← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

النووي: لكونها تتركها (١). ولما فهمت الصحابة من أمره بالفطر أنه عزيمة أي جزم ولا بد منه وأنه واجب، قال القرطبي: فلم يصم منهم أحد عند ذلك فيما بلغنا، قال: ولو قدر هناك صائم لاستحق أن يقال: أولئك العصاة (٢). وفيه رد لما يقتضيه كلام الغزالي والآمدي من أن العزيمة تختص بالواجبات، فإنما قالا: ما لزم العباد بإلزام الله تعالى. أي: بإيجابه (٣). وليس كما قالا فإنها تذكر في مقابلة الرخصة كما ذكرت هنا، فإن في رواية مسلم: نزلنا منزلًا فقال رسول الله ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم"، فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر فقال: "إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا"، فكانت عزمة فأفطرنا (٤). (قال أبو سعيد) الخدري (ثم لقد رأيتني أصوم (٥) مع رسول الله قبل ذلك وبعد ذلك) رواية مسلم: لقد رأيتنا بعد ذلك نصوم مع رسول الله ﷺ في السفر (٦). ففيه دليل على أن الصوم هو الأصل والأفضل، وأن الفطر إنما كان لعلة وسبب، ولما زال ذلك رجع إلى الأفضل.

стр. 6722

٤٣ - باب اخْتِيار الفِطْر ٢٤٠٧ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطّيالِسيُّ، حَدَّثَنا شعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -يَعْني: ابن سَعْدِ بْنِ زُرارَةَ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يُظَلَّلُ عَليهِ والزِّحامُ عَليهِ فَقالَ: "ليْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ" (١). ٢٤٠٨ - حَدَّثَنا شيْبانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنا أبُو هِلالٍ الرّاسِبيُّ، حَدَّثَنا ابن سَوادَةَ القُشيْريُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ -رَجُلٍ مِنْ بَني عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ إِخْوَةِ بَني قُشيْرٍ- قالَ: أَغارَتْ عَليْنا خيْل لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فانْتَهيْتُ - أَوْ قالَ: فانْطَلَقْتُ - إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَأْكُلُ فَقالَ: "اجْلِسْ فَأَصِبْ مِنْ طَعامِنا هذا". فَقُلْتُ: إِنّي صائِمٌ. قالَ: "اجْلِسْ أُحَدِّثْكَ، عَنِ الصَّلاةِ وَعَنِ الصِّيامِ إِنَّ اللهَ تَعالَى وَضَعَ شَطْرَ الصَّلاةِ أَوْ نِصْفَ الصَّلاةِ والصَّوْمَ، عَنِ المُسافِرِ وَعَنِ المُرْضِعِ أَوِ الحُبْلَى". واللْه لَقَدْ قالَهُما جَمِيعًا أَوْ أَحَدَهُما قالَ: فَتَلَهَّفَتْ نَفْسي أَنْ لا أَكونَ أَكَلْتُ مِنْ طَعامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٢). باب اختيار الفطر [٢٤٠٧] (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي) الحافظ، قال أحمد: هو اليوم شيخ الإسلام (٣). (حدثنا شعبة، عن

стр. 6723

محمد بن عبد الرحمن -يعني: ابن سعد بن زرارة) الأنصاري الذي هو نسبه إلى جده لأمه يسمى زرارة، ولى المدينة لعمر بن عبد العزيز، وثقه النسائي وغيره (١). (عن محمد بن عمرو بن الحسن) بن علي بن أبي طالب. وثقه أبو زرعة وغيره (٢). (عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا) ذكر مغلطاي أنه أبو إسرائيل العامري، وعزى ذلك لمبهمات الخطيب (٣). قائمًا في الشمس (يُظلَّلُ عليه) رواية الخطيب: رأى رجلًا قائمًا في الشمس فقالوا: نذر أن لا يستظل، ولا يتكلم، ولا يجلس، ويصوم (٤). (والزحام عليه) ينظرون إليه (فقال: ليس من البر الصيام في السفر) حمل الشافعي نفي البر المذكور في الحديث على من أبي قبول الرخصة، قال: ويحتمل أن يكون معناه: ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم (٥). وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول (٦). وقال الطحاوي: المراد بالبر هنا البر الكامل الذي هو أعلى مراتب البر، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًّا؛ لأن الإفطار قد يكون أَبَرُّ من الصوم إذا كان للتقوي على العدو كما تقدم.

стр. 6724

قال: وهو نظير قوله ﷺ : ليس المسكين بالطواف ... الحديث (١). فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغينه ويستحق أن يسأل الناس ولا يفطن له (٢). قال ابن دقيق العيد: وأخذ من هذِه القصة أن كراهة الصوم [في السفر] (٣) مختصة بمن هو في مثل هذِه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه، إذ يؤدي إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب فينزل قوله: "ليس من البر الصوم في السفر" على مثل هذِه الحال. قال: والمانعون في السفر أن اللفظ عام والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب (٤). ولفظ رواية الإمام أحمد من حديث كعب بن عاصم الأشعري: "ليس من أمبر أمصيام في أمسفر" (٥). فهذِه لغة لبعض أهل اليمن يجعلون لام التعريف ميمًا، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ خاطب بها هذا الأشعري كذلك؛ لأنها لغته، ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته، فحملها عنه الراوي وأداها باللفظ الذي سمعها به (٦). [٢٤٠٨] (حدثنا شيبان بن فرُّوخَ) لا ينصرف (حدثنا أبو هلال) محمد ابن سليم (الراسبي) بسين مهملة ثم باء موحدة، نزل في بني راسب

стр. 6725

بالبصرة فنسب إليهم، وولاؤه لبني سامة بن لؤي. قال أبو داود: ثقة (١). (حدثنا عبد الله بن سوادة) بتخفيف الواو ابن حنظلة القشيري، وثقه ابن معين (٢). وله حديثان. (عن أنس بن مالك) الكعبي (رجلٍ) بالجر بدل من أنس (من بني عبد الله بن كعب) بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (إخوة) بالجر (بني قُشير) بضم القاف وفتح الشين المعجمة، ابن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة (قال: أغارت) -نسخة: غارت- (علينا خيل رسول الله فانتهيت، أو قال) شك من الراوي (فانطلقت إلى) رواية الترمذي: فأتيت (٣) (رسول الله ﷺ وهو يأكل) أعم من رواية الترمذي: فوجدته يتغدى (٤). لأن الأكل وقت الغداة، وفيه: إشارة إلى الفطر في السفر. (فقال: اجلس فأصب من طعامنا هذا) ورواية الترمذي: "ادن فكل". وفيه: أن من حضر إليه وهو يأكل فيستحب له أن يدعوه للأكل منه. (فقال: إني صائم) فيه إظهار صيام النفل إذا سأله شيخه أو والده أو معلمه، واختار بعضهم أن يعرض عن الصيام بأن يقول: لي ضرورة، أو أنا قريب العهد بالأكل، ونحو ذلك خوفًا من أن ينقل تطوعه من السر إلى العلانية. (فقال: اجلس أحدثك) بالجزم (٥) جواب الأمر (عن الصلاة وعن

стр. 6726

الصيام) فيه: أن الحاضر عند الأكل إذا دعاه فلم يأكل أن يدعوه ثانيًا ويرغبه في الأكل معه ليعلمه شيئًا من الأحكام الشرعية، أو يفيده فائدة لا يعلمها. (إن الله وضع) أي: أسقط (شطر الصلاة أو نصف) هو شك من الراوي، وفيه: بيان الشطر أن معناه النصف من (الصلاة) يعني من الصلاة الرباعية. (والصوم) بالنصب عطفًا على شطر، أو وضع الصوم (عن المسافر) فأباح له الفطر فيه مع القضاء بعد انقضاء شهر رمضان (عن المسافر) أي: سفرًا تقصر فيه الصلاة، ولهذا عطفه عليها (و) وضع (عن المرضع أو الحبلى) الصوم، كذا في الترمذي (١)، وقد تقدم الكلام عليه، وعن رواية أحمد: الحبلى والمرضع (٢). ثم قال (والله لقد قالهما) النبي ﷺ (جميعًا) رواية الترمذي: كلاهما (أو أحدهما) فيه جواز حلف المتكلم وإن لم يستحلف (قال: فتلهفت نفسي) التلهف على الشيء التحسر والحزن على فواته (إلا أن أكونَ أكلتُ من طعام النبي ﷺ ) فيه: التأسف على ترك أفعال الخير ولوم النفس على ذلك، وفيه دليل على أن الفطر في السفر أفضل ولو لم يشق الصوم.

стр. 6727

٤٤ - باب فيمَنِ اخْتارَ الصِّيامَ ٢٤٠٩ - حَدَّثَنا مُؤَمَّلُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، حَدَّثَني إِسْماعِيل بْن عُبيْدِ اللهِ، حَدَّثَتْني أُمُّ الدَّرْداءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ قالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ في حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إِنَّ أَحَدَنا ليَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ كَفَّهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الَحرِّ ما فِينا صائِمٌ إلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَبْدُ اللهِ بْن رَواحَةَ (١). ٢٤١٠ - حَدَّثَنا حامِدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنا هاشِمُ بْنُ القاسِمِ ح، وَحَدَّثَنا عُقْبَةُ بْنُ مُكرَمٍ، حَدَّثَنا أَبُو قُتيْبَةَ -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأزْديُّ، حَدَّثَني حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قالَ: سَمِعْتُ سِنانَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ الُمحَبَّقِ الهُذَليَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوي إِلى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضانَ حيْثُ أَدْرَكَهُ" (٢). ٢٤١١ - حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ المُهاجِرِ، حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوارِثِ، حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبٍ، قالَ: حَدَّثَني أَبِي عَنْ سِنانِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبَّقِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضانُ في السَّفَرِ". فَذَكَرَ مَعْناهُ (٣). باب فيمن اختار الصوم [٢٤٠٩] (حدثنا مؤمل بن الفضل) الحراني، ثقة (حدثنا الوليد) بن

стр. 6728

مسلم، أخرج له مسلم (حدثنا سعيد بن عبد العزيز) بن أبي يحيى التنوخي مفتي دمشق في زمانه (حدثني إسماعيل بن عبيد الله) بالتصغير ابن أبي المهاجر المخزومي الدمشقي، ثقة (قال: حدثتني أم الدرداء الكبرى) اسمها: خيرة بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة تحت بنت أبي حدرد الأسلمية، واسم أبي حدرد عبد (١)، وهي زوجة أبي الدرداء واسم أم الدرداء الصغرى: هجيمة، وكانت الكبرى من فضلاء الصحابيات وذوات الرأي وهي المذكورة في الإسناد. (عن أبي الدرداء) عويمر بن عامر الأنصاري، روى عن النبي أنه قال فيه: "حكيم أمتي أبو الدرداء" (٢). ومن حكمته: الدنيا دار كدر لا ينجو منها إلا أهل الحذر (قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته في حر شديد) كانت غزوة تبوك في حر شديد فلعلها هي هذِه الغزوة، فإن أبا الدرداء اختلف في شهوده أحدًا، وشهد ما بعدها، وتبوك بعدها بكثير (حتى إن) بكسر الهمزة؛ لأنها جاءت بعد حتى الابتدائية ومثلوا لذلك بقولهم: مرض حتى إنه لا يرجى، قالوا: لأن حتى الابتدائية يلزم وقوع الجملة بعدها (أحدنا ليضع يده على رأسه أو كفه من شدة الحر) يدل على ما كانت عليه الصحابة من الخشونة؛ لأن أحدهم لم يضع يده على رأسه إلا وهو مكشوف ليس عليه ما يقيه من الحر والبرد، وفيه فضيلة الجهاد للفقير والغني (ما فينا صائم إلا رسول

стр. 6729

الله ﷺ وعبد الله بن رواحة) بن ثعلبة بن امرئ القيس، كان أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وقتل فيها شهيدًا (١). وفيه: فضيلة الصيام للمسافر إذا كان في الجهاد، وهو محمول على ما إذا لم يضعفه الصيام. [٢٤١٠] (حدثنا حامد بن يحيى) البلخي، ثقة من أعلم الناس، (حدثنا هاشم (٢) بن القاسم) أبو النضر الحافظ. (وحدثنا عقبة بن مُكْرَمِ) بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء العَمِّيُّ البصري الحافظ (حدثنا أبو قتيبة سلم) بفتح السين المهملة وسكون اللام الخراساني، وثقه أبو داود (٣)، وأبو زرعة (٤). (المعنى، قالا: حدثنا عبد الصمد بن حبيب) بفتح المهملة (ابن عبد الله الأزدي) [العَوذي بفتح العين المهملة والذال المعجمة] (٥) قال ([حدثني حبيب بن عبد الله) أبي] (٦) (قال: سمعت سنان بن سلمة المُحَبِّق) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء المشددة المكسورة وقاف بعدها (عن أبيه) سلمة بن المحبق، واسم المحبق: صخر بن عتبة، من بني لحيان ابن هذيل بن مدركة بن إلياس. (قال رسول الله ﷺ : من كانت له حَمولة) بفتح الحاء التي يحمل

стр. 6730

عليها من بعير وبغل وحمار وغيرهما، والمعنى: إن من كان راكبًا وسفره قصير بحيث يبلغ المنزل الذي يشبع فيه فليصم رمضان، وقيل المعنى من كان راكبا ومعه على الراحلة ما يشبعه عند الفطور فليصم رمضان هذا إذا كان السفر قصيرًا (١) لا يبلغ مسافة القصر ستة عشر [فرسخًا] (٢) لا يجوز له الإفطار، قال الله تعالى: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ (٣)، فالحمولة التي يحمل عليها الأحمال الثقال، والفرش صغار الإبل، والحمولة بضم الحاء: الأحمال، والهاء فيها لتأنيث الجمع كبعولة جمع بعل في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٤)، والمعنى: إن من كانت له دابة يركبها وهي (تأوي) عند النزول (إلى شِبع) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة أي: إلى مكان تشبع فيه بالرعي أو الشراء أو نحوهما. قال الجوهري وغيره: الشبع [بفتح الباء] (٥) نقيض الجوع، تقول: شبعت من خبز ولحم شبعًا، وهو من مصادر الطبائع، والشبع بالتسكين: اسم ما يشبعك من طعام ونحوه وهو اسم (٦). وفي الحديث: "أن موسى آجر نفسه شعيبًا بشبع بطنه" (٧). قال التوربشتي: يرويه من لا معرفة له بالياء (٨) نسقا على (مَنْ) وليس

стр. 6731

هو ثم، ولو كان ما يحكيه لجيء به في أول النسق وإنما هو بتاء التأنيث للحمولة، و (أوى) لازم متعدي بلفظ (١) واحد، والأكثر في المتعدي المد، وفي الحديث: "لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين" (٢). أي: يؤويه، والمعنى: من كانت له حمولة ولم يكن مشقوقًا عليه في الزاد، بل ترده الحمولة إلى حال شبع ورِي فليصم رمضان، وهو على الاستحباب (فليصم) فيه دليل لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي أن الصوم في السفر أفضل لمن قوي عليه، فإن كان راكبًا ويحصل له ولدابته ما يحتاجان إليه من الأكل والشرب بلا تعب، فإذا قوي عليه بهذا وغيره فالصوم أفضل وإلا فالفطر أفضل لظاهر هذا الحديث، ولأن من خير بين الصوم والفطر فالصوم أفضل كالتطوع، ومن دخل عليه شهر (رمضان) وهو مسافر فليصمه (حيث أدركه) أي في المكان الذي دخل عليه الشهر فيه، ويحتمل أن تكون (حيث) هنا للزمان فإنها تأتي بمعنى (حين) كما ذكره ابن مالك. فيكون المعنى: أن المسافر يصوم حين يدخل عليه الشهر في السفر. [٢٤١١] (حدثنا نصر بن المهاجر) المصيصي ثقة (حدثنا عبد الصمد ابن عبد الوارث) السوري حافظ حجة (حدثنا عبد الصمد بن حبيب) قال (حدثني أبي، عن سنان بن أبي سلمة عن المحبق ﵁ قال رسول الله ﷺ : من أدركه رمضان في السفر .. فذكر معناه) أي فليصمه حيث أدركه.

стр. 6732

٤٥ - باب مَتَى يُفْطِرُ المُسافِرُ إذا خَرَجَ . ٢٤١٢ - حَدَّثَنا عُبيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، ح وَحَدَّثَنا جَعْفَرُ ابْن مُسافِرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى -المَعْنَى- حَدَّثَني سَعِيدُ بْن أَبِي أَيُّوبَ، وَزادَ جَعْفَرٌ واللّيْثُ: حَدَّثَني يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ كُليْبَ بْنَ ذُهْلٍ الَحضْرَميَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُبيْدِ -قالَ جَعْفَرٌ: ابن جَبْرٍ- قالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الغِفاريِّ صاحِبِ النَّبي ﷺ في سَفِينَةِ مِنَ الفُسْطاطِ في رَمَضانَ فَرُفِعَ ثُمَّ قُرِّبَ غَداهُ -قالَ جَعْفَرٌ في حَدِيثِهِ- فَلَمْ يُجاوِزِ البُيُوتَ حَتَّى دَعا بِالسُّفْرَةِ قالَ اقْتَرِبْ. قُلْتُ: ألَسْتَ تَرى البُيُوتَ قالَ أبُو بَصْرَةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قالَ جَعْفَرٌ في حَدِيثِهِ: فَأَكَلَ (١). باب متى يفطر المسافر إذا خرج؟ [٢٤١٢] (حدثنا عبيد الله) بالتصغير (بن عمر) القواريري الحافظ، حدث بمائة ألف حديث (حدثنا عبد الله بن يزيد) أبو عبد الرحمن المقرئ (وحدثنا جعفر بن مسافر) بن إبراهيم التنيسي (قال: حدثنا عبد الله بن يحيى) المعافري (المعنى) أي: المعنى دون اللفظ، قال: (حدثني سعيد بن أبي أيوب) مقلاص الخزاعي قال ابن معين وغيره: ثقة. (زاد جعفر) بن مسافر (والليث حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن كليب) بالتصغير (ابن ذُهْل) بضم الذال المعجمة (الحضرمي أخبره عن عبيد) بالتصغير (قال جعفر) بن مسافر: هو (ابن جبر) بفتح الجيم وسكون

стр. 6733

الباء الموحدة بن عبد الله القبطي المصري، قيل: لم يرو عنه غير كليب بن ذهل فقط (قال: ركبت مع أبي بَصْرة) بفتح الباء الموحدة وإسكان الصاد المهملة هو جُميل - بالتصغير - ابن بصرة (الغفاري صاحب النبي ﷺ في سفينة من الفسطاط) مصر أي: ابتدأ سفره من فسطاط (في رمضان فرفع) أمتعة السفر (ثم قرَّب غداءه) بفتح الغين المعجمة والدال المهملة، وهو الطعام الذي يؤكل أول النهار، أي: قربه إلى مكانه في المركب. (قال جعفر في حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسُفرة) بضم السين، هي التي يوضع فيها طعام المسافر، وأصله الطعام، لكن سميت التي فيه الطعام مجازًا (ثم قال: اقترب) أي: ادن وكُلْ. (قلت: ألست ترى البيوت؟ ! ) يعني: بيوت المدينة (قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله؟ ) رواية أحمد: أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ (١). (قال جعفر في حديثه: فأكلَ) يعني: عبيد بن جبر ﵁. فيه: دليل لما قاله عمرو بن شرحبيل (٢)، والشعبي (٣)، وإسحاق، وداود، ورواية عن أحمد بن حنبل (٤) وابن المنذر: أن المسافر إذا أنشأ السفر في أثناء يوم من رمضان أنه يجوز له أن يفطر فيه لهذا الحديث، ولأن السفر معنى لو وجد ليلًا واستمر في النهار لأباح الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمريض، ولأنه أحد الأمرين

стр. 6734

المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما فأباحه في أثناء النهار (١). وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، والأوزاعي (٤)، وفي رواية عن أحمد (٥): لا يباح له فطر ذلك اليوم؛ لأنَّ الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة، وفرقوا بين الصوم والصلاة بأن الصلاة المقصورة إذا نوى إتمامها لزمه إتمامها بنيته بخلاف الصيام (٦). وإذا قلنا بهذا فلا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره ويجاوزها ويخرج من بنائها، وقد روى البيهقي عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنَّه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه (٧).

стр. 6735

٤٦ - باب قَدْرِ مَسِيرَةِ ما يُفْطِرُ فِيهِ ٢٤١٣ - حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ حَمّادٍ، أَخْبَرَنا اللّيْثُ -يَعْني: ابن سَعْدٍ- عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبي حَبِيبٍ، عَنْ أَبي الخيْرِ، عَنْ مَنْصُورٍ الكَلْبي أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إِلى قَدْرِ قَرْيَةِ عُقْبَةَ مِنَ الفُسْطاطِ وَذَلِكَ ثَلاثَةُ أَمْيالٍ في رَمَضانَ ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ ناسٌ وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا، فَلَمّا رَجَعَ إِلى قَرْيَتِهِ قَالَ: والله لَقَدْ رَأيْتُ اليَوْمَ أَمْرًا ما كُنْتُ أَظُنُّ أَنّي أَراهُ إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحابِهِ. يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صامُوا ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اقْبِضْني إِليْكَ (١). ٢٤١٤ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا الُمعْتَمِرُ، عَنْ عُبيْدِ اللهِ عَنْ نافِعٍ أَنَّ ابن عُمَرَ كانَ يَخْرُجُ إِلى الغابَةِ فَلا يُفْطِرُ وَلا يَقْصُرُ (٢). * * * باب مسيرة ما يفطر فيه المسافر [٢٤١٣] (حدثنا عيسى بن حماد) زغبة، قال أبو حاتم: ثقة (٣) (أنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني مفتي أهل مصر (عن منصور الكلبي) قال الذهبي: لا يعرف (٤). (أن دحية بن خليفة) بن فروة بعثه رسول الله ﷺ إلى قيصر وهو الذي

стр. 6736

كان ينزل جبريل في صورته. (خرج من قرية - نسخة: قريته - من دمشق مرة) اسم قرية من دمشق (إلى قدْر قرية) قيل هذِه القرية من عمل مصر تسمى منية عقبة (١) بينها وبين الفسطاط ثلاثة أميال (عقبة) بفتح العين والنصب لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وأصل الفسطاط: الخيمة، قيل: لما نزل عمرو بن العاص بمصر ضرب خيمته على موضع جامع عمرو (من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال في رمضان ثمَّ إنه أفطر وأفطر معه الناس - نسخة: أناس - وكره آخرون أن يفطروا) استدل به من قال: يفطر المسافر إذا بلغ سفره ثلاثة أميال كما أن المسافر يقصر في ثلاثة أميال فصاعدًا. وقد قال أصحابنا وغيرهم: يفطر المسافر في المسافة التي يقصر فيها الصلاة، ولم يفرقوا بينهما. قال ابن عطية: مسافة القصر عند مالك حين يقصر الصلاة. واختلف في قدر ذلك، فقال مالك: يوم وليلة، ثمَّ رجع وقال: ثمانية وأربعون ميلًا (٢). وفي المذهب: ستة وثلاثون ميلًا، وفي غير المذهب يقصر في ثلاثة أميال فصاعدًا (٣). وفي حديث: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين. رواه مسلم (٤). وهذا على قول الجمهور محمول

стр. 6737

على أنَّه كان أراد سفرًا طويلًا فلما بلغ ثلاثة أميال قصر في الصلاة. (فلما رجع إلى قريته) وكان نازلًا بالشام وبقي فيها إلى أيام معاوية. (قال: والله لقد رأيت اليوم) يحتمل أنَّه رجع إلى قريته في يومه ذلك (أمرًا ما كنت أظن أني أراه) فذلك (أن قومًا رغبوا عن هَدْي) بفتح الهاء وإسكان الدال على اللغة الفصحى (رسول الله ﷺ ) أي: عن طريقته وسنته وأصحابه، وهو محمول عند الجمهور على أنَّه أراد أنهم رغبوا عن قبول الرخصة في الإفطار في السفر مطلقًا أصلًا لا في السفر المقيد بثلاثة أميال (يقول ذلك للذين صاموا) في السفر ولم يفطروا. (ثمَّ قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك) فهو محمول على أنَّه خشي بعد ذلك حصول فتنة في الدين؛ لأنه يجوز لمن خاف الفتنة في دينه أن يدعو على نفسه بالموت؛ لقوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه الإمام مالك: "وإذا أردت بقومٍ فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" (١). كما حمل ما روي عن عمر بن الخطّاب، وعليّ، وعمر بن عبد العزيز تمنوا، على أنهم خشوا الفتنة والعجز عن القيام بما تأولوه، وأجاب الله دعاء عمر قبل انسلاخ الشهر، وأما لغير (٢) خوف الفتنة فلا يجوز تمني الموت بل يكره تمنيه لضر نزل به لما في الصحيحين (٣): أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه؛ فإن كان ولابد قائلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة

стр. 6738

خيرًا لي". [٢٤١٤] (حدثنا مسدد، حدثنا المعتمر، عن عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة) موضع قريب من المدينة في طريق خيبر بينها وبين المدينة أربعة أميال من الشام، فكان العباس يقف على سلع جبل بالمدينة فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم، وبين الغابة وسلع ثمانية أميال (١). (فلا يفطر ولا يقصر) فيه أن الصيام أحب ما لم يتضرر، وكذا الإتمام في الصلاة.

стр. 6739

٤٧ - باب مَنْ يَقُولُ: صُمْتُ رَمَضانَ كُلَّهُ ٢٤١٥ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أَبي حَبِيبَةَ، حَدَّثَنا الحَسَنُ، عَنْ أَبي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنّي صُمْتُ رَمَضانَ كُلَّهُ وَقُمْتُهُ كُلَّهُ". فَلا أَدْري أَكَرِهَ التَّزْكِيَةَ أَوْ قَالَ: لا بُدَّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ (١). * * * باب فيمن يقول: صمت رمضان كله [٢٤١٥] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن المهلب بن أبي حبيبة) وهو ثقة (حدثنا الحسن) بن أبي الحسن البصري (عن أبي بكرة) نفيع (قال رسول الله ﷺ : لا يقولن أحدكم صمت رمضان كله وقمتُه كله) قال (فلا أدري أكره) ذكره الصيام والقيام؛ لأنَّ في ذكر ذلك (التزكية) المنهي عنها في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٢) وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) أم لم يكرهها. (أو قال: لابد) للإنسان فيه (من نومة أو رقدة) وإن قَلَّتْ، وكذا لا يقول أحد: قرأت القرآن كله في ليلة، إما للتزكية أو لابد أن يسقط منه حرفًا أو شدة أو مدة ونحو ذلك.

стр. 6740

٤٨ - باب في صَوْمِ العِيديْنِ ٢٤١٦ - حَدَّثَنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وهذا حَدِيثُهُ - قَالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ أبَي عُبيْدٍ قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيامِ هَذيْنِ اليَوْميْنِ، أَمّا يَوْمُ الأَضْحَى فَتَأْكُلُونَ مِنْ لْحَمِ نُسُكِكُمْ، وَأَمّا يَوْمُ الفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صِيامِكُمْ (١). ٢٤١٧ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا وُهيْبٌ، حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيامِ يَوْميْنِ، يَوْمِ الفِطْرِ ويَوْمِ الأَضْحَى، وَعَنْ لِبْسَتيْنِ الصَّمّاءِ وَأَنْ يَحْتَبي الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الواحِدِ، وَعَنِ الصَّلاةِ في ساعَتيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ العَصْرِ (٢). * * * باب صوم (٣) الفطر والنحر العيدين [٢٤١٦] (حدثنا قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب وهذا حديثه قالا: حدثنا سفيان) بن عيينة (٤) (عن الزهري، عن أبي عبيد) سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر بن عبد عوف بن أخي عبد الرحمن بن عوف، وقيل: ابنه، من مشاهير التابعين بالمدينة. مجمع على ثقته. (قال: شهدت العيد و) في رواية للبخاري في الأضاحي: شهد العيد

стр. 6741

يوم الأضحى (١). (مع عمر) بن الخطّاب (فبدأ) بهمز آخره (بالصلاة قبل الخطبة) كون الخطبة بعد الصلاة معلوم من فعل النبي والخلفاء بعده كما تقدم، فلو خطب قبل الصلاة فهو مسيء ولم يعتد بها إلا على احتمال إمام الحرمين (٢) والأصح المنصوص خلافه. (ثمَّ قال: إن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين) هذين فيه التغليب، وذلك أن الحاضر يشار إليه بهذا، والغائب يشار إليه بذاك، فلما أن جمعهما في اللفظ قال هذان تغليبًا للحاضر وهو عيد الأضحى على الغائب الذي هو عيد الفطر (أما يوم) بالرفع (الأضحى) بدأ به لأنه الحاضر، وفائدة وصف اليومين فيه الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما (فتأكلون) فيه (لحم نُسُكِكم) أصل العبادة، والمراد هنا التي تتقربون بذبحه إلى الله تعالى لتأكلون منه أنتم والفقراء القانع والمعتر، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، والمراد بالنسك هنا: الذبيحة. (وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم) أي: فيه فطركم من صومكم وانفصال الصوم وظهور تمام صوم رمضان، ونظير هذا الفصل التسليمة الأولى من الصلاة. وفي الحديث تحريم صوم يومي (٣) العيد سواء كان الصوم نذرًا أو كفارة أو تطوعًا.

стр. 6742

واختلفوا فيمن أقدم فصام يوم العيد، فعن أبي حنيفة ينعقد (١)، وخالفه الجمهور، ولو نذر صوم يوم يقدم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية ينعقد ويلزمه القضاء (٢)، وعن مالك في رواية: يقضي إن نوى القضاء وإلا فلا (٣). [٢٤١٧] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه) يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني، ثقة (عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن صيام يومين: يوم) بالجر بدل مما قبله (الفطر، ويوم الأضحى) أجمع العلماء على تحريم صوم يوم الفطر، وعندنا وعند أكثر العلماء لا يصح ولا ينعقد نذره كأيام الحيض. وقال أبو حنيفة: ينعقد نذره ويلزمه صوم غيرهما، فإن صامهما أجزأه مع التحريم، ووافق أنَّه لا يصح عن النذر المطلق (٤). (وعن لِبْسَتين) بكسر اللام؛ لأنَّ المراد هيئة اللبس المذكورة لا المرة الواحدة (الصَّمَّاء) بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم والمد والجر، (و) هي (أن يحتبي الرجل) فالاحتباء أن يقعد الرجل على أليته وينصب ساقيه ويشتمل عليهما بالشملة التي تعرف بهذا الاسم (في الثوب الواحد) أي: بالثوب الواحد ليس عليه غيره.

стр. 6743

قال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده لا يرفع منه جانبًا، فلا يبقى ما يخرج منه يده (١). سميت هذِه الهيئة صماء لسد المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق، فعلى تفسير الفقهاء يحرم الاشتمال المذكور إن انكشف منه بعض العورة وإلا فيكره (٢). (وعن الصلاة في ساعتين) وهما (بعد) صلاة (الصبح) توضحه رواية عمرو بن عبسة في مسلم: "صل صلاة الصبح ثمَّ أقصر عن الصلاة حتى ترتفع فإنها تطلع (٣) بين قرني شيطان وحينئذٍ يسجد لها الكفار" (٤). (وبعد) صلاة (العصر) وفي رواية عمرو: "حتى تصلي العصر ثمَّ أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذٍ يسجد لها الكفار". وكراهة الصلاة في هذين الوقتين كراهة تحريم على الأصح، ولا تصح الصلاة المكروهة فيها.

стр. 6744

٤٩ - باب صِيامِ أيّامِ التَّشْرِيقِ . ٢٤١٨ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الهادِ، عَنْ أَبي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هانِئٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَقَرَّبَ إِليْهِما طَعامًا فَقالَ: كُلْ. فَقالَ: إِنّي صائِمٌ. فَقالَ عَمْرٌو: كُلْ فهذِه الأيّامُ التي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنا بِإِفْطارِها ويَنْهانا عَنْ صِيامِها. قَالَ مالِكٌ: وَهيَ أيّامُ التَّشْرِيقِ (١). ٢٤١٩ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنا وَهْبٌ، حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ عُلَى ح، وَحَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَي - والإِخْبارُ في حَدِيثِ وَهْبٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبي أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ وَأيّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنا أَهْلَ الإِسْلامِ وَهيَ أيّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" (٢). * * * باب صيام أيام التشريق [٢٤١٨] (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ) فاختة الصحابية بنت أبي طالب، وقيل: إنه مولى عقيل (أنَّه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص) رضي الله

стр. 6745

عنهما (فقرب إليهما طعامًا) (١) فيه: فضيلة إسراع تقديم الطعام للضيف، (فقال) أي: لأبي مرة (كل) فيه استحباب قول صاحب الطعام لضيفه ومن في معناه: كل باسم الله، وكذا إذا رفع يده من الطعام قبل أن يكتفي منه، ويستحب هذا حتى للرجل مع زوجته وعياله. (فقال: إني صائم) وروى الشافعي هذا الحديث في "الإملاء" بإسنادٍ صحيح، فيه بيان القصة، وأن ذلك كان من الغد في يوم الأضحى (٢). (فقال عمرو: كل) ثمَّ بين سبب أمره بالأكل ثانيًا. (فهذِه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يَأْمُرُنا بِإِفْطارِها ويَنْهانا عَنْ صِيامِها) فيه حجة للجديد من قولي الشافعي، والأصح عند الأصحاب أنَّه لا يحل ولا يصح صوم أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد العيد؛ ليمتنع ولا يعيده، وهذا قول أكثر أهل العلم، وعن ابن الزبير أنَّه كان يصومها، وروي نحو ذلك عن ابن عمر، والأسود بن يزيد (٣) وعن أبي طلحة أنَّه كان لا يفطر إلا يومي العيدين (٤). والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم النهي عن صيامها، ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره. والظاهر أن ابن عمر أفطر لما بلغه نهي رسول الله ﷺ (٥).

стр. 6746

(قال مالك) هو ابن أنس ﵁ (هي أيام التشريق) وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، وسميت أيام التشريق؛ لأنَّ لحوم الأضاحي تشرق فيها تنشر اللحم في الشمس، وقيل: لأنَّ الهدي لا تنحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأنَّ صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل: التشريق: التكبير دبر كل صلاة. (قال أبو داود: وهذا) الحديث (أصح حديث فيه) أي في هذا الباب، ولهذا اقتصر عليه بالاحتجاج به أكثر المحققين، وصححه ابن خزيمة (١) والحاكم (٢) وهو صحيح على شرط البخاري ومسلم (لأنه ليس في حديث) منها (أنَّه نهى عن صيام التشريق) والنهي يقتضي التحريم، (إنما في الحديث كله) ورواياته (أنها أيام أكل وشرب) كما سيأتي. [٢٤١٩] (حدثنا الحسن بن علي) الخلال (حدثنا وهب، عن موسى ابن عُليّ) بالتصغير، ابن رباح، أخرج له مسلم. (وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن موسى بن عُليّ) اللخمي، ولي مصر للمنصور سنة ستين (والإخبار في حديث ابن وهب) (٣) عن موسى بن علي (قال: سمعت أبي) عُليّ بن رباح بفتح الراء بن قصير ولقبه عُليّ بضم العين وفتح اللام، وكان في المكتب إذ قتل عثمان (أنَّه سمع عقبة بن عامر) ﵁.

стр. 6747

(قال رسول الله ﷺ : يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ) هذِه (وأَيّامُ التَّشْرِيقِ) بعده وهي ثلاثة أيام عند الأكثر (عِيدُنا) [بالرفع، أي أعياد للمسلمين في الدنيا، وأما أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربهم ] (١). (أَهْلَ) بالنصب نصب الاختصاص (الإِسْلامِ) وأفضل أيام هذِه الأعياد يوم النحر وأكبرها عند الله تعالى؛ لأنه يجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم، وكانت لهم فيه أعياد قبله وبعده، وأفضل أيام التشريق أولها وهو يوم القر؛ لأنَّ أهل منى يستقرون فيه، ولا يجوز فيه النفر، وفي حديث عبد الله بن قرظ: "أعظم الأيام عند الله يوم النحر ويوم القر" (٢). (وَهيَ أيّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) رواه أصحاب السنن من طرق متعددة (٣). وأخرجه النسائي من طريق مسعود بن الحكم عن أمه أنها رأت وهي بمنى في زمان رسول الله ﷺ راكبًا يصيح فيقول: يا أيها الناس، إنها أيام أكل، وشرب، وبعال (٤) وذكر الله. فقلت: من هذا؟ قالوا: علي بن أبي طالب (٥).

стр. 6748

ورواه البيهقي من هذا الوجه إلا أنَّه قال: إن جدته حدثته (١). ورواه البزار من طريق عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب [وصلاة فلا يصومها أحد"] (٢) (٣).

стр. 6749

٥٠ - باب النَّهْي أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ الجُمُعَةِ بِصَوْمٍ . ٢٤٢٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بَعْدَهُ" (١). * * * باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم [٢٤٢٠] (حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح) السمان. (عن أبي هريرة قال رسول الله: لا يصوم) بالرفع، روي: "لا يصم" وهو بلفظ النفي، والمراد به النهي، كقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٢)، [أي: لا ترتابوا فيه] (٣) وفي رواية البخاري: "لا يصومن" (أحدكم) بلفظ النهي المؤكد بنون التوكيد (يوم الجمعة) سمي بذلك لاجتماع الناس فيه (إلا أن يصوم قبله بيوم أو بعده) بيوم، والباء فيه للمصاحبة، وفي رواية من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية أنَّه سأل النبي ﷺ فقال: "لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها" (٤). وروى الحاكم من طريق أبي (٥) بشر عن أبي هريرة مرفوعًا: "يوم

стр. 6750

الجمعة عيدنا فلا تجعلوا عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا يومًا قبله أو بعده". وقال: أبو بشر لا أعرفه (١). قال ابن حجر: أخرجه البزار، يقال: أبو بشر مؤذن مسجد دمشق (٢). ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتفق وقوعه في أيام له عادة يصومها كمن يصوم أيام البيض، أو من له عادة بصوم معين كعرفة فوافق يوم الجمعة. ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر مثلا يوم قدوم زيد أو يوم شفاء فلان ونحوه.

стр. 6751

٥١ - باب النَّهْي أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ السَّبْتِ بِصَوْمٍ . ٢٤٢١ - حَدَّثَنا حُميْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ حَبِيبٍ ح وَحَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ قُبيْسٍ -مِنْ أَهْلِ جَبَلَةَ- حَدَّثَنا الوَلِيدُ، جَمِيعًا عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ السُّلَميِّ، عَنْ أُخْتِهِ -وقالَ يَزِيدُ الصَّمّاءِ- أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيما افْتُرِضَ عَليْكُمْ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ". قَالَ أَبُو داوُدَ: وهذا حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ (١). * * * باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم [٢٤٢١] (حدثنا حميد بن مسعدة) بفتح الميم، الباهلي، صدوق (حدثنا سفيان بن حبيب) البصري، البزار، ثبت عالم. (وحدثنا يزيد بن قُبيس) بضم القاف وفتح الموحدة مصغر أبو سهل وهو شامي ثقة (من أهل جَبَلة) بفتح الجيم والموحدة مدينة على ساحل الشام نحو حمص. (حدثنا الوليد) قالوا كلهم: (جميعًا عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بُسْر) بضم الموحدة وسكون المهملة آخر من مات بالشام من الصحابة (السلمي) بضم السين المهملة، (عن أخته قال يزيد) بن قبيس: (هي الصَّمَّاء) بفتح الصاد المهملة الصحابية: (أن النبي ﷺ قال: لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيما افْتُرِضَ

стр. 6752

عَليْكُمْ) فيه دليل على كراهة إفراد يوم السبت بصوم ما لم يوافق عادة كيوم الجمعة؛ لمخالفة اليهود في تعظيمهم له، وفي "الأحوذي" لابن العربي: إنما نهي عن صوم يوم الجمعة لأنه عيد أهل الإِسلام وأهل الكتاب يصومون في عيدهم [ونحن نفطر] (١) فكره التشبه بهم (٢). (فإن لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَاّ لِحاءَ) بكسر اللام وبالحاء المهملة والمد هو قشر الشجرة، ومنه المثل: "بين العضا ولحائها" (٣). يضرب للأخوين يتفقان. (أو عودَ شجرة) الإضافة بمعنى اللام، أي: عودًا من شجرة (فليمضُغْه) بضم الضاد المعجمة وفتحها لغة، رواية: فليمضغها. [(قال أبو داود: هذا الحديث منسوخ) نسخه حديث جويرية] (٤).

стр. 6753

٥٢ - باب الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ ٢٤٢٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ ح وَحَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، حَدَّثَنا قَتادَةُ، عَنْ أَبي أيُّوبَ - قَالَ حَفْصٌ العَتَكيُّ - عَنْ جُويْرِيَةَ بِنْتِ الحارِثِ أَنَّ النَّبي ﷺ دَخَلَ عَليْها يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهيَ صائِمَةٌ فَقالَ: "أَصُمْتِ أَمْس؟ ". قالَتْ: لا. قَالَ: "تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومي غَدًا؟ ". قالَتْ: لا. قَالَ: "فَأَفْطِري" (١). ٢٤٢٣ - حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعيْبٍ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، قالَ: سَمِعْتُ اللّيْثَ يُحَدِّثُ، عَنِ ابن شِهابٍ أَنَّهُ كانَ إِذا ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ نُهيَ عَنْ صِيامِ يَوْمِ السَّبْتِ، يَقُولُ ابن شِهابٍ: هذا حَدِيثٌ حِمْصيٌّ (٢). ٢٤٢٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبّاحِ بْنِ سُفْيانَ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزاعيِّ قَالَ: ما زِلْتُ لَهُ كاتِمًا حَتَّى رَأيْتُهُ انْتَشَرَ. يَعْني: حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ هذا في صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ. قَالَ أَبُو داوُدَ: قَالَ مالِكٌ: هذا كَذِبٌ (٣). * * *

стр. 6754

باب الرخصة في ذلك أي: في صيام يوم السبت. [٢٤٢٢] (حدثنا محمَّد بن كثير، أخبرنا همام، عن قتادة) بن دعامة السدوسي الأعمى الحافظ (وحدثنا حفص بن عمر، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أبي أيوب) يحيى بن مالك المراغي (قال حفص) قتادة عن أبي أيوب (العتكي) بفتح العين المهملة وفتح المثناة فوق نسبة إلى بطن من الأزد أبو أيوب (عن جويرية بنت الحارث) بن أبي ضرار بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الراء الأولى المصطلقية، سباها النبي في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق، أعتقها وتزوجها. (أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة) وليس لجويرية زوج النبي ﷺ في البخاري من روايتها سوى هذا الحديث. (فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومي) (١) هكذا صوابه، وفي بعض النسخ هنا وفي البخاري: أن تصومين بالنون، وهي لغة من أهمل عمل (أن) حملًا على [أصلها] (٢). (غدًا؟ قالت: لا. قال: فأفطري) زاد أبو نعيم في روايته: "إذًا". وفي البخاري: حدثني أبو أيوب أن جويرية حدثته فأمرها فأفطرت (٣). ووصله البغوي، فقال: حدثني أبو أيوب فذكر الحديث،

стр. 6755

وقال فيه: فأمرها فأفطرت (١). استدل به المصنف على إباحة صيام يوم السبت، ويستدل له أيضًا بما رواه الترمذي عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس (٢). قال ابن الرفعة: ولا كراهة في صومه مع غيره اتفاقًا، وذكر ابن يونس في "مختصر التنبيه" أنَّه يكره إفراد يوم الأحد أيضًا (٣)، وليس ببعيد؛ فإن فيه مثل المعنى المذكور في السبت وهو تعظيم النصارى له. [٢٤٢٣] (حدثنا عبد الملك بن شعيب) بن الليث بن سعد، ثقة (حدثنا ابن وهب قال: سمعت الليث يحدث، عن الزبير: أنَّه كان إذا ذكر له أنَّه نهى عن صيام يوم السبت يقول ابن شهاب) الزهري (هذا حديث حمصي) لأنَّ [يزيد بن] (٤) قبيس حمصي (٥) من جبلة، يعني يوهيه بذلك، وكذا ذكر الحاكم عن الزهري. [٢٤٢٤] (وثنا محمَّد بن الصباح بن سفيان) الجرجرائي، وجرجراء بين واسط وبغداد، وثقه أبو زرعة (حدثنا الوليد) بن يزيد (عن الأوزاعي قال: ما زلت له) أي لهذا الحديث (كاتمًا) وكذا حكاه المنذري عن الأوزاعي فقال: ما زلت له كاتمًا (حتى رأيته انتشر، يعني: حديث عبد الله بن بسر هذا في صوم يوم السبت) وبُسْر بضم

стр. 6756

الموحدة وسكون المهملة. (قال أبو داود: قال مالك) بن أنس (هذا كذب) وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ بصحة حديث جويرية بنت الحارث. قال النووي بعد حكايته: وليس كما قالا وقد صححه الأئمة - يعني: ابن حبَّان، والطبراني، والبيهقيُّ، وصححه ابن السكن - وقال الحاكم: هو صحيح على شرط البخاري. قال النووي: وكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد، ولا مخالفة فيها لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد السبت، والصواب على الجملة كراهة إفراده ما لم يوافق [عادة له. انتهى (١). وكراهة إفراده ذكره الدارمي، والبغوي، وقليلون، وتبعهم الرافعي، وليس للأكثرين] (٢) نصٌّ فيه، وصحح ابن حبَّان والحاكم عن أم سلمة أنَّه ﷺ كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت والأحد (٣). قال الأذرعي: وهذا يقتضي أنَّه لا يكره إفراد أحدهما بالصوم، ومالك وأبو داود لا يقولان ما قالاه إلا عن تثبت فلا يرد قولهما بالهوينا، وكرهت الحنابلة صوم يومي النيروز والمهرجان، وعندنا قاله الماوردي لا يكره إفراد يوم من أعياد أهل الملل كالفصح.

стр. 6757

٥٣ - باب في صَوْمِ الدَّهْرِ تَطَوُّعًا ٢٤٢٥ - حَدَّثَنا سُليْمانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ، قالا: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زيْدٍ، عَنْ غيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمّانيِّ، عَنْ أَبي قَتادَةَ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبي ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ كيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عُمَرُ قَالَ: رَضِينا باللهِ رَبّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيّا، نَعُوذُ باللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَدِّدُها حَتَّى سَكَنَ غَضَبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ كيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: "لا صامَ وَلا أَفْطَرَ". قَالَ مُسَدَّدٌ: "لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ، أَوْ ما صامَ وَلا أَفْطَرَ". شَكَّ غيْلانُ. قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، كيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْميْنِ ويُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: "أَو يُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟ ". قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، فَكيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: "ذَلِكَ صَوْمُ داوُدَ". قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ فَكيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْميْنِ؟ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضانُ إِلى رَمَضانَ فهذا صِيامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وَصِيامُ عَرَفَةَ إِنّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ والسَّنَةَ التي بَعْدَهُ، وَصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ إِنّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ" (١). ٢٤٢٦ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا مَهْدي، حَدَّثَنا غيْلانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَعْبَدٍ الزِّمّانيِّ، عَنْ أَبي قَتادَةَ بهذا الحَدِيثِ، زادَ قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْتَ صَوْمَ يَوْمِ الاثْنيْنِ ويَوْمِ الخَمِيسِ؟ قَالَ: "فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَليَّ القُرْآنُ" (٢). ٢٤٢٧ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ،

стр. 6758

عَنِ ابن المُسيَّبِ وَأَبي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قَالَ: لَقِيَني رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقالَ: "أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللّيْلَ وَلأَصُومَنَّ النَّهارَ؟ ! ". قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ قَدْ قُلْتُ ذاكَ. قَالَ: "قُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وَذاكَ مِثْلُ صِيامِ الدَّهْرِ". قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْميْنِ". قَالَ: فَقُلْتُ: إِنّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيامِ، وَهُوَ صِيامُ داوُدَ". قُلْتُ: إِنّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ" (١). * * * باب في صوم الدهر تطوعًا [٢٤٢٥] (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد، قالا: حدثنا حماد بن زيد) الأزدي أحد الأعلام، أخبر (عن غيلان) بالغين المعجمة، ثمَّ مثناة تحت (ابن جرير) بالجيم والراء المكررة الأزدي. (عن عبد الله بن معبد) بسكون العين المهملة (الزماني) بكسر الزاي. (عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي ﵁ (أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تصوم؟ ) بتاء الخطاب أوله (فغضب رسول الله ﷺ من قوله) قال الخطابي: يشبه أن يكون غضب النبي ﷺ من مسألته إياه عن صومه كراهة أن يقتدي به السائل في صومه فيتكلفه، ثمَّ يعجز عنه فعلًا أو يسأمه فيمله بقلبه فيكون صيامًا من غير نية

стр. 6759

وإخلاص، وقد كان رسول الله ﷺ يواصل (١) وهو محرَّم على أمته، وقد كان رسول الله يترك بعض النوافل خوفًا أن تفرض على أمته إذا فعلوا اقتداء به، كما ترك القيام في رمضان بعد أن قام بهم ثلاثة أيام أو ليلتين ثمَّ لم يخرج إليهم وقال لهم: "إنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خفت أن يكتب عليكم فلا تقومون به"، أو كما قال، انتهى (٢). وليس غضبه ﷺ لسؤاله عما (٣) ينتفع به أو يعمل به، بل غضب عليه لأنه لم يفكر في أن مجيئه يحكم على الأمة الاقتداء به فيه والعمل به، والدين مبني على اليسر ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وكان ذلك مشهورًا عندهم كما في حديث أبي ثعلبة الخشني: "وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها". حديث حسن رواه الدارقطني وغيره (٥). معناه: إنما سكت عن ذكرها رحمة بعباده ورفقًا حيث يوجبها عليهم حتى يعاقبهم على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن تركها فلا حرج عليهم في تركها، وقوله: "فلا تبحثوا عنها"، أي: ولا تسألوا عنها، ويحتمل اختصاص هذا النهي من النبي ﷺ ؛ لأنَّ السؤال عنها قد يكون سببًا

стр. 6760

لنزول التشديد بإيجاب أو غيره، ويحتمل أن يكون النهي عامّا فإن السؤال عما لم يذكر في الواجبات قد يوجب اعتقاد إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات، فقبول العافية فيه وترك السؤال خير، وقد يدخل في ذلك قوله ﷺ : "هلك المتنطعون". قالها ثلاثًا. رواه أبو داود (١). والمتنطع هو المتعمق (٢) في السؤال عما لا يتعين عليه السؤال عنه. قال الراغب: الأشياء في البحث عنها وسؤالها ثلاثة أضرب: ضرب يجب السؤال عنه، وهو ما كلف الإنسان به. وفيه أمر وإياه كالجريح الذي اغتسل فهلك، فقال ﷺ : "قتلتموه، هلا سألتم عنه، إنما شفاء العي السؤال" (٣). وضرب يكره أو يحظر السؤال عنه وإليه يوجه قوله ﷺ : "اتركوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم" (٤). وضرب يجوز السكوت والسؤال عنه، وهو ما يستحب أن يحمد ولا يؤخذ به الإنسان إن سأل عنه (٥). (فلما رأى ذلك عمر ﵁ قال: رضينا بالله) يشبه أن يكون التقدير: رضينا بأحكام الله وأقضيته (ربّا) أي: مالكًا يحكم ما يشاء (وبالإِسلام) أي: وبدين الإِسلام وما جاء به (دينًا، وبمحمد ﷺ نبيّا) ورسولًا مبلغًا عن الله تعالى أحكامه، وفي معناه ما رواه جماعة من السلف منهم
следующие страницы →