← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

٥٠ - باب في تَعْظِيمِ الزِّنا ٢٣١٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبي وائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أي الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قَالَ: فَقُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخافَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ". قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزانيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". قَالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعالَى تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآيَةَ (١). ٢٣١١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْراهِيمَ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنِ ابن جُريْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو الزُّبيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: جاءَتْ مُسيْكَةُ لِبَعْضِ الأَنْصارِ فَقالَتْ إِنَّ سيِّدي يُكْرِهُني عَلَى البِغاءِ فَنَزَلَ في ذَلِكَ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٢). ٢٣١٢ - حَدَّثَنا عُبيْدُ اللهِ بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبي الحَسَنِ: غَفُورٌ لَهُنَّ المُكْرَهاتِ (٣). * * * باب في تعظيم الزنا [٢٣١٠] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (أنا سفيان) الثوري (عن منصور) ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) غير منصرف لكونه أعجميًّا علمًا، أبي ميسرة الهمداني، أخرج له الشيخان

стр. 6477

(عن عبد الله) ابن مسعود ﵁. (قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب) أي: خصال الذنب (أعظم) إثمًا عند الله تعالى (قال: أن تجعل لله) تعالى (ندًّا) الند: المثل والنظير، جمعه أنداد كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) (وهو خلقك) وصورك، ومعناه أن اتخاذ الإنسان إلهًا ومعبودًا غير خالقه المنعم عليه مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه ولا الذي أنعم عليه من أقبح القبائح وأعظم الآثام وأكثر الجهالات. (قال: قلت: ثم أي؟ ) قال أبو الفرج: بالتشديد والتنوين سمعته من ابن الخشاب؛ لأنه اسم معرف غير مضاف. (قال: أن تقتل ولدك مخافة) منصوب على المفعول له، أي: أجل خوف (أن يأكل معك) من طعامِكَ وتنفق عليه من مالك فتفتقر، وهذا القيد الذي هو خشية أن يأكل معك ليس له مفهوم، فإن قتلهم حرام سواء خاف من أكلهم الفقر أو لم يخف، وإنما هو مما خرج مخرج الغالب، وكانوا يقتلون البنات خوف الفقر وغيره فنهاهم الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢)، فضمن الرزق لهم ولأولادهم، وظاهر الحكم هنا لمن كان واحدًا كما يتفق فولد بنت أو ذكر فقتله ليخف مؤنته من طعامه ولوازمه، فعظم النبي ﷺ أمر ذلك وجعله من أعظم الكبائر.

стр. 6478

(قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة) بضم الحاء المهملة، وهي التي يحل وطؤها بالنكاح أو التسري، ومعنى تزاني أي: تحاول الزنا بزوجة جارك أو جاريته برضاها (جارك) أي: من يجاورك في المسكن أو الداخل في جوار العهد. والزنا من الفواحش العظام، وإفساد المرأة على زوجها واستمالة قلبها للزنا بها أفحش من ذلك وأعظم ذنبًا وأعظم فحشًا أن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه لما تضمن من خيانة الجار، وقد عظم فحش ذلك عادةً وشرعًا، وكانت الجاهلية يمتدحون حرمة الجار ويغضون دونهم الأبصار كما قال عنترة: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها (١) (قال: وأنزل الله تعالى تصديق قول النبي ﷺ ) ظاهر هذا أن هذِه الآية نزلت بسبب هذا الذنب الذي ذكره النبي ﷺ ، وليس كذلك، لأن الترمذي قد روى هذا الحديث وقال فيه: وتلا النبي ﷺ : (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٢) الآية (٣) بدل: وأنزل الله. وظاهره أنه ﵇ قرأ بعد ذكر هذا الحديث ما كان أنزل منها قبل ذلك على أن الآية تضمنت ما ذكره النبي ﷺ في حديثه بحكم عمومها. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾) معطوف على ما قبلها من الأوصاف التي وصف بها عباد الرحمن، وهو من باب عطف الصفات بعضها على

стр. 6479

بعض (﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾) بالإشراك بالله تعالى (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) أي: بأمر موجب للقتل شرعًا، وذلك الأمر هو المذكور في قوله ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد (١) إيمان، أو قتل نفس بغير نفس" (٢). (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾) (٣)، وقد صرف هذِه الآية عن ظاهرها بعض أهل المعاني، فقال: لا ينبغي لمن أضافهم الله إليه إضافة تشريف واختصاص ووصفهم بما ذكرهم من صفات المعرفة وقوع هذِه الأمور القبيحة منهم حتى يمدحوا بنفيها؛ لأنهم أعلى وأشرف، فقال: معناها: لا يدعون الهوى إلها، لا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلًا لها. ومعنى ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: إلا بتسكين الصبر وسبق المجاهدة، ولا ينظرون إلى دنيا ليست لهم محرم فيكون مباحًا على الضرورة فيكون كالنكاح مباحًا. (الآية) إلى آخرها. [٢٣١١] (ثنا أحمد بن إبراهيم) البغدادي الدورقي الحافظ، شيخ مسلم (عن حجاج) بن محمد الأعور الهاشمي ترمذي، سكن المصيصة (عن) عبد الملك (بن جريج قال: وأخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس المكي (أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: جاءت مسيكة) بضم الميم وفتح السين مصغر (لبعض) أي: إلى بعض (الأنصار) ويتعدى جاء أيضًا بنفسه كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ (٤)

стр. 6480

(فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء) يعني: الزنا، ولفظ مسلم: أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها: مسيكة. وأخرى يقال لها: أميمة. فكان يريدهما على الزنا، فَشَكتا ذلك إلى النبي ﷺ (١). وحكى الثعلبي عن مقاتل: نزلت الآية - يعني: هذِه الآية - في سبب جوارٍ لعبد الله بن أبي كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن، وهن معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وقبيلة وأروى، فجاءته إحداهما ذات يوم بدينار وجاءت أخرى ببرد، فقال لهما: ارجعا فازنيا. فقالتا: لا والله لا نفعل، قد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا. فأتيا رسول الله وشكيا إلى رسول الله ﷺ (٢). (فنزل في ذلك) قوله تعالى: (﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾) جمع فتاة وهي الجارية (﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾) (٣)، يعني: على الزنا والفجور، وهو وصف مختص بالمرأة، ولا يقال للرجل: بغي. قاله الأزهري (٤). [٢٣١٢] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن معاذ) بن معاذ العنبري شيخ مسلم (ثنا معتمر) بن سليمان أحد الأعلام، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وكان الناس يقولون يوم مات: مات اليوم أعبد الناس (٥) (عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي، ولم يكن من تيم، بل نزل فيهم (٦)، مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا ويصلي صلاة الفجر بوضوء

стр. 6481

عشاء الآخرة (١)، وقال لابنه عند موته: يا معتمر، حدثني بالرخص لعلي ألقى الله حسن الظن به (٢). وقال في قوله تعالى: (﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾) أي: من أكره جاريته على أن تزني وهي كارهة. (قال سليمان) التيمي (قال سعيد بن أبي الحسن) يسار الأنصاري مولاهم البصري أخو الحسن البصري، قال ابن عون: كان سعيد بن أبي الحسن يقول في دعائه عند الموت: اللهم اجعل لنا في الموت راحة وروحًا ومعافاة. ولما مات سعيد طال [حُزن أخيه الحسَن] (٣) فتحرَّق بكاءً عليه، فقيل له: إنك إمام من الأئمة يقتدى بك، فلو تركت بعض ما أنت عليه. فقال: دعوني فما رأيت الله تعالى عاب على يعقوب طول الحزن على يوسف ﵇ (٤) (﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾) لهن (﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) (٥) قال النووي: كذا وقع في النسخ - يعني لمسلم - كلها: لهن غفور رحيم. قال: وهذا تفسير ولم يرد أن لفظة لهن منزلة (٦) فإنه لم يقرأ بها أحد، وإنما هي تفسير وبيان أن المغفرة والرحمة لهن لكونهن مكرهات لا لمن أكرههن (٧). [٢٣١٢] (قال سعيد بن أبي الحسن: غفور لهن) الأفعال (المكرهات)

стр. 6482

بضم الميم وفتح الراء يعني: عليهن، وكان الحسن يقول: غفور لهن والله (١) لا يكرههن مستدلًّا على ذلك بإضافة الإكراه إليهن، وأما المكره فعليه الوزر إذا لم يتب من ذلك الإكراه السابق؛ فإن الله تعالى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) لمن أخلص في التوبة والإصلاح. * * * وتم بحمد الله تعالى وفضله العميم كتاب النكاح ويتلوه في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى كتاب الصيام وصلى الله على سيدنا محمد وآل محمد صلاةً وسلامًا دائمين على مر الصباح، ووافق الفراغ من نسخه على يد كاتبه الفقير في يوم الثلاثاء ثاني شهر جمادى الآخرة من شهور سنة تسعين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والصلاة والتسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

стр. 6483

كِتَابُ الصَّوْمِ

стр. 6484

١٤ - الصوم ١ - باب مَبْدَأ فَرْضِ الصِّيامِ ٢٣١٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ، حَدَّثَني عَليُّ بْنُ حُسيْنِ بْنِ واقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَكَانَ النّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبي ﷺ إِذا صَلَّوُا العَتَمَةَ حَرُمَ عَليْهِمُ الطَّعامُ والشَّرابُ والنِّساءُ وَصامُوا إِلى القابِلَةِ فاخْتانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ فَجامَعَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ صَلَّى العِشاءَ وَلَمْ يُفْطِر، فَأَرادَ اللهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا لِمَنْ بَقيَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً فَقَالَ سُبْحانَهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. وَكانَ هذا مِمّا نَفَعَ اللهُ بِهِ النّاسَ وَرَخَّصَ لَهُمْ ويَسَّرَ (١). ٢٣١٤ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَليِّ بْنِ نَصْرٍ الجَهْضَميُّ، أَخْبَرَنا أَبُو أحْمَدَ، أَخْبَرَنا إِسْرائِيلُ، عَنْ أبي إِسْحاقَ، عَنِ البَراءِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا صامَ فَنامَ لَمْ يَأْكُلْ إِلى

стр. 6485

مِثْلِها وَإِنَّ صِرْمَةَ بْنَ قيْسٍ الأَنْصاريَّ أَتَى امْرَأَتَهُ وَكَانَ صائِمًا، فَقَالَ: عِنْدَكِ شَيء؟ قَالَتْ: لا، لَعَلّي أَذْهَبُ فَأَطْلُبُ لَكَ شيْئًا. فَذَهَبَتْ وَغَلَبَتْهُ عيْنُهُ فَجاءَتْ فَقَالَتْ: خيْبَةً لَكَ. فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهارُ حَتَّى غُشيَ عَليْهِ، وَكَانَ يَعْمَلُ يَوْمَهُ في أَرْضِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبي ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ قَرَأَ إِلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١). * * * ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كتاب الصيام الصيام والصوم مصدر صام، والصوم في اللغة الإمساك مطلقًا، والمراد بالترجمة سبب نزول آية الرخصة [في] الصيام. * * * باب مبدأ فرض الصيام [٢٣١٣] (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت) بن عثمان الخزاعي المروزي، (حدثني علي بن حسين بن واقد) المروزي. (عن أبيه) حسين بن واقد قاضي مرو، وثقه ابن معين (٢) وغيره. (عن يزيد) بن أبي سعيد (٣) المروزي (النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس) في قوله تعالى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾) (٤) أصل الكتابة

стр. 6486

الخط الذي يقرأ، وعبر به هنا عن معنى الالتزام والإثبات، أي: فرض وأثبت؛ لأن ما كتب حكم بثبوته وبقائه، وقيل: هو على حقيقته وهو إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وبناء "كتب" للمفعول وحذف الفاعل للعلم به؛ إذ هو الله تعالى. ولما كان الصيام فيه مشقة بالجوع وغيره على المكلف ناسب أن لا ينسب إلى الله لفظًا وإن كان الله الذي كتبها، وإذا كان المكتوب فيه راحة للمكلف وأسس أن يبنى الفعل للفاعل كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (١). (الصيام) الألف واللام فيه للعهد إن كانت قد سبقت تعهداتهم به (٢) أو للجنس إن كانت لم تسبق. قال الزمخشري (٣): الصوم عبادة قديمة أصلية. وقال القاضي (٤): الصوم في اللغة: الإمساك عما ينازع إليه النفس، وفي الشرع: الإمساك عن المفطرات فإنها معظم ما تشتهيه النفس. (كما) قال أبو حيان: الظاهر أن هذا المجرور في موضع الصفة لمصدر محذوف، وقيل: الكاف في موضع نصب على الحال من الصيام، أي: مشبهًا ما كتب عليكم وذو الحال هو الصيام، والعامل فيه كتب، وتكون ما موصولة (٥) (﴿كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾)

стр. 6487

قال بعضهم (١): التشبيه عائد إلى الإيجاب، أي: أنتم معبدون بالصيام كما تعبد الله به من قبلكم من الأمم. (قال: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ ) أي: كان المسلمون في شهر رمضان (إذا صلوا العتمة) يعني: العشاء، وفيه جواز تسمية العشاء عتمة؛ وإن كان يكره لرواية البخاري: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل" (٢). وقيل: إن حديث تسميتها عتمة كان متقدمًا على نزول قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (٣) (حَرُم عليهم) أكل (الطعام، و) شرب (الشراب، و) جماع (النساء) أي: فيما بين السرة والركبة، هذا الظاهر كما في الحائض (وصاموا (٤) إلى) أن يفطروا من الليلة (القابلة) المشهور تقييد المنع من الأكل والشرب والنساء بالنوم كما سيأتي في حديث البراء، وقيده هنا بصلاة العتمة وهو أخص، ويحتمل العشاء ذكرت هنا لأنها مظنة النوم غالبًا والتقييد في الحقيقة بالنوم، وفي رواية ابن جرير: حتى يفطر من الغد (٥). (فاختان) أي: خان افتعل تأتي بمعنى فعل كاقتدر بمعنى قدر،

стр. 6488

وزيادة الحرف تدل على الزيادة في المعنى (رجل) روي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والسدي، وقتادة، وغيرهم (١) سبب نزول هذِه الآية في عمر بن الخطاب، ومن صنع مثل ما صنع، وفي صرمة بن قيس (٢) (نفسه فجامع امرأته) وإنما كان الجماع والأكل خيانة للنفس؛ لأن وبال المعصية عائد على النفس فكأنه قيل: ظلم نفسه ونقصها حقها من الخير. (وقد صلى العشاء) الآخرة (ولم يفطر) من صيامه، (فأراد الله أن يجعل ذلك يسرًا لمن بقي) من المسلمين (ورخصة) لهم في إباحة ما حرم عليهم (ومنفعة) لهم بالأكل والشرب والجماع (فقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾) (٣) أي: تخونوها بالمعصية. قال ابن عباس: يريد: فيما ائتمنكم عليه (٤) (الآية) إلى آخرها (فكان هذا) التخفيف والإباحة (مما نفع الله به الناس) يعني المسلمين (ورخص لهم) والرخصة تغير الحكم الشرعي إلى سهولة مع قيام الحكم الأصلي، (ويسر) ما كان فيه عسر، واليسر في اللغة معناه السهولة ويقال: للغنى بالمال والسعة اليسار؛ لأنه يتسهل به الأمور واليد اليسرى على التفاؤل باليسر، وقيل: لأنه يتسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى. [٢٣١٤] (حدثنا نصر بن علي الجهضمي، أنا أبو أحمد) الحسين بن محمد المروزي (أنبا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء) بن عازب ﵁

стр. 6489

(قال: كان الرجل إذا صام فنام) بعد غروب الشمس (لم يأكل إلى مثلها) من الغد. (وإن صرمة) بكسر الصاد وسكون الراء (بن قيس) بن صرمة بن مالك من بني خَطْمَة بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة، وربما قال فيه بعضهم: صرمة بن مالك فنسبه إلى جده، وكان رجلًا ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، واغتسل من الجنابة. وفي البخاري: قيس بن صرمة، وللنسائي: أبو قيس (١)، وبجمع الروايات أنه أبو قيس صرمة بن قيس بن صرمة بن مالك (الأنصاري ﵁ أتى امرأته) أي: جامعها (وكان صائمًا) فيه دليل على فطر الصائم على الجماع الحلال دون شبهة وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) أنه الجماع. (فقال) لامرأته (أعندك شيء؟ ) أي من الطعام، كذا في رواية (٣)، (قالت: لا) ولكن (لعلي أذهب) إلى فلانة (فأطلب لك شيئًا) وفيه دليل على خروج المرأة لحاجة زوجها (فذهبت) لتأتي له بشيء (وغلبته عينه) أي: غلبه النعاس الذي في عينه، وفيه المجاز بتسمية الشيء بما يحل فيه (فجاءت) امرأته (فقالت: خيبة) بالرفع والنصب (لك). قال الجوهري (٤): تقول (٥) خيبة لزيد وخيبة لزيد، فالنصب على

стр. 6490

إضمار فعل، أي: وينتصب على المصدر، قال: وبالرفع على الابتداء أي (١): والخبر "لك". وجاز الابتداء هنا بالنكرة؛ لأنه في معنى الدعاء نحو ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ (٢)، و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ (٣). ويقال: خاب الرجل خيبة إذا لم ينل ما طلب، وأخرج [ابن جرير (٤) عن] (٥) السدي: فأيقظته امرأته فكره أن يعصي الله وأبى أن يأكل (فلم ينتصف) بتقديم النون على التاء (النهار) قال الجوهري: نصف النهار وانتصف بمعنى (٦). (حتى غُشِي) بضم الغين وكسر الشين (عليه وكان يعمل يومه) ذلك (في أرضه، فذُكر) بضم الذال (ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت) هذِه الآية (﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾) يقتضي أنه كان حرامًا قبل ذلك، لكنه لم يكن حرامًا في جميع الليلة، ألا ترى أن ذلك كان حلالًا لهم إلى وقت النوم أو إلى بعد (٧) العشاء (ليلة) نصب على الظرف، قالوا: والناصب لهذا الظرف أحل. قال أبو حيان (٨): فليس بشيء؛ لأن "ليلة" ليس بظرف لـ "أحل"، إنما هو من حيث المعنى ظرف للرفث وإن كانت صناعة النحو تأبى أن يكون انتصاب ليلة بالرفث؛ لأن الرفث مصدر وهو موصول هنا. أي: إن الداخلة على الرفث موصول حرفي، فلا يتقدم معموله عليه، لكن

стр. 6491

يتقدم له ناصب محذوف من جنس ما بعده، تقديره: الرفث ليلة (الصيام) فحذف وجعل الرفث المذكور مبينًا له كما خرجوه في قوله تعالى ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (١)، و ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ (٢) أي: ناصح لكما ولعملكم، فما كان من الموصول قدم على (٣) ما يتعلق به من حيث المعنى عليه أضمر له عامل يدل عليه ذلك الموصول. قال الواحدي: ليلة الصيام أراد: ليالي الصيام، وقع الواحد موقع الجماعة (٤). (الرفث) هو الجماع، وأصله قول الفحش ثم كني به عن الجماع. قال أبو إسحاق: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة (٥). (إلى نسائكم) قال الأخفش: إنما عداه بإلى؛ لأنه كان بمعنى الإفضاء (٦). زاد الترمذي: ففرحوا بها فرحًا شديدًا (٧) (قرأ) الآية (إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾) قال الأزهري: الفجر أصله الشق، ومنه فجر السِّكْر أي: بثْقُه (٨). فعلى هذا الفجر في آخر الليل هو شق عمود الصبح شبة شق الضوء (٩) ظلمة الليل بفجر الماء الحوض.

стр. 6492

٢ - باب نَسْخِ قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ٢٣١٥ - حَدَّثَنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا بَكْرٌ - يَعْني: ابن مُضَرَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ، عَنْ بُكيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرادَ مِنّا أَنْ يُفْطِرَ ويَفْتَديَ فَعَلَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ التي بَعْدَها فَنَسَخَتْها (١). ٢٣١٦ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَني عَليُّ بْنُ حُسيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فَكَانَ مَنْ شاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَديَ بِطَعامِ مِسْكِينٍ افْتَدى وَتَمَّ لَهُ صَوْمُهُ فَقَالَ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقالَ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢). * * * باب في نسخ قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [٢٣١٥] (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي، مولى الحجاج بن يوسف (حدثنا بكر بن مضر) بن محمد المصري شيخ الشيخين. (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري. (عن بكير) بن عبد الله بن الأشج (عن يزيد) بن أبي عبيد (مولى سلمة) بن الأكوع.

стр. 6493

(عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما نزلت هذِه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) قراءة الجمهور: يطيقونه مضارع أطاق، وفيه ست قراءات (١) يرجع معناها إلى الاستطاعة والقدرة (﴿فِدْيَةٌ﴾) الفدية: الجزاء والبدل من قوله: فديته بكذا، أي: أعطيته بدلًا منه كقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) (﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾) جمع المساكين؛ لأن الذين يطيقونه جماعة، وكل واحد منهم يلزمه طعام مسكين، ومن قرأ بالتوحيد فلأن المعنى على كل واحد لكل يوم طعام مسكين. ونزلت هذِه الآية رخصة لهم لما تقدم في حديث شعبة في الأذان (٣): نزل رمضان وكانوا قومًا لم يتعودوا الصيام، وكان الصيام عليهم شديد فرخص لهم لما نزلت هذِه الآية (وكان من أراد منا أن يفطر) ويفدي (ويفتدي فعل) ذلك (حتى نزلت الآية التي بعدها) يعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (فنسختها) فخالف ابن عباس في نسخها. [٢٣١٦] (حدثنا أحمد بن محمد) المروزي المعروف بابن شبويه (حدثني علي بن الحسين، عن أبيه الحسين) بن واقد المروزي. (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾) فيه حذف يدل عليه (٤) ما حكى الطبري عن

стр. 6494

عكرمة: أنه كان يقرؤها: وعلى الذين يطيقونه فأفطروا فدية (١). (فكان من شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى) به (وتم له صومه) وإن أفطر (فقال جل وعز: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾) أي: بزيادة على إطعام مسكين، قاله ابن عباس، وجماعة. وقال ابن شهاب: من أراد الإطعام مع الصيام، وقال مجاهد: من زاد في الإطعام على المد. (﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾) أي: أفضله، ومعناه: من تطوع بأكثر من ذلك فهو أفضل له عند الله تعالى، ثم قال: أي: ثم ذكر الناسخ بقوله: (﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾) أي: حضر (﴿مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾) وقيل: هو مفعول به، وهو على حذف مضاف، أي: من شهد منكم دخول الشهر عليه وهو معتم (﴿فَلْيَصُمْهُ﴾) أي: فيجب عليه الصوم، قالوا: وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر، ولهذا ذهب ابن عباس، وعبيدة السلماني، والنخعي، والسدي (٢). وأما الجمهور قالوا: من شهد أول الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيمًا. وقال الزمخشري: الشهر منصوب على الظرف، وكذلك الهاء في فليصمه، ولا يكون مفعولًا به كقولك: شهدت الشهر؛ لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان الشهر (٣)، انتهى.

стр. 6495

وقال الواحدي: مفعول شهد محذوف؛ لأن المعنى: فمن شهد منكم البلد أو بيته (١). ومعنى فليصمه، أي: يصوم ما شهده منه. (﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾) المرض الذي يبيح الإفطار ضبطه الإمام بأن كل مرض يمنع من التصرف مع الصوم (٢) يجوز الإفطار بسببه، وهو المعني بالضرر الظاهر الذي ذكره الأصحاب (٣). ولا يشترط أن ينتهي الضرر الشديد إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم. قال الواحدي: يبيحُ الإفطارَ كلُ مرض كان الأغلب من أمر صاحبه إذا صامه زيادة في علته (٤). (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) يعني: سفرًا يقصر فيه الصلاة وكان مباحًا فلا يجوز الفطر في سفر المعصية، وحيث جاز القصر فهو أفضل إن تضرر بالصوم، وإلا فالصوم أفضل على الصحيح. قال المتولي: لو لم يتضرر منه (٥) في الحال، لكن يخاف الضعف، وكان سفر حج أو غزو فالفطر أفضل (٦). وقال السبكي - ولم يخالفه غيره -: (﴿فَعِدَّةٌ﴾) خبر مبتدأ [محذوف، أي: فعليه عدة لقوله (فعدة) باتباع، والتقدير فعليه صوم

стр. 6496

عدة، ويكون هذا من باب حذف المضاف (١)] (٢). (﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) أي: غير أيام مرضه أو سفره.

стр. 6497

٣ - باب مَنْ قَالَ هيَ مُثْبَتَةٌ لِلشّيْخِ والحُبْلَى ٢٣١٧ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أَبانُ، حَدَّثَنا قَتادَةُ أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: أُثْبِتَتْ لِلْحُبْلَى والمُرْضِعِ (١). ٢٣١٨ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حَدَّثَنا ابن أَبي عَديٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ: كَانَتْ رُخْصَةً لِلشّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأَةِ الكَبِيرَةِ وَهُما يُطِيقانِ الصِّيامَ أَنْ يُفْطِرا ويُطْعِما مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا والحُبْلَى والمُرْضِعُ إِذَا خافَتا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْني: عَلَى أَوْلادِهِما أَفْطَرَتا وَأَطْعَمَتا (٢). * * * باب من قال: هي مثبتة للشيخ والحبلى أي: باب دليل من قال: هي يعني قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (٣) مثبتة غير منسوخة في حق الشيخ والحبلى. [٢٣١٧] (حدثنا [موسى] (٤) بن إسماعيل) المعروف بالتبوذكي (قال: حدثنا أبان) قال (ثنا قتادة، أن عكرمة حدثه أن ابن عباس قال) في الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ

стр. 6498

مِسْكِينٍ﴾ أنها ليست منسوخة مطلقًا، بل (١) كما جاء في رواية عن ابن عباس أنه قال: إن هذِه الآية منسوخة الحكم إلا في حق الحامل والمرضع، أي: لم ينسخ بل (أثبتت) أي: أثبت حكمها (للحبلى والمرضع) ويدل عليه ما رواه الترمذي (٢) والنسائي (٣) عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن (٤) كعب قال: أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فوجدته يتغدى، فقال: "ادن فكل". فقلت: إني صائم. قال: "ادن أحدثك عن الصوم - أو الصيام - إن الله وضع عن المسافر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم" وقال الترمذي: حديث حسن لا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: الشيخ، والحامل (٥)، يفطران، ويقضيان، ويطعمان، وبه يقول سفيان، ومالك (٦)، والشافعي، وأحمد (٧). انتهى. وما ذكره (٨) عن الشافعي سيأتي ما فيه. [٢٣١٨] (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) البصري، وثقه جماعة (عن سعيد) بن أبي عروبة بصري (عن قتادة، عن عزرة) (٩) بفتح العين بن عبد الرحمن الخزاعي (عن سعيد بن جبير،

стр. 6499

عن ابن عباس) في قوله تعالى: (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) قرأ ابن عباس بما ذكره البكري، عن عطاء في المشهور عنه يُطوُّقونه (١) [بفتح] (٢) الواو المشددة ومبنيًّا للمفعول من طوق على وزن قطع، والتشديد يقتضي التكليف أي: يكلفونه يعني: ولا يطيقونه (﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال: كانت رخصة للشيخ الكبير) الذي يلحقه بالصوم مشقة شديدة (والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام) أي مع المشقة والتكلف الكثير (أن يفطرا ويطعما مكان) فطر (كل يوم مسكينًا) قال الماوردي عن قراءة ابن عباس: ويطوقونه المذكورة قراءة الصحابي تجري مجرى الخبر الواحد في وجوب العمل، لكنه لا يقول ذلك إلا سماعًا وتوقيفًا، قال: وإنما عدل الشافعي عن الاستدلال بهذِه القراءة؛ لأنها تشذ عن الجماعة وتخالف رسم المصاحف (٣). وكذلك قال القاضي أبو الطيب: إن القراءة الشاذة كالخبر الواحد في الاحتجاج، ونقله ابن عبد البر عن جمهور العلماء (٤). قال السبكي: والمشهور عن الشافعية خلافه، ومعنى قول الماوردي: إنها تشذ عن الجماعة أن معناها مخالف لمعنى القراءة المتواترة، وخبر الواحد إذا خالف المتواتر لم يعمل به، أما الشاذ الذي لا يعارض القراءة المشهورة فمقتضى جعله كخبر الواحد أن

стр. 6500

يعمل به. ووافقنا على وجوب الفدية على الكبير والكبيرة أبو حنيفة (١) وأحمد (٢)؛ إلا أن أبا حنيفة قال: لكل يوم صاع تمر أو نصف صاع حنطة، وأحمد قال: مد حنطة، أو مدان من تمر أو شعير. والقول الثاني عند الشافعي: أنه لا يجب عليه شيء، وبه قال مالك؛ لأنه سقط عنه شرط الصوم فأشبه الصبي، واختاره أبو ثور وابن المنذر (٣)، والخلاف جارٍ في المريض الذي لا يرجى برؤه، وحكمه حكم الشيخ الهرم وحيث أوجبنا الفدية فلا يجوز تعجيلها قبل رمضان، ويجوز بعد فجر كل يوم، وقطع الدارمي بالجواز قبل الفجر. وقال النووي: إنه الصواب (٤). وإذا قلنا بوجوب الفدية على الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة فلا قضاء عليهما لما أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق عكرمة عن (٥) ابن عباس بمعنى هذا الحديث، وزاد: ولا قضاء عليه (٦). (والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما) (٧) أي: ولديهما (أفطرتا وأطعمتا) رواه البزار، وزاد: وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة التي لا تطيقه فعليك بالفداء ولا قضاء عليك (٨). وصحح

стр. 6501

الدارقطني إسناده (١). فيه دليل للأظهر من قولي الشافعي أن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا ولزمتهما الفدية بالإطعام عن كل يوم مدًّا (٢) وقد نص عليه الشافعي في أكثر كتبه، وبه قال مجاهد. والقول الثاني: يلزم المرضع دون الحامل كما نص عليه الشافعي في البويطي (٣) وبه قال مالك: إن الحامل أفطرت لمعنى فيها، فهي كالمريض والمرضع أفطرت للمنفصل عنها. والثالث: لا يلزمهما، بل تستحب، وبه قال أبو حنيفة (٤) والمزني (٥) ونقل أبو علي الطبري أن الشافعي نص عليه في موضع آخر، أما القضاء فواجب بلا خلاف عندنا، وعن ابن عمر وابن عباس ﵃: تجب الفدية دون القضاء، وإذا أوجبنا الفدية فهل تتعدد بتعدد الأولاد فيه طريقان: أصحهما: لا، أما إذا خافتا على أنفسهما، فيجب القضاء إذا أفطرتا ويجوز لهما ذلك. قال الزيادي: ويجوز للحامل تقديم الفدية على الفطر، ولا تقدم الفدية إلا يوم واحد (٦).

стр. 6502

٤ - باب الشَّهْرِ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ . ٢٣١٩ - حَدَّثَنا سُليْمانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو - يَعْني ابن سَعِيدِ بْنِ العاصِ - عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذا وَهَكَذا وَهَكَذا". وَخَنَسَ سُليْمانُ أُصْبَعَهُ في الثّالِثَةِ، يَعْني: تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَثَلاثِينَ (١). ٢٣٢٠ - حَدَّثَنا سُليْمانُ بْنُ دَاوُدَ العَتَكيُّ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، حَدَّثَنا أيُّوبُ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَليْكُمْ فاقْدُرُوا لَهُ ثَلاثِينَ". قَالَ: فَكانَ ابن عُمَرَ إِذَا كَانَ شَعْبانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ فَإِنْ رُئيَ فَذاكَ وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحابٌ وَلا قَتَرَةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَإِنْ حالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صائِمًا. قَالَ: فَكَانَ ابن عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النّاسِ وَلا يَأْخُذُ بهذا الحِسابِ (٢). ٢٣٢١ - حَدَّثَنا حُميْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ حَدَّثَني أيُّوبُ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلى أَهْلِ البَصْرَةِ بَلَغَنا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . نَحْوَ حَدِيثِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبي ﷺ زادَ وَإِنَّ أَحْسَنَ ما يُقَدَّرُ لَهُ إِذا رَأيْنا هِلالَ شَعْبانَ لِكَذا وَكَذا فالصَّوْمُ إِنْ شاءَ اللهُ لِكَذا وَكَذا إِلَّا أَنْ تَرَوُا الهِلالَ قَبْلَ ذَلِكَ (٣). ٢٣٢٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، عَنِ ابن أَبي زائِدَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ دِينارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ بْنِ أَبي ضِرارٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: لمَا صُمْنا مَعَ النَّبي ﷺ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمّا صُمْنا مَعَهُ ثَلاثِينَ (٤).

стр. 6503

٢٣٢٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُريْعٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنا خالِدٌ الحَذّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: "شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ رَمَضانُ وَذُو الحِجَّةِ" (١). * * * باب الشهر يكون تسعًا وعشرين [٢٣١٩] (حدثنا سليمان بن حرب) بن بَجِيل الأزدي قاضي مكة، (حدثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو يعني ابن سعيد بن العاص) بن أبي أحيحة الأموي، قال النسائي (٢): ثقة. (عن ابن عمر) ﵄ (قال: قال رسول الله ﷺ : إنا أمة) أي العرب، وقيل: أراد نفسه (أمية) بلفظ النسب إلى الأم، فقيل: أراد أمة العرب؛ لأنها لا تكتب، أو منسوب إلى الأمهات، أي: أنهم على أصل ولادة أمهم، وقيل: منسوبون إلى مكة أم القرى. (لا نكتب ولا نحسب) تفسير لكونهم كذلك، وقيل: العرب أميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة. والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وسرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا القدر اليسير، أي: لم يعرف مواقيت صومنا ولا عبادتنا بالحساب ولا الكتابة، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة يستوي في

стр. 6504

معرفة ذلك الحساب وغيرهم. (الشهر) بالرفع مبتدأ خبره ما بعده، أي: يكون تارةً (هكذا) وتارةً (هكذا) وصفق بيديه مرتين بكل أصابعه العشر، وأشار بأصابع يديه العشر مرتين (وخنس) أي: قبض كما في رواية الصحيح، ومنه قوله تعالى: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، أي: إذا ذكر الله خنس أي انقبض ورجع، وفي رواية للبخاري (١): وحبس بالحاء الموحدة ثم الباء الموحدة أي: منع (سليمان بن حرب أصبعه في) المرة (الثالثة) وفي رواية مسلم (٢): ونقص في الصفقة الثالثة فقبض الإبهام الثالثة إبهام اليمنى أو اليسرى، وفي رواية شعبة (٣): طبق بين كفيه مرتين، وطبق الثالثة فقبض الإبهام (يعني) يكون الشهر (تسعًا وعشرين) ويكون (ثلاثين) وفي هذا الحديث جواز الاعتماد على الإشارة المفهمة في هذا وغيره والحكم بها. قال القرطبي (٤): فيه أن من نذر أن يصوم شهرًا غير معين فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأن ذلك يقال عليه: شهر. كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذلك ركعتان؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم. وكذلك من نذر صومًا فصام يومًا أجزأه. قال: وهو خلاف ما قال مالك؛ فإنه قال: لا يجزيه إذا صامه بالأيام

стр. 6505

إلا ثلاثون يومًا، فإن صامه بالهلال فعلى ما يكون ذلك الشهر من رؤية هلاله (١)، انتهى. وعند الشافعي كذلك، فإن أصحابنا قالوا: إن نذر صوم شهر غير معين وفرق أو ابتدأ في أثناء الشهر الهلال صام ثلاثين يومًا، وإن ابتدأ في أوله وخرج ناقصًا كفاه (٢). قال ابن بطال (٣): وفي الحديث رفع (٤) لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول عليه رؤية الأهلة. [٢٣٢٠] (حدثنا سليمان بن داود العتكي) بفتح المهملة والمثناة الأزدي، (حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : الشهر تسع وعشرون) فيه دلالة لما تقدم أن من نذر أن يصوم شهرًا غير معين كفاه أن يصوم تسعًا وعشرين يومًا إلى هنا، أي: الذي نحن فيه أو جنس الشهر، أو الأغلب فيه لقول ابن مسعود، وفي أواخر الباب صمنا مع النبي ﷺ تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين إلى هنا. (ولا تصوموا حتى تروه) ظاهره إيجاب الصوم حين توجد الرؤية ليلًا كان أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فرق بين ما بعد الزوال وقبله، ومذهب الشافعي أن رؤية الهلال بالنهار هو الليلة المستقبلة سواء كان قبل الزوال أو بعده (٥).

стр. 6506

وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوا الصيام لرؤيته مطلقًا (١). فظاهر الحديث النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال، فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذِه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن قوله بعده: "فإن غم" عليكم أوقع للمخالف شبهة (ولا تفطروا حتى تروه) إجماعهم على وجوب الصوم على الأعمى، وإنما المراد رؤيته في الجملة إذا ثبتت لشروطها في تلك البلدة وغيرها كما سيأتي. (فإن غم) بضم المعجمة وتشديد الميم، أي: حال بينكم وبينه غيم، يقال: غممت الشيء إذا غطيته. ونقل ابن العربي (٢): عمي بالعين من العمى، قال: وهو بمعناه؛ لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات، أو ذهاب البصيرة من المعقولات (عليكم فاقدروا) بهمزة وصل وضم الدال وكسرها (له) أي: لمنزلته بمعنى حققوا مقادير أيام شعبان حتى تكملوا ثلاثين يومًا كما جاء مفسرًا في رواية أخرى (٣)، وهذا عند الشافعي (٤) والجمهور. قال أهل اللغة: قدرت الشيء أقدره وأقدره بضم الدال وكسرها مع

стр. 6507

التخفيف وقدرته بالتشديد وأقدرته كله بمعنى واحد وهو من التقدير (١). وقال أحمد: معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، وأوجب الصيام إذا حضر الغيم ليلة ثلاثين من شعبان (٢). وقال ابن شريح (٣)، وابن قتيبة: قدروه بحساب المنازل، ويكون اختلاف الحواس في الحديث لاختلاف أفهام الناس فمن لا يحسن منازل القمر وهم الأكثرون أمروا بإكمال العدة ثلاثين، ومن يحسن إذا استبان له كمال الشهر دخل فيما بعده بالعلم الذي حصل له وورد بالحديث المتقدم: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (٤). (قال: فكان ابن عمر إذا كان) في شهر (شعبان تسعًا وعشرين نظر له) والمشهور: نظر إليه، والنظر تأمل الشيء بالعين، وفي رواية أحمد: إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر (٥) (فإن رئي) بضم الراء وكسر الهمزة الهلال، أو شهد أحد برؤيته (فذاك) أي: حكم به وصام وأمر بصيامه (وإن لم ير) بضم الياء وفتح الراء (ولم يحل) بضم الحاء

стр. 6508

وتخفيف اللام (دون منظره سحاب أو قترة) (١) أي: ظلمة، قال الله تعالى: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ (٢). قال المبرد: القترة ما يصيب الإنسان من الغبار المغبي على الألوان، والمفسرون يقولون: سواد (٣). (أصبح مفطرًا، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة) سواد كالدخان مرتفع إلى السماء جمعه قتر بفتح القاف وإسكان التاء (أصبح صائمًا) احتج به أحمد في أشهر الروايات الثلاث عنه على إن حال دون نظر الراء غيم أو قتر وجب الصيام، وقد أجزأ إذا كان من شهر وإن لم يحل سحاب ولا قتر لم يجب الصيام (٤). قال الحنابلة: فقد فسر ابن عمر ما رواه من قوله: "فاقدروا له" بفعله، وهو راويه وأعلم بمعناه، فيجب الرجوع إلى تفسيره كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين، ولأن الصوم يحتاط له (٥). (قال) نافع (وكان ابن عمر يفطر مع الناس) إذا أمرهم الإمام بالإفطار (ولا يأخذ بهذا الحساب) فيه وفيما تقدم في الحديث قبله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، رد على من قال: إن الحاسب إذا عرف منازل القمر

стр. 6509

وعلم به وجود القمر وكمال الشهر ومنع من رؤيته حائل جاز له أن يصوم بالعلم الذي حصل له. وهو وجه، قاله ابن سريج (١)، وابن قتيبة. وفي "البيان" في كتاب الصلاة عن صاحب "الفروع": إن كان يعلم الوقت بالحساب فهل يقبل قوله في دخول الوقت ودخول رمضان وجهان: المذهب أنه يعمل عليه بنفسه، وأما غيره فلا يعمل عليه (٢). والجمهور على أنه لا يعمل بقول الحساب؛ لأن حساب النجوم لا مدخل له في الشرع وكذا رواه أبو داود (٣) عن ابن عباس مرفوعًا: "ما اقتبس رجل علمًا من النجوم إلا اقتبس شعبة من السحر". [٢٣٢١] (حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك (الشامي (٤) حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت) وثقه ابن معين (٥). (حدثني أيوب قال: كتب ابن عبد العزيز إلى أهل البصرة: بلغنا عن رسول الله ﷺ ) فيه العمل بالمكاتبة (فذكر نحو حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ) يعني: المتقدم عنه (زاد فيه: وأن) بفتح الهمزة على حذف حرف الجر (أحسن ما يقدر) بضم المثناة تحت وفتح الدال المخففة، ويجوز تشديدها أي: يقدر (له) الهلال بتمام العدة ثلاثين يومًا، وأراد به قوله ﷺ : "فاقدروا له" (أنا إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا) يجوز أن

стр. 6510

يكون اللام بمعنى بعد كقولهم: كتبته لثلاث خلون، ومنه قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١) (فإنا نصوم إن شاء الله لكذا وكذا) أي بعد ذهاب ثلاثين يومًا من وقت الرؤية (إلا أن تروا الهلال قبل ذلك) القدر فيعمل بالرؤية، وهذا موافق لمذهب الشافعي، والجمهور أن معنى (فاقدروا له) كمال العدة ثلاثين يومًا كما تقدم، وفي معنى هذا ما قاله أصحابنا: إنا إذا صمنا رمضان بقول عدل ولم نر هلال شوال بعد ثلاثين يومًا أفطرنا على الأصح وإن كانت السماء مصحية؛ لأن رمضان كمل ثلاثين كما كمل شعبان ثلاثين كما ذكر ابن عبد العزيز (٢). [٢٣٢٢] (حدثنا أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن البغوي (عن) يحيى بن زكريا (ابن أبي زائدة، عن عيسى بن دينار، عن أبيه) دينار مولى عمرو بن الحارث (عن) مولاه (عمرو بن الحارث) المصطلقي (ابن أبي ضرار) بكسر الضاد المعجمة. (عن ابن مسعود ﵁ قال: لما) بتخفيف الميم أي: للذي (صمنا مع النبي ﷺ تسعًا وعشرين أكثر) بالرفع خبر ما الموصولة (مما) ظرف زمان (صمنا معه ثلاثين) يومًا، وهكذا رواه ابن ماجه (٣) من حديث أبي هريرة: صمنا على عهد رسول الله ﷺ تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين. وكذا رواه الدارقطني بسندٍ صحيح عن عائشة (٤). وبهذه الأحاديث

стр. 6511

ونحوها يرد على بعض الشيعة الذين أسقطوا حكم الأهلة في رمضان، واعتمدوا العدد لقوله ﷺ : "شهرا عيد لا ينقصان" (١)، وسيأتي معناه. [٢٣٢٣] (حدثنا مسدد، أن يزيد بن زريع) بالتصغير وهو الحافظ الذي قال فيه أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة (٢). (حدثهم) قال: (حدثنا خالد الحذاء) بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة، (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة) نفيع، (عن أبيه) نفيع بن الحارث الثقفي. (عن النبي ﷺ قال: شهرا عيد) وأخرجه أبو نعيم في "مستخرجه" من طريق ابن خليفة، عن مسدد بلفظ: "لا ينقص رمضان ولا ينقص ذو الحجة" (٣). ولفظ البخاري (٤): "شهران لا ينقصان: شهرا عيد رمضان وذو الحجة". واختلفوا في قوله: معنى (لا ينقصان) فمنهم من حمله على ظاهره فقال: لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبدًا إلا ثلاثين، وهذا قول مردود معاند للموجود المشاهد، ويكفي لرده قوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة"، ولم كان رمضان أبدًا ثلاثين لم

стр. 6512

يحتج إلى هذا. وقيل: لا ينقصان معًا، بل إن جاء أحدهما تسعًا وعشرين جاء الآخر ثلاثين. وقيل: لا ينقصان في ثواب العمل فيهما. وروى الحاكم في "تاريخه" بإسناد صحيح: أن إسحاق بن إبراهيم، سئل عن ذلك، فقال: إنكم ترون العدد ثلاثين فإن كان تسعًا وعشرين ترونه ناقصًا، وليس ذلك بنقصان، وقيل: لا ينقصان في عام بعينه وهو العام الذي قال فيه رسول الله ﷺ تلك المقالة. ونقل عن أبي بكر ابن فورك (١). وقال الطحاوي (٢): لا ينقصان في الأحكام وإن نقصا في العدد؛ لأن في (٣) أحدهما الصيام وفي الآخر الحج وأحكام ذلك كله كاملة غير ناقصة، وجزم بمعناه البيهقي (٤). قال شيخنا ابن حجر (٥): وأقرب هذِه الأقوال أن المراد النقص الحسي باعتبار العدد (٦) ينجبر بأن كلًّا منهما شهر عند الله عظيم، فلا ينبغي وصفهما بالنقصان بخلاف غيرهما من (الشهور) (٧) وقال البيهقي في "المعرفة" (٨): إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج

стр. 6513

بهما، وبه جزم النووي، وقال: إنه الصواب (١). وقال الطيبي: المراد رفع الحرج عما عسى أن يقع فيه خطأ لاختصاصهما بالعيدين وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما. واستدل به بعضهم لمذهب مالك في اكتفائه لرمضان بنية واحدة، قال: لأنه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة واكتفى له بالنية (٢). وروى (هشيم) (٣) الطبراني من طريق هشيم عن خالد الحذاء بسنده: "كل شهر حرام لا ينقص ثلاثين يومًا وثلاثين ليلة" (٤) (رمضان وذو الحجة) وأطلق على رمضان بأنه شهر عيد لقربه من العيد، ونظيره قوله ﷺ : "المغرب وتر النهار". أخرجه الترمذي (٥). وصلاة المغرب ليلية، في "الفتح": كونها وتر النهار لقربها منه. وفيه إشارة إلى أن وقت الحج يقع أوله أول يوم من شوال (٦).

стр. 6514

٥ - باب إِذا أَخْطَأَ القَوْمُ الهِلالَ . ٢٣٢٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبيْدٍ، حَدَّثَنا حَمّادٌ - في حَدِيثِ أيُّوبَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ ذَكَرَ النَّبي ﷺ فِيهِ قَالَ: "وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ" (١). * * * باب إذا أخطأ القوم الهلال [٢٣٢٤] (حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حميد (٢) في حديث أيوب) بن أبي تميمة السختياني. (عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة ذكر النبي ﷺ فيه) رواه الترمذي (٣) عن أبي هريرة أيضًا "الصوم يوم تصومون". (وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون) بضم التاء وتشديد الحاء المهملة. قال الترمذي: حديث حسن. ثم قال الترمذي: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس. يعني أن الناس إذا أخطؤوا رؤية الهلال فلم يروه فهم تبع للإمام، فإن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا.

стр. 6515

قال أصحابنا (١): ليس الفطر (٢) أول شوال مطلقًا، وإنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس. قال الشافعي عقب هذا الحديث (٣): فبهذا نأخذ، إنما كلف العباد بالظاهر. قال ابن قدامة (٤): وهو قول الحسن وابن سيرين، وهو إحدى الروايات عن أحمد (وكل) بقاع أرض (عرفة موقف) يجوز الوقوف وإن كان الصخرات أفضل (وكل) مكان من (منى منحر) وإن كان المكان الذي نحر فيه النبي ﷺ أفضل لما ذكر في موضعه في الحج. (وكل فجاج) جمع فج وهو الطريق الواسع (مَكَّةَ منحر) هكذا هنا، وذكر في الحج من رواية جابر: "وكل فجاج مكة طريق" (٥)، وهو الموافق للفجاج، والمراد أن أراضي حرم مكة كلها منحر حيث نحر منها أجزأه في الحج والعمرة، ولكن السنة في الحج أن ينحر بمنى؛ لأنها موضع تحلله، وفي العمرة بمكة وأفضلها عند المروة؛ لأنه موضع تحلله. (وكل جمع) بفتح الجيم وإسكان الميم أي المزدلفة كما في حديث جابر (موقف) للمبيت بالمزدلفة وإن كان موقف النبي ﷺ أفضل.
следующие страницы →