(ابن إسحاق) صاحب المغازي (بهذا الإسناد نحوه) بفتح الواو (إلا أنه قال) في هذِه الرواية: (والعرق مِكتَل) بكسر الميم وفتح التاء، هو الزنبيل الآتي ذِكره، وقيل: هو القُفَّة، وهما بمعنى، وقيل: المكاتل القفاف العِظام، سميت بذلك لتكتل الشيء فيها وهو يلاصق بعضه ببعض (يسع ثلاثين صاعًا) والصاع أربعة أمداد كما تقدم.
(قال المصنف: ) والحديث بهذا الإسناد (أصح من حديث يحيى بن آدم) المذكور قبله، وبهذا استدل مالك ﵁ على ما ذهب إليه أن كفارة الظهار ثلاثين صاعًا لستين مسكينًا لكل مسكين نصف صاع وهو مدان من جميع أنواع الكفارة (١)، وممن قال: مدان من قمح: مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي؛ لأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان لكل مسكين نصف صاع كفدية الأذى (٢)، وقد يحتج به أحمد ومن تابعه على أن لكل مسكين من التمر الذي هو أغلب أقواتهم، وتقدم مصرحًا به في الرواية قبلها، وكذا في الشعير نصف صاع لكنه خالف في البر فقال: ربع صاع؛ لرواية الإمام أحمد: جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال النبي ﷺ للمظاهر: "أطعم هذا"، قال: هذا مدي شعير مكان مد قمح، وهذا نص في المسألة (٣).
[٢٢١٦] (ثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (ثنا أبان) بن يزيد العطار (ثنا يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف
стр. 6232
الزهري (قال: يعني بالعرق: زنبيلًا) بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة المخففة، فإذا كسرت الزاي شدت الباء الموحدة، فقيل: زبيل وزنبيل بزيادة النون والأولى أولى وأعلى، سمي زِبِّيلًا؛ لأنه (١) يُنقَل فيه الزبل للسِّماد (يأخذ) أي: يسع (خمس عشر صاعًا) وفي هذا وما بعده حجة للشافعي كما سيأتي.
[٢٢١٧] (ثنا) أحمد (بن) عمرو بن (السرح، ثنا) عبد الله (بن وهب قال: أخبرني) عبد الله (بن لهيعة) بفتح اللام الحضرمي الفقيه، قاضي مصر (٢) وعالمها ومسندها، أخرج له مسلم (وعمرو بن الحارث) عن يزيد بن أبي حبيب في الصلاة (عن بكير) عبد الله (بن الأشج) الليثي السدوسي الكوفي
(عن سليمان بن يسار) مولى ميمونة أم المؤمنين، عن سلمة بن صخر البياضي (بهذا الخبر، وقال فيه: فأتي رسول الله ﷺ بتمر فأعطاه إياه وهو قريب من خمسة عشر صاعًا) وللترمذي في حديث سلمان بن صخر: فقال رسول الله ﷺ لعروة بن عمرو: "أعطيه ذلك العرق" وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا أو ستة عشر صاعًا، ثم قال: حديث حسن، يقال سلمان وسلمة بن صخر البياضي ثم قال: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم في كفارة الظهار (٣).
(قال: تصدق بهذا) يعني: على ستين مسكينًا؛ لرواية البيهقي في
стр. 6233
حديث سلمة بن صخر أنه ﵊ أتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا فقال: "تصدق على ستين مسكينًا" (١).
قال البيهقي: هذا الحديث مختلف فيه فتارة يقول: ستون صاعًا، وتارةً يقول: ثلاثون صاعًا، وتارة يقول خمسة عشر صاعًا وأسانيدها ليست بالقوية ولا يقارب حديث المجامع في شهر رمضان في الصحة وإذا كان كذلك فالأخذ بالأصح أولى هذا، وقد روينا في حديث يوضحه خمسة عشر صاعًا (٢) يعني: الرواية المذكورة، قال المنذري: واختلاف الروايات في هذا الحديث يدل على أن العرق تختلف في السعة والضيق فيكون بعضها أكبر من بعض (٣).
(قال) الراوي: فقال (يا رسول الله على أفقر مني) هذِه الرواية رواية الأعرابي المجامع، وفيه حذف همزة الاستفهام والفعل تقديره: أأتصدق به على أحد أفقر مني؟ وحذف همزة الاستفهام كثير وكذا حذف الفعل بدلالة قوله ﷺ قبله: "فتصدق به"، وهذا استفهام تعجبي أي: ليس أحدًا أفقر مني حتى أتصدق عليه، ولمسلم: أفقر منا (٤). بحذف على، والرواية قبله بنصب الراء صفة لمحذوف، أي: أأجد أحدًا أفقر منا؟ ورواية لمالك: ما أجد أحدًا أحوج مني (٥)، وقد يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: أَأَجَد أفقر منا؟
стр. 6234
وفي الحديث إشارة لترجيح مذهب الشافعي أن الفقير أسوء حالًا (١) من المسكين؛ لأن النبي ﷺ ذكر الصدقة فذكر في جوابه من هو أسوَءُ حالًا منه وأنه لم يوجد أكثر فقرًا منه للمبالغة (ومن أهلي؟ ! ) الأهل يطلق على المذكر والمؤنث وعلى الواحد وأكثر منه ويطلق على الزوجة وحدها وعلى من في عصمته (فقال رسول الله ﷺ : كله أنت وأهلك) بالرفع عطف على الضمير المحذوف المؤكد بأنت، ويحتمل أن يراد بالأهل هنا كل من تلزمه نفقته أو زوجته أو يطلق على (٢) أقاربه المحتاجين فإن للأهل إطلاقات في اللغة والعرف.
قال الزهري: هذا خاص بهذا الرجل وحده، يعني: أنه يجزئه أن يأكل من صدقة نفسه لسقوط الكفارة عنه فسوغها له النبي ﷺ ، وقيل: هو منسوخ، وقيل: يحتمل أنه أعطاه إياه ليخرجه عن كفارته ويأكل منه قدر كفاية يومه ويطعم الباقي من لا تلزمه نفقته من أهله (٣)، لكن الرواية المتقدمة: "كل أنت وعيالك بقيتها" ترد هذا.
وقيل: لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له إعطاء الكفارة عن نفسه لهم، والذي عليه الشافعي ومالك وكافة العلماء لهذا أطعمه إياه لفقره وأبقى الكفارة عليه في ذمته يخرجها متى أيسر (٤) كما في كفارة المجامع في رمضان.
стр. 6235
[٢٢١٨] (قال المصنف: وقرأت على) أبي عبد الله (محمد) بن يحيى (ابن وزير المصري) التجيبي وهو ثقة علامة (١) (حدثكم بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (ابن بكر) التِّنيسي (٢) بكسر التاء المشدَّدة (٣) نسبة إلى تنيس (٤) قرية من قرى مصر (٥)، أخرج له البخاري آخر الكتاب، وفي الحج مقرونًا بالوليد بن مسلم.
(ثنا) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي، ثنا عطاء) بن يسار (عن أوس أخي عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه خمسة عشر صاعًا من شعير) وهو (إطعام ستين مسكينًا) مأخوذ من السكون؛ لأن المعدم ساكن الحال عن أمور الدنيا، والمراد بالمسكين هنا أعم من الفقير؛ لأن كلًّا منهم حيث أفرد يشمل الآخر، وإنما يفترقان عند اجتماعهما نحو آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٦) والخلاف في معناهما مشهور في كتب الفقه. واستنبط بعضهم من رواية خمسة عشر لستين مسكينًا أن إطعام كل مسكين مدًا لأن الصاع أربعة أمداد، وقد صرفت هذِه الخمسة عشر إلى ستين مسكينًا، وقِسمةُ خمسة عشر على ستين كيلة وهو ربع صاع وهو مد.
(قال المصنف: وعطاء) بن يسار (لم يدرك أوسًا) وأوس (من أهل
стр. 6236
بدر) أي: شهد بدرًا والمشاهد ونزل الشام، وهو (قديم الموت) وكان نزل الشام وهو خزرجي ﵁.
(والحديث مرسل) مطلق، والمرسل من الحديث وهو أن يروي المحدث حديثًا عن من لم يعاصره، والمطلق أن يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ .
[٢٢١٩] (ثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (ثنا حماد) بن سلمة (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن أخي عبد الله، وهما من الأئمة الأعلام (أن جميلة) بفتح الجيم، ويقال: خولة، ويقال: خويلة بنت مالك بن ثعلبة كما تقدم (كانت تحت أوس بن الصامت) ولعله كانت له زوجتان خولة وجميلة، ولعلها كان لها اسمان أو جميلة وصف وخويلة اسم (وكان رجلًا به لمم) قال المنذري: اللمم هنا هو الإلمام بالنساء وشدة التوقان إليهن، ويدل على هذا الحديث المتقدم، وليس معنى اللمم ها هنا الجنون، ولو كان كذلك فَظَاهَر في تلك الحال لم يلزمه شيء (١)، انتهى، ويحتمل أن يكون اللمم على حقيقته وهو الجنون، وأنه كان يعتريه في بعض الأوقات، وأنه ظاهر وقت إفاقته وهو صحيح معتد به، ويحتمل أنه كان به لمم شفي منه، وظاهر بعد أن شفي منه، ويبعد هذا قوله.
(فكان إذا اشتد لممه) قال في "النهاية": الإلمام هو الإلمام بالنساء وشدة الحرص عليهن (٢) (ظاهر من امرأته) لعله لما اشتدت شهوته
стр. 6237
للجماع أراد الجماع فراجعته لعذر أو غيره فغضب من مراجعتها له؛ لأنه كان قد ساء خلقه حين كبر فكان هذا سبب ظهاره كما تقدم عن الذهبي (فأنزل الله تعالى فيه) وفي كل من صح ظهاره (كفارة الظهار) والكفارة اسم من التكفير وهو التغطية سميت بذلك لأنها تستر الذنب وتغطيه تخفيفًا من الله تعالى، وسمي الكافر لأنه يغطي نعمة الله.
قال ابن عبد السلام في "القواعد": الخلاف في الكفارات هل هي زواجر أو جوابر؟ والظاهر الثاني؛ لأنها [عبادات وقربات] (١) ولا تصح إلا بالنية (٢).
[٢٢٢٠] (ثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، شيخ مسلم (ثنا محمد بن الفضل) السدوسي البصري، الحافظ.
(ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) حديثًا (مثله) لما تقدم.
[٢٢٢١] (ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني) وهو ثقة (٣) (ثنا سفيان) ابن عيينة.
(ثنا الحكم بن أبان) العدني، ثقة صاحب سنة، إذا هدأت السيول وقف في البحر إلى ركبتيه يذكر الله وكان سيد أهل اليمن (٤).
(عن عكرمة: أن رجلًا ظاهر من امرأته) هكذا ورد مرسلًا، قال ابن
стр. 6238
حزم: رجاله ثقات ولا يضر إرساله (١).
وفي "مسند البزار" طريق أخرى شاهدة لهذِه الرواية من طريق خصيف، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رجلًا قال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي رأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر (٢) (ثم واقعها قبل أن يكفر) كفارة الظهار (فأتى النبي ﷺ فأخبره) بحاله (فقال: ما حملك على ما صنعت) لما كان الجماع حرامًا عليه قبل التكفير، سأله عن السبب الموجب لذلك لاحتمال أن يكون له عذر في ذلك، وكذا ينبغي للمفتي والحاكم إذا وقع له شخص في معصية أن يسأله عن ذلك لاحتمال أن يكون له عذر من إكراه أو جهل بعدم التحريم أو نحو ذلك، ولفظ الترمذي: رأيت خلخالها في ضوء القمر (٣).
(قال: فاعتزلها) قد يؤخذ منه تحريم التلذذ بما دون الجماع كالقبلة واللمس والمباشرة فيما دون الفرج، وهو أظهر قولي الشافعي (٤)، وهو قول الزهري ومالك (٥) وأصحاب الرأي (٦)، وإحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن ما حرَّم الوطء من القول حرَّم دواعيه كالطلاق والإحرام (٧)، ولأن اللمس والقبلة يدعوا إلى الجماع وحملًا للمس في
стр. 6239
الآية على التقاء البشرتين، وهو يشمل الجماع وغيره.
(حتى تكفر عنك) إطلاق الكفارة يشمل العتق والصوم، وكذا الإطعام، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي (١) وأصحاب الرأي (٢) وأحمد (٣).
وذهب أبو ثور إلى إباحة الجماع قبل التكفير بالإطعام، وعن أحمد ما يقتضي ذلك؛ لأن الله تعالى لم يمنع المسيس قبله كما في العتق والجماع (٤)، وأجاب الجمهور بأن الإطعام محمول على العتق والصوم؛ لأنه في معناهما ولإطلاق الحديث.
[٢٢٢٣] (ثنا زياد بن أيوب) الطوسي، الحافظ شيخ البخاري في باب: إتيان اليهود النبي ﷺ (٥) (ثنا إسماعيل) ابن علية (ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن النبي ﷺ ) حديثًا (نحوه) كما تقدم، لكنه (لم يذكر السياق) كما لم يذكره الترمذي فيما تقدم.
[٢٢٢٤] (ثنا أبو كامل) فضيل بن حسين الجحدري (أن عبد العزيز بن المختار حدثهم) قال: (ثنا خالد) الحذاء قال: (حدثني محدث، عن عكرمة، عن النبي ﷺ ) وستأتي رواية باتصاله حديثًا (نحو حديث سفيان) بن عيينة المتقدم.
[٢٢٢٥] (قال المصنف: وسمعت محمد بن عيسى) بن نجيح بن
стр. 6240
الطباع، روى عنه البخاري تعليقًا (يحدث به) قال: (حدثنا معتمر قال: سمعت الحكم بن أبان يحدث بهذا الحديث، ولم يذكر ابن عباس) كما لم يذكره في الرواية قبلها (ثنا الحسين بن حريث) بضم الحاء المهملة وفتح الراء مصغر وهو أبو (١) عمار الخزاعي (ثنا الفضل بن موسى) السيناني (عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس) ﵄، هكذا رواه الترمذي بهذا الإسناد جميعه، وقال: حديث حسن صحيح (بمعناه عن النبي ﷺ ) ولفظ الترمذي أن رجلًا ظاهر أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. قال: "ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: "لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله" (٢)، انتهى.
وظاهره أن عليه كفارة واحدة.
قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم.
قال: وقال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان، يعني: كفارة عن الظهار، وكفارة عن الجماع. قال: وهو قول عبد الرحمن بن مهدي (٣).
стр. 6241
شرح سنن أبي داود لابن رسلان
تصنيف
شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسين بن علي بن رسلان المقدسي الرملي الشافعي (المتوفى سنة ٨٤٤ هـ)
أشرف عليه وشارك في تحقيقه
خالد الرباط
تحقيق
خالد إبراهيم السيد - أحمد سليمان - صالح حسون
بمشاركة الباحثين بدار الفلاح
كتاب الطلاق - كتاب الصوم - كتاب الأعتكاف
٢٢٢٦ - ٢٤٧٦
[المجلد العاشر]
стр. 6242
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 6243
شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُد لِابْنِ رَسْلَان
[١٠]
стр. 6244
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميعُ الحقوقِ مَحْفوظَة لِدَارِ الفَلَاحِ وَلَا يجوز نشر هَذَا الْكتاب بِأَيّ صِيغَة أَو تَصْوِيره PDF إِلَّا بِإِذن خطي من صَاحب الدَّار الْأُسْتَاذ/ خَالِد الرَّباط
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م
رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الكتُب
١٧١٦٤/ ٢٠١٥
دَارُ الفَلَاحِ لِلبحثِ العِلمي وتَحْقِيق التُّرَاثِ
١٨ شَارِع أحمس - حَيّ الجامعة - الفيوم
ت: ٠١٠٠٠٠٥٩٢٠٠
Kh_rbat@hotmial.com
تطلب منشوراتنا من:
• دَار الْعلم - بلبيس - الشرقية - مصر
• دَار الأفهام - الرياض
• دَار كنوز إشبيليا - الرياض
• مكتبة وتسجيلات ابْن الْقيم الإسلامية - أَبُو ظَبْي
• دَار ابْن حزم - بيروت
• دَار المحسن - الجزائر
• دَار الْإِرْشَاد - استانبول
• دَارُ الفَلَاحِ - الفيوم
باب في الخلع
[٢٢٢٦] (حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد) بن زيد (عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (عن أبي أسماء) عمرو بن مرثد الرحبي (عن ثوبان) بن بجدد مولى رسول الله (قال: قال رسول الله ﷺ : أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس) بأن تخاف أن لا تقيم حدود الله فيما يجب عليها من حسن الصحبة وجميل العشرة لكراهتها له، أو بأن يضارها لتختلع منه، ونحو ذلك (لم تشم رائحة الجنة) كذا لفظ الترمذي وابن ماجه، ولابن ماجه من رواية ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كُنهه فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (١).
قال في "النهاية": "من غير كنهه"، أي: في غير أن يبلغ من الأذى إلى الغاية التي تعذر في سؤال الطلاق معها (٢). وفيه زجر عظيم ووعيد كبير في سؤال المرأة طلاقها من غير ضرورة.
ولا بد فيه من تأويل: إما أن يحمل على من استحلت إيذاء زوجها بسؤال الطلاق مع علمها بتحريمه فهي كافرة لا تدخل الجنة ولا تجد ريحها أصلًا، وإما أن يحمل على أن جزاءها أن لا تشم رائحة الجنة إذا شم الفائزون ريحها, بل يؤخر شمها بعدهم حتى تجازى, وقد
стр. 6247
يعفى عنها فيدخلها أولًا، وإنما احتجنا إلى تأويله وأمثاله؛ لأن مذهب أهل الحق أن من مات على التوحيد مصرًّا على الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه أولًا فأدخله الجنة أولًا وإن شاء عاقبه ثم يدخله الجنة.
وفي الحديث دليل على جواز سؤالها الطلاق عند وجود البأس.
[٢٢٢٧] (ثنا) عبد الله بن مسلمة بن قعنب (القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة) من فقهاء التابعين (أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية) وورد أيضًا أن جميلة بنت أبي سلول اختلعت من ثابت بن قيس قال في "الاستيعاب": وجائز أن تكون حبيبة هذِه وجميلة اختلعتا من ثابت بن قيس (١).
(أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس) بفتح الشين المعجمة والميم المشددة، ابن زهير بن مالك بن امرئ القيس، شهد أُحُدًا، وقتل باليمامة (وأن رسول الله ﷺ خرج إلى) صلاة (الصبح فوجد حبيبة بنت سهل) الأنصارية (عند بابه) أي: باب داره (في الغلس) وهو ظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح، ومحل الجار والمجرور نصب على الظرفية، وفيه دليل للشافعي ومالك وأحمد على تقديم صلاة الصبح في الغلس قبل أن يسفر الصبح (٢) خلافًا لأهل الكوفة حين قالوا: الإسفار أفضل للحديث الذي تقدم: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" (٣)، وأجاب بعضهم عن هذا الحديث بأنه محمول على تحقق
стр. 6248
طلوع الفجر عند خفائه، وحمله بعض الشافعية على الليالي المقمرة التي يخفى فيها طلوع الفجر.
وفيه دليل على جواز خروج النساء من بيوتهن في الغلس لغير صلاة عند الحاجة، وهذا بشرط أمن الفتنة عليهن، وكره بعضهم الخروج للشواب خوفًا من الفتنة وهو الأليق بزماننا. وقال بعضهم: لا تخرج المرأة إلا بخمسة شروط: أن يكون ذلك لضرورة، وأن تلبس أدنى ثيابها، وأن لا يظهر عليها ريح الطيب، وأن يكون خروجها في طرفي النهار، وأن تمشي في أطراف الطريق دون وسطه.
(فقال رسول الله ﷺ : من هذِه؟ ) فيه سؤال من وجد عند باب داره عن حاجته فإنه لم يأت إليه إلا لحاجة وتعريفه بنفسه (قالت: أنا حبيبة بنت سهل، قال: ما شأنك؟ ) والشأن الحال والأمر. (قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس) قال ابن الأثير في "شرح مسند الشافعي": تريد لا نجتمع ولا نصطحب، فنفت نفسها ونفسه يعني في الاجتماع نفيًا مستغرقًا، أي: لا بقاء ولا ثبات ولا وجود لي وله معًا (١) (لزوجها) يعني عن زوجها فاللام بمعنى عن، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ (٢)، وقيل: هي لام التبليغ، والتفت عن الخطاب إلى الغيبة.
(فلما جاء ثابت بن قيس) فيه حذف تقديره فدعوه فأتي به فلما جاء زوجها (قال: يا رسول الله هذِه حبيبة بنت سهل) ولم يقل زوجتي؛ لأنهما
стр. 6249
كانا طالبي الفراق (فذكرت ما شاء الله أن تذكر) كذا للمصنف، وفي "الموطأ" والنسائي: قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر (١)، ورواية الشافعي في "المسند": أتت النبي ﷺ في الغلس وهي تشكو شيئًا ببدنها (٢).
قال ابن الأثير: يريد أثرًا من ضرب (٣).
(وقالت: يا رسول الله) الظاهر أن فيه حذف تقديره: فقال رسول الله: أتردين عليه ما أعطاك؟ فقالت (كل ما أعطاني) يعني: من الصداق (عندي) لم يذهب منه شيء (فقال رسول الله: خذ منها) كذا في "الموطأ" والنسائي والشافعي (٤)، وفيه حذف تقديره: خذ منها ما أعطيتها إياه صداقًا (فأخذ منها) ما أعطاها وهو الحديقتان كما سيأتي.
فيه دليل على أن المرأة إذا كانت بالغة رشيدة تتصرف في مالها بإذن أبيها وبغير إذنه، وفي غيبته، فإن أباها لم يحضر ولا استأذنته، إذ لو كان لذكر (وجلست) بعد أن فارقها (في بيت أهلها) وقد استدل إبراهيم النخعي بهذا على ما ذهب إليه أن أخذ المال يفيد تطليقة بائنة ونحو ذلك عن الحسن، وورد عن علي ﵁ من قبل مالًا على فراق، فهي تطليقة بائنة لا رجعة فيها؛ لأنه لم يذكر هنا أنه فارقها؛ فإنه قال: "خذ منها"، فأخذ منها، ولم يستدع منه لفظًا، ولأن دلالة الحال تغني عن اللفظ بدليل ما لو دفع ثوبًا إلى قصار أو خياط معروفين بذلك؛ فإنهما إذا
стр. 6250
عملاه استحقا الأجر وإن لم يشترطا عوضًا. وقد استحسنه الرافعي وغيره، وروى إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: كيف الخلع؟ قال: إذا أخذ المال فهي فرقة (١)، والجمهور لا بد من لفظ الزوج؛ لأنه جاء مصرحًا به في رواية البخاري: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" (٢)، وفي رواية: فأمره (٣) ففارقها. ويحمل هذا الحديث على أنه اقتصر على بعض الحديث بدليل ما تقدم؛ فإن القصة واحدة، والزيادة من الثقة مقبولة، ولعل الراوي استغنى بذكر العوض عن ذكر اللفظ؛ لأنه معلوم منه، وعلى هذا يحمل كلام أحمد وغيره من الأئمة.
[٢٢٢٨] (ثنا محمد بن معمر) بن ربعي القيسي البحراني (ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو) العقدي (٤) (ثنا أبو عمرو) قيل: إنه سعيد بن سَلَمة بن أبي الحسام (السدوسي) بفتح السين نسبة إلى سدوس بن سنان (المديني) وعلى ما في "الكمال" أنه سعيد بن سلمة بن أبي الحسام فهو أخرج له مسلم حديثًا واحدًا في الإفك (٥) (عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني، عن خالة أبيه (عمرة) بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، من فقهاء التابعين (عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل) الأنصارية (كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس) بن زهير الخزرجي، وهو الذي رؤي في المنام بعد قتله وأجيزت وصيته
стр. 6251
بالمنام، وقتل باليمامة.
(فضربها فكسر بعضها) زاد بعضهم: أنها شكته إلى أبيها فلم يشكها، ثم شكته إليه ثانية وثالثة فلم يشكها ولا نظر إلى ضربها (فأتت النبي ﷺ ) ووقفت عند بابه (عند الصبح) فخرج النبي ﷺ فوجدها عند بابه فقال: "من هذِه؟ " قالت: حبيبة بنت سهل، قال: "ما شأنك؟ " قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، (فدعا النبي ثابتًا فقال) له: (خذ بعض مالها) فيه أنه يجوز أن يخالع زوجته من مالٍ ورثته من أبيها، أو من غير ما أصدقها، ولا يتعين العوض أن يكون من الصداق (وفارقها) أمره النبي ﷺ على سبيل المصلحة والإرشاد، وفيه دليل على أنه يجوز للرجل إذا ضرب زوجته على نشوزها أو منعها حقه أن يخالعها، ولا يمنع خلعها لأجل ضربه؛ لأن ذلك لا يمنعها أن لا يخافا أن لا يقيما حدود الله.
قال ابن قدامة في "المغني": وكذا لو ضربها ظلمًا لسوء خلقه أو غيره لا يريد بذلك أن تفتدي نفسها لا يحرم عليه مخالعتها؛ لأنه لم يضربها ليذهب ببعض ما آتاها، ولكن عليه إثم الظلم (١).
(فقال: ويصلح) فيه حذف همزة الاستفهام، وهو كثير تقديره: أو يصلح (ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فإني أصدقتها حديقتين) الحديقة: كل أرض ذات شجر أحدق بها حاجز، ثم سميت البساتين حدائق، والحديقة: القطعة من النخل وإن لم يكن محاطًا بها، والحديقة: فعيلة بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها أي: أحاط.
стр. 6252
(وهما بيدها) أي: باقيتان في ملكها.
(فقال رسول الله: خذهما) منها. فيه رد لما روي عن سعيد بن المسيب قال: ما أرى أن يأخذ كل مالها، ولكن ليدع لها شيئًا يعني: مما أعطاها (١) (وفارقها ففعل) استدل بعضهم بأمره بفراقها من غير أن يسأل زوجها هل هي حائض أو في طهر جامعها فيه، على أن الخلع فسخ؛ إذ لو كان طلاقًا لاقتضى شرائط الطلاق من وقوعه في طهر لم يمسسها فيه، فلو لم يتعرف النبي ﷺ الحالة في ذلك دل على أن الخلع فسخ، وإليها ذهب ابن عباس وطاوس وعكرمة، وأحد قولي الشافعي (٢)، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور (٣).
قال الإمام أحمد: ليس لنا في الباب أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ لا ينقص عدد الطلاق (٤)، وهذا رواه أحمد عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن ابن دينار، عن ابن عباس قال: الخلع تفريق وليس بطلاق (٥).
قال الحافظ ابن حجر: وإسناده صحيح. قال أحمد: ليس في الباب أصح منه (٦)، واحتج ابن عباس بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٧)، ثم
стр. 6253
قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١)، ثم قال ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢)، فذكر تطليقتين، والخلع وتطليقه بعدها، فلو كان الخلع طلاقًا لكان أربعًا، ولأنها فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته فكانت فسخًا كسائر الفسوخ (٣)، ونسب هذا القول للقديم عند الشافعي (٤)، وفي "أحكام القرآن" (٥) له ﵁.
باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد
[٢٢٣١] (ثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (ثنا حماد) بن سلمة (عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن مغيثًا) بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون المثناة تحت بعدها ثاء مثلثة و (كان عبدًا) لأبي أحمد بن جحش من بني مطيع (فقال: يا رسول الله اشفع لي إليها) فيه جواز الاستشفاع بأهل الخير والصلاح ومن له وجاهة (فقال رسول الله: يا بريرة اتقي الله) فيه وعظ المشفوع عنده بقوله: اتق الله، أو راقبه، أو ارحم هذا المسكين، ونحو ذلك؛ لأنه أبلغ من الشفاعة مجردة (فإنه) فيه حذف تقديره: لو راجعتيه (فإنه زوجك) وهكذا كالتعليل للمراجعة؛ لأن له عليها حق وفضل، فهو أولى من غيره لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (١) أي في ذلك الأجل الذي أمرت أن تتربص فيه وهو زمن العدة، وعلى هذا ففي الحديث دليل على أن العبد البالغ العاقل له أن يراجع زوجته من غير إذن سيده، وهو المذهب، وفيه وجه (٢).
وفيه دليل على أن الرجعية زوجة. وعند الشافعي الرجعية زوجة في خمس آيات (٣). قال البلقيني: الرجعية زوجية في ستة (٤) عشر آية، ثم بينها (٥)، ويحتمل أن يكون سماه زوجًا باعتبار ما كان، ولا يكون
стр. 6256
الطلاق بائنًا (وأبو ولدك) الولد بفتحتين يطلق على الذكر والأنثى والمثنى والمجموع فعيل بمعنى مفعول, وفي مراجعة أم الأولاد مصلحة من جهات.
(قالت: يا رسول الله، تأمرني) حذف همزة الاستفهام يعني: أتأمرني بمراجعته (بذلك؟ قال: لا إنما أنا شافع) زاد البخاري: قالت: لا حاجة لي (١). فيه دليل على أن أمر النبي ﷺ مخالف لشفاعته وأمره ﷺ أبلغ، فإنه على الوجوب عند أكثر الفقهاء، وفيه شفاعة الإمام إلى الرعية، وهو من مكارم الأخلاق.
وفيه دليل على أن هذِه المراجعة غير الرجعية التي تكون بين الزوجين في الطلاق الرجعي، ولهذا احتاج إلى الشفاعة (فكان) زاد البخاري: يطوف خلفها يبكي، و (دموعه تسيل على خده) أي: خديه، فهو مفرد قائم مقام التثنية؛ إذ الرجل له خدان يسيل على كل خد دمع، فهو نظير قوله في بانت سعاد:
مِن كُلِّ نَضَّاخَةِ الذَّفرى إذا عَرِقَت ... عُرْضتُها طامِسُ الأعلامِ مجهولُ (٢)
ومنه قول الشاعر:
ألا إنَّ عينًا لم تَجُد يوم واسط ... عليكَ بجارِي دَمعها لَجَمودُ (٣)
стр. 6257
ومنه:
أظنُّ انهِمال الدمع ليس بمنتهٍ ... عن العين حتى يضمحل سوادها (١)
إذِ الآدميُّ له عينان، كما أن الناقة لها ذِفرتان بكسر الذال المعجمة وفتح الراء تثنية ذفرة وهي النقرة التي خلف الأذن، وفي كلامهم عكس هذا و (منه قول بشر بن أبي خازم) (٢):
على كُل ذي مَيْعةٍ سابحٍ ... يقطع ذو أبهريه الحِزاما (٣)
وإنما له أبهر واحد، وهو عرق إذا انقطع مات صاحبه.
(فقال رسول الله للعباس) بن عبد المطلب: يا عباس (ألا تعجب من حب مغيث) فيه جواز تسمية الرجل مغيثًا وإن كان اسمًا من أسماء الله تعالى المشتركة، وكنت أتوقف في تسمية بعض جماعتنا وأقول: قولوا عبد المغيث، فإن المغيث هو اللهُ حتى ظفِرتُ بهذِه التسمية.
وفي الحديث جواز إظهار الزوج محبة زوجته، وجواز الرغبة والبكاء بسبب ذلك؛ إذ لم ينكر النبي على مغيثٍ شيئًا من ذلك، ولم ينهه عنه.
وفيه فقه بريرة حيث فرقت بين الأمر والإشفاع.
(و) من (بغضها إياه؟ ) ولا حرج على الرجل في حبه امرأته المطلقة منه أو (. . .) (٤) بفسخ نكاحها منه وإن أفرط في المحبة ما لم يأت محرمًا،
стр. 6258
وكذا لا حرج على المرأة في بغضها مطلقًا؛ لسواده أو لكونه رقيقًا ونحو ذلك، وأما سبب تعجبه ﷺ من ذلك؛ فلأن الغالِبَ في العادة أن المحب لا يكون إلا محبوبًا، وبالعكس.
[٢٢٣٢] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عفان) بن مسلم الصفار، الحافظ (ثنا همام (١) عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن زوج بريرة) مولاة عائشة بنت أبي بكر الصديق (كان عبدًا أسود) لعل هذين الوصفين كان سبب بغضها له (يسمى مغيثًا) فيه جواز تسمية الرقيق بهذا، وقد تقدم (فخيرها، يعني النبي ﷺ ) بين فسخ نكاحها وبين بقائها في عصمته لكونها عتقت تحت عبد، وهذا الخيار مجمع عليه للحديث، ولما عليها من الغضاضة بالمقام تحت عبد وإن رضيت بالمقام معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك؛ لأنها أسقطت حقها بلا خلاف، (وأمرها أن تعتد) عدة الطلاق للحرة؛ لأنها فُرقة بعد الدخول في الحياة، فكانت كعدة الطلاق، ولا يلحقها في العدة طلاق ولا نفقة لها ولا كسوة إذا كانت حائلًا.
[٢٢٣٣] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير.
(عن عائشة في قصة) مولاتها (بريرة قال) عروة عن عائشة (كان زوجها عبدًا) لآل أبي أحمد كما سيأتي، (فخيرها رسول الله ﷺ ) في فسخ نكاحها (فاختارت نفسها) لمفارقته، وهذا يدل على أن هذِه الفرقة راجعة لحق
стр. 6259
الزوجة المعتقة، لا لحق الله تعالى، ولهذا جاء في رواية: أن النبي ﷺ قال لبريرة: "ملكت نفسك فاختاري" (١) (ولو كان) الزوج (حرًّا لم يخيرها) قال الطحاوي: يحتمل أن يكون هذا من كلام عروة (٢). يعني: مدرجًا في آخر الحديث، وقد صرح بذلك النسائي فقال: قال عروة: فلو كان زوجها حرًّا ما خيرها رسول الله ﷺ (٣).
قال ابن حزم: يحتمل أن يكون ذلك من كلام عائشة، أو من دونها (٤).
وفي "الطبقات" لابن سعد عن عبد الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي: أن النبي ﷺ قال لبريرة لما أعتقت: "قد عتق بضعك معك فاختاري" (٥). وهذا مرسل وصله الدارقطني من طريق أبان بن صالح، عن هشام، عن أبيه (٦).
[٢٢٣٤] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حسين بن علي) بن الوليد الجعفي (والوليد بن عقبة، عن زائدة) بن قدامة (عن سماك) بن حرب (عن عبد الرحمن بن القاسم [عن أبيه، عن عائشة أن بريرة خيرها رسول الله ﷺ ]) (٧) بأن تختار ما ترضى في البقاء مع زوجها أو مفارقته
стр. 6260
لشرف الحرية التي حصلت لها دون زوجها، ولمنع مضرة المعيرة اللاحقة لها بملك العبد لها. (وكان زوجها عبدًا) وألحقنا بالعبد المُبعَّضَ لبقاء حكم الرق عليه.
قال الروياني في "البحر" وغيره: وليس على أصلنا أنه لا خيار لها بالعتق تحت عبد إلا في مسألة الدور، ويؤخذ من الحديث أنها لا تحتاج في هذا الفسخ إلى الحاكم، وهو كذلك؛ لثبوت النص، لكن في "التلقين" لابن سراقة ما يقتضي اعتباره حيث قال: فإن اختارت فراقه فسخ الحاكِمُ نكاحها، وهو غريب.
стр. 6261
٢٠ - باب مَنْ قَالَ: كَانَ حُرًّا
٢٢٣٥ - حَدَّثَنا ابن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرّا حِينَ أُعْتِقَتْ وَأَنَّها خُيِّرَتْ فَقَالَتْ: ما أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مَعَهُ وَإِنَّ لِي كَذا وَكَذا (١).
* * *
باب من قال كان حرًّا
[٢٢٣٥] (ثنا) محمد (ابن كثير) العبدي (ثنا سفيان، عن منصور) بن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) أبي عمرو ويقال: أبي عبد الرحمن النخعي من تابعي أهل الكوفة (عن عائشة: أن) مغيثًا (زوج بريرة كان حرًّا حين أعتقت) أعتقتها عائشة، وكانت مولاة لبعض بني هلال، فكاتبوها ثم باعوها من عائشة.
وفي "الاستيعاب" أن عبد الملك بن مروان قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة، قبل أن ألي هذا الأمر فكانت تقول [لي: يا] (٢) عبد الملك إني أرى أنك خليق [أن تلي] (٣) هذا الأمر فإن وليت فاحذر الدماء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بِمِلء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق" (٤).
стр. 6262
قال المنذري: قوله في هذا الحديث: هو كان حرًّا. هو من كلام الأسود بن يزيد، جاء ذلك مفسرًا، وإنما وقع مدرجًا (١) في الحديث، وقال البخاري: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: رأيته عبدًا أصح (٢). انتهى.
قال إبراهيم بن أبي طالب: خالف الأسود الناس، وقال البخاري: هو من قول الحكم (٣).
قال القرطبي: لو كان زوجها حرًّا لم يكن لها خيار للمساواة بين الحر والحُرِّ (٤)، وإذا لم يكن لها خيار نُفِيَ الضرر اللاحق لها هذا مذهب الجمهور، وقد شذ أبو حنيفة فأثبت لها الخيار وإن كان زوجها حرًّا متمسكًا بقول الحكم أن زوج بريرة كان حرًّا وبقول الأسود في هذا الحديث وكلاهما لا يصح (٥)، وأنها خيرت فقالت: ما أحب أن أكون معه ولي كذا وكذا من مقايس الأموال العظيمة.
стр. 6263
٢١ - باب حتَّى مَتَى يَكُونُ لَها الخِيارُ
٢٢٣٦ - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الحَرّانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابن سَلَمَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَعَنْ أَبانَ بْنِ صالِحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، وَعَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ - عَبْدٍ لآلِ أَبِي أَحْمَدَ - فَخَيَّرَها رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَالَ لَها: "إِنْ قَرِبَكِ فَلا خِيارَ لَكِ" (١).
* * *
باب حتى متى يكون لها الخيار
[٢٢٣٦] (ثنا عبد العزيز بن يحيى) أبو الأصبغ (الحراني) وهو ثقة (٢) قال: (حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق) صاحب المغازي (عن أبي جعفر) [عمير بن يزيد الخطمي، ثقة] (٣) (وعن أبان بن صالح، عن مجاهد، وعن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة: أن بريرة أعتقت) بضم الهمزة وكسر التاء (وهي عند مغيث) بالتنوين (عبد) بالجر والتنوين بدل اشتمال (لآل أبي أحمد) بن جحش بعض بني مطيع. فيه جواز قولهم: عبد بني فلان، وفي الصحيح: "لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي؛ فكلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وخادمي، وفتاي وفتاتي". رواه مسلم من حديث
стр. 6264
أبي هريرة (١) فيدل حديث الباب على الجواز مع الكراهة. وحديث أبي هريرة على الكراهة.
(فخيرها رسول الله وقال لها: إن قربك) بفتح القاف وكسر الراء، قربتُ المرأة قربانًا كناية عن الجماع، ومضارعه يقرَب بفتح الراء كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٢) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٣).
قال ابن العربي: سمعت الشاشي يقول في مجلس النظر: إذا قيل: لا تقرب بفتح الراء كان معناه: لا تتلبس بالفعل، وإن كان بضم الراء كان معناه: لا تدنو (٤).
(فلا خيار لك) استدل به على أن الزوج إذا وطئها قبل الخيار بطل خيارها كما لو أعتق قبل خيارها فإنه يسقط خيارها، وهذان مفرعان على أن خيار المعتقة على التراخي إلى أن يعتق زَوجُها أو يطأها، ولا يمنع الزوج من وطئها لهذا الحديث، ولما روى الإمام أحمد في "المسند" بإسناده عن [الفضل بن] (٥) الحسن، أن عمرو بن أمية قال: سمعت رجالًا يتحدثون عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها إن شاءت، فإن وطئها فلا خيار لها" (٦). ورواه الأثرم أيضًا.
стр. 6265
واستدل الشافعي على أن خيارها على التراخي بالحديث المتقدم، أنه كان يطوف خلفها ويبكي خوفًا من أن تفارقه وطلب من النبي ﷺ [أن يشفع] (١) إليها، قال: فلو كان على الفور لبطل حقها على التأخير واستغنى عن الشفاعة (٢).
стр. 6266
٢٢ - باب فِي المَمْلُوكَيْنِ يُعْتَقانِ مَعًا هَلْ تُخَيَّرُ امْرَأَتُهُ
٢٢٣٧ - حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنِ القاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّها أَرادَتْ أَنْ تَعْتِقَ مَمْلُوكَيْنِ لَها زَوْجٌ قَالَ: فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَها أَنْ تَبْدَأَ بِالرَّجُلِ قَبْلَ المَرْأَةِ. قَالَ نَصْرٌ: أَخْبَرَنِي أَبُوِ عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (١).
* * *
باب في المملوكين يعتقان معًا (٢) هل تخير امرأته
[٢٢٣٧] (ثنا زهير بن حرب، ونصر بن علي) بن نصر بن علي الجهضمي (قال زهير) بن حرب (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد المجيد) أبو علي الحنفي البصري (ثنا عبيد الله بن عبد الرحمن) بن عبد الله (بن موهب) بفتح الميم، قال أبو حاتم: صالح الحديث (٣) (عن القاسم) بن محمد.
(عن عائشة) ﵂ (أنها أرادت أن تُعتِق) بضم أوله (مَملوكَينِ لها زوج) يعود على عائشة أي: فيجتمع لها عتق اثنين من جنس واحد (فسألت النبي ﷺ ) ولفظ النسائي عن القاسم قال: كان لعائشة غلام وجارية، قالت: فأردت أن أعتقهما فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ (٤)
стр. 6267
(فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة) أي: تبدأ بعتق الرجل قبل المرأة.
استدل به على أنه يستحب لمن له عبد وأمة متزوجان فأراد عتقهما أن يبدأ بعتق الرجل لئلا يثبت للمرأة خيار عليه فيفسخ نكاحه، ورواية الأثرم عن عائشة: أنه كان لها غلام وجارية، فقالت للنبي ﷺ : أريد أعتقهما (١). وعن صفية بنت أبي عبيد أنها فعلت ذلك وقالت للرجل: بدأت بعتقك لئلا يكون لها عليك خيار (٢).
(قال نصر) يعني: ابن علي في روايته (أخبرني أبو علي) عبيد الله بن عبد المجيد (الحنفي) البصري (عن عبيد الله) بن عبد الرحمن بن موهب.
стр. 6268
٢٣ - باب إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ
٢٢٣٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ عَنْ إِسْرائِيلَ، عَنْ سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّ رَجُلًا جاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ جاءَتِ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّها قَدْ كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعي. فَرَدَّها عَلِيْهِ (١).
٢٢٣٩ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَني أَبُو أَحْمَدَ، عَنْ إِسْرائِيلَ، عَنْ سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَزَوَّجَتْ فَجاءَ زَوْجُها إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّي قَدْ كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلامي. فانْتَزَعَها رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ زَوْجِها الآخَرِ وَرَدَّها إِلَى زَوْجِها الأَوَّلِ (٢).
* * *
باب إذا أسلم أحد الزوجين
[٢٢٣٨] (ثنا عثمان، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك) بن حرب (عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا جاء مسلمًا على عهد رسول الله ﷺ ثم جاءت امرأته مسلمة بعده فقال) الرجل: (يا رسول الله، إنها كانت أسلمت معي) يعني: ولم تخالفه زوجته، بل أقرته على ذلك (فردها عليه) أي: أجراه على النكاح الذي كان عليه.
وقد استدل به على أن الزوجين إذا أسلما معًا دام نكاحهما على أيِّ كفرٍ كانا سواء كان قبل الدخول أو بعده.
قال ابن عبد البر إنه إجماع من أهل العلم (٣)، لهذا الحديث الذي
стр. 6269
صححه الترمذي بلفظه، ولأنه لم يوجد منهم اختلاف لا في الكفر ولا في الإسلام، وتعتبر المعية بآخر اللفظ الذي يصير به مسلمًا؛ لأن به يحصل الإسلام لا بأوله.
قال الإمام: وهو أن يقترن آخر كلمة من إسلامه بآخر كلمة من إسلامها، ولا اعتبار بالأول، وحيث حكمنا بدوام النكاح فلا يضر؛ لمقارنة العقد الواقع بالكفر بمفسد هو زائل بالإسلام (١).
[٢٢٣٩] (ثنا نصر بن علي قال: أخبرني أبو أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير، قال يحيى بن معين: سمي بذلك لجده الزبير، لا أنه من آل الزبير من قريش (عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أسلمت امرأة على عهد رسول الله ﷺ ، فتزوجت) لفظ ابن ماجه: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فأسلمت فزوجها رجلًا.
ويؤخذ من ظاهر الحديث أن المرأة إذا ادعت أنها لا زوج لها أو أنه طلقها وانقضت عدتها وأنها خلية عن الموانع الشرعية، وأنها لا ولي لها، ونحو ذلك أنها يقبل منها ذلك، وتزوج إذا لم يعلم مناقض لما ادعته.
(فجاء زوجها) في حال الكفر، ولابن ماجه: فجاء زوجها الأول (إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد كنت أسلمت) زاد ابن ماجه: معها (٢) (وعلمت بإسلامي) في حين أسلمت وأنكرت (فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر) بكسر الخاء يعني: الثاني؛ لأن
стр. 6270
نكاحها باطل (وردها إلى زوجها الأول) قال الخطابي: فيه دليل على أن النكاح متى علم بين الزوجين وادعت المرأة الفرقة فإن القول في ذلك قول الزوج، وإن قولها في إبطال النكاح غير مقبول، والشك لا يزحم باليقين (١). يعني: كما إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يبني على اليقين.