← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

الرازي: هو صدوق (١). [٢٣٧٨] (حدثنا وهب بن بقية) بالباء الموحدة أوله الواسطي، روى له البخاري (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن عتبة) بإسكان المثناة فوق (أبي معاذ) بن حميد الضبي، ضعفه أحمد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث (٢). (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن أبي بكر بن أنس، عن) جده (أنس بن مالك أنه قال: يكتحل وهو صائم) فيه دليل أيضا على الجواز؛ لأنه لا منفذ من العين إلى الحلق وما يصل إليه منها يصل (من) (٣) المسام، وليست العين من (٤) الأجواف. [٢٣٧٩] (حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي) بضم الميم وتشديد الراء، أخرج له البخاري في الطلاق (٥) (ويحيى بن موسى البلخي) السختياني، روى له البخاري (قالا: حدثنا يحيى بن عيسى) التميمي الفاخوري بالرملة، ليس بالقوي (٦). (عن الأعمش قال: ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصائم، وكان إبراهيم) النخعي (يرخص أن يكتحل الصائم بالصبر) بكسر الباء

стр. 6652

الموحدة [على الأشهر] (١)، وحكى ابن السيد سكونها في "مثلث اللغة" (٢) كما في نظائره، ويجوز كسر الصاد إتباعًا للباء وهو نبات مر. قال أبو عبيد: يحصد ويعصر [بساحل البحر] (٣) ويترك حتى يجف، ونباته كنبات السوس، وأجود الصبر ما يجلب من سقطرى جزيرة بساحل البحر، وهو حار يابس، ينفع ورم العين وقروح العين وحرها، ويجفف رطوبتها، ويحد البصر.

стр. 6653

٣٢ - باب الصّائِمِ يَسْتَقيءُ عامِدًا ٢٣٨٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ حَسّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيِرينَ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ ذَرَعَهُ القَئ وَهُوَ صائِمٌ فَليْسَ عَليْهِ قَضاءٌ، وَإِنْ اسْتَقاءَ فَلْيَقْضِ". قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ أيْضًا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ عَنْ هِشامٍ مِثْلَهُ (١). ٢٣٨١ - حَدَّثَنا أَبُو مَعْمَرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، حَدَّثَنا الحُسين، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن عَمْرِو الأوْزاعيُّ، عَنْ يَعِيشَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ هِشامٍ، أَنَّ أَباهُ حَدَّثَهُ حَدَّثَني مَعْدانُ بْنُ طَلْحَةَ أَنَّ أَبا الدَّرْداءِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قاءَ فَأَفْطَرَ، فَلَقِيتُ ثَوْبانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبا الدَّرْداءِ حَدَّثَني أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قاءَ فَأَفْطَرَ. قالَ: صَدَقَ وَأَنا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ ﷺ (٢). باب الصائم يستقيء بالمد والهمز. [٢٣٨٥] (حدثنا مسدد، حدثنا عيسى بن يونس) السبيعي (حدثنا هشام بن حسان) الأزدي مولاهم الحافظ (عن محمد بن سيرين، عن

стр. 6654

أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : من ذَرَعَه) بفتح الذال المعجمة والراء والعين المهملتين، أي: سبقه وغلبه (القيء وهو صائم) بغير اختياره (فَليسَ عَليهِ قَضاءٌ) استدل به على أن من غلبه القيء فخرج منه لا يفطر ولا قضاء عليه، وكثير القيء وقليله سواء؛ لأن سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها، ولا فرق بين كون القيء طعامًا، أو مرارًا أو بلغمًا أو دمًا أو غيره؛ لأن العموم داخل تحت عموم الحديث. ولا فرق في الصوم بين صوم الفرض والمسنون والمتطوع. (وإن استقاءَ) بالمد والهمزة، أي: تقيأ مستدعيًا للقيء وطالبًا له، فإن سين الاستفعال في (استقاء) يدل على المطلب (فَلْيَقْضِ) صححه الحاكم، ورواه ابن حبان (١) والحاكم (٢) والدارقطني (٣). وقال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة (٤). وقد استدل به الجمهور على أن من تعمد القيء يفطر، ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء (٥)، لكن نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود: لا يفطر مطلقًا. وهو إحدى الروايتين عن مالك، واستدل الأبهري بإسقاط القضاء عمن تقيأ عمدًا بأنه لا كفارة عليه على [الأصح عندهم. قال: فلو وجب القضاء

стр. 6655

لوجبت الكفارة. وعكس بعضهم فقال: هذا يدل على اختصاص الكفارة بالجماع دون غيره من المفطرات، وارتكب عطاء والأوزاعي وأبو ثور فقالوا يقضي ويكفر. ونقل ابن المنذر أيضًا الإجماع على ترك القضاء على من] (١) ذرعه القيء، ولم يتعمده إلا في إحدى الروايتين عن الحسن (٢). والصحيح عند الشافعي أنه لو تيقن أنه لم يرجع شيء إلى جوفه بأن تقيأ منكوسًا وتحفظ فيه قولان: الأول بطل صومه بناءً على أن نفس الاستقاءة مفطرة، وهو المأخذ الصحيح للحديث كإنزال المني، والثاني: لا يفطر بناء على أن الفطر رجوع شيء مما خرج وإن قل (٣). ويستثنى من قولنا -أن من تقيأ عمدًا يفطر- من كان جاهلًا بأنه مبطل لقرب عهده بالإسلام أو شيئًا ببادية كما قالوه في الأكل. (قال أبو داودة سمعت أحمد) بن حنبل (يقول: ليس من ذا شيء) قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ (٤). وقال البخاري: لا أراه محفوظًا (٥). وقد روي من غير وجه ولا يصح إسناده. وقال الدارمي: زعم أهل البصرة أن هشامًا أوهم فيه (٦). وقال

стр. 6656

مهنا (١) عن أحمد: حدث به عيسى وليس هو من كتابه غلط فيه. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما (٢). (قال أبو داود: وهذا رواه حفص بن غياث) النخعي الحجاج قاضي الكوفة (عن هشام بن حسان نحوه) والله أعلم. [٢٣٨١] (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو) أبي الحجاج المنقري المقعد (عن عبد الوارث، حدثنا الحسين) بن ذكوان المعلم (عن يحيى) بن أبي كثير (قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو) بن أبي عمرو (الأوزاعي) أحد الأعلام (عن يعيش بن الوليد بن هشام) المعيطي الشامي، ثقة (أن أباه) الوليد (حدثه قال: حدثني معدان بن طلحة) اليعمري بفتح الياء والميم، هكذا يقول الأوزاعي، وأما قتادة فيقول: معدان بن أبي طلحة (٣). (أن أبا الدرداء) عويمر بن عامر الأنصاري (أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر) أي: استقاء عمدًا مستدعيًا له، فيكون بمعنى الحديث الذي قبله إن استقاء فليفطر. قال شيخنا ابن حجر: وهذا التأويل أولى مما حكاه الترمذي (٤). وأشار إلى ما في كتاب الترمذي: وقد روي عن أبي الدرداء (٥)

стр. 6657

وثوبان (١) وفضالة بن عبيد (٢)، أن النبي ﷺ قاء فأفطر. وإنما معنى هذا أن النبي ﷺ كان صائمًا متطوعًا فقاء فضعف فأفطر لذلك. هكذا (٣) روي في بعض الحديث مفسرًا (٤). وقال الطحاوي: ليس في الحديث أن القيء فطره، وإنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك (٥). وتعقبه ابن المنير بأن الحكم إذا عقب بالفاء دل على أنه للعلة كقولهم: سها فسجد (٦). وكذا يؤول ما جاء في البخاري: ويذكر عن أبي هريرة أنه - يعني: من قاء - يفطر (٧). أن من تقيأ عمدًا يفطر، ويحمل قوله قبله: من قاء فلا يفطر (٨). أي: من غلبه القيء وخرج بغير اختياره فلا، ليجمع بين الأحاديث. (قال معدان: فلقيت ثوبان) مولى رسول الله ﷺ (في مسجد دمشق) وكان خرج إلى الشام بعدما توفي النبي ﷺ (فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله قاء) هذِه اللفظة هي محل الخلاف كما قال البخاري أن (ثوبان سمع أبا هريرة ﵁) (٩) (١٠): إذا قاء فلا يفطر. ويُذْكَر عن أبي

стр. 6658

هريرة أنه يفطر (١). والأول أصح، وأما الرواية المتقدمة: "إن استقاء فليقض". فإنها مبطلة للصوم بلا خلاف. وقال البيهقي: محمول على القيء عامدًا (٢)، ويدل على ما رواه البزار من طريق أبي أسماء حدثنا ثوبان قال: كان رسول الله صائمًا في غير رمضان فأصابه أحسبه قيء وهو صائم فأفطر .. الحديث (٣). (فأفطر) قال في "المحكم": قاء واستقاء وتقيأ (٤). أي: بمعنى، ويقال: قاء الرجل إذا طلب القيء (قال: صدق) أبو الدرداء (أنا صببت له الوضوء) بفتح الواو يعني الماء الذي توضأ به. وفيه الاستعانة بصب الماء في الإناء لمن يتوضأ وإحضاره إليه ولا كراهة فيه، وأما الاستعانة بالصب ففيها وجهان: أصحهما: لا يكره، وقيل: إن الاستعانة بإحضار الماء خلاف الأولى (٥).

стр. 6659

٣٣ - باب القُبْلةِ للصّائِمِ ٢٣٨٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيةَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأسوَدِ وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صائِمٌ ويُباشِرُ وَهُوَ صائِمٌ وَلكِنَّهُ كانَ أَمْلَكَ لإِرْبِهِ (١). ٢٣٨٣ - حَدَّثَنا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نافِعٍ، حَدَّثَنا أَبُو الأحوَصِ، عَنْ زِيادِ بْنِ عِلاقَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ميْمُونٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ في شَهْرِ الصَّوْمِ (٢). ٢٣٨٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ طَلْحَةَ ابْنِ عَبْدِ اللهِ -يَعْني: ابن غثْمانَ القُرَشيَّ- عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يُقَبِّلُني وَهُوَ صائِمٌ وَأَنا صائِمَةٌ (٣). ٢٣٨٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا اللّيْثُ ح وَحَدَّثَنا عِيسَى بْنُ حَمّادٍ، أَخْبَرَنا اللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ بُكيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قالَ: قالَ عُمَز بْن الخَطّابِ: هَشِشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنا صائِمٌ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، صَنَعْتُ اليَوْمَ أَمْرًا عَظَيمًا قَبَّلْتُ وَأَنا صائِمٌ. قالَ: "أَرَأيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الماءِ وَأَنْتَ صائِمٌ". قالَ عِيسَى بْنُ حَمّادِ في حَدِيثِهِ: قُلْتُ: لا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ اتَّفَقا قالَ: "فَمَهْ" (٤).

стр. 6660

باب القبلة للصائم [٢٣٨٢] (حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم السعدي (عن الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن الأسود) بن يزيد (وعلقمة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صائِمٌ) فيه دليل على إباحة القبلة للصائم مطلقًا سواء حركت القبلة شهوته أم لا، وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين وأحمد وإسحاق وداود. وكرهها قوم مطلقًا. قال القرطبي؛ وهو مشهور مذهب مالك (١)، وفصل قوم فكرهوها للشاب الذي تحرك القبلة شهوته، وأجازوها للشيخ الذي لا تحرك شهوته، وهو مروي عن ابن عباس (٢)، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، وحكاه الخطابي عن مالك، [وقد روى ابن وهب عن مالك] (٣) أنه أباحها في النفل ومنعها في الفرض، وسبب هذا الخلاف معارضة الأحاديث لسد الذريعة، وذلك أن القبلة قد يكون معها الإنزال فيفسد الصوم (٤). (ويُباشِرُ [وهو صائم]) (٥) هو من ذكر العام بعد الخاص، فإن المباشرة أعم من التقبيل فإنها تعم الوطء والمس والتقبيل وغير ذلك.

стр. 6661

فيه دليل على إباحة المباشرة للصائم فيما دون الفرج مطلقًا، وكرهها قوم مطلقًا، لما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة والمباشرة (١). ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها، واحتجوا بقوله تعالى ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية (٢)، فمن المباشرة في هذِه الآية نهارًا. والجواب عن ذلك أن النبي ﷺ هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهارًا في هذا الحديث وغيره، فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه ونحوه، وألزم ابن حزم أهل القياس أن يلحقوا الصيام بالحج في منع المباشرة ومقدمات النكاح للاتفاق على إبطالهما بالجماع (٣). (ولكنه كان أملك) رواية الصحيحين: أملككم (٤) (لأَرَبه) بفتح الهمزة والراء وبالموحدة، أي: حاجته، أشارت إلى أن الإباحة لمن يكون مالكًا لنفسه دون من لا يأمن الوقوع، ويروى بكسر الهمزة وسكون الراء أي: عضوه وهو الفرج - والأول أشهر - لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ﴾ فإن الإربة الحاجة للوطء؛ لأنهم بله [لا يعرفون] (٥) شيئًا من أمر النساء ويتبعون أصحاب الطعام (٦) ليصيبون من فضل الطعام.

стр. 6662

قال ابن عطية: يدخل في هذِه الصيغة المجنون (١)، والمعتوه، والمخنث، والشيخ الفاني (٢). وعن أبي حنيفة: لا يحل إمساك (٣) الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم، ولم ينقل أحد من السلف إمساكهم، نقله أبو حيان (٤). [٢٣٨٣] (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع) الحلبي، حافظ من الأبدال، (حدثنا أبو الأحوص، عن زياد بن عِلَاقة) بكسر العين أبو مالك الثعلبي، (عن عمرو بن ميمون) الأزدي. (عن عائشة) ﵂ (قالت: كان رسول الله ﷺ يُقبِّل في شهر الصوم) أي: في حال الصيام الواجب، أشارت بذلك الرد على من يفرق بين الفرض والنفل في الرواية التي حكاها ابن وهب عن مالك أنه لا تباح القبلة في الفرض وتباح في النفل، ولا خلاف أن الصوم لا يبطل بالقبلة إلا أن ينزل المني بها. والمراد بشهر الصوم شهر رمضان. وقد جاء في رواية لمسلم: يقبل في رمضان (٥). ولرمضان أسماء تزيد على الستين ذكرها أبو الخير الطالقاني في كتابه: "حظائر القدس"، منها: شهر الصوم، وشهر الله، [وشهر

стр. 6663

الأمة] (١) وشهر الإيمان. [٢٣٨٤] (حدثنا محمد بن كثير) العبدي (أنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف أمه أم كلثوم بنت سعد بن أبي وقاص، ولي قضاء المدينة (عن طلحة بن عبد الله - يعني: ابن عثمان) المدني (القرشي - عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبِّلني) فيه جواز ذكر المرأة عما يجري بين الزوجين من تقبيل ووطء وغيره على الجملة للضرورة. قال النووي: وأما بغير الضرورة فمنهي عنه، وكذا يجوز للرجل للضرورة (٢). فيه إباحة القبلة للصائم، قال الشافعي في "الأم": ولا يحرم على الصائم قبلة المرأة ومباشرتها، إلا أنه إن كان يخشى الإنزال منه كرهت له وإلا لم يكره (٣). وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا رخص في القبلة لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه (٤). (وهو صائم وأنا صائمة) فيه جواز إظهار الإنسان عبادته إذا كان لحاجة. [٢٣٨٥] (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) بن عبد الله التميمي اليربوعي، متفق عليه (عن الليث وحدثنا عيسى بن حماد، أنا الليث بن

стр. 6664

سعد، عن بكير بن عبد الله) بن الأشج (عن عبد الملك بن سعيد) بن سويد الأنصاري صدوق. (عن جابر بن عبد الله قال عمر بن الخطاب ﵁: هشِشت) بكسر الشين الأولى. أي: نشطت وارتحت وخففت. فيه جواز نظر الصائم إلى زوجته وأمته وهو صائم، فإنه لم ينشط لها إلا لما نظر إليها (فقبَّلتُ وأنا صائم) فيه جواز تقبيل الرجل زوجته بالنهار وإن كان الليل هو الأصل ومباشرتها في الفرج وفيما دونه بالنهار. ثم جئت إلى النبي ﷺ (فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله، صَنَعْتُ اليَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا) ثم فسره فقال (قبلتُ وأنا صائم فقال: أَرَأيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الماءِ) أي: في الوضوء أو الغسل (وَأَنْتَ صائِمٌ) ومججته. (قال عيسى بن حماد) زُغْبَة قال أبو حاتم: وهو ثقة رضي (١). ([في حديثه] (٢) قلت: لا بأس به) فيه جواز المضمضة في الوضوء للصائم إذا لم يبالغ كما تقدم في حديث لقيط وأنه لا بأس به (٣)، [و] الجمع بين الشيئين في الحكم الواحد، لاجتماعهما في الشبه، ولا يبطل الصوم إلا إذا وصل شيء من الماء إلى الجوف. (قال: فمه؟ ) قال المنذري: يشبه أن تكون الهاء للسكت، المعنى فما الفرق بينهما؟ يحتمل أن يكون مه اسم فعل بمعنى اكفف، وعدل عن الفعل إلى اسم الفعل لما فيه من التعظيم والمبالغة. فلما استعمل

стр. 6665

عمر التعظيم [وبالغ في التقبيل في الصوم ناسب أن يؤدي بما فيه ذلك. قال ابن جني: إذا أردت المبالغة في الشيء والتعظيم] (١) لا بد لك أن تترك لفظا (٢) إلى لفظ، ولهذا أخرج نعم (٣) وبئس وفعل التعجب من قياسه وهو التصرف إلى صيغة ما لا ينصرف (٤). ويحتمل أن تكون (مه) أصلها (ما) الاستفهامية حذفت ألفها وعوض عنها هاء السكت، والتقدير: فإذا كان التمضمض للصائم لا بأس فلأي شيء تستعظم التقبيل وأنت صائم، لكن لا يتأتى هذا إلا على تقدير حذف حرف الجر وهو اللام الداخلة على (٥) ما الاستفهامية، أو يكون على لغة من يجوز حذف ألف الاستفهام إذا لم تكن مجرورة؛ لأن المعروف أن ما الاستفهامية لا تحذف ألفها إلا إذا دخل عليها حرف جر. انتهى. وذكر المزني من أصحاب الشافعي هذا الحديث في القياس، وقول النبي ﷺ لعمر: "أرأيت لو تمضمضت ومججته" فقال: لا بأس. فقال: "ففيم؟ ! "، أي: ففيم تسأل؟ ! ، ثم قال المزني: فبين له بذلك أنه لا شيء عليه في التقبيل كما لا شيء عليه في المضمضة (٦)، انتهى.

стр. 6666

والظاهر أن هذا من قياس الشبه؛ فإن قياس الشبه ما أخذ حكم فرعه من شبه أصله، وسماه الشيخ أبو إسحاق قياس الدلالة (١)، وفسره بأن يحمل الفرع على الأصل بقرب من الشبه عمت العلة التي علق الحكم عليها في الشرع، ووجهه هنا أنا استدللنا على القبلة من الصائم لا تفطر [كما أن المضمضة من الصائم لا تفطر] (٢) لعدم وجود العلة التي علق الحكم عليها في الشرع وهو وجود المفطر، ووجه الشبه (٣) بينهما أن كلًّا منهما وسيلة إلى الفطر.

стр. 6667

٣٤ - باب الصّائمِ يَبْلَعُ الرِّيقَ ٢٣٨٦ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ دِينارٍ، حَدَّثَنا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ العَبْديُّ، عَنْ مِصْدَعٍ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عائِشَةَ أَنَّ النَّبي ﷺ كانَ يُقَبِّلُها وَهُوَ صائِمٌ ويَمصُّ لِسانَها (١). باب الصائم يبلع الريق [٢٣٨٦] (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح بن الطباع، سكن أذنة، روى له البخاري تعليقًا (٢) (حدثنا محمد بن دينار) الأزدي، قال أبو زرعة والنسائي: لا بأس به، ولم يكن له كتاب (٣). (حدثنا سعد بن أوس) قال الذهبي: هو العدوي، ويقال (العبدي) البصري (٤). (عن مِصْدع) بكسر الميم وإسكان الصاد وفتح الدال والعين المهملات (أبي يحيى) اشتهر بكنيته، قال يحيى بن معين: اسمه زياد المعرقب، صدوق (٥). قال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذِه الرواية ليست

стр. 6668

بصحيحة. (عن عائشة أن النبي ﷺ كانَ يُقَبِّلُها وَهُوَ صائِمٌ) فيه دليل على إباحة القبلة للصائم كما تقدم (ويَمَصُّ) بفتح الميم وأصله يمصص، فنقلت حركة الصاد الأولى إلى الميم قبلها وأدغمت الصاد في الصاد (لِسانَها) وهو صائم. فيه دليل على جواز مص لسان الزوجة والأمة وشفتها وغير ذلك من وجهها. وفيه دليل على وجه جواز ذكر المرأة ما يجري بينها وبين زوجها مما يتعلق بالنكاح إذا دعت الضرورة إلى ذلك. وفيه دليل على أن من ابتلع ريق غيره وهو صائم لا يفطر كما بوب عليه المصنف؛ فإن قوله: يبلع الريق يشتمل على ريقه وريق غيره. قال النووي: اتفق العلماء على أن من ابتلع ريق غيره وهو صائم أفطر (١). أي: لأنه ابتلع شيئًا من غير فمه فأشبه (٢) ما لو بلع دمع غيره. وأما هذا الحديث إن صح فيحمل على أنه كان يقبل في الصوم ويمص لسانها ليلًا إذا أفطر فإن الواو لا تقتضي الاتصال، ويجوز أن يمصه ولا يبتلعه، بل يبصقه، ولأنه لا يتحقق انفصال ما على لسانها من البلل إلى فمه، فأشبه ما لو ترك حصاة مبلولة في (٣) فمه أو تمضمض بماء ثم مجه. ولو أخرج لسانها من فمه وعليه الريق ثم رده وابتلع ما عليه فقال في "الروضة" وأصلها: لم يفطر على الأصح (٤).

стр. 6669

والأصح في "شرح الرافعي الصغير" أنه يفطر. وأما ما رواه هنا رواه ابن حبان في "صحيحه" بإسناده: أنه ﷺ كان لا يمس شيئًا من وجهها وهي صائمة (١). فإنه قال: ليس بينهما - أي: بينه وبين هذا الحديث - تضاد؛ لأنه ﷺ كان يملك إربه، ونبه بفعله على ذلك على جواز هذا الفعل لمن هو بمثل حاله (٢).

стр. 6670

٣٥ - باب كراهِيَتِه لِلشّابِّ ٢٣٨٧ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْن عَلِيٍّ، حَدَّثَنا أبُو أَحْمَدَ -يَعْني: الزُّبيْريَّ- أَخْبَرَنا إِسْرائِيلُ، عَنْ أَبِي العَنْبَسِ، عَنِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبي ﷺ عَنِ المُباشَرَةِ لِلصّائِمِ فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتاهُ آخَرُ فَسَأَلة فَنَهاهُ. فَإِذا الذي رَخَّصَ لَهُ شيْخٌ والَّذي نَهاهُ شابٌّ (١). باب كراهيته للشاب (٢) [٢٣٨٧] (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي (أخبرنا أبو أحمد محمد) ابن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم (الزبيري) قال ابن معين: ثقة (٣). (أخبرنا إسرائيل، عن أبي العَنْبَس) الحارث بن عبيد (٤) الكوفي، مقبول (عن الأَغَرِّ) بفتح الغين المعجمة بعدها راء، أبي مسلم مولى أبي سعيد الخدري وأبي هريرة اشتركا فيه فهو مولاهما، روى عنهما، كان قاضيًا رضًى (عن) مولاه (أبي هريرة: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم) المراد بالمباشرة في هذِه الأحاديث الملامسة، وأصله من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة (فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رَخص له) بفتح الراء (شيخ، والذي نهاه شاب) قال

стр. 6671

النووي: إسناده جيد. قال: ورواه مالك (١) والشافعي (٢) والبيهقي (٣) بأسانيدهم الصحيحة عن عطاء بن يسار أن ابن عباس سئل عن القبلة للصائم فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب (٤) (٥) على التفرقة، هكذا رووه موقوفًا على ابن عباس. ورواه ابن ماجه مرفوعًا: رخص للكبير الصائم في المباشرة، وكرهها للشاب (٦). فيه دليل على التفرقة بين الشيخ والشاب، وبه قال مالك (٧). وأما مذهب الشافعي: فتكره لمن حركت القبلة شهوته، ولا تكره لغيره، والأولى تركها (٨). وإنما ذكر الشيخ والشاب لأن الغالب في الشيخ أنها لا تحرك شهوته، والغالب في الشاب تحريكها. وإذا قلنا بالكراهة فهي كراهة تحريم، وحكاه القاضي أبو الطيب عن "الأم"، وقال أبو ثور: إن خاف المجاوزة من القبلة إلى غيرها لم يقبل، ومذهب أبي حنيفة كمذهبنا (٩).

стр. 6672

ويدل على أنها كراهة تنزيه ما رواه أبو الفتوح العجلي قال: قرأت في "مناقب الشافعي" عن الربيع بن سليمان أنه قال: كنت عند الشافعي إذ جاءه رجل برقعة فقرأها، ووقَّعَ فيها ومضى الرجل فتبعته وقلت: والله لا تفوتني فتيا الشافعي، فأخذت الرقعة فوجدت فيها: ألا فاسأل المفتي المكي هل في ... تقبيل وضمة مشتاق الفؤاد جناح أقول معاذ الله أن يذهب ... التقا تلاصق أكباد بهن جراح فأنكرت أن يفتي الشافعي لحدث بمثل هذا، فقلت: يا أبا عبد الله تفتي هذا بمثل هذا؟ فقال: هذا (١) رجل هاشمي سأل؛ هل يباح له أن يضم ويقبل زوجته في شهر رمضان من غير وطء؟ فأفتيته (٢).

стр. 6673

٣٦ - باب فِيمَنْ أصْبَحَ جُنُبًا في شَهْرِ رَمَضانَ . ٢٣٨٨ - حَدَّثَنا القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ ح وَحَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ الأذْرَميُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْديٍّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، عَنْ عائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَي النَّبي ﷺ أَنَّهُما قالتا: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يُصْبحُ جُنُبًا. قالَ عَبْدُ اللهِ الأذْرَميُّ في حَدِيثِهِ: في رَمَضانَ مِنْ جِماعٍ غيْرِ احْتِلامٍ ثُمَّ يَصُومُ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَما أَقَلَّ مَنْ يَقُولُ هذِه الكَلِمَةَ -يَعْني: يُصْبحُ جُنُبًا في رَمَضانَ- وَإِنَّما الحَدِيثُ أَنَّ النَّبي ﷺ كانَ يُصْبِحُ جُنُبًا وَهُوَ صائِمٌ (١). ٢٣٨٩ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ -يَعْني: القَعْنَبي- عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الأنْصاريِّ، عَنْ أَبي يُونُسَ مَوْلَى عائِشَةَ، عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبي ﷺ أَنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ واقِفٌ عَلَى البابِ: يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُصْبعُ جُنُبًا وَأَنا أُرِيدُ الصِّيامَ. فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : وَأَنا أُصْبحُ جُنُبًا وَأَنا أُرِيدُ الصِّيامَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ". فَقالَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنا قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فَغَضِبَ رَسُول اللهِ ﷺ وقالَ: والله إِنّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشاكُمْ لله وَأَعْلَمَكُمْ بِما أتَّبعُ (٢). باب فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان [٢٣٨٨] (حدثنا القعنبي، عن مالك، وحدثنا عبد الله بن محمد بن

стр. 6674

إسحاق) أبو عبد الرحمن (الأذْرَمي) بإسكان الذال المعجمة، وفتح الراء (١). قال أبو حاتم: ثقة (حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان البصري، أحد الأعلام (٢) الحديث. (عن مالك، عن عبد ربه بن سعيد) الأنصاري أخي يحيى، حجة، (عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة أحد الفقهاء (عن عائشة وأم سلمة) ﵄. بيّن النسائي في رواية له: أن عبد الرحمن بن الحارث إنما سمعه من ذكوان مولى عائشة ﵂، ومن نافع مولى أم سلمة ﵂، فأخرج من طريق عبد ربه بن سعيد، عن أبي عياض، عن عبد الرحمن بن الحارث قال: أرسلني مروان إلى عائشة، فأتيتها فلقيت غلامها ذكوان فأرسلته إليها، فسألها عن ذلك فقالت فذكر الحديث مرفوعًا، قال: فأتيت مروان فحدثته بذلك فأرسلني إلى أم سلمة فأتيتها فلقيت غلامها نافعًا فأرسلته إليها فسألها عن ذلك فذكر مثله (٣). وفي إسناده نظر؛ فإن أبا عياض مجهول، فإن كان محفوظًا فيجمع بأن كلًّا من الغلامين كان واسطة بين عبد الرحمن وبينهما في السؤال. وفي هذِه الرواية: وسمع عبد الرحمن كلامهما من وراء حجاب، ويدل على هذا ما جاء في رواية أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عند النسائي، وفيه أن عبد الرحمن

стр. 6675

جاء إلى عائشة فسلم على الباب فقالت عائشة: يا عبد الرحمن .. الحديث (١). (زوجي النبي ﷺ ) بحذف التاء من زوجي على اللغة الفصحى (أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا) رواية البخاري وغيره: كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله (٢). (قال عبد الله) بن محمد (الأذرمي في حديثه في رمضان) فيه أنه يجوز للصائم أن يجامع أهله في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر (من جماع) أهله (غير احتلام) لأنه ﷺ كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، ولذلك قال: "الحلم من الشيطان"، وقيل في قولها: من غير احتلام إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان لاستثنائه معنى، ورد بأن الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه. وأجيب بأن الاحتلام يطلق على الإنزال [وقد يقع الإنزال] (٣) بغير رؤية شيء في المنام، وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدًا يفطر. قال ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فبين في هذا الحديث أن ذلك من جماع لإزالة هذا الاحتمال (٤). (ثم يصوم) فيه دليل لما قاله الجمهور أن من أصبح جنبًا وهو صائم يغتسل ثم يتم صومه خلافًا لمن قال: يفطر ولا صوم له، واستدلوا بما في

стр. 6676

"صحيح مسلم" وغيره: من أدركه الفجر جنبًا فلا صوم له (١). وأجاب الجمهور بأن هذِه فتيا منه وهو قوله الأول، وقد [روي عن] (٢) الحسن بن صالح مثل قول أبي هريرة، وعن الحسن، والنخعي: لا يجزئه إذا أصبح عالمًا بجنابته، وإن لم يعلم أجزأه، وروي عن الحسن، والنخعي: لا يجزئه في الفرض ويجزئه في النفل، وروي عن الحسن: يصومه ويقضيه (٣). ومذهب الجمهور الأخذ بحديث أم سلمة، وعائشة (٤) وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، فلما مد (٥) الله إباحة الجماع إلى الفجر علم بالضرورة أن الفجر يطلع عليه وهو جنب، فإن (٦) الغسل إنما يتأتى بعد الفجر. (قال أبو داود: ما أقل من يقول هذِه الكلمة يعني: يصبح جنبًا في رمضان) فيه دليل لما قاله النحاة أن الكلمة تطلق ويراد بها كلام كثير؛ فإن الكلمة عندهم هي اللفظة الواحدة (٧) (وإنما الحديث أن النبي ﷺ

стр. 6677

كان يصبح جنبًا وهو صائم) أي من غير ذكر رمضان. قد يستدل به الحسن والنخعي أنه لا يجزئه في الفرض ويجزئه في النفل، والجمهور: يجزئه فيهما. [٢٣٨٩] (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر) أبي طوالة (الأنصاري) قاضي المدينة (عن أبي يونس) نافع، ذكره النسائي (مولى عائشة ﵂، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب) زاد مسلم: وهي من وراء الباب تسمع (١) (يا رسول الله إني أصبحت جنبًا وأنا أريد الصيام) [لعل المراد أني نويت الصيام وأصبحت جنبا فإنه إذا أصبح غير صائم وأراد الصيام لم يصح في الفرض ويحتمل أن يكون هذا في التطوع فإنه يصح بنية قبل الزوال. (فقال رسول الله ﷺ : وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام] (٢) فأغتسل، وأصوم) زاد النسائي (٣): فأغتسل ثم أصوم ذلك اليوم. فيسوي بينه وبين غيره في إباحة ذلك، وهذا يحمل على أن النبي ﷺ فعله مرة لبيان الجواز وأكثر أحواله أنه كان لا ينام ولا يصبح إلا على طهارة. (فقال الرجل: يا رسول الله، إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فيه إشعار بأن هذا كان بعد الحديبية، وأشار إلى آية

стр. 6678

الفتح وهي ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١) وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ست وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية وكان الصائم في ابتداء الصيام ممنوعًا في ليلة الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم، فيكون حديث عائشة هذا ناسخًا لحديث أبي هريرة، وكان أبو هريرة لم يبلغه فلما بلغه حديث عائشة عمل به. وإلى دعوى النسخ ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد (٢) والنسخ أولى من سلوك التزويج (٣) بين الخبرين. ولعل هذا الرجل خطر بباله أن من غفر الله له ما تقدم [من ذنبه] (٤) وما تأخر يكون مسامحًا في بعض الممنوعات، وهذا يلزم منه إسقاط التكليف، ويدل عليه قوله (فغضب رسول الله ﷺ ) أي لهذا الخاطر الذي خطر لهذا الرجل (وقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله) أي أكثركم خشية، والخشية الخوف، وفرق بعضهم بأن الخشية أشد الخوف، وقيل: الخوف التطلع لنفس الضرر، [والخشية التطلع لفاعل الضرر] (٥) وإنما كان النبي ﷺ أشد الناس خشية لأنه أعظم معرفة بالله تعالى (وأعلمَكم) بالنصب عطفًا على أخشاكم (بما أتبع) أي أتبعه من الوحي الذي أمرت باتباعه.

стр. 6679

٣٧ - باب كَفّارَة مَنْ أَتى أهْلَهُ في رَمضانَ ٢٣٩٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ -قالَ مُسَدَّدٌ- حَدَّثَنا الزُّهْريُّ، عَنْ حُميْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ قالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبي ﷺ فَقالَ: هَلَكْتُ. فَقالَ: "ما شَأْنُكَ". قالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتي في رَمَضانَ. قالَ: "فَهَلْ تَجِدُ ما تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ ". قالَ لا. قالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْريْنِ مُتَتابِعيْنِ". قالَ لا. قالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ ". قالَ: لا. قالَ: "اجْلِسْ". فَأُتي النَّبي ﷺ بعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ". فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ ما بيْنَ لابَتيْها أَهْلُ بيْتٍ أَفْقَرَ مِنّا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حتَّى بَدَتْ ثَناياهُ قالَ: "فَأَطْعِمْهُ إِيّاهُمْ". وقالَ مُسَدَّدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْيابُهُ (١). ٢٣٩١ - حَدَّثَنا الحَسَن بْن عَليٍّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ، بهذا الحَدِيثِ، بِمَعْناة. زادَ الزُّهْريُّ: وَإِنَّما كانَ هذا رُخْصَةً لَهُ خاصَّةً فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ يَكنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ. قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ اللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ والأَوْزاعيُّ وَمَنْصُورُ بْن المُعْتَمِرِ وَعِراكُ بْنُ مالِكٍ عَلَى مَعْنَى ابن عُييْنَةَ. زادَ الأَوْزاعِيُ: "واسْتَغْفِرِ اللهَ" (٢). ٢٣٩٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ في رَمَضانَ فَأَمَرَهُ رَسُول اللهِ ﷺ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْريْنِ مُتَتابِعيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قالَ: لا أَجِدُ. فَقالَ لَهُ

стр. 6680

رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْلِسْ". فَأُتي رَسُول اللهِ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقالَ: "خُذْ هذا فَتَصَدَّقْ بِهِ". فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ ما أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنّي. فَضَحِكَ رَسُول اللهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيابُهُ وقالَ لَهُ: "كُلْهُ". قالَ أبُو داوُدَ: رَواهُ ابن جُريجٍ عَنِ الزُّهْريِّ عَلَى لَفْظِ مالِكٍ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ وقالَ: فِيهِ: "أَوْ تُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ تَصُومَ شَهْريْنِ أَوْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا" (١). ٢٣٩٣ - حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْن مُسافِرٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبي فُديْكٍ، حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبي ﷺ أَفْطَرَ في رَمَضانَ بهذا الحَدِيثِ. قالَ: فَأُتي بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا وقالَ: فِيهِ: "كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بيْتِكَ وَصُمْ يَوْمًا واسْتَغْفِرِ اللهَ" (٢). ٢٣٩٤ - حَدَّثَنَا سُليْمان بْن داوُدَ المَهْريُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القاسِم، حَدَّثَهُ أَن مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبيْرِ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبّادَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبيْرِ حَدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبي ﷺ تَقُولُ أَتَى رَجُلٌ إِلى النَّبي ﷺ في المَسْجِدِ في رَمَضانَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ احْتَرَقْتُ. فَسَأَلهُ النَّبي ﷺ ما شَأْنُهُ؟ قالَ: أَصَبْتُ أَهْلي. قالَ: "تَصَدَّقْ". قالَ: والله ما لي شَيء وَلا أَقْدِرُ عَليْهِ. قالَ: "اجْلِسْ". فَجَلَسَ، فَبيْنَما هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمارًا عَليْهِ طَعامٌ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أيْنَ المُحْتَرِقُ آنِفًا؟ ". فَقامَ الرَّجُلُ فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "تَصَدَّقْ بهذا". فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَعَلَى غيْرِنا فَواللَّهِ إِنّا لَجِياعٌ ما لَنا شَيء. قالَ: "كُلُوهُ" (٣).

стр. 6681

٢٣٩٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ، حَدَّثَنا ابن أَبي الزِّنادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبيْرِ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عائِشَةَ بهذِه القِصَّةِ قالَ: فَأُتي بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صاعًا (١). باب كفارة من أتى أهله في رمضان [٢٣٩٠] (حدثنا مسدد، ومحمد بن عيسى - المعنى - قالا: حدثنا سفيان، قال مسدد: قال) سفيان (حدثنا الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري القرشي وعبد الرحمن والده أحد العشرة (عن أبي هريرة قال: أتى رجل إلى النبي ﷺ ) جزم الحافظ عبد الغني وابن بشكوال (٢) بأنه: سلمان (٣) أو سلمة بن صخر البياضي، واستندا إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سليمان بن يسار، عن سلمة ابن صخر أنه ظاهر من امرأته في رمضان، وأنه وطئها، فقال له النبي ﷺ : "حرر رقبة" قلت: ما أملك غيرها، وضرب صفحة رقبته .. الحديث (٤). قال ابن عبد البر: أظن هذا وهمًا؛ لأن المحفوظ أنه ظاهر من

стр. 6682

امرأته ووقع عليها ليلًا، لا أن [ذلك] كان منه في النهار، انتهى (١). ويحتمل أن يكون قوله في الرواية المذكور: وقع على امرأته في رمضان، أي: ليلًا بعد أن ظاهر منها، ووقع على امرأته أيضًا نهارًا في تلك الليلة أو في ليلة غيرها. (فقال) زاد عبد الجبار بن عمر، عن الزهري: جاء رجل وهو ينتف شعره، ويدق صدره، ويقول (٢) .. ولحجاج بن أرطاة: يدعو ويله (٣). وفي مرسل ابن المسيب عند الدارقطني: ويحثي على رأسه التراب (٤). واستدل بهذا على جواز هذا الفعل ممن وقعت له معصية، ويفرق في ذلك بين معصية الدين والدنيا، فيجوز في معصية الدين لما يشعر به الحال من شدة الندم (هلكت) بفتح اللام في رواية ابن أبي حفصة: ما أرى أني إلا قد هلكت (٥). وقد استدل به على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك فكأنه جعل المتوقع كالواقع وبالغ فيه، فعبر عنه بلفظ الماضي.

стр. 6683

وفيه دليل على مذهبنا ومذهب العلماء كافة في وجوب الكفارة على من جامع عامدًا في شهر رمضان. وعلى تقدير ما تقدم فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسي وهو الصحيح من مذهبنا وجمهور العلماء، وهو المشهور من مذهب مالك، وعن أحمد، وبعض المالكية منهم عبد الملك، وابن حبيب: يفطر وتجب الكفارة، وتمسكوا بترك استفسار (١) النبي ﷺ السائل وإطلاق الفتيا مع هذا الاحتمال (٢) وهذا كما قال الشافعي في الأصول ترك الاستفصال مع الاحتمال (٣) ينزل منزلة العموم في المقال (٤). قال القرطبي: وهذا ضعيف؛ لأنه يمكن أن يقال أنه ترك استفصاله؛ لأنه قد تبين حاله وهو أنه كان عامدًا كما يدل عليه ظاهر قوله: هلكت (٥). واعتذروا عن هذا بأنه يجوز أن يخبر عن هلكته لما يعتقده في الجماع مع النسيان من إفساد الصوم؛ ولأن الصوم عبادة تحرم الوطء فاستوى فيها عمده وسهوه كالحج. (فقال: ما شأنك؟ ) استفهام عن حاله، وفي رواية الأوزاعي: "ويحك ما صنعت؟ " (٦) وترجم عليه البخاري في

стр. 6684

الأدب: ما جاء في قول الرجل: ويلك (١). فيه سؤال من رآه منزعجًا عن حاله ليدله على ما فيه نفعه. (قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: فهل تجد ما تعتق) بضم أوله (رقبة) بالنصب. قال القرطبي: نصب على البدل من (ما) الموصوفة وهي مفعولة بـ (تجد) وإطلاق الرقبة يقتضي جواز الرقبة الكافرة، وهو مذهب أبي حنيفة (٢). والجمهور على اشتراط الإيمان بدليل تقييدها به من كفارة القتل، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد، وهي مسألة مشهورة عند الأصوليين، وبدليل أن مقصود الشارع بالعتق تخليص الرقاب من الرق ليتفرغوا إلى عبادة الله تعالى ونصر المسلمين، وهذا مفقود في الكافر، ويدل على هذا حديث السوداء: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٣). (قال: لا) تقدم في حديث سلمة صخر: قال: ما أملك غيرها وضرب صفحة رقبته (قال: فهل تستطيع) أي: تقوى وتقدر (أن تصوم شهرين متتابعين؟ ) أي متواليين، وهو حجة للجمهور في اشتراط التتابع في الكفارة على ابن أبي ليلى إذ لم يشترط (٤). وفي رواية الدارقطني قال: إني لا أدع الطعام ساعة فما أطيق ذلك (٥). لكن في إسناده مقال: وفي رواية ابن إسحاق: فهل لقيت ما

стр. 6685

لقيت إلا من الصيام (١). قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن رواية ابن إسحاق هذِه اقتضت أن عدم استطاعته لشدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع فيه. هنا للشافعية نظر في أنه هل يكون ذلك عذرًا أي: شدة الشبق حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أو لا (٢). والصحيح عندهم اعتبار ذلك، ويلتحق به من يجد رقبة لا غنى له عنها فإنه يشرع له الانتقال إلى الصوم مع وجودها؛ لكونها في حكم غير الواجد (٣). (قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا) وفي حديث ابن عمر: والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي (٤). قال ابن دقيق العيد: أضاف الإطعام إلى ستين فلا يكون ذلك موجودًا في حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلًا، ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال (٥). والمشهور عن الحنفية الإجزاء حتى لو أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستين يومًا كفى (٦). والمراد بالإطعام الإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام، وهو وضع

стр. 6686

المطعوم في الفم، بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة بخلاف زكاة الفرض فإن فيها النص على الإيتاء، وصدقة الفطر فإن فيها النص على الأداء (١). (قال: اجلس) يدل على أنه كان قائمًا في كلامه المتقدم، فيؤخذ منه الإذن في مخاطبة العالم وسؤاله حال القيام، فلما انقضى كلامه أمره بالجلوس فجلس الرجل. قال بعضهم: يحتمل أن يكون سبب أمره بالجلوس لانتظار ما يوحى إليه في حقه، ويحتمل أنه كان عرف أنه سيؤتى بشيء يعينه به، ويحتمل أنه أسقط عنه الكفارة بالعجز وهذا الثالث ليس بقوي لأنها لو سقطت ما عادت عليه حيث أمره بها بعد إعطائه إياه المكتل (٢) (٣). (فأُتي النبي ﷺ ) بضم أوله على البناء للمفعول، والآتي المذكور لم يسم لكن وقع في رواية معمر: فجاء رجل من الأنصار (٤). وفي رواية ابن إسحاق: فجاء رجل بصدقة يحملها (بعَرَق) بفتح العين المهملة والراء بعدها قاف، وفي رواية أبي الحسن القابسي بإسكان الراء. قال عياض: والصواب الفتح (٥). قال ابن التين: أنكر بعضهم الإسكان؛

стр. 6687

لأن الذي بالإسكان هو العظم عليه اللحم (١). (فيه تمر) قال البخاري: والعرق؛ الزَّبيل (٢). بفتح الزاي وتخفيف الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام بوزن رغيف. قال ابن دُريد: سمي لحمل الزبل فيه (٣) (٤). (فقال: تصدق به) وزاد ابن إسحاق: فتصدق به عن نفسك، (فقال: يا رسول الله) والله (ما بين لابَتيها) تثنية لابة، والضمير للمدينة أي: لابتي المدينة؛ فإن المدينة (٥) بين حرتين، يقال: لابة ولوبة بفتح اللام ونوبة بالنون، ومنه قيل للأسود لوبي ونوبي باللام والنون وجمعها لابات ما لم تكثر وهي غير مهموزة (٦). (أهل) بالرفع على أنه اسم ما النافية (بيت أفقر) بالنصب خبر ما، ويجوز الرفع على لغة تميم بالنصب صفة أهل بيت (منا) رواية البخاري وغيره: أفقر من أهل بيتي (٧). (قال: فضحك رسول الله ﷺ ) تعجبًا من حاله وسرعة قسمه، وقيل: تعجب من تباين حال الرجل حيث جاء خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة (حتى بدت ثناياه) يدل على أن المراد بالضحك التبسم؛ فإن في صفة (٨)

стр. 6688

النبي ﷺ أن ضحكه كان تبسمًا على غالب أحواله، ورواية البخاري: حتى بدت أنيابه (١). وفي رواية ابن إسحاق: حتى بدت نواجذه (٢). وظاهرها بين الروايتين على أن المراد بالضحك ما فوق التبسم؛ فإن الثنايا تبين بالتبسم. قيل: كان لا يضحك إلا بأمر يتعلق بالآخرة؛ فإن كان في أمر الدنيا لم يزد على التبسم. (وقال: فأطعمه) بفتح الهمزة (إياهم) وفي رواية لابن خزيمة في حديث عائشة: "عد به عليك وعلى أهلك" (٣). تخيل قوم من هذا الكلام سقوط الكفارة عن هذا الرجل، فقالوا: هو خاص به؛ لأن النبي ﷺ لم يبين استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعي المرجوح. قال السبكي: ولا نعلم أن أحدًا قال بأنه يجوز صرفه لنفسه. قال القرطبي: وليس في الحديث ما (٤) يدل على سقوطها، بل نقول: إن النبي ﷺ لما بيَّن له ما يترتب على جنايته من الكفارة لزم الحكم وتقرر في الذمة، ثم لما تبين من حاله هذا أنه عاجز عن الكفارة سقط عنه (٥) القيام بما لا يقدر عليه في تلك الحال، ويبقى

стр. 6689

الحكم في الذمة على ما رتب أولًا، وإلا وبقيت في ذمته إلى ذمته إلى أن يستطيع شيئًا من خصالها. هذا مذهب الجمهور وأئمة الفتوى، وذهب الأوزاعي، وأحمد إلى أن حكم من لم يجد الكفارة من سائر الناس سقوطها (١). (وقال مسدد في موضع آخر) في رواية أخرى (حتى بدت أنيابه) كما في رواية البخاري المتقدمة، ورواية مسلم (٢). والأنياب جمع ناب، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا وهي أربع من كل ناحية ثنتان. [٢٣٩١] (حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري بهذا الحديث بمعناه. زاد) فيه (قال الزهري: وإنما كان هذا) أي سقوط الكفارة عن الأعرابي (رخصة) بالنصب خبر كان، أي خاص به لا يتعداه (فلو أن رجلًا) غيره (فعل ذلك) هذا (اليوم) بالنصب على الظرفية (لم يكن له بد من التكفير) لأن هذا الأعرابي أخبر النبي بإعساره قبل أن يدفع إليه العرق ولم يسقطها عنه، ولأنها كفارة واجبة فلم تسقط بالعجز عنها كسائر الكفارات. (قال أبو داود) ﵀: و (رواه الليث بن [سعد و] (٣) الأوزاعي، ومنصور بن المعتمر) أبو عتاب السُلمي بضم السين من أئمة الكوفة (وعراك بن مالك) الغفاري المدني (عن الزهري، على معنى حديث سفيان بن عيينة) المتقدم.

стр. 6690

قال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أحدًا أكثر صلاة منه (١). مات في خلافة يزيد بن عبد الملك (٢). قال ابن قدامة: وهو رواية ثابتة (٣) عن أحمد، وهو قياس قول أبي حنيفة والثوري وأبي ثور، وهو أحد قولي الشافعي كما تقدم (٤). وإليه نحا إمام الحرمين، ورد بأن الأصل عدم الخصوصية. وقال بعضهم: هو منسوخ، ولم يبين قائله ناسخه، وقيل: المراد بقوله: "أطعمه إياهم" الذين أمر بصرفها إليهم ممن لا يلزمه نفقتهم من أقاربه وغيرهم، وهو قول بعض الشافعية، وضعف بالرواية السابقة: "أطعمه عيالك". لكن قد يدخل الذين لا يلزمه نفقتهم في العيال، وقيل: لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو الذي حمل أصحاب الأقوال الماضية على ما قالوه. وقال الشيخ تقي الدين: أقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على جهة الكفارة [بل على جهة التصدق] (٥) التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة، فإنه كان من أهل الصدقة لما ظهر له من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك (٦).
следующие страницы →