واحدة (وإن شاء أمسك) أي: استدام بقاءها لعصمته، واستمرت إلى الطهر الثاني.
(وروي عن عطاء) بن أبي مسلم (الخراساني) مولى المهلب بن أبي صفرة (عن الحسن) بن أبي الحسن البصري (عن ابن عمر رواية نافع
стр. 6130
عن الزهري) قال المصنف: (والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير) يعني: من أن الطلقة في الحيض لا تحتسب عليه تطليقة.
لكن قال شيخنا ابن حجر: لم ينفرد أبو الزبير، فقد رواه عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد بذلك. أخرجه محمد بن عبد السلام الحسيني، عن بندار، عنه. ثم قال: وإسناده صحيح، لكن يحمل قوله: لا يعتد بذلك على معنى أنه خالف السنة، لا على أن الطلقة لا تحسب جمعًا بين الروايات القوية (١). انتهى.
فإن البخاري صرح بأنها تحسب عليه، ولمسلم نحوه (٢).
قال الشافعي: ورواية نافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به (٣).
وقال أبو عمر النمري: لم يقل عنه أحد غير أبي الزبير، وقد يحتمل أن يكون معناه: لم يره شيئًا ثابتًا تحرم معه الرجعة ولا تحل له إلا بعد زوج، أو لم يره شيئًا جائزًا في السنة ماضيًا في حكم الاختيار وإن كان لازمًا على سبيل الكراهة (٤).