стр. 6441
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 131521
شرح سنن أبي داود لابن رسلان
ابن رسلان
Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.
стр. 6442
٤٥ - باب مَنْ رَأى التَّحَوُّلَ
٢٣٠١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزيُّ، حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنا شِبْلٌ، عَنِ ابن أَبي نَجِيحٍ، قَالَ: قَالَ عَطاءٌ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هذِه الآيَةُ عِدَّتَها عِنْدَ أَهْلِهِ فَتَعْتَدُّ حيْثُ شاءَتْ وَهُوَ قَوْل اللهِ تَعالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَالَ عَطاءٌ: إِنْ شاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ في وَصِيَّتِها وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾.
قَالَ عَطاءٌ: ثُمَّ جاءَ المِيراثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى تَعْتَدُّ حيْثُ شاءَتْ (١).
* * *
باب من رأى التحول
[٢٣٠١] (ثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا موسى بن مسعود) (٢) أبو حذيفة النهدي، أخرج له البخاري في العتق (٣) والرقاق (٤) والقدر (٥).
(ثنا شبل) بن عباد مقرئ مكة تلميذ ابن كثير، أخرج له البخاري.
(عن) عبد الله (ابن أبي نجيح) يسار (قال: قال عطاء) بن أبي رباح.
(قال) عبد الله (ابن عباس: نسخت) بفتحات (هذِه الآية) وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (٦) (عدتها) بالنصب،
стр. 6443
يعني: عدة المتوفى عنها زوجها في سكناها (عند أهلها) حولًا كاملًا (فتعتد) أي: لما نسخ سكنى الحول صارت المعتدة مخيرة في اعتدادها (حيث شاءت) باتت وسكنت.
(و) المنسوخ (هو قول الله ﴿إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾) (١) أي: من غير إخراج للزوجة من بيت الزوج، وقال غيره: لم ينسخ، وإنما خص الله الأزواج أن يوصوا بتمام السنة لمن لا ترث من الزوجات.
(قال عطاء) بن أبي رباح الراوي، عن ابن عباس (إن شاءت) الزوجة (اعتدت عند أهله) كذا هنا، وفي البخاري: عند أهلها (٢). وهو الظاهر (وسكنت) عندهم (في وصيتها) التي جعلها الله لها، وهو حول كما تقدم.
وفيه وجوب السكنى للمعتدة (وإن شاءت خرجت) من عندهم (لقول الله: (﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾) مختارات للخروج (فلا جناح) مستقر (﴿عَلَيْكُمْ﴾) الخطاب لمن له عليهن الولاية (﴿فِي مَا فَعَلْنَ﴾) ما موصولة، والعائد محذوف، أي: في الذي فعلته من ترك إحداد وتزيين وخروج وتعرض للخطاب؛ إذ قوله: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ﴾ بعد ذلك كله.
(قال عطاء: ثم جاء) الله تعالى بـ (الميراث) وهو الربع أو الثمن المفروض لهن في آية المواريث (فنسخ السكنى) الذي كان واجبًا لها (فتعتد حيث شاءت) ولا سكنى لها، هذا قول أبي حنيفة أن المتوفى عنها لا سكنى لها (٣).
стр. 6444
стр. 6445
٤٦ - باب فِيما تَجْتَنِبُهُ المُعْتدَّةُ في عِدَّتِها .
٢٣٠٢ - حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ الدَّوْرَقيُّ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ أَبي بُكيْرٍ، حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْن طَهْمانَ، حَدَّثَني هِشامُ بْن حَسّانَ ح وَحَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الجَرّاحِ القُهُسْتانيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - يَعْني: ابن بَكْرٍ - السَّهْميِّ، عَنْ هِشامٍ - وهذا لَفْظُ ابن الجَرّاحِ - عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لا تُحِدُّ المَرْأَةُ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّها تُحِدُّ عَليْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا لا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَلا تَكْتَحِلُ وَلا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى طُهْرَتِها إِذَا طَهُرَتْ مِنْ مَحِيضِها بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفارٍ".
قَالَ يَعْقُوبُ مَكانَ عَصْبٍ: "إِلَّا مَغْسُولًا". وَزادَ يَعْقُوبُ: "وَلا تَخْتَضِبُ" (١).
٢٣٠٣ - حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَمالِكُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الِمسْمَعيُّ قالا: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْن هارُونَ، عَنْ هِشامٍ عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ بهذا الحَدِيثِ وَليْسَ في تَمامِ حَدِيثِهِما.
قَالَ المِسْمَعيُّ: قَالَ يَزِيدُ: وَلا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ فِيهِ: "وَلا تَخْتَضِبُ". وَزادَ فِيهِ هارُونُ: "وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ" (٢).
٢٣٠٤ - حَدَّثَنا زُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ أَبي بُكيْرٍ، حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ حَدَّثَني بُديْلٌ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شيْبَةَ، عَنْ أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ -عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "المُتَوَفَّى عَنْها زَوْجُها لا تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيابِ وَلا المُمَشَّقَةَ وَلا الحُليَّ وَلا تَخْتَضِبُ وَلا تَكْتَحِلُ" (٣).
стр. 6446
٢٣٠٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَني مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ الضَّحّاكِ يَقُولُ: أخْبَرَتْني أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ أُسيْدٍ عَنْ أُمِّها أَنَّ زَوْجَها تُوُفّيَ وَكَانَتْ تَشْتَكي عيْنيْها فَتَكْتَحِلُ بِالجَلاءِ - قَالَ أَحْمَدُ: الصَّوابُ بِكُحْلِ الجَلاءِ - فَأَرْسَلَتْ مَوْلاةً لَها إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَتْها عَنْ كُحْلِ الجَلاءِ فَقَالَتْ: لا تَكْتَحِلي بِهِ إِلَّا مِنْ أَمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ يَشْتَدُّ عَليْكِ فَتَكْتَحِلِينَ بِاللّيْلِ وَتَمْسَحِينَهُ بِالنَّهارِ. ثُمَّ قَالَتْ: عِنْدَ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ دَخَلَ عَليَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَى عيْني صَبِرًا فَقَالَ: "ما هذا يا أُمَّ سَلَمَةَ". فَقُلْتُ: إِنَّما هُوَ صَبِرٌ يا رَسُولَ اللهِ ليْسَ فِيهِ طِيبٌ. قَالَ: "إِنَّهُ يَشُبُّ الوَجْهَ فَلا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللّيْلِ وَتَنْزِعِينَهُ بِالنَّهارِ وَلا تَمْتَشِطي بِالطِّيبِ وَلا بِالحِنّاءِ فَإِنَّهُ خِضابٌ". قَالَتْ: قُلْتُ: بِأي شَيء أَمْتَشِطُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ" (١).
* * *
باب فيما تجتنب المعتدة في عدتها
[٢٣٠٢] (ثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير (الدورقي) البغدادي (ثنا يحيى بن أبي بكير) (٢) العبدي قاضي كرمان (ثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثني هشام بن حسان) الأزدي مولاهم (وثنا عبد الله بن الجراح) التميمي (القهستاني) بضم القاف والهاء وسكون السين وفتح المثناة فوقها ثنتان، وبعد الألف نون، هذِه النسبة إلى قوهستان وهي ناحية بخراسان بين هراة ونيسابور، وثقه النسائي وغيره (٣) (عن عبد الله بن
стр. 6447
بكر (١) السهمي) بفتح المهملة نسبة إلى سهم بن عمرو (عن هشام) بن حسان أيضًا (وهذا لفظ) عبد الله (ابن الجراح، عن حفصة) بنت سيرين أخت محمد (عن أم عطية) نسيبة بضم النون وفتح المهملة مصغر بنت الحارث الأنصارية، كانت تغزو مع رسول الله ﷺ تداوي، وشهدت غسل ابنته ﷺ (٢).
(أن النبي ﷺ قال: لا تحد) بضم المثناة فوق وكسر المهملة، كما تقدم (المرأة فوق ثلاث، إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا) أي عشر ليالٍ، وقيل: بأيامها، فيدخل اليوم العاشر فما تنقضي عدتها إلا بانقضاء اليوم العاشر. هذا قول الجمهور (٣)، والقاعدة أنه إذا حذف المعدود المذكر فلك فيه وجهان:
أحدهما: وهو الأصل، أن تبقي العدد على ما كان عليه قبل الحذف فتقول: صمت خمسة. يعني: أيام، هذا هو الفصيح. ويجوز حذف تاء التأنيث (٤). كما في حديث: "وأتبعه بست من شوال" (٥). فجاء قوله تعالى: ﴿وَعَشْرًا﴾ على أحد الجازئين، وحسنه هنا الشبه بالفواصل كما حسن: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ (٦) كونها فاصلة.
(ولا تلبس) بفتح الموحدة (ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب) بفتح العين
стр. 6448
وسكون الصاد المهملتين، قال في "النهاية": هي برود يمنية يعصب غزلها، أي يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيًا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ يقال: برد عصبٍ. بالتنوين وبالإضافة، وقيل: العصب: برود مخططة، والعصب: الفتل، والعَصَّاب: الغزَّال، فيكون النهي للمعتدة عما صبغ بعد النسج. انتهى (١).
وقد علم أن عصبًا بمعنى معصوب، وأن إضافة ثوب إلى عصب من إضافة الموصوف إلى صفته، ووقع في "روض الأنف" للسهيلي عن أبي حنيفة - يعني: الدينوري -: أن العصب نبت لا يكون إلا باليمن (٢)، وذكر بعض أهل اليمن أنه من دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها الحرير وغيره، قال صاحب "المستعذب": وإنما يعصب السدي دون اللحمة (٣).
وإنما رخص النبي ﷺ فيه؛ لأنه أكثر لباسهم، قاله السهروردي في "شرح المصابيح". (ولا تكتحل) بالجزم عطفًا على "تلبس" بإثمد لا طيب فيه؛ فإنه مما يتزين به، والمراد به الأسود سواء كانت المرأة بيضاء أو سوداء (ولا تمس) بفتح الميم (طيبًا إلا) في (أدنى) يعني: أول، وفي بعض نسخ البخاري: "إلى أدنى" (٤)، والأدنى هو بمعنى الأول (طهرتها) وفي البخاري: "طهرها" (٥) بدون تاء التأنيث،
стр. 6449
ولمسلم: "إلا" (١) (إذا طهرت من محيضها) بفتح الميم، أي: حيضها (بنبذة) بضم النون، أي: بقطعة يسيرة من نبذ الشيء إذا طرح الشيء ورماه، وقوله: "إذا طهرت" ظرف فاصل بين المستثنى والمستثنى منه، والتقدير: إلا بنبذة من قسط وأظفار إذا طهرت.
(من قسط) بضم القاف، وسكون السين المهملة، وهو ضرب من الطيب، وقيل: هو العود. وقال ابن دقيق العيد: هو نوع من البخور (٢). ويقال فيه: الكسط. بالكاف، ويقال: بتاء بدل الطاء فيقال: قسط أو كست، صرح بهذِه اللغات الفضل بن سلمة في كتاب "الطيب"، قال: وهو من طيب الأعراب (وأظفار) بفتح الهمزة، وسكون الظاء المعجمة، وهو نوع من البخور، وقيل: من الطيب. لا واحد له من لفظه، وقيل: واحده ظفر. وقيل: هو شيء من العطر أسود. والقطعة منه شبيهة بالظفر بالعطف بالواو يدل على أن الأظفار غير القسط، وقيل: يبخر به الأطفال. وقيل: إن ظفار مدينة باليمن. وعلى هذا فلا يصرف للتعريف والتأنيث، ويكون كحذام وقطام، ومعنى استعمالها القسط والأظفار إذا طهرت تتبخر به، قاله القاضي والداودي: تسحق القسط وتلقيه في الماء آخر غسلها ليذهب رائحة الحيض (٣) كما قال ﵇: "خذي فرصة من المسك" (٤)، والأول أظهر؛
стр. 6450
لأن القسط والأظفار رائحتهما في بخورهما.
(قال يعقوب) بن إبراهيم الدورقي (مكان عصب إلا) ثوبًا مصبوغًا (مغسولًا) يعني: فإنه يجوز؛ لأن بالغسل يذهب رونق صبغه ولا يتزين به غالبًا، كما يجوز لبس ثوب العصب وهو الذي صبغ غزله قبل نسجه، فإنه صار كالذي صبغ لغير التحسين، وحمل الشافعي في القديم العصب المستثنى على الغليظ (١).
(وزاد يعقوب) أيضًا (ولا تختضب) بحناء وزعفران وكتم ونحو ذلك، يعني: في الوجه واليدين؛ لأنهما محل الخضاب عادة، ولم يفرقوا في الخضاب بين الحاجة وغيرها، وقياس ما ذكر في الاكتحال استثناؤه، وبه صرح الماوردي (٢).
[٢٣٠٣] (ثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البزاز الحمَّال، شيخ مسلم.
(ومالك بن عبد الواحد) أبو غسان (المسمعي) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية نسبةً إلى مَسمِع بفتح الميم الأولى وسكون السين وكسر الميم الثانية، فإذا نسبت عكست فكسرت الميم الأولى وفتحت الثانية، وهذِه نسبة إلى المسامعة محلة بالبصرة نزلها المسمعون فنسبت إليهم، والمسمعي في قيس ثعلبة ينسب إلى مسمع بن شهاب، كذا ذكره الكلبي ومالك أيضًا شيخ مسلم.
(قالا: ثنا يزيد بن هارون، عن هشام) بن حسان (عن حفصة) بنت
стр. 6451
سيرين (عن أم عطية) نسيبة بنت الحارث (عن النبي ﷺ بهذا الحديث) المذكور (وليس) هذا الحديث (في تمام حديثهما) فإن مالكًا (المسمعي قال) في روايته (قال يزيد) بن هارون (لا أعلمه إلا قال فيه: ولا تختضب) كما تقدم (وزاد فيه هارون) بن عبد الله (ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب) كما تقدم.
[٢٣٠٤] (ثنا زهير بن حرب، حدثنا يحيى بن أبي بكير) (١) قاضي كرمان (ثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثني بديل) بضم الموحدة مصغر ابن ميسرة العقيلي، أخرج له مسلم (عن الحسن بن مسلم) بن يناق أخرج له الشيخان (عن صفية بنت شيبة) الحاجب العبدرية، مختلف في صحبتها، قيل: أحاديثها مرسلة (٢) (عن أم سلمة) هند (زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ أنه قال: المتوفى عنها) أي يجب من توفي عنها (زوجها لا تلبس) بفتح الموحدة (المعصفر من الثياب) وهو المصبوغ بالعصفر؛ لأنه يقصد به الزينة، وفي معناه كل ما صبغ للزينة كالأصفر والأزرق والأخضر الصافيين (ولا) الثياب (الممشَّقة) بتشديد الشين المعجمة يعني: المصبوغة بالمشق، بكسر الميم وسكون الشين، وهو المغرة بفتح الميم وسكون الغين المعجمة، وقد تحرك وهو الطين الأحمر، ومنه حديث جابر: كنا نلبس الممشق في الإحرام (٣). وفي
стр. 6452
الحديث تنبيه على أن المراد بالنهي عن المصبوغ هو ما قصد به الزينة دون غيره مما لم يقصد به التزين والتحسين، ولو أراد مطلق الصبغ لم يكن للقيد بهذين الفرعين فائدة.
وفهم من الحديث أن ما لم يصبغ وكان في خلقته أسود أو أحمر أو غيره من الألوان الخلقية المختلفة من قطن وصوف وكتان لا يحرم عليها لبسه وإن كان نفيس الثمن أو رقيقًا؛ لأن حسنه من أصل الخلقة فلا يلزم لغيره، كما أن المرأة إذا كانت حسنة الخلقة لا يلزمها أن تغير لونها وتشوه نفسه (ولا) تلبس (الحلي) بضم الحاء وكسر اللام مع تشديد الياء، وهذِه قراءة الجمهور وقرأ حمزة والكسائي بكسر الحاء للإتباع (١)، والحلي جمع حَلْي بفتح الحاء وسكون اللام ونظيره في الصحيح فلوس جمع فلس، والمعنى أنه يحرم على المرأة أن تتحلى بالذهب والفضة كالخلخال والسوار والقرط والخاتم، وكذا باللؤلؤ، والتختم بالعقيق ونحوه مما يتحلى به؛ لأنه يزيد في الحسن ويدعو إلى المباشرة (ولا تختضب) بالحناء ونحوه، وفي معناه تحمير خديها ووجهها بالكلكون على وزن عصفور وتبيض وجهها بالاسفيداج (ولا تكتحل) بالإثمد من غير ضرورة؛ لأن الكحل من أبلغ الزينة يدعو إليها ويحرك الشهوة، فهي كالطيب وأبلغ منه.
[٢٣٠٥] (ثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر الطبري شيخ البخاري، كتب عن ابن وهب خمسين ألف حديث (٢) (عن عبد الله بن وهب قال: أخبرني
стр. 6453
مخرمة) بن بكير، أخرج له الشيخان (عن أبيه) بكير بن عبد الله بن الأشج المدني (قال: سمعت المغيرة بن الضحاك) الأسدي الحزامي أرسل عن عم جده حكيم بن حزام وحدث عن أم حكيم (١) (يقول: أخبرتني أم حكيم بنت أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة (عن أمها) قال المنذري: هذِه الأم مجهولة (٢). قال ابن الرفعة وكذا مولاتها، لكن تعضده رواية النسائي من طريق أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب بالسند (٣)، ورواه الشافعي عن مالك أنه بلغه فذكر الحديث (أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها) وهذِه الرواية تدل على أن النصب في الرواية المتقدمة: اشتكت عينها أرجح كما رجحه ابن دقيق العيد والمنذري كما تقدم (فتكتحل بالجلاء) قال في النهاية: هو بكسر الجيم والمد، وهو الإثمد، وقيل: هو بالفتح والمد والقصر، ضرب من الكحل (٤)، قاله الجبائي.
وقال أبو علي البغدادي: هو كحل يجلو البصر، وأما الحلاء بضم الحاء المهملة والمد فحكاكة حجر على حجر يكتحل بها فيتأذى البصر، والمراد في الحديث: الأول.
(قال أحمد) بن صالح (الصواب) تكتحل (بكحل الجلاء) بفتح الجيم والمد (فأرسلت مولاة) بالنصب (لها إلى أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن
стр. 6454
المغيرة المخزومية (فسألتها عن كحل الجلاء) بكسر الجيم والمد، وهو كحل يجلو البصر كما تقدم (فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك) الصبر عنه كشدة الألم لوجع العين الرمدة، قال الشافعي: فأما الفارسي وما أشبهه إذا احتاجت إليه فلا بأس؛ لأنه ليس فيه زينة (١). انتهى.
والمراد بالفارسي هو الأبيض من البرود والدرور والتوتيا فيباح؛ لأنه لا زينة فيه، وكذا العنزروت (فتكتحلين) منه (بالليل وتمسحينه بالنهار) والمذهب عند أصحابنا أن ما اضطرت إليه مما فيه زينة من الكحل تكتحل به ليلًا وتمسحه نهارًا (٢) كما دل عليه الحديث. قال الزركشي: وبذلك صرح الشافعي في "الأم" (٣)، ثم قال: وعلى هذا فإطلاق النووي في "المنهاج" الجواز عند الحاجة (٤) مردود، فإن القائل به يخصه بالليل دون النهار، انتهى.
لكن إن دعت ضرورة إلى استعماله نهارًا جاز كما قاله الأذرعي وغيره (٥).
(ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال القرشي المخزومي، هاجر مع
стр. 6455
امرأته أم سلمة إلى أرض الحبشة، ثم شهد بدرًا بعد أن هاجر الهجرتين، وقد أفرد من أنواع الحديث أبو الحسن محمد بن عبد الله النيسابوري من اتفق كنيته وكنية زوجته فبلغوا اثني عشر، منهم هذا أبو سلمة وزوجته أم سلمة، أبو أيوب أم أيوب، أبو أسيد الساعدي أم أسيد، أبو الدحداح، أم الدحداح، أبو بكر الصديق أم بكر، أبو الدرداء أم الدرداء، أبو ذر الغفاري أم ذر، أبو رافع الأسلمي، أم رافع، أبو سيف أم سيف، أبو طليق أم طليق، أبو الفضل بن عبد المطلب أم فضل، أبو معقل الأسدي أم معقل.
(وقد جعلت علي) بتشديد الياء، لفظ النسائي: جعلت على عيني (١)، ولفظ الشافعي: أن النبي ﷺ دخل على أم سلمة وهي حادة على أبي سلمة (٢) (صبرًا) بفتح الصاد وكسر الباء الموحدة وسكون الراء لغة قليلة، ومنهم من قال: لم يسمع تخفيفه إلا في الشعر، وحكى ابن السيد جواز التخفيف كما في نظائره، وحكي كسر الصاد فيكون ثلاث لغات، وهذا هو الدواء المر (فقال: ما هذا يا أم سلمة) فيه المبادرة إلى إنكار المنهي عنه (فقلت: إنما هو صبر) ليس فيه طيب.
قال الشافعي: الصبر يصفر فيكون زينة وليس بطيب، فأذن لها أن تجعله بالليل وتمسحه بالنهار (٣).
قال أصحابنا: أما الكحل الأصفر وهو الصبر فحرام على السوداء،
стр. 6456
وكذا على البيضاء على الأصح؛ لأنه يحسن العين ويحرم أيضًا أن تطلي به وجهها؛ لأنه يصفر الوجه فهو كالخضاب (١).
(قال: إنه يشب) بفتح الياء وضم الشين المعجمة (الوجه) أي يلونه ويحسنه ويوقده، من قولهم: شب النار إذا أوقدها، فتلألأت ضياءً ونورًا ومنه حديث: أنه ﷺ أنه اتزر ببردة سوداء فجعل سوادها يشب بياضه، وجعل بياضه يشب سوادها (٢). وفي رواية: أنه لبس مدرعة سوداء، فقالت عائشة: ما أحسنها عليك، يشب سوادها ببياضك وبياضك بسوادها، أي: تحسنه ويحسنها، ورجل مشوب إذا كان أبيض الوجه أسود الشعر (فلا تجعليه) عليك (إلا بالليل، وتنزعينه) (٣) بكسر الزاي، أي: عنك (بالنهار) رواية الشافعي: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" (٤).
وفي الحديث إشارة إلى أنها لا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها؛ لأنه ﷺ إنما جعله يشب الوجه أي: يصفره، فيكون فيه زينة وسببه الخضاب (ولا تمتشطي بالطيب) يعني: بالغالية، (ولا بالحناء) بكسر الحاء والمد على وزن فعال (فإنه خضاب) للشعر كما أنه خضاب لليدين والرجلين، قال أصحابنا: يحرم عليها أن تمتشط بالطيبى (٥) والحناء وكذا ترجيل شعرها بالأدهان المطيبة كدهن البنفسج
стр. 6457
واللبان وكذا غير المطيبة كزيت وشيرج وسمن ونحوهما، ويجوز لها استعمال غير الأدهان المطيبة في سائر البدن.
قال الشافعي: أما المطيبة والبخور فلا (١)، وقد جاء عن الشافعي شيء على جهة الاستحباب أن تجتنب ما فيه تليين الشعر (٢).
(قال: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر) فيه حذف مضافين، تقديره: امتشطي بورق شجر السدر وهو النبق، وفي معناه الخطمي (تغلفين) بضم التاء وفتح الغين المعجمة وكسر اللام المشددة مع الفاء المخففة أي: تلطخين (بها) شعر (رأسك) ومنه حديث عائشة: كنت أغلف لحية رسول الله ﷺ (٣). أي ألطخها به، يقال: غلف لحيته بالحناء غلفا وغلفها تغليفًا.
وفي الحديث دليل على أن المعتدة يجوز لها أن تمشط رأسها بالسدر والخطمي ونحوهما.
قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن للحادة أن تجمع رأسها بالسدر والزيت؛ لأنهما ليسا بطيب (٤).
стр. 6458
٤٧ - باب في عِدَّةِ الحامِلِ
٢٣٠٦ - حَدَّثَنا سُليْمانُ بْنُ دَاوُدَ المَهْريُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ، حَدَّثَني عُبيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَباهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَرْقَمِ الزُّهْريِّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةِ فيَسْأَلَها عَنْ حَدِيثِها وَعَمّا قَالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّها كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بن خَوْلَةَ - وَهُوَ مِنْ بَني عامِرِ بْنِ لُؤي وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - فَتُوُفّيَ عَنْها في حَجَّةِ الوَداعِ وَهيَ حامِلٌ فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَها بَعْدَ وَفاتِهِ فَلَمّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها تَجَمَّلَتْ لِلْخُطّابِ فَدَخَلَ عَليْها أَبُو السَّنابِلِ بْنُ بَعْكَكِ - رَجُلٌ مِنْ بَني عَبْدِ الدّارِ - فَقَالَ لَها: ما لي أَراكِ مُتَجَمِّلَةً لَعَلَّكِ تَرْتَجِينَ النِّكاحَ إِنَّكِ والله ما أَنْتِ بِناكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَليْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبيْعَةُ: فَلَمّا قَالَ لي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَليَّ ثِيابي حِينَ أَمْسيْتُ فَأَتيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَفْتاني بِأَنّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلي وَأَمَرَني بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدا لي. قَالَ ابن شِهابٍ: وَلا أَرى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ وَإِنْ كَانَتْ في دَمِها غيْرَ أَنَّهُ لا يَقْرَبُها زَوْجُها حَتَّى تَطْهُرَ (١).
٢٣٠٧ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ - قَالَ عُثْمانُ: حَدَّثَنا، وقَالَ ابن العَلاءِ: أَخْبَرَنا - أَبُو مُعاوِيَةَ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَنْ شاءَ لاعَنْتُهُ لأُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى بَعْدَ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ وَعَشْرًا (٢).
* * *
стр. 6459
باب في عدة الحامل
[٢٣٠٦] (ثنا سليمان بن داود) المصري (المهري) بفتح الميم، ثقة فقيه، والمهري نسبة إلى مهرة بن حيدان (١) قبيلة كبيرة.
(ثنا) عبد الله (ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله بن عتبة) الفقيه الأعمى (أن أباه) عبد الله بن عتبة ابن مسعود الهذلي، رأى النبي ﷺ وهو خماسي أو سداسي (٢) أخرج له الشيخان.
(كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة) تصغير سبعة (بنت الحارث الأسلمية فيسألها عن حديثها) حين استفتت رسول الله ﷺ (وعما قال لها رسول الله ﷺ حين استفتته) عن عدتها.
(فكتب عمر بن عبد الله) بن الأرقم (إلى عبد الله بن عتبة) بن مسعود (يخبره) فيه جواز العمل بالمكاتبة (أن سبيعة) الأسلمية (أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي) من أنفسهم عند بعضهم، وعند بعضهم هو حليف لهم، قال ابن هشام: هو من اليمن (٣)، وقال غيره: كان من العجم (وكان ممن شهد بدرًا) وكذا ذكره ابن هشام، وتابع ابن هشام على ذلك معتمر بن سليمان، عن أبيه في البدريين،
стр. 6460
وكان من مهاجرة الحبشة الهجرة الثانية.
(فتوفي عنها في حجة الوداع) بفتح الواو، قال ابن عبد البر: لم يختلفوا أنه مات بمكة في حجة الوداع إلا ما ذكره الطبري محمد بن جرير فإنه قال: توفي سعد بن خولة سنة سبع، والصحيح الأول، رثى له رسول الله ﷺ أن مات بمكة (١) يعني: في الأرض التي هاجر منها (٢). (وهي حامل) ووقع في البخاري في التفسير في سورة التغابن من حديث زينب عن أم سلمة: فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت (٣).
(فلم تنشب) بفتح التاء وسكون النون وفتح الشين المعجمة وبعدها باء موحدة، أي: لم تلبث. قال ابن الأثير: وحقيقته لم تتعلق بشيء سواه (٤)، قال الجوهري: نشب الشيء في الشيء بالكسر ينشب بالفتح نشوبًا أي: تعلق فيه، وأنشبته أنا أعلقته فنشب (٥).
قال الشيخ أبو حيان: ذكر بعضهم نشب من أفعال المقاربة، وعلى هذا فليس في قوله (أن وضعت) حرف جر مقدر وعلى الأول التقدير: فلم تنشب عن أن تفعل كذا، والمقصود بهذا الكلام الإشارة إلى قرب زمن الولادة، وقد سبقت رواية البخاري وضعت (حملها بعد وفاته) بأربعين
стр. 6461
ليلة، وفي رواية له: فمكثت قريبًا من عشر ليالٍ، وفي رواية للنسائي: قريبًا من عشرين ليلة (١). وفي رواية له: لأدنى من أربعة أشهر (٢)، وفي رواية للبيهقي: بشهر أو أقل (٣)، وفي رواية للنسائي والترمذي: بثلاثة وعشرين يومًا أو خمسة وعشرين (٤) (٥). وفي الطبراني: فمكثت بعده شهرين ثم وضعت (٦).
(فلما تعلت) بفتح التاء والعين المهملة وتشديد اللام، ويروى تعالت بتخفيف اللام، وكلاهما بمعنى ارتفعت وطهرت (من نفاسها) كأنَّ حالها في نفاسها حالة تسفل.
قال ابن الأثير: ويجوز أن يكون من قولهم: تعلى الرجل من علته إذا برأ، أي خرجت من نفاسها وسلمت (٧)، ومنه حديث ابن عباس: فإذا تتعلى علي أي: ترتفع علي.
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون المراد الاستعلاء من أوجاعها (٨)، (تجملت) أي: تزينت (للخطاب) جمع خاطب من الخطبة بكسر الخاء، وقد تقدم (دخل عليها أبو السنابل) جمع سنبلة واسمه عمرو (بن بعكك)
стр. 6462
بفتح الباء الموحدة وإسكان المهملة، وفتح الكاف الأولى ابن الحجاج بن الحارث بن السباق القرشي العبدري، وقيل: اسمه حبة بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة ابن بعكك بن مسلمة، كان شاعرًا ومات بمكة، كذا في "الاستيعاب" (١)، وهو (رجل من بني عبد الدار) وهو من المؤلفة قلوبهم (فقال لها: ما لي أراك متجملة) فيه تجمل المتوفى عنها زوجها بأنواع الزينة التي كانت ممنوعة منها في الحداد، وإنما أنكر عليها التجمل؛ لأنه كان قبل انقضاء عدتها (لعلك تَرَجِّينَ) بفتح التاء وتشديد الجيم المكسورة، ويجوز الفتح فيهما، والأصل: تترجين حذف إحدى التاءين (النكاح) قبل انقضاء عدتك.
(إنكِ والله ما أنتِ بناكح) أصله بناكحة، فحذف الهاء جوازًا، أي: متزوجة.
قال الجوهري: ونكحت هي أي: تزوجت في بني فلان أي: ذات زوج منهم (٢). واعلم أن قول أبي السنابل لها ذلك؛ لأنه كان في عزمه أنه يخطبها؛ ففي البخاري من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه كان ممن خطبها. نعم وقع في النسائي أن أبا السنابل خطبها (٣). والمعروف أن خطبته إياها إنما كانت بعد الولادة.
قال ابن العطار: خطبها وكان كهلًا، خطبها أبو البشر وكان شابًّا.
وفي "مسند أحمد" من حديث ابن مسعود أنها لما أخبرت النبي ﷺ
стр. 6463
بقول أبي السنابل قال: "كذب أبو السنابل" (١)، أي: أخطأ. وقيل: سماه كاذبًا لأنه كان عالمًا ثم أفتى بخلافه، حكاه ابن داود من أصحابنا وفيه بُعد فإنه حلف بالله على ما أفتاها به كما تقدم، وقيل: إنما قال لها أبو السنابل ما قال لتتربص حتى يأتيها أولياؤها إذ كانوا غُيبًا فيتزوجها هو؛ إذ كان له فيها غرض، ويحتمل أنه حمل الآية على العموم كما حملها غيره (حتى تمر) بفتح المثناة فوق (عليك أربعة) بالرفع فاعل (أشهر وعشرًا) كذا الرواية بالنصب مفعول معه.
(قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي) قال ابن الأثير: أي: لبست الثياب التي تبرزيها إلى الناس من الإزار والرداء والعمامة والدرع والخمار (٢)، انتهى، وعلى هذا ففيه دلالة على أن من أراد الاجتماع بأهل العلم والصلاح والأمراء والأكابر أن تلبس أكمل ثيابها وأجملها كما تفعل في الذهاب إلى الجمع والأعياد، ويحتمل أن يكون جمعت علي ثيابي أي: ضممتها وشمرتها لئلا تمنعني من سرعة الحركة كما ورد في الحديث أنه كان إذا مشى مشى مجتمعًا، أي: شديد الحركة غير مترنح في المشي (حين أمسيت) أي: عند المساء، وهذا يرجح ما قاله ابن الأثير.
(فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك) كذا لمسلم (٣) (فأفتاني بأني قد حللت) من عدتي أو حللت لمن يتزوجني (حين وضعت حملي) فيه
стр. 6464
التصريح بانقضاء العدة بوضع الحمل، وفيه رد على ما نقل عن الشعبي والنخعي وحماد أن جواز نكاحها متوقف على الطهر من دم النفاس تعلق بقوله: فلما تعلت من دم النفاس إنما هو إخبار عن وقت سؤالها أنه كان حين تعلت من نفاسها.
قال القرطبي: ويحتمل أن يكون المراد به هنا: تعلت آلام نفاسها أي: استعلت من أوجاعها فصح ما قاله الجمهور (١).
قال عياض: وظاهر قوله ﵇: "حللتِ حين وضعتِ". ولم يفصل بين أن يكون ولدًا كاملًا أو سقطًا وغيره أن فيه حجة للكافة من أن ذلك تنقضي به العدة كيف كان من غير مراعاة إتمام خلقته، بل بكل مضغة فيها صورة آدمي ولو خفية (٢)، وكذا استدل النووي من هذا الحديث بأنه ﷺ لم يسألها عن صفة حملها (٣) وأشار ابن المنذر للإجماع فيه (٤)، وعلم أن ما فيه صورة آدمي ظاهرة بخلاف الأولى.
قال ابن دقيق العيد: وهذا ضعيف، يعني: الاستدلال بعدم الانفصال؛ لأن الغالب هو الحمل التام المتخلق ووضع المضغة والعلقة نادر، وحمل الجواب على الغالب أولى وهو الظاهر وإنما تقوى هذِه القاعدة حيث لا يترجح بعض الاحتمالات على بعض، ويختلف الحكم باختلافها (٥). قال الفاكهي بعد حكاية هذا: وهو كما
стр. 6465
قال (وأمرني بالتزويج إن بدا لي) وبدا بغير همز. قد يؤخذ منه أن الأمر يقتضي الوجوب وإلا لما احتاج بالتقييد بقوله (إن بدا لي) أي: اخترته.
(قال) محمد (ابن شهاب: ولا أدري) بها (بأسًا أن تتزوج حين وضعت) حملها (وإن كانت) غارقة (في دمها) هذا مذهب الجمهور خلافًا لما شذ من قول الحسن والشعبي والنخعي (١)، كما تقدم أنها لا تنكح ما دامت في دم نفاسها مستدلين بقوله (فلما تعلت من نفاسها) كما تقدم في معنى الحديث لا سيما وقد صرح الزهري راوي الحديث، وناهيك به من إمام عارف بمعاني الحديث.
(غير أنه لا يقربها) الذي تزوجها في حال دم نفاسها (حتى تطهر) بانقطاع دم النفاس واغتسالها منه.
[٢٣٠٧] (ثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء) بن كريب الهمداني أبو كريب (قال عثمان) بن أبي شيبة.
(ثنا، وقال محمد بن العلاء) وهذا من تحرير المصنف في تبيين ألفاظ الرواية في تفريقه بين حدثنا و (أنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير.
(ثنا الأعمش، عن مسلم) بن صبيح أبو الضحى (عن مسروق، عن عبد الله) بن مسعود.
(قال: من شاء لاعنته) لفظ ابن ماجه: لاعَنَّاه (٢). من الملاعنة، وأصلها من جهة الله الطرد واللعن، ومن الخلق السب والدعاء، وهي هنا من الدعاء، بدليل رواية عبد الرزاق: لأداعينه (٣). أو لأدعون عليه
стр. 6466
أو له بالهداية إذ اتضح له الحق وحاد عنه وجادل بالباطل، وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (١) فإنها في حق بني نجران من الكفار (لأنزلت) هذِه لام القسم والله لقد أنزلت (سورة النساء) يعني: الآية التي في سورة النساء.
(القصرى) بضم القاف، والقصرى تأنيث الأقصر كالطولى تأنيث الأطول، والمراد بهذِه السورة سورة الطلاق، وسميت قصرى احترازًا بالقُصرى عن النساء لئلا تشتبه بها في التسمية، لكن المراد البقرة؛ لأن فيها الآية باعتبار السورة الطولى وهي البقرة فإنها قصيرة بالنسبة إليها، والمراد بالآية قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) (بعد الأربعة الأشهر) يعني: بعد آية العدة التي في البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣)، ولفظ ابن ماجه: بعد أربعة الأشهر (٤). ولفظ النسائي: أن سورة النساء القصرى بعد البقرة (٥). ولفظ البخاري في التفسير: أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى (٦).
قال الداودي: لا أرى قوله (القصرى) محفوظًا، ولا يقال في سور القرآن: قصرى ولا صغرى، انتهى، وهو رد للأخبار الثابتة بلا مستند،
стр. 6467
والقصر والطول أمر نسبي (١) (وعشرًا) كذا الرواية هنا في ابن ماجه وهو منصوب على المفعول معه بعد المضاف، كقول الشاعر:
مخافة الإفلاس والِّليانا
ويجوز جره بالعطف على ما قبله ولعل مراد ابن مسعود بقوله الذي أقسم فيه أن آية الطلاق بعد آية البقرة أن آية البقرة تتناول الحوامل ثم نسخ بآية: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) أو خصص عمومه بآية الطلاق ولم يخصص الشافعي هذا العموم الذي في قوله ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٣) بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ (٤) الآية، بل بالنسبة لا بالآية؛ فإنها وردت عقب ذكر الطلاق، فيحتمل أن يقال: هي في المطلقة لا في المتوفى عنها زوجها، ولأن كل واحدة من الاثنين أعم من الأخرى من وجه وأخص (٥) منها من وجه؛ لأن الحامل قد يتوفى عنها زوجها وقد لا يتوفى، والمتوفى عنها زوجها قد تكون حاملًا وقد لا تكون حاملًا، فامتنع التخصيص.
стр. 6468
٤٨ - باب في عِدَّةِ أُمِّ الوَلَدِ
٢٣٠٨ - حَدَّثَنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ، ح وَحَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ رَجاءِ بْنِ حيْوَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ، قَالَ: لا تَلْبِسُوا عَليْنا سُنَّتَهُ - قَالَ ابن المُثَنَّى: سُنَّةَ نَبِيِّنا ﷺ عِدَّةُ المُتَوَفَّى عَنْها أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. يَعْني: أُمَّ الوَلَدِ (١).
* * *
باب في عدة أم الولد
[٢٣٠٨] (ثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي (أن محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم (وثنا) محمد (بن المثنى بن عبيد) (٢) بن قيس الأنصاري (ثنا عبد الأعلى، عن سعيد) بن أبي عروبة.
(عن مطر) بن طهمان الوراق (عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص ﵁ قال: لا تلبسوا) بتشديد الباء الموحدة أي: تفسدوا، بدليل رواية ابن ماجه ولفظه: "لا تفسدوا" (٣) (علينا سنة نبينا ﷺ ) قيل: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد بذلك سنة كان يرويها عن النبي ﷺ هنا
стр. 6469
وتوفيقًا، ويؤيده أن أكثر الأصوليين على (١) أن قول الصحابي من السنة كذا صحيح محتج به. . . . (٢) له على سنة الرسول؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق، فكيف وقد صرح الصحابي بأنه سنة نبينا ﷺ ؟
والوجه الثاني: أن يكون ذلك منه اجتهادًا على معنى أن السنة هي الطريقة المعلومة في النساء الحرائر، ولو كان معنى السنة التوقيف لأشبه أن يصرح به، وأيضًا فإن التلبيس والاشتباه لا يقع في النصوص، وإنما يكون في الرأي والاجتهاد.
(عدة المتوفى عنها) زوجها (أربعة أشهر وعشر. يعني: أم الولد) وقال بهذا سعيد بن المسيب (٣) وابن سيرين وسعيد بن جبير (٤) ومجاهد وعمر بن عبد العزيز (٥) والزهري والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، ولأنها حرة تعتد للوفاة فكانت عدتها أربعة أشهر وعشرًا كالزوجة الحرة، ومذهب الشافعي (٦) ومالك (٧) والرواية المشهورة عن أحمد: أن أم الولد إذا مات عنها سيدها فلا تنكح حتى تحيض حيضة كاملة (٨).
وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية ثالثة: أنها تعتد بشهرين وخمسة
стр. 6470
أيام، وهي مروية عن عطاء وطاوس وقتادة؛ لأنها حين الموت أمة فكانت عدتها عدة الأمة (١).
وتأوَّل (٢) الجمهور هذا الأمر على أنه إنما جاء في أم ولد بعينها كان أعتقها صاحبها ثم تزوجها، وهذِه إذا مات عنها مولاها الذي تزوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشرًا إن لم تكن حاملًا، ولا خلاف في هذا، وبأن هذا ضعيف.
قال ابن المنذر: ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص، وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص فقال: لا يصح. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا ثم قال: إن سنة النبي ﷺ في هذا، وقال: أربعة أشهر وعشرًا إنما هي عدة الحرة من النكاح، وإنما هذِه أمة خرجت من الرق إلى الحرية، ويلزم من قال بهذا أن يورثها.
стр. 6471
٤٩ - باب المَبْتُوتَةِ لا يَرْجِعُ إِليْها زَوْجُها حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيْرَهُ
٢٣٠٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ - يَعْني: ثَلاثًا - فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غيْرَهُ فَدَخَلَ بِها، ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أَنْ يُواقِعَها أَتَحِلُّ لِزَوْجِها الأَوَّلِ؟ قَالَتْ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لا تَحِلُّ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَذُوقَ عُسيْلَةَ الآخَرِ ويَذُوقَ عُسيْلَتَها" (١).
* * *
باب المبتوتة - أي: المطلقة ثلاثًا - لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره
[٢٣٠٩] (ثنا مسدد، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير.
(عن الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد بن عمرو النخعي (عن الأسود) ابن يزيد النخعي (عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته) وهذا الرجل هو رفاعة بن سموأل القُرَظي، بضم القاف وفتح الراء وكسر الظاء، وهو خال صفية أم المؤمنين، وقيل: هو رفاعة بن رفاعة القرظي، أحد العشرة الذين نزلت فيهم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ (٢) (٣). وامرأته هي تميمة بفتح المثناة فوق وكسر الميم الأولى بنت وهب، قال في "الاستيعاب": لا أعلم لها غير قصتها مع
стр. 6472
رفاعة (١). ونص الطبراني في "الكبير" أنه لا حديث لها، وهذا أصح الأقوال الأربعة كما صرح ابن بشكوال (٢) وغيره، وقيل: اسمها تميمة بضم التاء. وقيل: سهيمة. وقيل: عائشة.
وقال ابن طاهر: اسمها: أميمة بنت الحارث (٣) (فتزوجت زوجًا غيره) وهو عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي وكسر الموحدة ابن باطا، ويقال: باطيا. وكان عبد الرحمن صحابيًّا، والزُّبيرُ قتل يهوديًّا في غزوة بني قريظة، كذا ذكره ابن عبد البر (٤) والمحققون، وقال ابن منده وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما في "معرفة الصحابة": إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية (٥) (فدخل بها) عبد الرحمن (ثم طلقها قبل أن يواقعها) وكان زوجها الأول طلقها ثلاثًا كما في "الموطأ" (٦) (أتحل لزوجها الأول؟ ) بعد أن طلقها ثلاثًا.
(قال: قال رسول الله: لا تحل) كزوجة (للأول حتى تذوق عسيلة) بضم العين على التصغير، وهو كناية عن الجماع، شبه الشارع لذة الجماع بلذة العسل وحلاوته. وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا: "إن العسيلة هي الجماع" (٧). وهذا هو الصحيح.
стр. 6473
وفي المسألة ثلاثة أقوال أخر:
أحدها: أنه أنث في التصغير على إحدى المعنيين، فإن فيه لغتين: التذكير والتأنيث، فمن أنثه قال في تصغيره عسيلة.
والثاني: أنه تصغير عسلة وهي قطرة من العسل.
والثالث: أنه أنث على إرادة النطفة، وضعف بأن إنزال النطفة لا يشترط وإن قال به الحسن البصري.
وقيل: أُنِّثَ على إرادة اللذة لتضمنه ذلك، ولهذا فسر أبو عبيد العسيلة باللذة، حكاه الماوردي (١).
(الآخر) بكسر الخاء يعني: الزوج الآخر (ويذوق هو عسيلتها) وقد استدل به من اشترط انتشار الذكر في الوطء للتحليل، سواءٌ قويُّ الانتشارِ وضعيفُهُ، وكذا لو استعان بإصبعه لقول الشافعي: سواء أدخله بيده أو يدها (٢). حكاه ابن عبد البر (٣)، وجزم الجرجاني وغيره بأنه لو احتاج إلى إصبع لا يكفي، فإن لم يكن انتشار أصلًا لتعنين أو شلل أو غيرهما لم يصح على الأصح عند الشافعي لعدم ذوق العسيلة (٤)، وليس لنا وطء يتوقف تأثيره على الانتشار سوى هذا، وأما غيره من أحكام الوطء فتترتب على مجرد الاستدخال من غير انتشار خلافًا لأبي حامد (٥).
стр. 6474
ويؤخذ من الحديث أنه يشترط في الوطء المحلِّل أن يكون ممن يمكن جماعه ويجد لذة الجماع احترازًا من الطفل؛ لأنه لا يتصور منه ذوق العسيلة على المذهب، ويؤخذ من قوله: "تذوق عسيلته" أنه يشترط في الزوجة أن تكون ممن يمكن جماعها وتجد لذة النكاح، ونص في "الأم" أن وطء الطفلة لا يحلها كما في الطفل (١).
وهذا الحديث نص على أن المطلقة البتة بالطلاق الثلاث لا تحل لزوجها الأول حتى تتزوج زوجًا غيره ويطؤها وطئًا يلتذان به، وقال الحازمي في "الاعتبار": كان ابن المنذر يقول: فيه دلالة على أنه لو واقعها وهي نائمة أو مغمي عليها لا تحس باللذة فإنها لا تحل للزوج الأول؛ لأنها لم تذق عسيلته، وإنما يكون ذواقها أن تحس باللذة (٢). وكذا قال مالك في أحد قوليه: لو وطئها نائمة أو مغمًى عليها لم تحل للمطلق (٣). حكاه أبو حيان.
وفي هذا الحديث رد على ما نقل عن سعيد بن المسيب (٤) وسعيد بن جبير ونفر من الخوارج أنها لا تحتاج إلى وطء الزوج الثاني، واستدلوا بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٥)، وحملوا النكاح على العقد، وقالوا: إذا عقد الثاني عقد النكاح عليها حلت للأول وإن لم يدخل بها ولم
стр. 6475
يصبها؛ لأن النكاح يتعلق حكمه بأوله وهو العقد.
قال القرطبي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير: أظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن (١).
قال ابن العربي: ما مرت بي مسألة في الفقه أعسر منها، وذلك أن في أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟ فإن قلنا أن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا مذهب سعيد بن جبير وابن المسيب، وإن قلنا أن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال؛ لأنه آخر ذوق العسيلة (٢). على ما قاله الحسن بن أبي الحسن أنه لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون الإنزال.
стр. 6476
٥٠ - باب في تَعْظِيمِ الزِّنا
٢٣١٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبي وائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أي الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قَالَ: فَقُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخافَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ". قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزانيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". قَالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعالَى تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآيَةَ (١).
٢٣١١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْراهِيمَ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنِ ابن جُريْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو الزُّبيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: جاءَتْ مُسيْكَةُ لِبَعْضِ الأَنْصارِ فَقالَتْ إِنَّ سيِّدي يُكْرِهُني عَلَى البِغاءِ فَنَزَلَ في ذَلِكَ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٢).
٢٣١٢ - حَدَّثَنا عُبيْدُ اللهِ بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبي الحَسَنِ: غَفُورٌ لَهُنَّ المُكْرَهاتِ (٣).
* * *
باب في تعظيم الزنا
[٢٣١٠] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (أنا سفيان) الثوري (عن منصور) ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) غير منصرف لكونه أعجميًّا علمًا، أبي ميسرة الهمداني، أخرج له الشيخان
стр. 6477
(عن عبد الله) ابن مسعود ﵁.
(قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب) أي: خصال الذنب (أعظم) إثمًا عند الله تعالى (قال: أن تجعل لله) تعالى (ندًّا) الند: المثل والنظير، جمعه أنداد كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) (وهو خلقك) وصورك، ومعناه أن اتخاذ الإنسان إلهًا ومعبودًا غير خالقه المنعم عليه مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه ولا الذي أنعم عليه من أقبح القبائح وأعظم الآثام وأكثر الجهالات.
(قال: قلت: ثم أي؟ ) قال أبو الفرج: بالتشديد والتنوين سمعته من ابن الخشاب؛ لأنه اسم معرف غير مضاف.
(قال: أن تقتل ولدك مخافة) منصوب على المفعول له، أي: أجل خوف (أن يأكل معك) من طعامِكَ وتنفق عليه من مالك فتفتقر، وهذا القيد الذي هو خشية أن يأكل معك ليس له مفهوم، فإن قتلهم حرام سواء خاف من أكلهم الفقر أو لم يخف، وإنما هو مما خرج مخرج الغالب، وكانوا يقتلون البنات خوف الفقر وغيره فنهاهم الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢)، فضمن الرزق لهم ولأولادهم، وظاهر الحكم هنا لمن كان واحدًا كما يتفق فولد بنت أو ذكر فقتله ليخف مؤنته من طعامه ولوازمه، فعظم النبي ﷺ أمر ذلك وجعله من أعظم الكبائر.
стр. 6478
(قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة) بضم الحاء المهملة، وهي التي يحل وطؤها بالنكاح أو التسري، ومعنى تزاني أي: تحاول الزنا بزوجة جارك أو جاريته برضاها (جارك) أي: من يجاورك في المسكن أو الداخل في جوار العهد.
والزنا من الفواحش العظام، وإفساد المرأة على زوجها واستمالة قلبها للزنا بها أفحش من ذلك وأعظم ذنبًا وأعظم فحشًا أن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه لما تضمن من خيانة الجار، وقد عظم فحش ذلك عادةً وشرعًا، وكانت الجاهلية يمتدحون حرمة الجار ويغضون دونهم الأبصار كما قال عنترة:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها (١)
(قال: وأنزل الله تعالى تصديق قول النبي ﷺ ) ظاهر هذا أن هذِه الآية نزلت بسبب هذا الذنب الذي ذكره النبي ﷺ ، وليس كذلك، لأن الترمذي قد روى هذا الحديث وقال فيه: وتلا النبي ﷺ : (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٢) الآية (٣) بدل: وأنزل الله. وظاهره أنه ﵇ قرأ بعد ذكر هذا الحديث ما كان أنزل منها قبل ذلك على أن الآية تضمنت ما ذكره النبي ﷺ في حديثه بحكم عمومها.
(﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾) معطوف على ما قبلها من الأوصاف التي وصف بها عباد الرحمن، وهو من باب عطف الصفات بعضها على
стр. 6479
بعض (﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾) بالإشراك بالله تعالى (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) أي: بأمر موجب للقتل شرعًا، وذلك الأمر هو المذكور في قوله ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد (١) إيمان، أو قتل نفس بغير نفس" (٢). (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾) (٣)، وقد صرف هذِه الآية عن ظاهرها بعض أهل المعاني، فقال: لا ينبغي لمن أضافهم الله إليه إضافة تشريف واختصاص ووصفهم بما ذكرهم من صفات المعرفة وقوع هذِه الأمور القبيحة منهم حتى يمدحوا بنفيها؛ لأنهم أعلى وأشرف، فقال: معناها: لا يدعون الهوى إلها، لا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلًا لها. ومعنى ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: إلا بتسكين الصبر وسبق المجاهدة، ولا ينظرون إلى دنيا ليست لهم محرم فيكون مباحًا على الضرورة فيكون كالنكاح مباحًا. (الآية) إلى آخرها.
[٢٣١١] (ثنا أحمد بن إبراهيم) البغدادي الدورقي الحافظ، شيخ مسلم (عن حجاج) بن محمد الأعور الهاشمي ترمذي، سكن المصيصة (عن) عبد الملك (بن جريج قال: وأخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس المكي (أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: جاءت مسيكة) بضم الميم وفتح السين مصغر (لبعض) أي: إلى بعض (الأنصار) ويتعدى جاء أيضًا بنفسه كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ (٤)
стр. 6480
(فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء) يعني: الزنا، ولفظ مسلم: أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها: مسيكة. وأخرى يقال لها: أميمة. فكان يريدهما على الزنا، فَشَكتا ذلك إلى النبي ﷺ (١).
وحكى الثعلبي عن مقاتل: نزلت الآية - يعني: هذِه الآية - في سبب جوارٍ لعبد الله بن أبي كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن، وهن معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وقبيلة وأروى، فجاءته إحداهما ذات يوم بدينار وجاءت أخرى ببرد، فقال لهما: ارجعا فازنيا. فقالتا: لا والله لا نفعل، قد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا. فأتيا رسول الله وشكيا إلى رسول الله ﷺ (٢).
(فنزل في ذلك) قوله تعالى: (﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾) جمع فتاة وهي الجارية (﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾) (٣)، يعني: على الزنا والفجور، وهو وصف مختص بالمرأة، ولا يقال للرجل: بغي. قاله الأزهري (٤).
[٢٣١٢] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن معاذ) بن معاذ العنبري شيخ مسلم (ثنا معتمر) بن سليمان أحد الأعلام، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وكان الناس يقولون يوم مات: مات اليوم أعبد الناس (٥) (عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي، ولم يكن من تيم، بل نزل فيهم (٦)، مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا ويصلي صلاة الفجر بوضوء