← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

الموحدة وسكون المهملة. (قال أبو داود: قال مالك) بن أنس (هذا كذب) وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ بصحة حديث جويرية بنت الحارث. قال النووي بعد حكايته: وليس كما قالا وقد صححه الأئمة - يعني: ابن حبَّان، والطبراني، والبيهقيُّ، وصححه ابن السكن - وقال الحاكم: هو صحيح على شرط البخاري. قال النووي: وكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد، ولا مخالفة فيها لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد السبت، والصواب على الجملة كراهة إفراده ما لم يوافق [عادة له. انتهى (١). وكراهة إفراده ذكره الدارمي، والبغوي، وقليلون، وتبعهم الرافعي، وليس للأكثرين] (٢) نصٌّ فيه، وصحح ابن حبَّان والحاكم عن أم سلمة أنَّه ﷺ كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت والأحد (٣). قال الأذرعي: وهذا يقتضي أنَّه لا يكره إفراد أحدهما بالصوم، ومالك وأبو داود لا يقولان ما قالاه إلا عن تثبت فلا يرد قولهما بالهوينا، وكرهت الحنابلة صوم يومي النيروز والمهرجان، وعندنا قاله الماوردي لا يكره إفراد يوم من أعياد أهل الملل كالفصح.

стр. 6757

٥٣ - باب في صَوْمِ الدَّهْرِ تَطَوُّعًا ٢٤٢٥ - حَدَّثَنا سُليْمانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ، قالا: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زيْدٍ، عَنْ غيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمّانيِّ، عَنْ أَبي قَتادَةَ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبي ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ كيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عُمَرُ قَالَ: رَضِينا باللهِ رَبّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيّا، نَعُوذُ باللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَدِّدُها حَتَّى سَكَنَ غَضَبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ كيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: "لا صامَ وَلا أَفْطَرَ". قَالَ مُسَدَّدٌ: "لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ، أَوْ ما صامَ وَلا أَفْطَرَ". شَكَّ غيْلانُ. قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، كيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْميْنِ ويُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: "أَو يُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟ ". قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، فَكيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: "ذَلِكَ صَوْمُ داوُدَ". قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ فَكيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْميْنِ؟ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضانُ إِلى رَمَضانَ فهذا صِيامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وَصِيامُ عَرَفَةَ إِنّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ والسَّنَةَ التي بَعْدَهُ، وَصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ إِنّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ" (١). ٢٤٢٦ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا مَهْدي، حَدَّثَنا غيْلانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَعْبَدٍ الزِّمّانيِّ، عَنْ أَبي قَتادَةَ بهذا الحَدِيثِ، زادَ قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْتَ صَوْمَ يَوْمِ الاثْنيْنِ ويَوْمِ الخَمِيسِ؟ قَالَ: "فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَليَّ القُرْآنُ" (٢). ٢٤٢٧ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْريِّ،

стр. 6758

عَنِ ابن المُسيَّبِ وَأَبي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قَالَ: لَقِيَني رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقالَ: "أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللّيْلَ وَلأَصُومَنَّ النَّهارَ؟ ! ". قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ قَدْ قُلْتُ ذاكَ. قَالَ: "قُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وَذاكَ مِثْلُ صِيامِ الدَّهْرِ". قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْميْنِ". قَالَ: فَقُلْتُ: إِنّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيامِ، وَهُوَ صِيامُ داوُدَ". قُلْتُ: إِنّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ" (١). * * * باب في صوم الدهر تطوعًا [٢٤٢٥] (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد، قالا: حدثنا حماد بن زيد) الأزدي أحد الأعلام، أخبر (عن غيلان) بالغين المعجمة، ثمَّ مثناة تحت (ابن جرير) بالجيم والراء المكررة الأزدي. (عن عبد الله بن معبد) بسكون العين المهملة (الزماني) بكسر الزاي. (عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي ﵁ (أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تصوم؟ ) بتاء الخطاب أوله (فغضب رسول الله ﷺ من قوله) قال الخطابي: يشبه أن يكون غضب النبي ﷺ من مسألته إياه عن صومه كراهة أن يقتدي به السائل في صومه فيتكلفه، ثمَّ يعجز عنه فعلًا أو يسأمه فيمله بقلبه فيكون صيامًا من غير نية

стр. 6759

وإخلاص، وقد كان رسول الله ﷺ يواصل (١) وهو محرَّم على أمته، وقد كان رسول الله يترك بعض النوافل خوفًا أن تفرض على أمته إذا فعلوا اقتداء به، كما ترك القيام في رمضان بعد أن قام بهم ثلاثة أيام أو ليلتين ثمَّ لم يخرج إليهم وقال لهم: "إنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خفت أن يكتب عليكم فلا تقومون به"، أو كما قال، انتهى (٢). وليس غضبه ﷺ لسؤاله عما (٣) ينتفع به أو يعمل به، بل غضب عليه لأنه لم يفكر في أن مجيئه يحكم على الأمة الاقتداء به فيه والعمل به، والدين مبني على اليسر ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وكان ذلك مشهورًا عندهم كما في حديث أبي ثعلبة الخشني: "وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها". حديث حسن رواه الدارقطني وغيره (٥). معناه: إنما سكت عن ذكرها رحمة بعباده ورفقًا حيث يوجبها عليهم حتى يعاقبهم على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن تركها فلا حرج عليهم في تركها، وقوله: "فلا تبحثوا عنها"، أي: ولا تسألوا عنها، ويحتمل اختصاص هذا النهي من النبي ﷺ ؛ لأنَّ السؤال عنها قد يكون سببًا

стр. 6760

لنزول التشديد بإيجاب أو غيره، ويحتمل أن يكون النهي عامّا فإن السؤال عما لم يذكر في الواجبات قد يوجب اعتقاد إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات، فقبول العافية فيه وترك السؤال خير، وقد يدخل في ذلك قوله ﷺ : "هلك المتنطعون". قالها ثلاثًا. رواه أبو داود (١). والمتنطع هو المتعمق (٢) في السؤال عما لا يتعين عليه السؤال عنه. قال الراغب: الأشياء في البحث عنها وسؤالها ثلاثة أضرب: ضرب يجب السؤال عنه، وهو ما كلف الإنسان به. وفيه أمر وإياه كالجريح الذي اغتسل فهلك، فقال ﷺ : "قتلتموه، هلا سألتم عنه، إنما شفاء العي السؤال" (٣). وضرب يكره أو يحظر السؤال عنه وإليه يوجه قوله ﷺ : "اتركوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم" (٤). وضرب يجوز السكوت والسؤال عنه، وهو ما يستحب أن يحمد ولا يؤخذ به الإنسان إن سأل عنه (٥). (فلما رأى ذلك عمر ﵁ قال: رضينا بالله) يشبه أن يكون التقدير: رضينا بأحكام الله وأقضيته (ربّا) أي: مالكًا يحكم ما يشاء (وبالإِسلام) أي: وبدين الإِسلام وما جاء به (دينًا، وبمحمد ﷺ نبيّا) ورسولًا مبلغًا عن الله تعالى أحكامه، وفي معناه ما رواه جماعة من السلف منهم

стр. 6761

أسباط، عن السدي أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١)، قال: غضب رسول الله ﷺ يومًا فقام خطيبًا فقال: "سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به". فقام إليه رجل يقال له: ابن حذافة. فقال: من أبي؟ فقال: "حذافة". فقام إليه عمر ابن الخطاب فقبل رجله، وقال: رضينا بالله ربّا، وبك نبيّا، وبالإِسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي (٢). ولعل المراد بالرضا ترك المنازعة والسخط فيما أمرهم من ترك السؤال كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) أي: حتى يرضوا بما قضيت عليهم ولا تضيق صدورهم بما قضيت به وأمرت. (نعوذ بالله تعالى من غضب الله وغضب رسوله، فلم يزل عمر يرددها) أي: يردد هذِه المقالة (حتى سكن من غضب رسول الله ﷺ ) قيل: هو من باب القلب المستعمل أي: حتى سكن النبي ﷺ من غضبه نحو: أدخلت فمي في الحجر تقديره: أدخلت الحجر في فمي، وقيل: لا ينبغي هذا؛ لأنه من القلب وهو لم يقع إلا في قليل من الكلام، وقرأ معاوية بن قرة: (ولما سكن عن موسى الغضب) (٤)، وعلى القراءة المشهورة فسكوت الغضب كناية. شبه جمود الغضب بانقطاع كلام المتكلم وهو سكوته.

стр. 6762

(فقال: ) الرجل (يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر). قال المنذري: يحتمل أن يكون ذلك على وجه الدعاء عليه كراهة لصنيعه وزجرًا عن ذلك. قيل (لا) فيهما بمعنى ما، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (١)، فعلى هذا فيه دليل على أن "لا" تدخل على الماضي كقول الراجز: إن تغفر اللهم تغفر جمّا وأي عبد لك لا ألما (٢) وقيل: معناه: لم يصم ولم يفطر كما. (قال) أي: (مسدد: ) في روايته (لم يصم ولم يفطر، أو: ما صام ولا أفطر) وعلى هذا هو خبر معناه: أنَّه (٣) لم يأت بشيء؛ لأنَّ من سرد الصوم صار عادة ولم يجد له مشقة فيعود النهار في حقه كالليل في حق غيره، فكأنه ما صام إذ لم يجد ما يجده الصائم، ولا أفطر لوجود صورة الصوم، وقيل: ليس هو خبرًا (٤) عنه، بل دعاء عليه وعلى من صام الأبد، [ويا ويح] (٥) من دعا عليه النبي ﷺ (شك غيلان) الراوي. وإلى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحاق وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد، وشذ ابن حزم فحرمه (٦) وروى ابن أبي شيبة بإسناد

стр. 6763

صحيح عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغ عمر أن رجلًا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري (١). ومن طريق ابن (٢) إسحاق: أن عبد الرحمن بن أبي نُعْم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمَّد لرجموه (٣). واحتجوا أيضًا بحديث أبي موسى رفعه: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم". وعقد بيده تسعين. أخرجه أحمد (٤)، والنسائيُّ (٥)، وابن خزيمة (٦)، وابن حبَّان (٧)، وحمله ابن خزيمة معنى ضيقت عليه أي: عنه فلم يدخلها (٨). وفي الطبراني عن أبي الوليد ما يومئ إلى ذلك (٩). ومن قاله بظاهره قال: يضيق عليه حصرًا له فيها لتشديده على نفسه ورغبته عن السنة واعتقاده أن غير السنة أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد، فيكون حرامًا، وذهب آخرون إلى جواز صيام الدهر، وحملوا أخبار النهي على من صامه حقيقة فإنَّه يدخل فيه ما حرم صيامه كالعيدين،

стр. 6764

وهذا اختيار ابن المنذر وطائفة، وروي عن عائشة. وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوت به حقّا، وإلى ذلك ذهب الجمهور. وللجمع بين الأحاديث وزوال التعارض، قال السبكي: أطلق أصحابنا كراهة صوم الدهر لمن فوت حقّا ولم يوضحوا هل المراد الحق الواجب أو المندوب؟ ويتجه أن يقال: إن علم أنَّه يفوت حقّا واجبًا حرم، وإن علم أنَّه يفوت حقّا مندوبًا أولى من الصيام كره وإن كان يقوم مقامه فلا، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة (١). (قال: يا رسول الله، كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ ) في جميع الدهر (قال: أَو يُطيقُ ذلك أحد؟ ) الهمزة أصلها الاستفهام، وهي هنا للتوبيخ، وأما الواو التي بعدها، فقال الأخفش: هي زائدة (٢). والصحيح أنها واو العطف مفتوحة على أصلها، والأصل تقديم هذِه الواو على همزة الاستفهام، والتقدير: وأيطيق ذلك أحد؟ وإنما قدمت الهمزة على الواو لأنَّ لها صدر الكلام، والزمخشري يذهب إلى أن ثَمَّ محذوفًا معطوفًا عليه مقدرًا بين الهمزة وحرف العطف (٣). (قال: يا رسول الله، فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: ذلك صوم داود ﵇)، وسيأتي عليه الكلام في الباب بعده. (قال: يا رسول الله

стр. 6765

فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: وددت) بكسر الدال الأولى (أني طُوِّقت) بضم الطاء وكسر الواو المشددة (ذلك) قال القاضي عياض: قيل: معناه: وددت أن أمتي تطوقه. أي: تقدر على الدوام عليه؛ لأنَّ النبي ﷺ كان يطيق ذلك وأكثر منه، وكان يواصل ويقول: "إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"، ويدل عليه ما جاء في رواية "ليت أن الله قوانا لذلك" (١)، أو يقال: إنما قاله لحقوق نسائه وغيرهن من المسلمين المتعلقين به والقاصدين إليه (٢). (ثمَّ قال رسول الله ﷺ : ثلاث) مرفوع على الابتداء، وجاء الابتداء بالنكرة؛ لأنه وصف (٣) بقوله (من كل شهر) خبره قوله فهذا صيام الدهر، والمراد بالثلاث أيام البيض كما سيأتي في بابه (ورمضان) بالرفع (إلى رمضان) يجوز تنوينه؛ لأنه في معنى النكرة، أي: صيام كل رمضان إلى رمضان كصيام الدهر، أي: صيام شهر رمضان يكفر ما بعده من (٤) الشهور إلى رمضان الثاني. (فهذا صِيامُ الدَّهْرِ) أي: كصيام الدهر (كله) لأنَّ ثلاثة من الشهر كصوم شهر ورمضان بغير تضعيف بشهر فيكمل صيام الدهر (وصيامُ عَرَفَةَ إِنّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ) أي: التكفير ليس على القطع، بل هو على الرجاء، والأمر فيه مرجوع إلى الله إن شاء كفَّر وإن شاء لم يكفِّر،

стр. 6766

لكن الصيام علامات على ظن التكفير. (أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ والسَّنَةَ التي بَعْدَهُ) صريح في تعيين السنتين الماضية والمستقبلة، وفي رواية مسلم: "يُكفر السنة الماضية والسنة الباقية" (١) وفي لفظ آخر: "السنة الماضية والتي تليها" (٢). وحمله بعضهم على سنتين ماضيتين، والأول أصح ويُكفر السنة بعده قيل: إذا ارتكب فيها معصية يكفرها الصوم السابق كما يكفر ما قبله، وقيل: بالعصمة عن ارتكاب ما يحتاج إلى كفارة، ثمَّ التكفير إنما يكون في الصغائر فإذا ارتكب كبيرة، ويستثنى من صيام عرفة الحاضر بعرفة كما سيأتي. (وَصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ) بالمد كتاسوعاء، وحكي عن أبي (٣) عمرو الشيباني قصرهما. قال ابن دريد: هما اسمان إسلاميان لا يعرفان في الجاهلية وليس من لغة العرب فاعولاء (٤). وحكى ابن الأعرابي أنَّه سمع خابوراء (٥)، وعاشور لغة بوزن هارون. (إِنّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ) ورواية ابن ماجه: "صيام عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده" (٦).

стр. 6767

[٢٤٢٦] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مهدي، حدثنا غيلان، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة بهذا الحديث) و (زاد: قال: يا رسول الله، أرأيت صوم الاثنين والخميس؟ ) رواية مسلم: سئل عن صوم يوم الاثنين (١). (قال: ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أنزل عليَّ القرآن) زاد مسلم: "ويوم بعثت". قال العلماء: اجتمع فيه سبعة أشياء: فيه ولد، وفيه بعث، وفيه نزل الوحي، وفيه توفاه الله، وفيه ليلة أسري به في قول بعض العلماء، وفيه دخل المدينة، وفيه أن الأعمال تعرض كما سيأتي، وهذا يدل على فضل هذا اليوم. [٢٤٢٧] (حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن) سعيد (ابن المسيّب وأبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) ﵄ (قال: لقيني رسول الله ﷺ قال: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللّيْلَ وَلأَصُومَنَّ النَّهارَ؟ ) زاد البخاري: "ما عشت" (٢). وفي الصحيح: "ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر وتصلي" (٣). قال القرطبي: إنما فعله بعد قوله: "لأقومن الليل ولأصومن النهار". فحكى بعض الرواة قوله وحكى بعضهم فعله (٤).

стр. 6768

(قال: أَحْسِبُهُ قال: نعم يا رسول الله، قد قلتُ ذاك) وفي رواية لمسلم: فقلت: بلى يا رسول الله، ولم أرد بذلك إلا الخير (قال: قُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ) رواية مسلم: "لا تفعلن" (١). فنهى عن استمرار الصيام والقيام الذي كان التزمه لأجل ما تؤدي إليه المفسدة التي نبه عليها بقوله: "فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك .. " الحديث (٢). (وَصُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ) زاد البخاري وغيره: "فإن الحسنة بعشر أمثالها" (٣) (وَذاكَ مِثْلُ صِيامِ الدَّهْرِ) كله، لا تستلزم المثلية التساوي من كل وجه؛ لأنَّ المراد بها هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل بالفعل، لكن يصدق على فاعل ذلك أنَّه صام الدهر مجازًا (قال: قلت: يا رسول الله إِنّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) في رواية مسلم: إني أجدني أقوى من ذلك يا نبي الله (٤). (قال: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْميْنِ) أي: ليتقوى بفطر اليومين على صيام اليوم الثالث. (قال: قلت: إِنّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) أي: إني أقدر على صيام أكثر من ذلك (قال: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيامِ) أي: من جهة حفظ القوة ووجدان مشقة العبادة وإذا كان أعدل في نفسه فهو عند الله أفضل وأحب (وَهُوَ صِيامُ داوُدَ) ﵇ إنما أحاله على صوم أخيه داود؛ لأنه كان أعبد الناس كما في رواية مسلم، قال الله

стр. 6769

تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (١) قال ابن عباس والمفسرون: يريد ذا القوة في العبادة وفي طاعة الله تعالى (٢). قال ابن (٣) إسحاق: كانت قوة داود على العبادة أتم قوة، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وذلك من أشد الصوم، وكان يصلي نصف الليل (قلتُ: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) أي: في حقك، فيدخل فيه من هو في معناه ممن يدخل فيه على نفسه مشقة أو يفوت حقّا، ولذلك لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد، فلو كان السرد ممتنعًا لبينه، وسيأتي أصرح من ذلك في باب صوم يوم وإفطار يوم: "أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود" (٤). وفي رواية للترمذي: "أفضل الصيام صيام داود" (٥).

стр. 6770

٥٤ - باب في صَوْمِ أَشْهُرِ الحُرُمِ ٢٤٢٨ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ سَعِيدٍ الجُريْريِّ، عَنْ أَبي السَّلِيلِ، عَنْ مُجِيبَةَ الباهِلِيَّةِ، عَنْ أَبِيها أَوْ عَمِّها أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ثُمَّ انْطَلَقَ فَأَتاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغيَّرَتْ حالَتُهُ وَهيْئَتُهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَما تَعْرِفُني؟ قَالَ: "وَمَنْ أَنْتَ؟ ". قَالَ: أَنا الباهِليُّ الذي جِئْتُكَ عامَ الأَوَّلِ. قَالَ: "فَما غيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الهيْئَةِ؟ ". قَالَ: ما أَكَلْتُ طَعامًا إلَّا بِليْلٍ مُنْذُ فارَقْتُكَ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟ ". ثُمَّ قَالَ: "صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ ويَوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ". قَالَ: زِدْني فَإِنَّ بي قُوَّةً. قَالَ: "صُمْ يَوْميْنِ". قَالَ: زِدْني. قَالَ: "صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ". قَالَ: زِدْني. قَالَ: "صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ". وقالَ بِأَصابِعِهِ الثَّلاثَةِ فَضَمَّها ثُمَّ أَرْسَلَهَا (١). * * * باب في صوم أشهر الحرم [٢٤٢٨] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد) بن سلمة (عن سعيد) بن إياس (الجريري) بضم الجيم، مصغر (عن أبي السَّليل) بفتح السين المهملة، واسمه ضُريب بضم الضاد المعجمة، ابن نقير القيسي الجريري، وثقه ابن معين وغيره (٢). (عن مُجِيبة) بضم الميم وكسر الجيم من الإجابة، وقيل: هو مجيبة

стр. 6771

الباهلي، كذا رواه النسائي (١)، وقيل: أبو مجيبة، رواه ابن ماجه (٢). (الباهلية) تفرد بالرواية عنها أبو داود. (عن أبيها أو عمها) لا يضر الشك في الصحابي (أنَّه أتى النبي ﷺ ثمَّ انطلقَ، فَأَتاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغيَّرَتْ حالَتُهُ وَهيْئَتُهُ) عن حالته التي كان عليها في العام الأوّل (فقال: أَما تَعْرِفُني؟ قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنا الباهِليُّ الذي جِئْتُكَ عامَ الأَوَّلِ) هذا من إضافة الموصوف إلى صفته وتقديره عند جمهور البصريين الزمن الأوّل، كقولهم الساعة الأولى وليلة الأولى، تقديره: ساعة الوقت الأوّل، وليلة الوقت الأوّل. (قال: فَما غيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الهيْئَةِ؟ ) رواية ابن ماجه: "ما لي أرى جسمك ناحلًا؟ ! " (٣). (قال: ما أكلتُ طعامًا منذ) مذ ومنذ ذكرهما سيبويه في الظروف التي تضاف إلى الأفعال (٤). (فارقتُك) جملة فعلية في محلّ جر؛ لأنَّ منذ ظرف، وفارقتك مضاف إليه (إلا بليل) أي: في الليل، (فقال رسول الله ﷺ : قد عذبتَ) رواية: "لم عذبت" (نفسك) رواية ابن ماجه: "من أمرك أن تعذب نفسك". (ثمَّ قال: صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ) أي: شهر رمضان؛ لأنَّ الصائم يصبر فيه على الجوع والعطش وغيرهما من الشهوات، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (٥) قيل: المراد بالصبر شهر الصوم (ويومًا من كل شهر)

стр. 6772

لئلا تخلو سنة من صيام (١) شهر ولا شهر من صيام، وإنما أمره بصيام يوم ولم يأمره بالثلاث البيض لما رأى من تغير حاله وضعفه عن الصيام. (قال: زدني، فإن بي قوة) أي: فيَّ قوة، فالباء بمعنى (في) كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ (٢) (قال: صم يومين) أمره بالتدريج مرتبة بعد مرتبة. (قال: زدني. قال: صُمْ ثلاثةَ أيام) أي: من كل شهر كما سيأتي (قال: زدني. قال: صُمْ مِنَ الحُرُمِ) أي: من الأشهر الحرم (واترك) قال الترمذي (٣) في "الديباجة شرح ابن ماجه": إنما أمره بالترك لأنه كان يشق عليه إكثار الصوم كما ذكره في أول الحديث، فأما من لا يشق عليه فصوم جميعها فضيلة، ورواية ابن ماجه: "صم أشهر الحرم"، وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها، منهم ابن عمر والحسن البصري وأبو إسحاق السبيعي (٤)، وقال الثوري: الأشهر الحرم أحب إلى أن أصوم فيها. (صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ) وخرج ابن ماجه بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب (٥).

стр. 6773

والصحيح وقفه على ابن عباس، كما قاله ابن رجب، قال: وروي عن عمر أنَّه كان يضرب أكف الرجال صوم (١) في رجب حتى يضعوها في الطعام ويقول: ما رجب! إن رجبًا كان يعظمه الجاهلية، فلما كان الإِسلام ترك (٢). وعلى هذا فلعل المعنى: صم الأشهر الحرم واترك رجبًا، والله أعلم. ويدل عليه أن بعده (قال بِأَصابِعِهِ الثَّلاثَةِ فَضَمَّها) إشارة إلى الأشهر الثلاثة المتوالية (ثُمَّ أَرْسَلَها) كما في قوله ﷺ : "ثلاثة سرد وواحد فرد" (٣) أي: صمها واترك رجب المنهي عن صيامه، ويحتمل أن يراد الثلاث البيض المتوالية، واترك ما سواها.

стр. 6774

٥٥ - باب في صَوْمِ المُحَرَّمِ ٢٤٢٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَقُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قالا: حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ حُميْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ. وَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ بَعْدَ المَفْرُوضَةِ صَلاةٌ مِنَ اللّيْلِ". لَمْ يَقُلْ قُتيْبَةُ: "شَهْرِ". قَالَ: "رَمَضانَ" (١). * * * باب في صوم المحرم [٢٤٢٩] (حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: أنا أبو عوانة) اسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري الحافظ. (عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية (عن حميد بن عبد الرحمن) الحميري بكسر الحاء وإسكان الميم. قال الحميدي: كل ما في الصحيحين من حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فهو حميد بن عبد الرحمن [بن عوف الزهري] (٢) إلا هذا الحديث خاصة (٣). [(عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : أَفْضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ)] (٤). قال علم الدين السخاوي في جزء جمعه في أسماء الأيام والشهور: سمي المحرم بذلك لكونه شهرًا محرمًا.

стр. 6775

وعندي أنَّه سمي بذلك تأكيدًا لتحريمه؛ لأنَّ العرب كانت تتقلب فيه فتحله عامًا وتحرمه عامًا. قال: ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم نسبة المحرم إلى الله تعظيمًا كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (١)؛ لأنه أشرف المكاسب و ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٢) نسبها إليهم لأنها أوساخ الناس. قال القرطبي: والله أعلم من أجل أن المحرم أول السنة المستأنفة التي لم يجيء بعدُ رمضانُها، فكان استفتاحها بالصوم الذي هو من أفضل الأعمال وهو ضياء فاستفتح السنة بضياء يمشي فيه بقيتها (٣). وقد استدل النووي وغيره بهذا الحديث أن أفضل ما تطوع به من الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرم. ويحتمل أن يراد أنَّه أفضل شهر تطوع بصيامه كاملًا بعد رمضان، فأما التطوع ببعض شهر فقد يكون أفضل من بعض أيامه كصيام عرفة وعشر ذي الحجة فيشهد لهذا ما خرجه الترمذي من حديث علي؛ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرنى بشهر أصومه بعد رمضان. فقال رسول الله ﷺ : "إن كنت صائمًا شهرًا بعد رمضان فصم المحرم فإنَّه شهر الله، وفيه يوم تاب الله فيه على قوم، ويتوب فيه على آخرين" (٤). قال النووي: ويلي المحرم في الفضيلة شعبان.

стр. 6776

وقال صاحب "البحر": رجب أفضل الحرم. قال: وليس كما قال (١). وفي الجرجاني والشافعيُّ لأصحابنا: يكره له أن يتعهد إلى صوم شهر بعينه في كل سنة؛ لأنه إذا اختاره من كل سنة فربما اعتقد جاهل وجوبه، انتهى. وهو يوهم كراهة المداومة على صوم المحرم مثلًا، وهو بعيد (وَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ بَعْدَ المَفْرُوضَةِ صَلاةٌ مِنَ اللّيْلِ) فيه دليل لما اتفق العلماء عليه: أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار. وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي من أصحابنا ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من الراتبة. وقال أكثر أصحابنا: الرواتب أفضل؛ لأنها تشبه الفرائض. قال النووي: والأول أقوى وأوفق للحديث (٢). (لم يقل قتيبة) بن سعيد (شهرًا) بل (قال: رمضان) والله أعلم.

стр. 6777

٥٦ - باب في صَوْمِ رَجَبَ ٢٤٣٠ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنا عِيسَى، حَدَّثَنا عُثْمانُ - يَعْني: ابن حَكِيمٍ - قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبيْرٍ عَنْ صِيامِ رَجَبَ، فَقالَ: أَخْبَرَني ابن عَبّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لا يُفْطِرُ. ويُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لا يَصُومُ (١). * * * [٢٤٣٠] (حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى) بن يونس (حدثنا عثمان بن حكيم) بفتح الحاء وكسر الكاف ابن عباد الأوسي، وثقوه، (قال: سألت سعيد بن جبير ﵁ عن صيام رجب) قال السخاوي: رجب من الترجيب، وهو التعظيم يجمع على أرجاب، ورجاب، ورجبات (٢). (فقال: أخبرني ابن عباس أن رسول الله ﷺ كانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ) أي: كان يصوم متطوعًا فيكثر ويوالي صيامه حتى يتحدث الناس ونساؤه وخاصته، ويقول القائل: لا يفطر بعد ذلك، فلما سئل ابن عباس عن صيام رجب وكان لم يثبت في صيام فضل (٣) بخصوصه، بل هو داخل في عموم تطوعه فإنَّه كان يتطوع في رجب وفي غيره، لكن روي عن أبي قلابة أنَّه قال: في الجنة قصر لصوام رجب (٤).

стр. 6778

قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاغ (١). وخرج ابن ماجه بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب (٢). والصحيح وقفه على ابن عباس كما قال ابن رجب، قال: ورواه عطاء، عن النبي ﷺ مرسلًا (ويُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ) أي: حتى يقول خواصه وأصحابه (لا يصومُ) بعد هذا أو رواية من حديث عائشة فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام، قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر قد أفطر (٣).

стр. 6779

٥٧ - باب في صَوْمِ شَعْبانَ . ٢٤٣١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْديٍّ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي قيْسٍ سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: كانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبانُ ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضانَ (١). * * * باب صوم شعبان قال السخاوي: سمي شعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة والقتال فيه، ويجمع على شعابين وشعبانات (٢). [٢٤٣١] (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثني عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان اللؤلؤي أحد الأعلام (عن معاوية بن صالح) الحضرمي قاضي الأندلس (عن عبد الله بن أبي قيس) مولى عطية بن عازب، يعد في تابعي الشاميين (أنَّه سمع [عائشة تقول: كانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبانُ ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضانَ)] (٣). رواية النسائي: كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ شعبان، كان يصله برمضان (٤).

стр. 6780

وعن أم سلمة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان (١). فإن قيل: كيف كان رسول الله ﷺ يخص شعبان بصيام التطوع فيه مع أنَّه قال: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم". فالجواب: أن جماعة أجابوا عن ذلك بأجوبة غير قوية لاعتقادهم أن صيام المحرم أفضل من شعبان كما صرح به الشافعية وغيرهم كما قال النووي: أفضل الأشهر للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم، وأفضلها المحرم، ويلي المحرم في الفضيلة شعبان (٢). والأظهر - كما قال بعض الشافعية والحنابلة وغيرهم - أن أفضل الصيام بعد شهر رمضان شعبان؛ لمحافظته ﷺ على صومه أو صوم أكثره، ويدل على ذلك ما خرجه الترمذي من حديث أنس: سئل النبي ﷺ : أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: "شعبان". تعظيمًا لرمضان (٣). وذلك لأنه يلي رمضان قبله كما فضل (٤) شوال لكونه يلي رمضان بعده؛ لما روى ابن ماجه أن أسامة كان يصوم الأشهر الحرم، فقال له رسول الله: "صم شوالًا" (٥) فترك الأشهر الحرم وصام شوالا حتى مات (٦). وفي إسناده إرسال، وقد روي من وجه آخر يعضده.

стр. 6781

فهذا نص في تفضيل صيام شوال على صيام الأشهر الحرم، فإذًا شوال أفضل الأشهر الحرم؛ فلأن يكون صوم شعبان أفضل بطريق الأولى، فظهر بهذا أن أفضل التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب من الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض في الفضل وهي تكملة لنقص الفرائض، فيكون قوله: "أفضل الصيام بعد رمضان المحرم" محمولًا على التطوع، وكذا: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل" (١) إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن الرواتب التي قبل الفرض وبعده خلافًا لبعض الشافعية.

стр. 6782

٥٨ - باب في صَوْمِ شَوّالٍ . ٢٤٣٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ العِجْليُّ، حَدَّثَنا عُبيْدُ اللهِ - يَعْني: ابن مُوسَى - عَنْ هارُونَ بْنِ سَلْمانَ، عَنْ عُبيْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ القُرَشيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ - أَوْ سُئِلَ النَّبي ﷺ عَنْ صِيامِ الدَّهْرِ فَقالَ: "إِنَّ لأَهْلِكَ عَليْكَ حَقّا، صُمْ رَمَضانَ والَّذي يَلِيهِ وَكُلَّ أَرْبِعاءَ وَخَمِيسٍ فَإِذا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ". قَالَ أَبُو داوُدَ: وافَقَهُ زيْدٌ العُكْليُّ، وَخالَفَهُ أَبُو نُعيْمٍ قَالَ: مُسْلِمُ بْنُ عُبيْدِ اللهِ (١). * * * باب صوم شوال [٢٤٣٢] (حدثنا محمَّد بن عثمان) بن كرامة (العِجْلي) بكسر العين، ثمَّ سكون الجيم، روى له البخاري في الرقاق والردة (ثنا عبيد الله بن موسى العبسي) بإسكان الباء الموحدة، أحد الأعلام على تشيعه، عن (هارون بن سلمان) ويقال: ابن موسى، لا بأس به (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن مسلم القرشي) له صحبة (عن أبيه) مسلم. قال ابن عبد البر: يقال: مسلم بن [عبيد الله] (٢) الهذلي المدني القاضي ولا أدري: من أي قريش هو (٣)؟ . (قال: سألت أو سئل النبي ﷺ عن صيام الدهر، فقال: إِنَّ لأَهْلِكَ عَليْكَ حَقّا) وهو الوطء؛ إذ هو من حق الزوجة، وذلك أنَّه إذا صام الدهر ووالى القيام بالليل منعها

стр. 6783

بذلك حقها من الوطء، ويدخل في الأهل الأولاد والقرابة وحقهم الرفق بهم ومؤاكلتهم وملازمة صيام الدهر يؤدي نقص (١) حقهم، وأن فيه تقديم الأولى إذا تعارضت الفضائل (صُمْ رَمَضانَ والَّذي يَلِيهِ) وهو شوال، وإنما قال: "الذي يليه". ولم يقل: شوال؛ لأنَّ العلة في صيامه كونه يلي رمضان، أي: يقرب منه كما تقدم في الباب قبله، ولهذا ذكره المصنف -والله أعلم - باب صوم شوال بعد صوم شعبان إشارة إلى أن العلة في صيامهما كونهما قبله وبعده كما تقدم. (وصُم كُلَّ أَرْبِعاءَ) بفتح الهمزة، وكسر الباء والمد، وحكى الجوهري عن بعض بني أسد فتح الباء فيه، سمي بذلك لأنه رابع أيام الأسبوع، والجمع أربعاوات وأرابيع (٢). (وَخَمِيسٍ) يجمع على أخمسة وأخامس، وروى (٣) أبو يعلى عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ : "من صام يوم الأربعاء والخميس كتب الله له براءة من النار" (٤). المراد كل أربعاء وخميس كما في أبي داود (فإذًا) بالتنوين عوض عن الجملة تقديرها: فإذا صمت ذلك كان كما (قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ) زاد الترمذي: "وأفطرت"، قال الترمذي: رواته ثقات (٥).

стр. 6784

٥٩ - باب في صَوْمِ سِتَّةِ أيّام من شَوّالٍ . ٢٤٣٣ - حَدَّثَنا النُّفيليُّ، حَدَّثَنا عَبْد العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُليْمِ وَسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثابِتٍ الأنصاريِّ، عَنْ أَبي أيّوبَ صاحِبِ النَّبي ﷺ عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوّالٍ فَكَأَنَّما صامَ الدَّهْرَ" (١). * * * باب صوم ستة أيام من شوال [٢٤٣٣] (ثنا النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي، أخرج له البخاري مقرونًا بغيره، قال الذهبي: صدوق (٢). (عن صفوان ابن سليم) مصغر، الزهري مولاهم، مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف (وسعد بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري أخو يحيى بن سعيد (عن عمر بن ثابت الأنصاري) صاحب أبي أيوب الأنصاري، (عن أبي أيوب الأنصاري صاحب النبي ﷺ قال: مَنْ صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتّ) رواية البزار: "وأتبعه بست" (مِنْ شَوّالٍ) (٣). قال السخاوي: من شالت الإبل بأذنابها (٤) للطروق (٥).

стр. 6785

(فَكَأَنَّما صامَ الدَّهْرَ) تبينه زيادة الطبراني: قال: قلت: لكل يوم عشرة؟ قال: "نعم". ورواية ابن ماجه والنسائي ولفظه: "جعل الله الحسنة بعشر؛ فشهر بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة" (١). ورواه (٢) ابن خزيمة في "صحيحه" ولفظه وهو رواية للنسائي قال: "صيام شهر رمضان بعشرة أشهر (٣)، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام السنة (٤) ". وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء فصاموا هذِه الستة إثر يوم الفطر منهم الشافعي وأحمد بن حنبل، وكره مالك وغيره ذلك، وقال في "موطئه": لم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء (٥). قال القرطبي: أي: لئلا يظن أهل الجهالة أنها بقية من صوم رمضان، فأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهم وينقطع ذلك التخيل، ويدل على اعتبار هذا قوله: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم (٦) يوم ولا يومين" (٧). * * *

стр. 6786

٦٠ - باب كيف كانَ يَصُومُ النَّبيُّ ﷺ - ٢٤٣٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبي النَّضْرِ مَوْلَي عُمَرَ بْنِ عُبيْدِ اللهِ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبي ﷺ أَنَّها قالَتْ: كانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُول: لا يُفطِرُ. ويفطر حَتَّى نَقولَ: لا يَصومُ. وَما رَأيْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيامَ شَهْرِ قَطّ إلَّا رَمَضانَ، وَما رَأيْتُهُ في شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيامَا مِنْهُ في شَعْبانَ (١). ٢٤٣٥ - حَدَّثَنا موسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُريْرَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ بِمَعْناهُ. زادَ كانَ يَصُومُهُ إلَّا قَلِيلاً، بَلْ كانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ (٢). * * * باب كيفَ كانَ يَصُومُ النَّبي ﷺ يعني: التطوع. [٢٤٣٤] (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي النضر) سالم (مولى عمر بن عبيد) بالتصغير (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف (عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان النبي ﷺ يصوم حتى نقول) بالرفع والنصب، كقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِين﴾ (٣) - بالنون يعني:

стр. 6787

أصحابه وخاصته (لا يفطر) رواية البخاري: حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر (١). ورواية البخاري: ما أحب أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته (٢). يعني: أن حاله في التطوع بالصيام كان يختلف كما يختلف حاله بقيام الليل، فكان تارةً يصوم من أول الشهر وتارةً من وسطه وتارةً من آخره، وفي رواية: كان يصوم حتى يقولوا: لا يريد أن يفطر (٣). (ويفطر حتى نقول) يجوز أن يكون هذا شاهدًا على لغة سليم التي حكاها ابن مالك في "التسهيل" و"الألفية" وغيرهما أن يجري القول مجرى الظن مطلقًا. أي: ليس مشروطًا فيه أن يلي استفهامًا، وأن لا ينفصل بين الاستفهام والفعل، بل يعمل الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل والمصدر، بل يعمل مطلقًا (٤). وعلى هذا فقوله (لا يصوم) جملة في موضع نصب على المفعول الثاني، والتقدير: يصوم (٥) حتى نظنه لا يفطر بعدها، ويفطر حتى نظنه لا يصوم بعدها، أي: من كثرة ذلك (وَما رَأيْتُ رَسُولَ اللِّه اسْتَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَاّ رَمَضانَ) وفي رواية أبي داود الطيالسي: ما صام شهرًا تامّا منذ قدم

стр. 6788

المدينة غير رمضان (١). (وَما رَأيْتُهُ في شَهْر أَكثَرَ) منصوبًا وهو ثاني مفعولي رأيت، و (في شعبان) يتعلق بـ (صيامًا). (صيامًا) كذا للأكثر بالنصب، وحكى السهيلي أنه روي بالخفض. قال ابن حجر: وهو وهم، ولعل بعضهم كتب (صيامًا) بغير ألف على رأي من يقف على المنصوب بغير ألف فتوهمه مخفوضًا، أو أن بعض الرواة ظن أنه مضاف؛ لأن صيغة أفعل تضاف كثيرًا فتوهمها مضافة وهو باطل قطعًا (٢). (مِنْهُ في شَعْبانَ) إنما كان صيامه فيه أكثر من غيره لمعانٍ ذكر منها في حديث أسامة معنيان: أحدهما: أنه شهر يغفل الناس فيه بين رجب ورمضان كما في الحديث: "ذاكر الله في الغافلين كالحي بين الأموات" (٣). حتى قال أبو صالح: إن الله ليضحك ممن يذكره في السوق (٤). وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد كثيرة. والثاني: إنه ينسخ فيه الآجال كما روي عن عائشة: كان أكثر صيام رسول الله ﷺ في شعبان، قال: "إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت من يقبض، وأنا أحب أن لا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم" (٥). وقد روي مرسلًا. وقد روي في شعبان معنى آخر وهو أن النبي ﷺ كان يصوم من

стр. 6789

كل شهر ثلاثة أيام، وربما تأخر عليه شيء فيقضيه في شعبان. وقيل فيه معنى آخر، وهو أن صيامه كان كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل على صوم رمضان مشقة وكلفة. [٢٤٣٥] (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، [عن محمد] (١) بن عمرو) بن علقمة بن وقاص (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن [(عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ] (٢) بمعناه، زاد: كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كله) قيل: إن الكلام الأول مفسر للكلام الثاني، وموضح له، أي: كان يصوم معظمه، ونقل الترمذي عن كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر، يقال: قام ليله أجمع، ولقد كان يغشى، ويوافقه الرواية السابقة: ما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه فهو شعبان، وما استكمل صيام شهر إلا رمضان، ويحمل الكل على الأكثر، كما تقدم الكلام عليه (٣). والله أعلم. * * *

стр. 6790

٦١ - باب في صوْمِ الاْثنيْنِ والخمِيس . ٢٤٣٦ - حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أَبانُ، حَدَّثَنا يحيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبي الَحكَمِ بْنِ ثَوْبانَ، عَنْ مَوْلَى قُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، عَنْ مَوْلَى أسامَةَ بْنِ زيْدٍ، أنَّة انْطَلَقَ مَعَ أسامَةَ إِلى وادي القُرى في طَلَبِ مالٍ لَهُ فَكانَ يَصُوم يَوْمَ الاثنيْنِ ويومَ الَخمِيسِ فَقالَ لَهُ مَوْلاهُ: لِمَ تَصُوم يَوْمَ الاثنيْنِ وَيوْمَ الَخمِيسِ وَأَنْتَ شيْخ كَبِير فَقالَ: إِنَّ نَبي اللهِ ﷺ كانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثنيْنِ ويومَ الخَمِيسِ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: "إِنَّ أَعْمالَ العِبادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنيْنِ وَيوْمَ الخَمِيسِ". قالَ أَبو داوُدَ: كَذا قالَ هِشام الدَّسْتَوائيُّ، عَنْ يحيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبي الَحكَمِ (١). * * * باب صوم يوم الاثنين والخميس [٢٤٣٦] (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان) فيه الصرف وعدمه، (ثنا يحيى) بن سعيد (عن عمر بن أبي الحكم [بن ثوبان]) (٢) وقيل: عمر بن الحكم (بن زيد) المدني صدوق وثق [(عن مولى قدامة بن مظعون) بالظاء المعجمة (عن مولى أسامة بن زيد)] (٣). قال المنذري: في هذا السند راويان مجهولان هما مولى قدامة بن مظعون ومولى أسامة. قال: ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن شرحبيل

стр. 6791

ابن سعد، عن أسامة (١). (أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القُرى) بضم القاف وادٍ موضع من أعمال المدينة بين المدينة والشام، قاله الزمخشري وغيره (٢) (في طلب مال له) قد ضل (فكان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس) فيه التطوع في السفر بالصيام (فقال مولاه: لم) أصله ما الاستفهامية لما دخل عليها حرف الجر حذفت ألفها، ويجوز إدخال الهاء عليها في الوقف فيقال: "له" (تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير؟ ) فإنه لما قبض النبي ﷺ كان ابن عشرين سنة وعُمِّر إلى أن مات بعد قتل عثمان، قيل: سنة أربع وخمسين. قال ابن عبد البر: وهو عندي أصح، نزل بوادي القرى، قيل: ومات به، وقيل: حمل إلى المدينة (٣). (فقال: إن نبي الله ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فسئل عن ذلك، فقال: إِن أَعْمالَ العِبادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثنينِ ويَوْمَ الخَمِيسِ) رواية النسائي: "يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (٤). فيه دليل على استحباب صوم الاثنين والخميس والمداومة عليهما من غير عذر، وأغرب الحليمي فيعد في "منهاجه" من الصوم المكروه اعتياد يوم بعينه كالاثنين والخميس. وذكر عن ابن عباس أنه سئل عن صومهما فقال: أكره أن توقت

стр. 6792

عليك يومًا تصومه (١). وعن أنس: إياك أن تكون اثنينيّا أو خميسيّا أو رجبيّا (٢). ووجه الكراهة أن يخصص يوم أو شهر بالصوم دائمًا يشبه رمضان، وأجيب عن الأحاديث الواردة في صومهما، فإن المعنى: من أراد صيام يوم أو يومين، فهذان أولى من سواهما أو على أنه يديم صيامهما ما لم يدع إلى طعام أو ينزل به ضيف يحب أن يؤاكله أو يدخل إلى ذي حرمة فيقدم له (٣) طعامًا، قال الشافعي: إن خالف بين الشهور فصام بعضها جميعه مرة وأفطر مرة خرج من الكراهة (وكذا قال هشام) بن أبي عبد الله (الدستوائي) كان يبيع الثياب الدستوائية، ودستوا من الأهواز. (عن يحيى، عن عمر بن الحكم) أي: تابع أبان في الرواية عن يحيى. * * *

стр. 6793

٦٢ - باب في صَوْمِ العَشْرِ ٢٤٣٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّد، حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنِ الُحرِّ بْنِ الصّيَّاحِ، عَنْ هُنيْدَةَ بْنِ خالِدٍ، عَنِ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْواجِ النَّبي ﷺ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذي الِحجةِ وَيوْمَ عاشُوراءَ وَثَلاثَةَ أيّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنيْنِ مِنَ الشَّهْرٍ والخَمِيسَ (١). ٢٤٣٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيع، حَدَّثَنا الأعْمَشُ، عَنْ أَبي صالِح وَمُجاهِدٍ وَمُسْلِمِ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما مِنْ أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيها أَحَبُّ إِلى اللهِ مِنْ هذِه الأيّامِ". يَعْني: أيّامَ العَشْرِ. قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ وَلا الِجهادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قالَ: "وَلا الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ إلَّا رَجُل خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيء" (٢). * * * باب صوم العشر أي: عشر ذي الحجة. [٢٤٣٧] (حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) الوضاح (عن الحر بن الصياح) بالمثناة تحت والموحدة وهو النخعي ثقة (عن هنيدة) بالتصغير (ابن خالد) ثقة، روى عنه النسائي أيضًا. (عن أمرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله يصوم تسع ذي الحجة) بكسر الحاء، وروي فتحها، سمي ذلك لإيقاعهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة، استدل به النووي في "شرح المهذب"

стр. 6794

على استحباب صوم تسع ذي الحجة (١)، وقال: رواه أحمد (٢) والنسائي (٣). قال: وأما عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط، وفي رواية: لم يصم العشر. رواهما مسلم في "صحيحه" (٤). وسيأتي الثاني في كلام المصنف، فقال العلماء: هو متأول (٥) على أنها لم تره، ولا يلزم منه تركه في نفس الأمر؛ لأنه ﷺ كان يكون عندها في يوم من تسعة أيام، والباقي عند باقي أمهات المؤمنين، أو لعله كان يصوم بعضه في بعض الأوقات، وكله في بعضها ويتركه في بعضها لعارض من سفر أو مرض أو غيرهما، وبهذا يجمع بين الأحاديث (٦). (وبوم عاشوراء) بالمد على الأفصح وهو اليوم العاشر من المحرم، وبه قال جمهور العلماء. وقال ابن عباس: عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم، ثبت ذلك في "صحيح مسلم" (٧) والصحيح ما قاله الجمهور. قال النووي: وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى إطلاق اللفظ، وهو المعروف عند أهل اللغة (٨)، ويدل عليه قوله ﷺ : "لئن عشت إلى

стр. 6795

العام المقبل لأصومن التاسع" (١). وهذا صريح في أن الذي كان يصومه ليس هو التاسع (٢). لما سيأتي بعد إن شاء الله (وثلاثة أيام من كل شهر) قال النووي: الأيام البيض هي الثلاثة المأمور بصومها من كل شهر وكلام غيره يقتضي أنها غيرها حيث قالوا: يستحب صيام أيام البيض وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال القاضي حسين في تعليقه بعد ذكر الحديث: اختلفوا في الأيام الثلاثة، فمنهم من قال: أراد به الأيام البيض. ومنهم من قال: لا، بل هي أوائل كل عشر. و (أول) بالنصب بدل من ثلاثة (٣). كل (اثنين من الشهر والخميس) قال المتولي من أصحابنا: صوم ثلاثة أيام من كل شهر سنة، ومتى يستحب؟ قيل: أيام البيض، وقيل: الاثنين والخميس والاثنين، [فإن كان أوله الخميس أو الأربعاء مثلًا فإن الخميس يليه، فيحتمل أن يبدأ بصيام الخميس وبعده الاثنين] (٤) الآخر من كل شهر، أي: لهذا الحديث؛ فإنه فسر الأيام البيض بهذا، وهذا (٥) إذا كان أول الشهر (٦) الاثنين والخميس الآخر، وقد يؤخذ هذا من لفظ الحديث. [٢٤٣٨] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن أبي صالح) باذام مولى أم هانئ (ومجاهد ومسلم) بن عمران (البطين) بفتح
следующие страницы →