← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

ينفرد بهذِه الرواية، وقد تابعه عليها الأوزاعي عن الزبيدي عن الزهري. [٢٢٥٢] (ثنا سليمان بن داود) شيخ الشيخين (العتكي) بفتح العين والمثناة، نسبة إلى العتيك بطن من الأزد، وهو عتيك بن النضر بن الأزد (ثنا فليح) بن سليمان، أخرج له الشيخان (عن الزهري، عن سعد في هذا الحديث: وكانت حاملًا) فيه دليل على أن الحامل تلاعن خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يجوز اللعان لنفي الحمل؛ لأن الحمل لا ينتفي فيكون اللعان مع الشبهة، واللعان يوجب القذف فلا يثبت مع الشبهة (١). قلنا: الحمل مظنون بدلائل وأمارات، والمظنون بدليل كالمعدوم في تعلق الأحكام، ولهذا علق عليه النفقة في العدة وغيرها من الأحكام. (فأنكر حملها) أن يكون منه ولاعنها على ذلك (فكان ابنها) بعد ذلك (يدعى إليها) وينسب إليها كما تقدم (ثم جرت السنة) في المتلاعنين (أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها) في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٢) وهذا مذهب مالك (٣) والشافعي (٤) وزيد وأهل المدينة والجمهور (٥). وقال ابن مسعود: إن كانت الملاعنة وحدها ورثت جميع ما يتركه

стр. 6302

ولدها (١)، فجعلها عصبة. [٢٢٥٣] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إنا) أصلها إننا النون الأولى نون إن التي للتأكيد، والثانية نون ضمير الجمع (لليلة) بفتح اللام الأولى التي تأتي في جواب إن، والثانية التي في ليلة ونصب ليلة على الظرف (جمعة) بضم الميم على الأفصح (في المسجد) خبرُ المبتدأ، ولفظ ابن ماجه: كنا في المسجد ليلة جمعة (٢). فيه فضيلة الاعتكاف في المسجد في ليلة الجمعة (إذ دخل رجل من الأنصار) حكى النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" في هذا الرجل قولين: أحدهما: أنه سعد بن عبادة. والثاني: أنه عاصم بن عدي (٣). وأنكر شيخنا العلامة سراج الدين البلقيني القول الأول، وقال: لم يصح هذا عن سعد بن عبادة (المسجد فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلم به جلدتموه) يعني: أربعين أو ثمانين جلدة (أو قتل) الرجل أو المرأة (قتلتموه، وإن سكت) على ذلك الأمر (سكت على غيظ) وفي رواية: على أمر عظيم، وقد عده العلماء من (٤) الدياثة، وروى النسائي عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون

стр. 6303

الجنة: العاق والديوث ورجلة النساء". والديوث بالثاء المثلثة هو الذي يرى في أهله الفاحشة ويقرهم عليها، بين الطبراني في روايته: قالوا: يا رسول الله، ما الديوث؟ قال: "الذي لا يبالي مَن [دخل على] (١) أهله؟ " قالوا: فما الرجلة من النساء؟ قال: "التي تَشَبَّهُ بالرجال" (٢). فإن استحسن الرجل على غير أهله فهو القواد، والقوادة من الكبائر أيضًا. (والله لأسألن عنه رسول الله ﷺ ) فيه إخبار (٣) ما ابتلي به لغير الحاكم، ولا يكون هذا من الغيبة (فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ فسأله) عن ذلك. (فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا) يعني: أجنبيًّا (فتكلم به) يعني: إن تكلم به (جلدتموه أو قتل قتلتموه) قال بعض العلماء: في تركه ﷺ الإنكار على هذا الرجل في قوله: أو قتل قتلتموه. دليل على وجوب قتل من قتل رجلًا وادعى أنه وجده مع امرأته؛ لأن إقراره ﵇ على القول أو الفعل كحكمه به، ويؤيد ذلك ما في "الموطأ" عن سعد بن عبادة أنه قال للنبي ﷺ : أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة؟ قال: "نعم" (٤). (أو سكت سكت على غيظ) عظيم.

стр. 6304

(فقال) رسول الله ﷺ : (اللهم افتح) أي: احكم، والفتاح الحاكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (١). وفي حديث ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ (٢) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أُفَاتِحُكَ، أي: أحاكِمك (٣) (وجعل يدعو) الله، وفيه أن المجتهد والمفتي والحاكم إذا سئل عن حكم لم يدر جوابه أن يراجع ويسأل عنه أهل العلم، فإن لم يتبين له فليبتهل إلى الله بالدعاء أن يبين له حكمه ويقول في دعائه: رب افتح وأنت خير الفاتحين. (فنزلت آية اللعان) سميت آية اللعان لذكر اللعنة في الكلمة الخامسة، وإنما سميت آية اللعنة ولم يقل آية الغضب وإن كانا موجودين في الآية لكون اللعنة متقدمة فيها، وفي الواقع من صورة اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾) أي: يقذفون زوجاتهم بالزنا (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾) أي: شهود يشهدون بالزنا عليهن (﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾) (٤) (الآية) يعني: الآيات كما في مسلم. (فابتلي به ذلك الرجل) الذي سأل عنه من دون غيره (من بين الناس) لأنه كان السبب لذلك، فمن سأل سؤال تعنت من غير حاجة إليه كما في شأن بقرة بني إسرائيل، فإن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، فلو أخذوا أي

стр. 6305

بقرة كانت فذبحوها أجزأتهم، فما زالوا يسألون ويغلظون حتى غلظ عليهم، فلذلك جاء فيهم: شددوا فشدد عليهم (١). (فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا) ثم بين كيف تلاعنهما (فشهد الرجل أربع شهادات) قال القفال في "محاسن الشريعة": كررت الأربع لتأكيد الأمر، ولأنها أقيمت مقام أربع شهود من غيره ليقام عليها الحد، وهي في الحقيقة أيمان، لكن لما أقيمت مقام الشهود الأربعة سميت شهادات (بالله إنه لمن الصادقين) فيه حذف تقديره: فيما رميت زوجتي به هذِه إن كان أو من إصابة غيري لها على فراشي (ولعن) بفتح اللام والعين أي: لعنة الله في الكلمة (الخامسة عليه إن كان من الكاذبين) فيما رماها به من الزنا، وإن كان له ولد ينفيه بقوله مع ذلك في الكلمات فيقول: وإن الولد الذي ولدته أو هذا الولد إن كان حاضرًا من الزنا، وليس مني. (قال: فذهبت) المرأة (لتلتعن) بعده (فقال لها النبي ﷺ : مه) وهي كلمة زجر، قيل: أصلها: ما هذا. ثم حذفت ألف ما وما بعد الهاء وسكنت الهاء، وتستعمل هذِه الكلمة مفردة ومكررة، ومثله: به، بالباء الموحدة فيها بدل الميم. قال الجوهري: مه كلمة بنيت على السكون، وهو اسم سمي به الفعل ومعناه: اكفف؛ لأنه زجر، فإن وصلت نونت - يعني: مع كسر

стр. 6306

الهاء - فقلت: مَهٍ مَهْ (١). (فأبت) أي: امتنعت أن تترك الملاعنة لما يلحقها من العار وغيره عند سكوتها (ففعلت) لفظ مسلم: فلعنت (٢)، وهو أصرح من فعلت (فلما أدبرا قال) رسول الله ﷺ (لعلها أن تجيء به) أي: بالولد (أسود جعدًا) بفتح الجيم وسكون العين، قال في "النهاية": الجعد في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًّا، فالمدح معناه أنه شديد الأسر والخلق، أو يكون جعد الشعر وهو ضد السبط؛ لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم، وأما الذم فهو القصير المتردد الخلق، وقد يطلق على البخيل أيضًا فيقال: هو جعد اليدين ويجمع على جعاد، ومنه الحديث أنه سأل أبا رهم الغفاري: "ما فعل النفر السود الجعاد" (٣) انتهى، وظاهر هذا يدل على أن المراد هنا صفة الذم؛ لأن أسود اللون صفة ذم، وكذا صفة الجعودة، وكذا الشعر القطط صفة ذم، ويدل عليه الرواية المتقدمة: فجاءت به على النعت المكروه (فجاءت به أسود) اللون (جعدًا) أي: جعد الشعر. [٢٢٥٤] (ثنا محمد بن بشار، حدثنا) محمد بن إبراهيم (ابن أبي عدي) البصري (أنبأنا هشام بن حسان) الأزدي مولاهم الحافظ. (قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس) ﵄ (أن هلال بن

стр. 6307

أمية) بن عامر الأنصاري الواقفي من بني واقف البدري، كما صح في البخاري مرارًا وكان معه راية قومه يوم الفتح، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك الذي نزل فيهم ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا. . .﴾ (١) الآية، وتخلف معه كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع (قذف امرأته عند رسول الله ﷺ ) قال أبو الفضل (٢) بن طاهر: اسم امرأة هلال المقذوفة خولة بنت عاصم لها ذكر وليست لها رواية (٣) (بشريك بن سحماء) مؤنث الأسحم بالمهملتين وسحماء أمه، سميت بذلك لسوادها، وأما أبوه فهو عبدة بسكون الموحدة بن معتب، وعبدة صحابي أيضًا، قيل: إن عبدة وابنه شريكًا شهدا أحدًا. (فقال) له (النبي ﷺ : البينة) بالنصب على إضمار فعل، أي: أحضر البينة (أو حدٌّ) بالنصب أيضًا، ويروى بالرفع فيهما مبتدأ وخبر محذوف، أي: عليك الحد (في ظهرك) الرواية هنا بالرفع فيهما، وفي البخاري روايتان كما تقدم. قال السفاقسي: فيه دليل على أن من قذف امرأته يحد لها حتى يلاعن، وهو مذهب مالك (٤) والشافعي (٥)، وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه حد وإن لم يلاعن، بل يحبس حتى يلاعن (٦)، واحتج بحديث

стр. 6308

العجلاني المتقدم؛ لأن النبي ﷺ إذا بين شيئًا لم يلزمه تكراره، وقد سنه النبي ﷺ في قصة هلال هذِه وهي كانت قبل قصة عويمر العجلاني، وقد صرح في حديث هلال هذا في رواية مسلم: وكان أول رجل لاعَنَ (١) في الإسلام (٢) (فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلًا على امرأته) زاد البخاري: ينطلق (٣) (يلتمس) وفيه حذف همزة الاستفهام، تقديره: أينطلق يطلب (البينة) فيه استبعاد ذلك من جهة العادة؛ فإن جبلة الآدمي ونخوته تأبى ذلك ويشق ذلك على كل من له غَيرة على أهله، وقد تقدم أن السكوت على ذلك من الكبائر العظام. فيه أن من عزم على فعل شيء يتعلق بآدمي ويخشى من جحده أن يحضر بينة تشهد بذلك لتقبل دعواه عليه، والبينة مشتقة من البيان والإيضاح سميت بذلك لأنها تبين الحق وتوضحه (فجعل النبي ﷺ يقول: البينة) بالنصب مفعول فعل محذوف، تقديره: أحضر البينة (وإلا) أي: وإن لم تحضر البينة (فحد) بالرفع فقط، وارتفاعه على أنه فاعل فعل محذوف، أي: وإلا يجب حدٌّ، وعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وإلا فالواجب حدٌّ، وعلى أنه مبتدأ حذف خبره، تقديره: إلا فحدٌّ يجب عليك، وهذِه الأوجه في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ﴾ (٤) (في ظهرك) فيه شاهد على استعمال في بمعنى

стр. 6309

على كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١) أي: عليها، وفيه دلالة على ما ذهب إليه مالك أن الحدود تضرب على الظهر وما يقاربه (٢)، وقال الشافعي وأحمد: يضرب على جميع أعضائه إلا المقاتل والوجه؛ لقول علي ﵁: لكل موضع من الجسد حظ يعني: في الحد إلا الوجه والفرج (٣). وأما قول علي؛ فلأن ما عدا الوجه والرأس والفرج ليس بمقتل فهو في معنى الظهر. (فقال هلال) بن أمية (والذي بعثك بالحق إني لصادق) فيما ذكرته (و) والله (لينزلن) بضم الياء وتشديد نون التوكيد (الله في أمري) اليمين شاملة لصدقه وإنزال الله تعالى في أمره. وفيه دليل على جواز الحلف على ما يغلب عليه ظن الآدمي في المستقبل كقوله ﷺ : "والله لأغزون قريشًا" (٤). وقول عمر عن ابن صياد: والله إنه هو الدجال (ما يبرئ) بضم الياء وفتح الموحدة وتشديد الراء وهمزة (ظهري من الحد) وقد أنزل الله ما أبرأ ظهره وأبر قسمه كما في الحديث: من أن في عباد الله من لو أقسم على الله لأبره (٥). وفيه: أن الآية نزلت بسببه، وتقدم أنها نزلت في عويمر فلهذا قال

стр. 6310

بعضهم: هما قضيتان، ويحتمل أنهما كانا متقاربين في (١) الوقت، فنزل القرآن، وفي كل من كان في معناهما. (فنزلت) هذِه الآيات: (﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾) جمع زوج للمرأة وهي اللغة الفصحى، وفي لغة: زوجة جمعها زوجات ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾) بالرفع نعت لشهداء، أو بدل منه. قال أبو البقاء: لو قُرِئ بالنصب لجاز على أن يكون خبر كان، أو على الاستثناء، وإنما كان بالرفع أقوى لأن (إلا) هنا صفة بمعنى غير كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) (قرأ) لفظ البخاري: فقرأ (٣) بزيادة الفاء (حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾) (٤) فانصرف النبي ﷺ (فأرسل إليهما فجاءا) كذا للترمذي (٥) وابن ماجه (٦)، ولفظ البخاري (٧): فأرسل إليها (فقام هلال بن أمية فشهد قائمًا) فيه دليل على أن اللعان يكون قائمًا، فتلك السنة؛ لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر (والنبي ﷺ يقول: الله يعلم) لفظ البخاري: "إن الله يعلم" (٨) (أن أحدكما كاذب) قال ابن دقيق العيد وغيره: فيه رد

стр. 6311

على من ذهب من النحاة لأن (أحدًا) لا يستعمل إلا في النفي. قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ (١)، وتعقبه الفاكهي بأن هذا عجيب من ابن دقيق العيد مع براعته وحذقه فإن الذي قاله النحاة أن أحدًا التي للعموم لا تستعمل إلا في النفي بهذا القيد الذي لا بد منه نحو: ما في الدار أحد، أما إذا كانت أحد بمعنى واحد فلا خلاف بينهم في جواز استعماله في الإيجاب لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٢)، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ وكما في الحديث، ألا ترى أن المعنى: الله يعلم أن واحدًا منكما كاذب، وقد جمع الشاعر بين أحد التي للعموم والأخرى بقوله: لقد ظَهرتَ فما تخفى على أحدٍ ... إلا على أحدٍ لا يعرفُ القَمرا فاستعمل أحدًا التي للعموم، والثانية التي بمعنى واحد. قال ابن الأثير في "شرح المسند": وهو في هذا اللفظ من الأدب الحسن ما لا يخفى على السامعين، وذلك أنه لم يواجه أحدًا منهما بالكذب ولا خصه به، ولعل الله لم يكن أعلمه الكاذب منهما (٣). (فهل منكما من تائب) في قوله تائب تغليب المذكر على المؤنث كما في قوله: أحدكما، وإنما عرض لهما بالتوبة بلفظ الاستفهام لإيهام الكاذب منهما، ولذلك لم يقل لأحدهما بعينه: تب، ولا لأحدهما:

стр. 6312

توبا، وفيه دليل على عرض التوبة على المذنبين، وقد يؤخذ منه أن الزوج لو رجع فأكذب نفسه كان توبة, ويجوز أن يكون النبي ﷺ دعاهما (١) إلى التوبة فيما بينهما وبين الله تعالى، وفيه جواز التسجيع في الكلام إذا لم يتكلف له. (ثم قامت) فيه أن المرأة تقوم للعان كما يقوم الرجل وإن كان أمرهما مبني على الستر، والمشهور أن قيامها مستحب، وفي "الكفاية" عن "التتمة": لو لاعن قاعدًا لم يعتد به إلا أن يكون عاجزًا (فشهدت) أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (فلما كان) كذا للترمذي (٢) وابن ماجه (٣)، فلما كانت (عند) الكلمة (الخامسة) وهي (أن) فيه قراءتان في السبع، إحداهما تخفيف النون الساكنة على أنها المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولذا كسرت الضاد (غضب) وجعل ماضيًا لزم رفع (الله) ومن شد النون من أنَّ فتح الضاد فصار مصدرًا مضافًا إلى الفاعل فلزم جر لفظ الجلالة، وإنما خص الغضب بالمرأة لأن جريمة الزنا من المرأة أقبح في جناية القذف منه، ولذلك تفاوت الحدان ولا شك أن غضب الله أغلظ من لعنته فخصت المرأة بالتزام أغلظ العقوبتين؛ لأنها هي السبب (عليها إن كان من الصادقين) فيما رماها به، زاد البخاري: وَقَّفُوها (٤) (وقالوا لها: إنها موجبة) أي: للعذاب الأليم إن كانت كاذبة في يمينها (قال ابن عباس: فتلكأت) بفتح المثناة فوق واللام والكاف المشددة والهمزة، يقال: لَكِئ بالمكان بكسر

стр. 6313

الكاف إذا أقام، أي: تباطأت وتوقفت في تمام اللعان أن تقوله، ومنه حديث زياد: فأتي برجل فتلكأ في الشهادة (ونكصت) أي: رجعت، وللترمذي: نكست (١). بالسين، وفيه إن توقف ونكس عند الإقرار بشيء لا يقبل منه شيء ولا يؤاخذ به حتى (٢) يفصِحَ عن المقصود عنه حتى ظننا أنها سترجع عن لعانه. (فقالت) وللبخاري: ثم قالت (٣): والله (لا أفضحُ [قومي]) بفتح الهمزة والضاد المعجمة، أي: لا أدخل عليهم الفضيحة، والمراد: بل أسترهم، وفي الدعاء: لا تفضحنا، أي: استر عيوبنا ولا تكشفها بين خلقك (سائر اليوم) أي: في باقي هذا اليوم (فمضت) في لعانه. وفيه إشارة إلى صدق زوجها. (فقال النبي ﷺ : أبصروها) بقطع الهمزة المفتوحة وكسر الصاد من أبصر يبصر، يقال: أبصرت الشيء إذا رأيته، وبصرت به إذا صرت به بصيرًا، فهذا من الرؤيا والنظر بما تقدم في حديث عويمر (فإن جاءت به أكحل العينين) الكحل بفتحتين، وهو أن يعلو الجفون سواد كالكحل من غير اكتحال، ومنه: ليسَ التكحل في العينين كالكَحَلِ، وفي حديث: "أهل الجنة جرد مرد كحلى" (٤) جمع كحيل مثل قتلى وقتيل (سابغ الأليتين) أي: تامهما وعظيمهما، وفي "مسند الشافعي" (في

стр. 6314

صورة) (١) شريك بن سحماء: وهو رجل عظيم الأليتين أدعج العينين (٢) (خدلج) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة واللام المشددة ثم جيم (الساقين) أي: عظيمهما وممتلئهما، وساق خدلجة، أي: مملوءة (فهو لشريك بن سحماء) فيه أن النبي ﷺ اعتبر الشبه في الولد، ولكن لم يحكم به لأجل ما هو أقوى من الشبه، وهو أن الولد للفراش، وكذلك في وليدة زمعة لما رأى الشبه بعتبة قال: "احتجبي منه يا سودة" (٣)، وقضى بالولد للفراش؛ لأن الفراش أقوى منه، وحَكَم بالشبه في حكم القافة إذا لم يكن هناك أقوى من الشبه (فجاءت به كذلك) أي: أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين كما ذكر النبي ﷺ (فقال النبي ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله) أي: من حكم الله من أنه لا يحكم على أحد إلا بإقرار أو بينة (لكان لي ولها) ولم يصرح بالمرأة ولا شريك (شأن) يريد به الرجم، أي: لولا أن الشرع أسقط الرجم عنها لحكمت بمقتضى المشابهة لرجمتها. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: ذكر الشافعي في كتاب "إبطال الاستحسان" فصلًا في أحكام الدنيا إنما هي على ما أظهر الله تعالى للعباد، وأن اللهَ مُدِينٌ بالسرائر، واحتج بأمر المنافقين، وبحديث: "إنكم تختصمون إليَّ" (٤) ثم ذكر حديث العجلاني بلا إسناد، وقال

стр. 6315

في آخره: لا يحكم على أحد إلا بإقراره. (قال المصنف: وهذا) الحديث (مما تفرد به أهل المدينة) النبوية يعني: برواية محمد (بن بشار حديث هلال) بن أمية المذكور. [٢٢٥٥] (ثنا مخلد بن خالد الشعيري) بفتح الشين، نسبة إلى بيع الشعير أو إلى محلة معروفة بالكرج، ومخلد عسقلاني نزل طرسوس وهو شيخ مسلم. (ثنا سفيان) بن عيينة (عن عاصم بن كليب) أخرج له مسلم (عن أبيه) كليب بن شهاب الفرمي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (١). (عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ أمر رجلًا حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا) فيه أن من شرط اللعان أمر القاضي؛ لأنه يمين فلا يعتد به إلا بإذن الحاكم كما في سائر الخصومات، وفي معنى القاضي المحكم إذا (. .) أن التحكيم في اللعان، وكذا السيد إذا لاعن بين عبده وأمته فلا يعتد باليمين إلا بإذن السيد، والمراد بالأمر تلقين المتلاعنين (أن يضع) الرجل (يده على فيه) أي: على فم الملاعن، وذكر الإمام أن الرجل يأتي الملاعِنَ من ورائه، ويضع يده على فيه لعله أن ينزجر ويمتنع، وتضع المرأة يدها على فم المرأة إذا انتهت إلى كلمة الغضب (٢)، قال: ولم أره في المرأة في حديث (عند) الشهادة (الخامسة) [. . .] (٣) (يقول: إنها موجبة) عليك العذاب، كما

стр. 6316

سيأتي في الحديث بعده. قال الشيخ أبو إسحاق في "التنبيه": ويستحب أن يقول الحاكم: إنها موجبة للعذاب وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة (١). [٢٢٥٦] (ثنا الحسن بن علي) الهذلي الحلواني الخلال، نزيل مكة شيخ الشيخين. (ثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي (أنا عباد بن منصور) النَّاجي، أبو سلمة البصري، ولي قضاء البصرة أيام خرج إبراهيم بن عبيد، وقال المصنف: ولي البصرة خمس مرات، قال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان: قال جدي: عباد بن منصور ثقة لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه، يعني: القدر (٢) (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية) الواقفي تقدم، قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: الصحيح أن القاذف لزوجته عويمر وهلال بن أمية خطأ (وهو أحد الثلاثة الذين) خلفوا عن غزوة تبوك (تاب الله عليهم) يعني: في قوله تعالى في آخر سورة براءة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (٣) (فجاء من أرضه) أي: من أرض زرعه (عشيًّا فوجد عند أهله رجلًا) شريك بن سحماء كما تقدم (فرأى) وفي "مسند الشافعي" عن ابن عباس: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله والله ما لي عهد بأهلي منذ عفار النخل. قال:

стр. 6317

وعفارها إذا كانت تؤبر تغيب (١) أربعين يومًا لا تسقى بعد العفار (٢) قال: فوجدت مع أهلي أي: رجلًا خدلًا إلى السواد (٣). قال ابن الأثير: عقار النخل (٤) بفتح العين المهملة وتخفيف القاف تلقيح النخل وإصلاحها، وقوله: ما لي عهد بأهلي، يريد أنه لم يطأ منذ كذا وكذا، يعني: ولم يرد أنه حضر عندها، وهذِه الرواية تدل على أن المراد بالأرض الأرض التي فيها النخل، وأنه وجده ورآه خدلًا إلى السواد، والخدل السمين الساقين (بعينيه) بشد ياء التثنية (وسمع بأذنيه) الإنسان لا ينظر إلا بعينيه ولا يسمع إلا بأذنيه، وهذا من المعلوم لكل أحد، وذكر العينين والأذنين توكيدًا لما رأى وسمع لئلا يتطرق إليه المجاز، ومنه قول الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينيك منظرًا ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٥) (فلم يهجه) بفتح الياء المثناة تحت وكسر الهاء وسكون الجيم، أي: فلم يزعجه ولم ينفره، وقيل: إنه لم يتحرك، يقال: هاج الشيء إذا تحرك، وهاجه غيره، يتعدى ولا يتعدى، قاله المنذري (حتى أصبح ثم غدا على رسول الله

стр. 6318

- ﷺ ) هذِه الرواية الصحيحة، وروي: غدا إلى رسول الله ﷺ (فقال: يا رسول الله، إني جئت إلى أهلي) يعني: امرأتي (عشاء) منصوب على الظرف، أي: وقت العشاء وهو في موضع الحال من الضمير في جئت (فوجدت عندهم) جمع الضمير باعتبار الأهل (رجلًا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ ما جاء به) يعني: الخبر الذي جاءه به (واشتد عليه) أمر ذلك؛ فإن هذا مما يستقبح ذكره وسماعه، (فنزلت) هذِه الآيات: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾) تقدم (﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾) (١) هو من إضافة المصدر إلى الفاعل. وفي رفع شهادة وجهان: أحدهما: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب شهادة أحدهم. والثاني: هو مبتدأ والخبر محذوف، أي: فعليهم شهادة أحدهم. (الآيتين) لعله منصوب بأعني محذوفة (كلتيهما) بسكون ياء التثنية (فسري) بضم السين المهملة وتشديد الراء المكسورة وفتح الياء آخره (عن رسول الله ﷺ ) أي: كشف وزال عنه ما كان يجده، من قولهم: سريت الثوب وسروته إذا خلعته، والتشديد فيه للمبالغة. (فقال: أبشر) بفتح الهمزة وكسر الشين (يا هلال) فيه استحباب بشارة الآدمي بما يسره، وقد تكرر في الكتاب والسنة (قد جعل لك) من الضيق والمشقة الحاصلين لك (فرجًا) من همك (ومخرجًا) من ضيقك. (قال هلال) بن أمية: (قد كنت أرجو ذلك) لما كان الفرج والمخرج

стр. 6319

متقاربي المعنى أعيدت الإشارة إليهما بالإفراد (من ربي) خص ذكر الرب وإن كان اسم الذات وهو الله جامعًا لكل الأوصاف؛ لأن فيه معنى التربية له وإصلاح أموره وإسباغ نعمه. (فقال رسول الله ﷺ : أرسلوا) بفتح الهمزة وكسر السين (إليها) وتقدم في الحديث المتقدم أنه قال لزوجها: اذهب فأت بها فجعل زَوجَها الرسول (فجاءت فتلا عليهما رسول الله ﷺ وذكرهما) بالوعظ والتخويف كأن يقول للرجل: أيما رجل جحد ولده احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين، ويقول لها قوله ﵇: "أيما امرأة أدخلت على قومٍ ما ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنة" (١) (وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا) فاتق الله فإني أخشى إن لم تكن صادقًا أن تبوء بلعنة الله ويقرأ عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٢). (فقال هلال: والله لقد صدقت عليها) فيما رميتها به (فقالت) له (كذبت) ولم تقسم كما أقسم (فقال رسول الله ﷺ : لاعنوا بينهما) فيه أنه يجوز أن يلاعن بينهما من آذنه القاضي فإنه بإذنه قائم مقامه كما يقوم مقامه في التحليف بين الخصمين وغير ذلك، أي: وتقدم أنَّ (٣) في معنى القاضي المحكم (فقيل) أي: فقال من أذن له النبي ﷺ (لهلال: اشهد) فيه أن القاضي أو من ينوب عنه يلقن الملاعن فيقول

стр. 6320

للملاعن: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به هذِه من الزنا أربع مرات إلى آخره، ويقول لها في كل مرة: قولي أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا إلى آخره، ويكفي في التلقين أن يقتصر الأمر بأوله كما في الحديث (فشهد) اختلف فيه: هل هو يمين أو شهادة؟ فذهب أبو حنيفة وصاحباه (١) إلى حمله على حقيقته وهو أنه شهادة، فلا يصح عندهم إلا من مسلمين حرين عفيفين لا من كافر ومملوك ومحدود في قذف (٢)، وذهب الشافعي إلى الأول، وهو الأصح عند أصحابه (٣)، وبه قال مالك (٤) والليث وأحمد؛ لقوله في آخر الحديث: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (٥) كما سيأتي. (أربع) منصوب على أنه تابع لمصدر محذوف أي: شهادات أربع (شهادات بالله إنه لمن الصادقين) فيما رميتها به. (فلما كانت) الشهادة (الخامسة قيل) أي: قال له من استخلفه رسول الله ﷺ في الملاعنة: (يا هلال اتق الله) فيما تقول (فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) كما قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ (٦) أي: أشد من عذاب الناس (وإن هذِه) الكلمة الخامسة هي (الموجبة التي توجب عليك العذاب) الأليم في الآخرة، فإني أخشى إن لم تكن صادقًا أن تبوء بلعنة

стр. 6321

الله (فقال: والله لا يعذبني الله) تعالى (عليها) أي: على هذِه الشهادة (كما لم يجلدني) بالمثناة تحت أوله (عليها) رسول الله ﷺ كذا قدره الثعلبي (فشهد) الشهادة (الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) فيما رمى به زوجته، ويسميها إن كانت غائبة عن البلد أو عن المجلس لحيض أو كبر ولم يرض الزوج بلعانها في المسجد أو كان ذلك في المسجد الحرام. (ثم قيل لها: اشهدي) يقال لها ذلك في كل مرة كما تقدم، (فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين) فيما رماها به (فلما كانت الخامسة) وقفها (قيل لها: اتقي الله) بإثبات ياء التأنيث بعد القاف، وخافي من عذاب الآخرة (فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) فإن رآها الحاكم مستمرة على الحلف أتت امرأة من ورائها وقبضت على فيها، وهذا القبض سنة أيضًا (وإن هذِه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت) أي: تباطأت وتوقفت أن تأتي بتمام اللعان كما تقدم (ساعة) حتى همت أن ترجع وتعترف (ثم قالت: والله لا أفضح) بفتح الضاد (قومي) سائر اليوم كما تقدم (فشهدت الشهادة الخامسة أَنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين) كما تقدم (ففرق رسول الله ﷺ بينهما) تعلق به من يرى أن الفرقة لا تحصل إلا بقضاء القاضي كأبي حنيفة (١)، وحمله الجمهور على أن المراد به أفتى بالتفريق بينهما وأخبر عن حكم الله تعالى بذلك.

стр. 6322

واعلم أن قولهم: فرَّق - بتشديد الراء - في الأجسام وبتخفيفها في المعاني، فإن المراد به في الأغلب وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ (١) أي: فلقنا لكم البحر حتى صار ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٢) فالباء في الآية بمعنى اللام. (وقضى) النبي ﷺ أي: حكم بينهما (أن لا يدعى) أي: لا ينتسب (ولدها) الذي ولد على فراشها (لأب) بل لأم (وألا ترمى) المرأة بعد ذلك بالزنا لسقوطه عنها باللعان (و) أن (لا يرمى ولدها) أيضًا بأنه ولد زنا إذا لم يتبين أمره، ولهذا قال ﵇: "أحدكما كاذب" (٣). ولم يبين الصادق من الكاذب إذ لم يطلعه الله عليها (ومن رماها أو رمى ولدها) بالزنا (فعليه الحد) أي: حد القذف. وقد استدل به على أن من قذف الملاعنة يجب عليه الحد، وبه قال مالك (٤) والشافعي (٥) وأحمد (٦) وجمهور العلماء بلا خلاف؛ لأن حصانتها الثابتة بالشرع لم تسقط باللعان، ولا يثبت الزنا به، ولذلك لم يلزمها بعد اللعان حد، وكذا من قذف ابن الملاعنة وقال: هو ولد زنا وجب عليه الحد لهذا الحديث، وكذلك إن قال له: أنت من الذي رميت يجب عليه الحد، فأما إن قال له: لست ابن فلان الملاعن

стр. 6323

وأراد أنه منفي عنه شرعًا فلا حد عليه؛ لأنه صادق. (وقضى) أي: حكم رسول الله ﷺ (أنه) أي: بأنه (لا) يجب (بيت لها عليه) تسكن فيه، ولا يجب لها عليه قوت ولا شيء مما يتبعه من النفقات المذكورة للزوجات، ثم بين العلة في أن الملاعنة لا سكنى لها ولا نفقة فقال (من أجل) أي: لأجل (أنهما يتفرقان) بفتح التاء والفاء والراء، وفي بعض النسخ: يفترقان بسكون الفاء وفتح التاء بعدها (من غير طلاق) بل بفسخ، وبهذا قال مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣): أن اللعان فسخ، وقال أبو حنيفة: هو طلاق بائن، قال: لأنها فرقة من جهة الزوج تختص بالنكاح فكانت طلاقًا كالفرقة كقوله: أنت طالق، فيكون لها السكنى والنفقة في العدة إلى انقضائها (٤)، وحجتنا عليه الحديث في قوله: يفترقان من غير طلاق، فنفى الطلاق عن الملاعنة (ولا) هي (متوفى عنها) فقد دل الحديث على أن الملاعنة ليس على زوجها نفقة ولا كسوة، وأن من رمى الملاعنة أو ولدها فعليه الحد، وأن التحلية بالنعوت المعيبة إذا أريد بها التعريف لم يكن غيبة يأثم قائلها. (وقال) النبي ﷺ : "تحينوا به الولادة" كذا زاده الثعلبي (٥) (إن جاءت به أصيهب) بضم الهمزة وفتح الصاد المهملة تصغير أصهب، قال في

стр. 6324

"النهاية" في رواية: "إن جاءت به أصهب" يعني: دون تصغير، والأصهب الذي يعلو لونه صهبة وهي كالشقرة، قاله الخطابي (١)، ثم قال: والمعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حمرة يعلوها سواد. قال: وفي الحديث: كان يرمي الجمار (٢) على ناقة له صهباء (٣) (أريصح) بضم الهمزة وكسر الصاد بعدها حاء مهملتين تصغير أرصح، وهو الخفيف عجز الأليتين، أبدلت السين منه صادًا. قال في "النهاية": المعروف في اللغة أن الأرصح والأرسح هو الخفيف لحم الأليتين (٤)، وقال في الأرسح: هو الذي لا عجز له، أو هي لاصقة بظهره (٥). قال: وقال الهروي: الأرصح الناتئ الأليتين (٦) (أثيبج) بفتح المثلثة والباء الموحدة بعدها جيم تصغير الأثبج وهو الناتئ الثبج ما بين الكاهل ووسط الظهر، وثبج كل شيء وسطه، ومنه حديث: "يركبون ثبج هذا البحر" (٧)، أي: وسطه، وأصل الكاهل من كاهل الجمل وهو مقدم ظهره الذي يكون عليه الحمل، وكاهل الرجل مقدم أعلى الظهر. واعلم أنه قد جاءت هذِه الصفات الثلاث غير منصرفة، وهي عند النحاة

стр. 6325

منصرفة، وأن اللغة المشهورة، أن (١) يقال: أصيهبًا وأريصحًا وأثيبجًا، كما تقدم في أحيمر أن أصله أحيمرًا بالتنوين (٢) (حمش) بفتح الحاء المهملة وإسكان الميم ثم شين معجمة، يقال: رجل حمش الساقين وأحمش الساقين أي: دقيقهما (فهو لهلال) بن أمية (وإن جاءت به أورق) هو الأسمر، والورقة السمرة، ومنه حديث ابن الأكوع: خرجت أنا ورجل من قومي وهو على ناقة ورقاء، أي: سمراء (جعدًا) بسكون العين، الشعر الجعد ضد السبط وهو المسترسل (جماليًّا) بضم الجيم وتخفيف الميم وتشديد الياء آخره هو الضخم الأعضاء التام الأوصال العظيمة الخلقة، شبه خلقه بخلق الجمل لعظم بدنه، يقال: ناقة جمالية إذا شبهت بالفحل من الإبل العظيم البدن (خدلج) بفتح الخاء والدال المهملة واللام المشددة العظيم (الساقين) كما تقدم (سابغ) بالباء الموحدة (الأليتين) أي: عظيمهما، من سبوغ الثوب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ (٣) (فهو للذي رميت) بفتح وسكون تاء التأنيث (به) المرأة. فيه أن ذكر الإنسان بالنعوت التي هي من عيوب الآدمي إذا أريد به التعريف ليس بغيبة ولا يأثم قائلها؛ لأنها من الستة المستثناة كالأعرج والأعمش والأثبج والأورق ونحو ذلك، فقد فعل العلماء ذلك لضرورة

стр. 6326

التعريف، نعم لو وجد الإنسان عنه معدلًا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى، كما يقال للأعمى: البصير عدولًا عن اسم النقص. (فجاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين) سوى النبي ﷺ بينهما بمقتضى اللعان، وحكم بينهما بالظاهر لا بما علمه من باطن الأمر وقرائن الأحوال الذي قال لأجلها: إن جاءت به كذا وكذا فهو لفلان. (فقال رسول الله ﷺ : لولا الأيمان) بفتح الهمزة جمع يمين (لكان لي ولها شأن) أي: لرجمتها، كما تقدم. استدل به الشافعي على أن المراد: يشهد فيما تقدم اليمين دون الشهادة (١) كما تقدم؛ لأنه جاء ها هنا يمينًا، ولأنه أيضًا لا يجوز له أن يشهد لنفسه، ولأنه لو كان شهادة ما تكرر أربعًا، وأما تسميته فيما تقدم شهادة لأن الشهادة يراد بها اليمين، وإنما حمل على اليمين ليعرف معنى الشهادة عند الحكام، وفيه شوب شهادة وشوب يمين. (قال عكرمة: فكان) الابن الذي لُوعن بسببه (بعد ذلك أميرًا على مضر) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير منصرف، ومضر شعب رسول الله ﷺ الذي ينتسب إليه قريش وأسد وجديلة وتميم [وخزاعة، وأسلم، وباهلة وغيرهم] (٢) وهو شعب عظيم (وما يدعى لأب) وفيه جواز إمارة ولد الزنا وأطلق أصحابنا وغيرهم جواز (٣) أن يكون قاضيًا.

стр. 6327

[٢٢٥٧] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان بن عيينة، قال: سمع عمرو) ابن دينار (سعيد بن جبير يقول: سمعت) عبد الله (بن عمر) ﵄ (يقول: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: حسابكما على الله) لا على أحدٍ من الآدميين (أحدكما كاذب) تقدم (لا سبيل) أي: لا طريق (لك) على الاستيلاء لك (عليها) ولا على أن تملك عصمتها بوجهٍ من الوجوه، وحمله جمهور العلماء على العموم فلا تحل بوجه من الوجوه؛ إذ لو كان له عليها سبيل إذا أكذب نفسه لا اشتباه، وجوز بعضهم رجوعه إلى المال؛ لقوله بعده (قال: يا رسول الله مالي) فمالي مرفوع على الابتداء والخبر محذوف، أي: أين مالي، أو أنه منصوب على المفعولية بفعل محذوف: أي أطلب مالي، والمراد بماله المهر الذي أمهرها إياه، وإنما جعله ماله مع أن المرأة ملكته بالعقد والدخول لكن سماه ماله باعتبار ما كان عليه، أو ظن أنه رجع إليه وصار ماله بمجرد اللعان، فرد عليه النبي ﷺ قوله؛ إذ (قال) له (لا مال لك) هذا مما لا خلاف فيه إذا كانت الزوجة مدخولًا بها، وأما غير المدخول بها ففيها أقوال: لها الكل، لها النصف، لا شيء لها (إن كنت صدقت عليها) يقال: صدق عليه فيما ظنه كما في كذب عليه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ (١) على قراءة تخفيف الدال، أي: في ظنه، فاتسع في نسبه أما قولهم: صدق في الحديث أو كذب في حديثه أو صدقه الحديث أو كذبه فواضحان، (فهو بما استحللت) أي بسبب ما حل لك من وطئها، ورواية

стр. 6328

البخاري: "إن كنت صادقًا فقد دخلت بها" (١)، وبوب عليه البخاري: باب صداق الملاعنة، أي: الصداق الذي دفعه نظير ما استمتع به (من) وطء (فرجها، وإن كنت كذبت عليها) فيما شهدت به (فذلك) يحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى الكذب (أبعد) بالرفع أي: أشد إبعادًا، وإنما صيغ التفضيل هنا من بعد لأنه لازم للإبعاد؛ لأن التفضيل لا يصاغ من الرباعي إلا سماعًا، قال البرماوي: ويجوز أن يكون أبعد مصوغًا من الرباعي مما جاء قليلًا كقولهم: هو أعطاهم للدراهم، وهذا الكلام أخصر من هذاك، ومنهم من جوز ذلك قياسًا مطلقًا، ويجوز أن يكون التفضيل باعتبار أن اللعان قد يبطل حكمه باعتبار ظهور فساد النكاح، أو وقوع بينونة قبله كما قال أبو حنيفة أنه إذا أكذب نفسه حلت له (٢)، بخلاف المال فإنها قد ملكته بالدخول على كل حال فلا يعود إليه أبدًا. (لك) اللام في لك للبيان نحو: هَيْتَ لك، وسقيا لك. [٢٢٥٨] (ثنا أحمد بن حنبل، حدثنا إسماعيل) ابن علية (حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر) ﵄ (رجل) جاز الابتداء بالنكرة لتخصصيه بالصفة المحذوفة، تقديره: رجل مزوج (قذف امرأته) أي: رماها بالفاحشة فكأنه رماها بالحجارة، ويسمى رميًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٣) (قال) لفظ البخاري: فقال (فرق النبي ﷺ بين أخوي بني العجلان) بفتح العين كما

стр. 6329

تقدم وأخوي تثنية أخ، والأصل أخ وأخت. قال الكرماني: هو من باب التغليب كالأخ كما جعلت الأم كالأب في الأبوين، وأما إطلاق الأخوة بين الزوجين فبالنظر إلى أن المؤمنين إخوة أو إلى القرابة التي بينهما بسبب أن الزوجين كليهما من قبيلة عجلان (١). (وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟ ) فيه جواز استعمال السجع في النثر إذا لم يتكلف له، وقد كثر استعماله في الأحاديث (يرددها) أي: يردد هذِه الكلمة (ثلاث مرات فأبيا) أن يرجعا إلى التوبة، وقد بين ذلك البخاري، ولفظه: فرق النبي ﷺ بين أخوي بني العجلان وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " فأبيا وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " فأبيا وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " فأبيا (ففرق بينهما) أي: حكم بأن يفترقا حِسًّا لحصول الافتراق شرعًا بنفس اللعان أو قال ذلك تبيينًا [لما أوجب] (٢) الله بينهما من المباعدة. [٢٢٥٩] (ثنا) عبد الله بن مسلمة (القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر) ﵄ (رجلًا) كان من الأنصار، كذا في البخاري (لاعن امرأته في زمان رسول الله ﷺ وانتفى من ولدها) أن يكون منه (ففرق النبي ﷺ بينهما) بعد أن أحلفهما كما تقدم (وألحق الولد بالمرأة) كما تقدم أنه ألحقه بأمه.

стр. 6330

٢٨ - باب إِذَا شَكَّ فِي الوَلَدِ . ٢٢٦٠ - حَدَّثَنا ابن أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَنِي فَزارَةَ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي جاءَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ فَقَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "ما أَلْوانُها؟ ". قَالَ حُمْرٌ قَالَ: "فَهَلْ فِيها مِنْ أَوْرَقَ؟ ". قَالَ: إِنَّ فِيها لَوُرْقًا. قَالَ: "فَأَنَّى تُراهُ؟ ". قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: "وهذا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ" (١). ٢٢٦١ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنادِهِ وَمَعْناهُ قَالَ: وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ (٢). ٢٢٦٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ وَإِنِّي أُنْكِرُهُ. فَذكَرَ مَعْناهُ (٣). * * * باب إذا شك في الولد [٢٢٦٠] (ثنا) أبو بشر بكر (بن خلف) ثقة (٤) (ثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب (عن أبي هريرة قال: جاء رجل) هو ضمضم بن قتادة، ذكره عبد الغني بن سعيد في كتاب "الغوامض" فقال فيه: ولد له مولود من بني عجل، وقال فيه أيضًا: فقدم عجائز من بني

стр. 6331

عجل فأخبرن أنه كان للمرأة جدة سوداء. قال: وإسناده غريب جدًّا (١) (إلى النبي ﷺ من بني فزارة) بفتح الفاء ابن ذبيان بن بغيض قبيلة كبيرة من قيس عيلان ينسب إليها خلق كثير منهم عيينة بن حصن وغيره. (فقال: إن امرأتي) يعني: التي من بني عجل كما تقدم (جاءت) لفظ ابن ماجه: إن امرأتي ولدت على فراشي غلامًا أسود وإنَّا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط (٢) (بولد أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر) بضم الحاء وسكون الميم، جمع أحمر، وضم الميم خطأ؛ لأنه جمع حمار. فيه دليل على ما في المستفتي وحسن تفهيمه وعدم تصريحه بالمقصود، وفيه حسن استفسار المفتي وضربه الأمثال للمستفتي تقريبًا لذهنه، وقد احتج الشافعي بسؤال المستفتي على أن التعريض لا حد فيه؛ لأن النبي ﷺ لم يوجب على هذا المعرض بقذف امرأته حد (٣)، ولهذا بوب عليه البخاري: باب إذا عَرَّضَ بنفيِ الولد. (قال: فهل فيها من أورق؟ ) قال الأصمعي: الأورق من الإبل الذي في لونه بياض يميل إلى السواد، وهو أطيب الإبل لحمًا (٤). وليس بمحمود عندهم في عمله وسيره، ومنه قيل للحمامة ورقاء، وقال أبو زيد: هو الذي يضرب لونه إلى الخضرة، وبالجملة فالمراد أنه ليس بصافي السواد، بل أغبر اللون، وبذلك فسره النووي (٥) وغيره، وعبارة

стр. 6332

المازري: هو الأسمر. زاد القرطبي: هو الذي يميل إلى الغبرة (١). وأورق غير منصرف للوصف ووزن الفعل، جمعه: ورق، كأحمر وحمر. (قال: إن فيها لوُرقًا) بضم الواو وسكون الراء جمع أورق (قال: فأنى) بفتح الهمزة وتشديد النون هي التي للاستفهام، أي: من أين (تراه؟ ) بضم المثناة فوق، أي: تظنه أتاه الورقة وبقية إبلك الحمرة (قال: عسى أن يكون نزعه) أي: جذبه إليه (عرق) والمراد بالعرق هنا الأصل من النسب تشبه بعرق الشجرة ومعنى أشبهه واجتذب منه إليه وأظهر لونه عليه. (قال: وهذا عسى) ورواية البخاري: "لعل" (٢) وكلاهما بمعنى اليقين والتحقيق كما قاله الداودي دون شك (أن يكون نزعه عرق) وفيه عرض الغامض المشكل على الظاهر البين. قال ابن دقيق العيد: وفيه أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد منه المشاتمة وكان لغير ضرورة أو شكوى أو استفتاء فلا حد فيه (٣). كما استدل به الشافعي على أنه لا حد في التعريض والكناية كما تقدم، وتعقبه المالكية (٤) بأن لا حجة فيه؛ لأن الرجل لم يرد قذفًا إنما جاء سائلًا مستخبرًا مستشيرًا، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ لما ضرب لها مثل بالإبل سكت، وعلم أن الحق فيما ضربه له النبي ﷺ ، وقد ضرب عمر ﵁ ثمانين لما قال لرجل: ما أنا بزانٍ ولا أمي زانية (٥).

стр. 6333

وفي الحديث حجة القول بالقياس على ما قيل لتشبيهه ﵇ هذا الرجل المخالف لونه لون والده بولد الإبل المخالف لألوانها، والعلة الجامعة نزع عرق. قال الفاكهي: وقد أبعد الخطابي بالاستدلال بهذا الحديث على نفي الحد عمن قال: ليس هذا الولد مني؛ إذ ليس فيه شيء من ذلك، وإنما فيه إنكاره اللون دون الولد ونفيه له. [٢٢٦١] (ثنا الحسن بن علي) الحلواني الخلال (ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري بإسناده ومعناه) وقال فيه (وهو حينئذٍ يعرض) بتشديد الراء (بأن ينفيه) أي: بأن ينفي الولد؛ لأنه كان أبيض وجاء ابنه أسود، وهذِه الرواية تؤيد ما استدل به الشافعي على أن التصريح ليس فيه حد لتصريحه في هذِه الرواية بالتعريض (١). [٢٢٦٢] (ثنا أحمد بن صالح) المصري الحافظ، شيخ للبخاري، كتب عن ابن وهب خمسين ألف حديث (ثنا ابن وهب) قال (أخبرني يونس، عن) محمد (بن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة: أن رجلًا) هو ضمضم بن قدامة، كما تقدم (أتى النبي ﷺ فقال) يا رسول الله (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) على فراشي (وإني أنكره) لأنه أسود وأنا أبيض، يحتمل أن المراد: أنكر لونه، لا أنه نفاه عن نسبه كما تقدم.

стр. 6334

٢٩ - باب التَّغْلِيظِ فِي الانْتِفاءِ ٢٢٦٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - يَعْنِي: ابن الحارِثِ - عَنِ ابن الهادِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ المُتَلاعِنَيْنِ: "أَيُّما امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللهِ فِي شَيء وَلَنْ يُدْخِلَها اللهُ جَنَتَّهُ وَأَيُّما رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ اللهُ مِنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ" (١). * * * باب التغليظ في الانتفاء [٢٢٦٣] (حدثنا أحمد بن صالح) المصري (ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري أحد الأعلام. (عن) يزيد (بن الهاد، عن عبد الله بن يونس) قال البخاري: عبد الله بن يونس. (عن سعيد المقبري) روى عنه يزيد بن الهاد يعرف بحديث واحد، قال ابن أبي حاتم: عبد الله بن يونس يعرف بحديث واحد عن سعيد (٢). (عن أبي هريرة) وذكر هذا الحديث وصحح هذا الحديث، الدارقطني في "العلل" مع اعترافه بتفرد عبد الله بن يونس به، عن سعيد المقبري وأنه

стр. 6335

لا يعرف إلا بهذا الحديث (١). وفي الباب عن ابن عمر في "مسند البزار"، ورواه أحمد من طريق مجاهد عن ابن عمر (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت عليه آية المتلاعنين) المتقدمة: (أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم) قال ابن الأثير في "شرح مسند الشافعي": يريد به: أدخلت عليهم ولد الزنا، وكذلك المرأة إذا حملت من الزنا وجعلت الحمل من زوجها فقد أدخلت على زوجها وقومه ولدًا ليس من زوجها (٢) (فليست من الله في شيء) أي: لا علاقة بينها وبين الله، أو: ما عندها من حكم الله وأمره ودينه شيء كما تقول: لست من شأنك في شيء، أو: ليس عندي من أمرك وما أنت عليه شيء ولا أنا متعلق منك بسبب، وذلك براءة من الله تعالى، فكأنه قال: هي بريئة من الله في كل أمره أو شأنها، ولذلك جاء بلفظ شيء منكرة، أي: إنها بريئة منه في كل أمورها وأحوالها (ولن يدخلها الله) تعالى (جنته) وهذا داخل في جملة الأول؛ لأن من ليس من الله في شيء لا يدخله جنته لأمرين: أحدهما: أنَّ الأول حكم عام كما قلنا، إلا أنه مع عمومه لا يكاد (يطلع السامعون) (٣) على حقيقته المراد منه بعمومه فأعقبها بذكر ما يفهمه كل سامع، وذكر عدم دخول الجنة دون غيره من أنواع الوعيد؛ لأن الأنفس تميل إلى نعيم الجنة وحصول الراحة فيها، لا سيما النساء، ودخول الجنة من أقوى أسباب حصول النعيم؛ فإن كل ما أعد

стр. 6336

الله من أسباب النعيم موجود فيها، ومن حُرِمَها فقد حرم الخير كله. الأمر الثاني: أن قوله: ولن يدخلها جنته تعريض بدخول النار؛ لأنه ليس في الآخرة إلا جنة أو نار، فمن لم يدخل الجنة فهو في النار. (وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه) فيه تغليظ على من يقذف زوجته ويَفْتاتُ على نفي الولدِ عنه، وهو كاذب عليها فجاء بلفظ (١) جحود الولد؛ لأنه يدل على القذف والنفي معًا، وقوله: وهو ينظر إليه، يريد: وهو يراه أنه منه فيعلم أنه ولده منها وهو ينكره. (احتجب الله منه) وهذا من أعظم أسباب الوعيد والتغليظ فإنه لا غاية في النعيم أعظم من النظر إلى الله تعالى في الدار الآخرة وهي الغاية القصوى من الخير، فإذا احتجب الله من إنسان فويل له ثم ويل له إلى ما لا يتناهى (وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين) يريد فضحه بجحوده ولده وهو يعلم أنه منه، وإظهار كذبه على زوجته وافترائه عليها، وهذا من أعظم أسباب الوعيد لا سيما عند العرب الذين هم أهل الأنفة والحمية، وإنما قدم ذكر المرأة على الرجل هنا لأن المرأة هي التي باشرت الزنا، ولولا إرادتها وإجابتها لم يقع الرجل عليها إلا كرهًا، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٢) فقدم المرأة على الرجل.

стр. 6337

٣٠ - باب في ادِّعَاءِ وَلَدِ الزِّنَا ٢٢٦٤ - حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ، عَنْ سَلْمٍ - يَعْني: ابن أَبي الذّيّالِ - حَدَّثَني بَعْضُ أَصْحابِنا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا مُساعاةَ في الإِسْلامِ، مَنْ ساعَى في الجاهِلِيَّةِ فَقَدْ لَحِقَ بِعَصَبَتِهِ، وَمَنِ ادَّعَى وَلَدًا مِنْ غيْرِ رِشْدَةٍ فَلا يَرِثُ وَلا يُورَثُ" (١). ٢٢٦٥ - حَدَّثَنا شيْبانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ راشِدٍ ح وَحَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ راشِدٍ - وَهُوَ أَشْبَعُ - عَنْ سُليْمانَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شعيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: إِنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقٍ اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الذي يُدْعَى لَهُ ادَّعاهُ وَرَثَتُهُ، فَقَضَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُها يَوْمَ أَصابَها، فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ، وَليْسَ لَهُ مِمّا قُسِمَ قَبْلَهُ مِنَ المِيراثِ شَيء، وَما أَدْرَكَ مِنْ مِيراثٍ لَمْ يُقْسَمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ، وَلا يُلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الذي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْها، أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عاهَرَ بِها فَإِنَّهُ لا يُلْحَقُ بِهِ وَلا يَرِثُ وَإِنْ كَانَ الذي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعاهُ فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ (٢). ٢٢٦٦ - حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنا أَبي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ راشِدٍ بِإِسْنادِهِ وَمَعْنَاهُ زادَ وَهُوَ وَلَدُ زِنًا لأَهْلِ أُمِّهِ مَنْ كَانُوا حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَذَلِكَ فِيما اسْتُلْحِقَ في أَوَّلِ الإِسْلامِ، فَما اقْتُسِمَ مِنْ مالٍ قَبْلَ الإِسْلامِ فَقَدْ مَضَى (٣). * * *

стр. 6338

باب في ادعاء ولد الزنا [٢٢٦٤] (ثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدورقي (ثنا معتمر، عن سلم) بفتح السين وسكون اللام (ابن أبي الذيَّال) بفتح الذال المعجمة وتشديد المثناة تحت، يعد في البصريين، أخرج له مسلم في الصلاة عن حميد بن هلال قال (حدثني بعض أصحابنا، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) ﵄ (قال: قال رسول الله ﷺ : لا مساعاة في الإسلام) المساعاة: الزنا، وكان الأصمعي يجعل المساعاة [في الإماء دون] (١) الحرائر، وذلك لأنهن كان السيد يطأهن، ويطأهن [غيره فيكتسبن لمواليهن بضرائب] (٢) كانت عليهن، فأبطل النبي ﷺ المساعاة في الإسلام [ولم يلحق النسب لها] (٣)، بل جعل الولد للفراش، يقال: ساعت الأمة إذا فجرت، وساعاها فلان إذا فجر بها، وهو مفاعلة من السعي بالفساد، فكأن كل واحد منهما يسعى لصاحبه في حصول [غرضه] (٤) (ومن ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته) العصبة بفتحات هم الأقارب من جهة [الأب] (٥) يعصبونه ويعتصبن به، أي: يحيطون به كالعصابة بالرأس ويشتد بهم، وفيه أن النبي ﷺ عفا عما كان من المساعاة في الجاهلية فمن ألحق بها، ومنه حديث عمر (٦) في نساء أو إماء ساعين في الجاهلية: فأمر بأولادهن أن يقوموا

стр. 6339

على آبائهم (١) ولا يسترقوا (٢). ومعنى التقويم أن يكون قيمتهم على من زنا بهم لموالي الإماء، ويكونوا أحرارًا لاحقي النسب بآبائهم الزناة. (ومن ادّعى) بتشديد الدال، أن له (ولدًا من غير رشدة) بكسر الراء وفتحها وسكون الشين المعجمة وفتح الدال وتنوين التاء المرسومة هاء، يقال: هذا ولد رشدة إذا كان النكاح صحيح كما يقال في ضده ولد زنية، قال في "النهاية" بالكسر فيهما، قال: وقال الأزهري في فصل بغى: كلام العرب المعروف: فلان ابن زِنية، وابن رِشدة، والفتح أفصح اللغتين (٣). (فلا يرث ولا يورث) فيه أن من ادعى أن له ولدًا من الزنا فلا يرث الولد من أبيه ولا أحد من عصبته، وكذلك الأب لا يرث من الابن ولا من أحدٍ من عصبته، ويرث ولد الزنا أمه، والذي عليه الشافعي (٤) وأحمد وجمهور العلماء أن ولد الزنا حكمه حكم ولد الملاعنة، إلا أن الحسن بن صالح قال: عصبة ولد الزنا لسائر المسلمين؛ لأن أمه ليست فراشًا، بخلاف الملاعنة، والجمهور على التسوية بينهما؛ لانقطاع نسب كل واحد من أبيه (٥). [٢٢٦٥] (ثنا شيبان بن فروخ، ثنا محمد بن راشد) الخزاعي الدمشقي

стр. 6340

المكحولي، روى عن مكحول فنسب إليه، وثقه أحمد وابن معين، وقال عبد الرزاق: ما رأيت رجلًا أورع في الحديث منه، وقال النسائي وغيره: ثقة (١). (وثنا الحسن بن علي) الحلواني (ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن راشد) المكحولي (وهو أشبع) من الشبعة. (عن سليمان بن موسى) القرشي الأموي الأسدي، روى له مسلم في مقدمة كتابه، والأربع (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃ قال: إن النبي ﷺ قضى) أي: حكم (أن كل) ولد (مستلحق) بفتح الحاء من استَلحقْتُ الشيء ادعيته (استُلحِقَ) بضم التاء وكسر الحاء، مبني لما لم يسم فاعله، أي: ادعاه شخص أنه ابنه (بعد) موت (أبيه) وإن لم يكن وطئ الأمة (الذي يدعى له) أي: الذي كان ينسب إليها بعد موته، ثم (ادعاه ورثته) من بعد موت أبيهم ولم يكن أبوه ادعاه ولا نسبه إليه، فإنه يلحق بالأب الذي هو على فراشه لا لمن استلحقه من غيره من الزناة الذي كانوا يطؤون الأمة كما في قصة ابن زمعة على ما سيأتي، ويؤخذ من قوله: الذي يدعى له، أنه لم يدعه، بل ادعاه الورثة بعده، ويؤخذ من إطلاق قوله: الذي يدعى له، أن ورثته إذا ادعوه بعد موته ثبت نسبه وورث سواء أنكره في حياته أو سكت عنه، وهو الصحيح عند الشافعي كما لو استلحقه المورث بعدما نفاه بلعان أو غيره بأن ادعى ثبوته فأنكر، فإن حكم الورثة من بعده كحكمه (٢).
следующие страницы →