← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

أويس رواه كذلك عن الزهري (١). واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد (٢). (ورواه معمر وزياد بن سعد وغيرهما عن الزهري، عن عروة، عن عائشة) [٢٤٦٩] (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير القرشي، (عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكون معتكفًا في المسجد) فيه: اشتراط المسجد للاعتكاف. (فيناولني رأسه من خلل) بفتح الخاء المعجمة واللام الأولى، وأصله الفرجة بين الشيئين جمعه خلال، قال الله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (٣) (الحجرة) البيت وكل موضع حجر عليه بالحجارة فهو حجرة، (فأغسل رأسه) رواية النسائي عن حماد عن إبراهيم: فأغسله بخطمي (٤). فيه: دليل على جواز خدمة الحائض للمعتكف، وعلى جواز اغتسال المعتكف وغسل رأسه بسدر ونحوه، [وقد] (٥) تقدم قبله.

стр. 6862

(وقال مسدد: فأرجله وأنا حائض) فيه ما تقدم، ولم يقل: حائضة؛ لأن الهاء التي للتأنيث يؤتى بها للفرق بين المذكر والمؤنث والحيض من الصفات المختصة بالنساء، فلا حاجة إلى أنها الفارقة. فإن قلت: قد جاءت (المرضعة) ونحوها. الجواب للزمخشري: المرضعة: هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع: هي التي من شأنها الإرضاع وإن لم ترضع (١). ومعناه: أن (مرضعة) هو إذا جرى (٢) فعل من أرضعت، ومرضع لمن هي ذات رضاع وإن لم ترضع. قال في "الانتصاف": الفرق بينهما أن [وروده على] (٣) النسب لا يلاحظ فيه (٤) حدوث الصفة المشتق منها، بل مقتضاه أنه (٥) موصوف بها، وأما على (٦) غير النسب يلاحظ حدوث الفعل وخروج الصفة عليه (٧). فإذا قلت: مررت بامرأة حاملة. مررت بها في حال كونها حاملة، فإذا قلت: حامل. بغير هاء كان معناه: مررت (٨) بامرأة من شأنها أن

стр. 6863

تحمل، ولا يلزم أن تكون في وقت مررت بها حامل (١). [٢٤٧٠] (حدثنا أحمد بن محمد) بن شبويه (المَروزي) بفتح الواو، (حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين) بن علي ابن زين العابدين (عن صفية) أم المؤمنين أنها حدثته كما في "صحيح ابن حبان" (٢). (قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا) في المسجد في العشر الأواخر من رمضان كما في البخاري (٣). (فأتيته أزوره) في اعتكافه، فيه دليل على زيارة المرأة الرجل المعتكف (٤) زوجًا كان أو محرمًا لها (ليلًا) كذا رواية البخاري في باب صفة إبليس (٥). وفيه: جواز خروج المرأة ليلًا من بيتها لزيارة جار أو محرم إذا أمنت على نفسها. (فحدثته) زاد البخاري: ساعة (٦). وفي الأدب: ساعة من العشاء (٧). فيه: تصريح بجواز حديث المعتكف مع غيره وإباحة خلوة المعتكف بزوجته وخادمته من أمة وغيرها. (ثم قمت فانقلبت) أي: لأرجع إلى البيت، (فقام معي ليقلبني) رواية

стр. 6864

البخاري: وكان النبي في المسجد وعنده أزواجه فَرُحْنَ، فقال لصفية بنت حيي: "لا تعجلي حتى أنصرف معك" (١). واختصاص صفية بذلك لكون مجيئها تأخر عن رفقتها، فأمرها بتأخير التوجه ليحصل لها التساوي في مدة جلوسهن عنده، أو أن بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها فخشي النبي ﷺ عليها وكان مشغولًا فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيعها (٢). وفيه: جواز خروج المعتكف من المسجد للأمور المستحبة والمباحة من تشييع زائره والمشي عليه. (وكان مسكنها في دار أسامة) [زاد في رواية عبد الرزاق عن معمر وكان مسكنها في حجرة (٣) أسامة] (٤) إذ ذاك، ولم يكن له دار مستقلة يسكن فيها صفية وفي قوله: (مسكنها) إضافة بيوت أزواج النبي ﷺ إليهن وإن لم يكن ملكًا لهن. (فمر رجلان من الأنصار) ذكر ابن العطار في "شرح العمدة" أنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر (٥) وفي رواية في الصحيحين (٦): لقيه رجل. بالإفراد، ووجهه أن أحدهما كان تبعًا للآخر، فحيث أفرد ذكرَ الأصلَ، وحيث ثنى ذكرَ الصورةَ. (فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا) أي: في المشي، وفي رواية البخاري:

стр. 6865

فمر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله (١)، (فقال النبي: على رسلكما) بكسر الراء ويجوز فتحها أي: امشيا على هينتكما، (إنها صفية بنت حيي) وفي رواية البخاري: "هذِه صفية" (٢). فيه: بيان شفقته ﷺ على أمته وإرشادهم إلى ما يدفع الإثم عنهم. وفيه: التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار. قال ابن دقيق العيد: وهذا يتأكد في حق العلماء ومن يقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب ظن السوء بهم (٣) وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم الذي حكم به عليه إذا كان خافيا نفيا للتهمة (٤). وفيه: دليل على هجوم خواطر الشيطان على النفس وما كان من ذلك غير مقدور على تركه فلا يؤاخذ به. (فقال: سبحان الله يا رسول الله! ! ) زاد البخاري: وكَبُرَ عليهما (٥)، وزاد النسائي (٦): ذلك. وفي رواية في الأدب (٧): وكَبُرَ عليهما ما قال.

стр. 6866

وفي رواية هشيم: فقالا: يا رسول الله هل نظن بذلك إلا خيرًا (١)؟ وفيه: دليل على قول سبحان الله عند التعجب، وقد وقعت في الحديث لتعظيم الأمر وتهويله وللحياء من ذكره. (قال: فإن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) المراد جنس أولاد آدم، فيدخل فيه الرجال والنساء؛ لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، وقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بلفظ الذكور إلا أن العرف عممه فأدخل فيه النساء (فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا أو قال شرًّا) بالشين المعجمة والراء وهي رواية مسلم (٢)، وأحمد (٣) وفي رواية للبخاري: سوءًا بالمد. [٢٤٧١] (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري بإسناده بهذا قالت: حتى إذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أم سلمة مر بهما رجلان وساق معناه) والحاصل من هذِه الروايات أن النبي ﷺ لم ينسبهما إلى (٤) أنهما يظنان به سوءًا لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك؛ لأنهما غير معصومين، وقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك فبادر إلى إعلامهما حسمًا للمادة وتعليمًا لمن بعده إذا وقع له مثل ذلك كما قال الشافعي، فقد روى الحاكم أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن هذا الحديث فقال الشافعي: إنما قال لهما

стр. 6867

ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفسهما شيئًا يهلكان به (١)، وغفل البزار فطعن في حديث صفية هذا واستبعد وقوعه ولم يأت بطائل، والله الموفق. وقوله: يجري، قيل: هو على ظاهره، وأن الله تعالى أقدره على ذلك، وقيل: هو على سبيل الاستعارة من كثرة إغوائه فكأنه لا يفارق كالدم فاشتركا في شدة الاتصال وعدم المفارقة (٢). * * *

стр. 6868

٨١ - باب المُعْتَكفِ يَعُودُ المَرِيضَ ٢٤٧٢ - حَدَّثَنا عَبْد اللهِ بْن محَمَّدٍ النُّفيليُّ وَمحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْب، أَخْبَرَنا اللّيْثُ بْن أَبى سُليْمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ -قالَ النُّفيليُّ- قالَتْ: كانَ النَّبي ﷺ يمرُّ بِالمَرِيضِ وَهوَ مُعْتَكِفُ فيمرُّ كَما هُوَ وَلا يعَرّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. وقالَ ابن عِيسَى قالَتْ: إِنْ كانَ النَّبي ﷺ يَعُودُ المَرِيضَ وَهوَ مُعْتَكِفٌ (١). ٢٤٧٣ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنا خالِدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -يَعْني: ابن إِسْحاقَ- عَنِ الزّهْريِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ أَنَّها قالَت: السُّنَّة عَلَى المُعْتَكِفِ أَنْ لا يَعُودَ مَرِيضًا وَلا يَشْهَدَ جَنازَةَ وَلا يَمَسَّ امْرَأة وَلا يُباشِرَها وَلا يَخْرُجَ لحِاجَةٍ إلَّا لمِا لا بُدَّ مِنْهُ وَلا اعْتِكافَ إلَّا بِصَوْمِ وَلا اعْتِكافَ إلَّا في مَسْجِدٍ جامِعٍ. قالَ أَبُو داودَ: غيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحاقَ لا يَقُولُ فِيهِ: قالَتِ السُّنَّةُ. قالَ أَبُو داوُدَ: جَعَلَهُ قَوْلَ عائِشَةَ (٢). ٢٤٧٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا أَبُو داوُدَ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُديْلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينار، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﷺ جَعَلَ عَليْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ في الجاهِلِيَّةِ ليْلَةَ أَوْ يوْمًا عنْدَ هوْدَ الكَعْبَةِ فَسَأَلَ النَّبي ﷺ فَقالَ: "اعْتَكِفْ وَصُمْ" (٣). ٢٤٧٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبانَ بْنِ صالِحِ القُرَشيِّ، حَدَّثَنا

стр. 6869

عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ -يَعْني: العَنْقَزيَّ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُديْلٍ، بإِسْنادِهِ نَحْوَهُ، قالَ: فَبيْنَما هُوَ مُعْتَكفٌ إِذْ كَبَّرَ النّاسُ فَقالَ: ما هذا يا عَبْدَ اللهِ؟ قالَ: سَبْي هَوازِنَ أَعْتَقَهُمُ النَّبي ﷺ قالَ: وَتلْكَ الجارِيَةُ. فَأَرْسَلَها مَعَهُمْ (١). * * * باب المعتكف يعود المريض [٢٤٧٢] (حدثنا النُّفيلي ومحمد بن عيسى قالا: حدثنا عبد السلام بن حرب) النهدي، ثقة (أنا الليث بن أبي سليم) أبو بكر القرشي، روى له مسلم. أحد العلماء، لا نعلمه لقي صحابيّا. (عن عبد الرحمن بن أبي القاسم، عن أبيه) القاسم بن محمد بن (٢) الصديق، (عن عائشة) قال: (النفيلي قال: قالت: كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو) يحتمل أن تكون ما مصدرية والتقدير: أنه يمر كمروره الذي هو معتاده، (ولا يعرج) أي على الجلوس أو الإقامة عنده، (يسأل عنه) من قولهم: عرج فلان على المنزل إذا حبس مطيته عليه وأقام، فيه دليل على عيادة المريض والسؤال عنه كان معلومًا عندهم (٣) من سنة النبي ﷺ وعادتهم. واستدل بهذا الحديث على أن المعتكف لا يجوز له الخروج لعيادة المريض، وهو قول عطاء وعروة ومجاهد والزهري (٤) ومالك (٥)

стр. 6870

والشافعي (١) وإحدى الروايتين عن أحمد (٢)، وهذا في الاعتكاف المنذور؛ لأن عيادة المريض ليست بواجبة فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب لأجله. وقال القاضي الماوردي: إن كان المريض من ذوي رحمه وليس له من يقوم به فهو مأمور بالخروج إليه، فإن عاد بنى على اعتكافه كالمرأة إذا خرجت لقضاء العدة ثم عادت تبني، قال: وفيه وجه شاذ أنها تستأنف (٣). قال النووي: ونقله أيضًا السرخسي وهو اختيار لصاحب "التقريب"، وقال أحمد في الرواية الثانية وبعض السلف: يجوز له (٤). واتفق العلماء على أنه يستحب له عيادة المريض في المسجد ولو خرج لقضاء حاجته فعاد مريضًا في طريقه فإن لم يقف بسبب العيادة ولا عرج عن طريقه بسببها بل اقتصر على السلام والسؤال عنه جاز، ولا يبطل اعتكافه [خلافا للحديث المذكور، ولأنه لم يفوت زمانا بالعيادة، وإن وقف للعيادة وأطال بطل اعتكافه] (٥) وإن لم يطل فطريقان: أصحهما وبه قطع الجمهور وادعى الإمام الاتفاق عليه: لا يبطل؛ لأنه قدر يسير ولم يخرج لأجله وضبط الإمام البغوي اليسير بأن يكون قدر صلاة الجنازة، فإن وقف أكثر منه فطويل، وأما اعتكاف التطوع فلا يخفى

стр. 6871

أن له أن يخرج منه لعيادة المريض (١). قال الأصحاب: والبقاء (٢) في المعتكف وعيادة المريض سواء، لكن إن خرج المعتكف لما لابد له منه فلا يسأل عن المريض في طريقه ولا يعرج عليه للوقوف عنده، قال صاحب "الشامل": هذا مخالف للسنة، والأفضل البقاء على اعتكافه للحديث، ولأن النبي ﷺ كان لا يخرج من الاعتكاف لعيادة المريض، وكان اعتكافه تطوعًا. قال النووي: والمذهب ما قال الأصحاب (٣). (وقال) محمد (بن محمد بن عيسى قال: إن كان النبي ﷺ ) أي: إن الأمر والشأن كان النبي (يعود المريض وهو معتكف) فيه: دليل على أن المعتكف يجوز له أن يعود المريض، وهو قول علي ﵁، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والحسن (٤)، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٥)، ويدل عليه ما رواه أحمد والأثرم، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁-قال: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة وليعد المريض وليشهد الجنازة، وليأت أهله ويأمرهم بالحاجة وهو قائم (٦).

стр. 6872

قال أحمد: وعاصم بن ضمرة عندي حجة (١). وبما رواه ابن ماجه عن الهياج الخراساني، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن عبد الخالق، عن أنس قال رسول الله ﷺ : "المعتكف يتبع الجنازة ويعود المريض" (٢). قال النووي: هياج الخراساني وعنبسة ضعيفان متروكا الحديث [لا يجوز الاحتجاج برواية واحد منهما (٣). وعند الشافعي لا يجوز ويبطل الاعتكاف (٤)] (٥). وعلى تقدير صحة الدليل فهو محمول على أن المعتكف يعود المريض إذا خرج لما لابد له منه وعاده في طريقه ولم يعرج للعيادة، وفيه الجمع بين الأحاديث. [٢٤٧٣] (حدثنا وهب بن بقية) الواسطي، روى له مسلم في "صحيحه". (حدثنا خالد) بن عبد الله الواسطي الطحان، ثقة عابد، اشترى نفسه من الله ثلاث مرات يتصدق بزنة نفسه فضة. (عن عبد الرحمن بن إسحاق) بن عبد الله القرشي، قال أحمد: صالح الحديث (٦). وقال عباس، عن ابن معين: ثقة (٧). وقال أبو داود: قدري ثقة، ولما طلبت القدرية أيام مروان هرب إلى البصرة (٨).

стр. 6873

خرّج له مسلم من حديث بشر بن المفضل عنه عن الزهري (١)، وكان كثير العلم شاعرًا فصيحًا (٢). (عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: السنة على المعتكف) قال شارح "المصابيح": إن كانت أرادت السنة إضافة هذِه الأمور إلى النبي ﷺ قولًا وفعلًا فهي نصوص لا يجوز خلافها، وإن كانت أرادت به الفتوى على معنى ما عقلت من (٣) السنة فقد خالفها بعض الصحابة في هذِه الأمور، وسيأتي أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول أنها قالت: السُّنَّة. فدل ذلك على احتمال أنها قالته فتوى منها ليس برواية عن النبي ﷺ (أن لا يعود مريضًا) إلا في طريقه إذا لم يعرج -كما تقدم- عن الطريق ولم يطل وقوفه فإنه لا يبطل اعتكافه على المشهور، وادعى الإمام إجماع الأصحاب عليه (٤). (ولا يشهد جنازة) أي: الصلاة عليها. فيه: دليل لما قاله الجمهور وقطعوا به أن المعتكف لا يجوز له أن يخرج من المسجد لصلاة الجنازة، وبه قال عطاء وعروة ومجاهد والزهري (٥) ومالك (٦) وأصحاب الرأي (٧)، وأصح الروايتين عن

стр. 6874

أحمد (١). ويدل عليه ما رواه مسلم: قال النبي ﷺ : "فليبيت في معتكفه" (٢). يعني: ولا يخرج منه، وهذا في اعتكاف النذر ولا يجوز له الخروج سواء تعينت عليه أم لا؛ لأنها إن لم تتعين عليه قام غيره مقامه فلا يترك المتعين عليه لغير المتعين، وإن تعينت عليه أمكن فعلها في المسجد بإحضار الميت إليه، فهو غير محتاج إلى الخروج؛ فإن خرج بطل اعتكافه. وفي وجه حكاه الماوردي وغيره: إن كان الميت ذوي رحمه وليس له من يقوم بدفنه خرج له؛ لأنه مأمور بالخروج، فإذا رجع بنى، وفي قول أنه يستأنف ولو خرج لقضاء حاجته فصلى في طريقه على جنازة، فإن وقف ينتظرها أو عدل عن طريقه إليها بطل اعتكافه قطعًا (٣). - وإن لم ينتظرها ولا عدل عن طريقه عنها ففيه أربع طرق: أصحها وبه قال الجمهور أنه لا يبطل اعتكافه لأنه زمن يسير. (ولا يمس امرأة) اختلف أصحابنا في فساد الاعتكاف بمقدمات الجماع كلمس المرأة بشهوة ومعانقتها وتقبيلها وغير ذلك على ثلاثة أقوال أو أوجه: أحدها: أنه لا يفسد بها سواء أنزل أو لم ينزل. وثانيها: يفسد بها سواء أنزل أم (٤) لم ينزل، وبه قال مالك (٥).

стр. 6875

وثالثها: وبه قال أبو حنيفة (١) والمزني (٢) وأصحاب أحمد (٣) أنه يفسد إن اقترن بها إنزال وإلا فلا، قال الرافعي: والمفهوم من كلام الأصحاب بعد الفحص عنه أن هذا القول أرجح (٤). وإذا قلنا بالصحيح لا يفسد فيكره له اللمس بشهوة، ولا يفسد اعتكافه؛ لأنها مباشرة لا يبطل الحج بها فلا يبطل الاعتكاف كالقبلة ولا يكره اللمس بغير شهوة ولا التقبيل على سبيل الشفقة والإكرام المصالحة عند الغيظ أو عند قدومها من السفر ونحوه؛ لأن عائشة كان النبي ﷺ [يدني إليها] (٥) رأسه فتغسله وتمشطه، ولا يخلو ذلك عن مس. وأما قوله في الحديث: "لا يمس امرأته" فمحمول على المس بشهوة، والله أعلم. (ولا يباشرها) أي: فيما دون الفرج بشهوة كما تقدم، وأما المباشرة في الفرج فإن جامع في الفرج عالمًا بتحريمه ذاكرًا للاعتكاف بطل اعتكافه إجماعًا للحديث ولقوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٦) سواء جامع في المسجد أو في غيره حيث خرج لعذر كقضاء الحاجة. وفيه وجه أنه لا يبطل إذا جامع في حال خروجه لعذر من غير مكث،

стр. 6876

بأن كان في هودج أو جامع في وقفة يسيرة لأنه لم يصرف النية زمنًا وليس معتكفًا في هذِه الحالة في أحد الوجهين وهو بعيد. ولو جامع ناسيًا للاعتكاف أو جاهلًا بتحريمه فالمذهب وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين: هو على الخلاف في فطره بالصوم، وقال مالك (١) وأبو حنيفة (٢) وأحمد (٣): يفسد بجماع الناسي كما يفسد بجماع العامد، ولا فرق بين جماع وجماع (٤). ولنا قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وروى المزني عن نص الشافعي في "الأم" في بعض المواضع: أنه لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا بما يوجب الحد (٥). قال الإمام: ومقتضى هذا أنه لا يفسد الاعتكاف بوطء البهيمة وبالإتيان في الدبر إذا لم يوجب فيه حدًّا (٦). أي: وفي معناه الوطء في قبل الزوجة ودبرها. قال الإمام (٧): وهذا من أطرف (٨) العجائب (٩). (ولا يخرج) بالنصب (لحاجة إلا لما لابد منه) قال الجوهري: لابد

стр. 6877

من كذا كأنه قال: لا فراق منه، والبد العوض (١). أي: لا يخرج من المسجد إلا لما لا يعوض عنه غيره في فعله أو قوله ويتعين عليه فيخرج البول والغائط؛ لأن هذا لابد له منه، وهذا بالإجماع، ولا يمكن فعله في المسجد، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له (٢) من يأتيه به فله الخروج إليه إذا احتاج إليه وإن وجد من يأتيه أو وجد الماء في المسجد. أما الخروج للأكل ففيه وجهان: أحدهما: ما رجحه الإمام البغوي أنه لا يجوز (٣). والثاني وبه قال الأكثرون وهو نصه في "الأم": يجوز (٤)؛ لأن الأكل في المسجد يستحيى به، ويشق عليه (٥). وهذا قول مردود؛ لأن النبي ﷺ كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، وكان أكثر الناس حياء وأعظمهم مروءة، ويدل عليه هذا الحديث. وإذا خرج لما لابد منه فلا يجب عليه قضاؤه لعلتين: أحدهما: أن الاعتكاف مستمر فيها على الصحيح، وقطع به بعضهم. والثاني: أن زمن الخروج لما لابد منه مستثنى وإن خرج لما له بد منه (٦) عامدًا بطل اعتكافه إلا أن يكون اشترط.

стр. 6878

(ولا اعتكاف إلا بصوم) احتج به مالك (١) وأبو حنيفة (٢) على الصوم شرط لصحة الاعتكاف، وعن القديم قول (٣) مثل قول مذهبهما وهو قول ابن عباس لهذا الحديث. وجوابه أنه تفرد به سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف (٤). فدل على أنه لا يُشْتَرط أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال كما تقدم، ورواه مسلم بهذا اللفظ (٥) وهو متناول يوم العيد، ويلزم (٦) من صحته أن الصوم ليس بشرط، وحديث عمر الآتي في نذره كما سيأتي له مزيد. (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) أما اشتراط المسجد فلقوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وسطح المسجد ورحبته منه فيصح الاعتكاف فيه. واحتج بهذا الحديث الزهري وغيره على ما ذهب إليه أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد الجامع (٧)، وأومأ الشافعي في القديم إليه. واقتضت الآية جواز الاعتكاف في كل مسجد، وهو مذهبنا (٨)

стр. 6879

ومذهب مالك (١)، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله وأبو ثور: يصح في كل مسجد يصلى فيه الصلوات كلها وتقام فيه الجمعة (٢). وعن حذيفة ابن اليمان الصحابي: لا يصح الاعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة (٣) وعن ابن المسيب: لا يصح إلا في مسجد النبي ﷺ (٤). (قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: قالت السنة) وأخرجه النسائي من حديث يونس، وليس فيه: قالت السنة، ومن حديث الإمام مالك وليس فيه أيضًا ذلك (٥). وعبد الرحمن المذكور يقال له: عبادة، زاد هذِه الزيادة وهو ثقة، وزيادة الثقة مقبولة. [٢٤٧٤] (حدثنا أحمد بن إبراهيم (٦) [عن أبي داود حدثنا] (٧) عبد الله ابن بديل) بضم الباء الموحدة (٨) مصغرًا (ابن ورقاء) ويقال: ابن (٩) بشر (الليثي) المكي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (١٠). (عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، أن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف) فيه أن جعلت علي كذا وألزمت نفسي كذا ونحوه مما يقتضي لفظه إلزامًا

стр. 6880

يصح به النذر ولو لم يضفه لله تعالى وهو المذهب؛ لأن العبادات ينوي بها الله وإن لم يذكر (في الجاهلية) فيه: أن النذر واليمين ينعقدان في الكفر حتى يجب الوفاء بهما إذا أسلم، وأنه إذا نذر أو حلف لا يكلم إنسانًا وكان ذلك في كفره في الجاهلية ثم أسلم يلزمه الوفاء به، ويلتحق اليمين بالنذر لاشتراكهما في التعليق، والصحيح من مذهب الشافعي أنه لا يصح نذر الكافر (١)، وهو مذهب الجمهور؛ لأنه قربة والكافر ليس من أهلها. وقد اختلف في الجواب عن هذا الحديث، فقال ابن العربي في "القبس" (٢): لما نذر عمر في الجاهلية وأسلم أراد أن يكون مثله في الإسلام، ونواه، فأمره أن يأتي به وإن لم يتلفظ (٣). وفي هذا نظر، فإن عمر إنما ذكر مجرد إخباره في حال الجاهلية، وليس فيه ما يدل على نية في الإسلام، وإذا ثبت لنا على أنه نوى قلنا: إن مجرد النية لا توجب اعتكافًا ولا غيره من العبادات، فإنها لا تلزم إلا بالقول، وأوله ابن دقيق العيد بأنه أمر أن يأتي باعتكاف يوم يشبه ما نذر لئلا يخل بعبادة نوى فعلها، فأطلق عليه أنه منذور لشبهه بالمنذور (٤). (ليلة) فيه دليل على أنه يصح اعتكاف الليل وحده، والقديم لا

стр. 6881

يصح، قال الإمام: قال الأئمة: إذا قلنا بالقديم لم يصح الاعتكاف في الليل لا تبعًا ولا منفردًا (١). وعند (٢) أبي حنيفة ﵀: يجوز تبعًا (٣) (أو يومًا) شك من الراوي، وفي رواية في "الصحيح": ليلة (٤)، من غير شك (عند الكعبة) في رواية: يومًا في المسجد الحرام (٥) [لعله العمدة لعطاء] (٦) فيما ذهب إليه أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة. (فسأل النبي ﷺ فقال: اعتكف) استدل الشافعي بهذا الحديث على عدم اشتراط الصوم للمعتكف؛ لأن الليل لا صيام فيه (٧). وأجيب بأنه جاء في رواية: أن أعتكف يومًا وليلة (٨). ولأن العرب تعبر بالليلة عن اليوم والليلة (وصم). [٢٤٧٥] (حدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح القرشي، حدثنا عمرو بن محمد) العنقزي الكوفي، وثقوه. (عن عبد الله بن بديل بإسناده نحوه قال: فبينما هو معتكف) في المسجد الحرام (إذ كبر

стр. 6882

الناس) نسخة (كبر الناس) فيه: التكبير عند مشاهدة النعمة العظيمة. (قال: ما هذا يا عبد الله؟ ) يعني: ابن عمر بن الخطاب (قال: سبي) بالرفع خبر مبتدأ محذوف. أي: هذا سبي (هوازن) وكان ستة آلاف رأس غنمت يوم حنين (أعتقهم النبي ﷺ ) ومنَّ عليهم بالعتق (قال: وتلك الجارية) بالنصب مفعول مقدم (فأرسلها معهم) بفتح الهمزة وكسر السين، أي أطلقها لتذهب مع سبي هوازن فإنها منهم وفي بعضها بفتح السين واللام. * * *

стр. 6883

٨٢ - بَابُ فِي المُسْتَحَاضَةِ تَعْتَكِفُ ٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عِيسَى وَقُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ النَّبِيّ ﷺ امْرَأةٌ مِنْ أَزْواجِهِ فَكانَتْ تَرى الصُّفْرَةَ والحُمْرَةَ فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلّي (١). * * * باب المستحاضة تعتكف [٢٤٧٦] (حدثنا محمد بن عيسى وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا يزيد) ابن زريع] (عن خالد) بن مهران (عن عكرمة، عن عائشة قالت: اعتكفت مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه) أخرج البخاري (٢) عن خالد الحذاء عن عكرمة: أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة. فحصل بذلك معرفة عينها. (وكانت ترى) فيه: جواز مكث المستحاضة في المسجد (الصفرة والحمرة) كناية عن الاستحاضة وهي صفة لازمة للمستحاضة، وأن الحمرة والصفرة من صفات دم الاستحاضة، وأن الحمرة أقوى من الصفرة لتقدمها في الذكر (فربما وضعت الطست) أصله الطس، فأبدلت من إحدى السينين تاء للاستثقال، فإذا جمعت أو صغرت ردت إلى أصلها، فجمع الطست طساس وتصغيره طسيس (٣).

стр. 6884

وفيه: صحة اعتكاف المستحاضة، وجواز حدث البول والغائط فيه إذا كان في وعاء ويؤمن منه التلويث، وكذا الفصد والحجامة، وفيه: إباحة الاعتكاف لمن به سلس البول والمذي أو جرح يسيل قياسًا على المستحاضة (تحتها وهي تصلي) فيه: صحة صلاة المستحاضة في المسجد وغيره، والله أعلم. آخر الاعتكاف. * * *

стр. 6885

شرح سنن أبي داود لابن رسلان تصنيف شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسين بن علي بن رسلان المقدسي الرملي الشافعي (المتوفى سنة ٨٤٤ هـ) أشرف عليه وشارك في تحقيقه خالد الرباط تحقيق أحمد سليمان - صالح حسون - أحمد محمود عبد المجيد - أحمد عبد الموجود سيد بمشاركة الباحثين بدار الفلاح كتاب الجهاد ٢٤٧٧ - ٢٧٤٧ [المجلد الحادي عشر]

стр. 6886

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6887

شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُد لِابْنِ رَسْلَان [١١]

стр. 6888

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميعُ الحقوقِ مَحْفوظَة لِدَارِ الفَلَاحِ وَلَا يجوز نشر هَذَا الْكتاب بِأَيّ صِيغَة أَو تَصْوِيره PDF إِلَّا بِإِذن خطي من صَاحب الدَّار الْأُسْتَاذ/ خَالِد الرَّباط الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الكتُب ١٧١٦٤/ ٢٠١٥ دَارُ الفَلَاحِ لِلبحثِ العِلمي وتَحْقِيق التُّرَاثِ ١٨ شَارِع أحمس - حَيّ الجامعة - الفيوم ت: ٠١٠٠٠٠٥٩٢٠٠ Kh_rbat@hotmial.com تطلب منشوراتنا من: • دَار الْعلم - بلبيس - الشرقية - مصر • دَار الأفهام - الرياض • دَار كنوز إشبيليا - الرياض • مكتبة وتسجيلات ابْن الْقيم الإسلامية - أَبُو ظَبْي • دَار ابْن حزم - بيروت • دَار المحسن - الجزائر • دَار الْإِرْشَاد - استانبول • دَارُ الفَلَاحِ - الفيوم

стр. 6889

كِتَابُ الجِهَادِ

стр. 6890

١٥ - كتاب الجهاد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الكريم الوهاب، اللهم ألهم الصواب، وصل وسلم على محمد والأصحاب أول كتاب الجهاد الجهاد: مأخوذ من الجهد بفتح الجيم وهو التعب والمشقة، وبضم الجيم الطاقة، يقال: بلغ جُهده أي: طاقته. والجهاد يكون بأربعة أشياء: بالقلب، واللسان، واليد، والسيف. فجهاد القلب مكابدة الشيطان في الوساوس، ومكابدة الدسائس ودفع النفس عن العادات والمخالطات واشتغاله بحفظ الأوقات، قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (١) قال عبد الله بن المبارك:

стр. 6891

هو مجاهدة النفس والهوى (١). وذلك حق الجهاد وهو الجهاد الأكبر على ما ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال في بعض غزواته: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" (٢). وقيل: إن بعض الصالحين كتب إلى أخ له يستدعيه إلى الغزو فكتب إليه: يا أخي، كل الثغور مجتمعة في بيت واحد، والباب علي مردود فكتب إليه أخوه: لو كان الناس كلهم لزموا ما لزمته أختلفت أمور المسلمين وطمع الكفار؛ فلابد من الجهاد. فكتب إليه: يا أخي، لو لزم الناس ما أنا [عليه] (٣) لكانوا إذا قالوا في زواياهم: الله أكبر. تهدم سور قسطنطينية. وجهاد اللسان: جهاد الربانيين والأحبار من العلماء؛ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيأتي في أبي داود عن أبي سعيد،

стр. 6892

عن النبي ﷺ : "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (١). والإغلاظ (٢) على المنافقين كما قال تعالى: " ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣). وجهاد اليد: إقامة الحدود على الزناة، والقذفة، وشربة الخمر، وغير ذلك مما أوجبه الله عليهم. وجهاد السيف: قتال المشركين على حفظ الدين، فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أطلق لم يقع عرفًا إلا على مجاهدة الكفار بالسيف. * * *

стр. 6893

١ - باب ما جاءَ في الهِجْرَة وَسُكْنَى البَدْوِ ٢٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ - يَعْني ابن مُسْلِمِ - عَنِ الأَوْزَاعِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ أَنَّ أَعْرابِيًّا سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَنِ الهِجْرَةِ فَقالَ: "ويْحَكَ، إِنَّ شَأْنَ الهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إبلٍ؟ ". قالَ: نَعَمْ. قالَ: "فَهَلْ تُوَدِّي صَدَقتَها؟ ". قالَ: نَعَمْ. قالَ: "فاعْمَلْ مِنْ وَراءِ البِحارِ فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شيْئًا" (١). ٢٤٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمانُ ابنا أَبِي شيْبَةَ قالا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الِمقْدامِ ابْنِ شُريْحٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: سَأَلْتُ عائِشَةَ ﵂ عَنِ البَداوَة فَقالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْدُو إِلى هذِه التِّلاعِ، وَإِنَّهُ أَرَادَ البَدَاوَةَ مَرَّةَ فَأَرْسَلَ إِليَّ نَاقَةَ مُحَرَّمَةَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَقالَ لي: "يا عائِشَةُ، ارْفُقي؛ فَإِنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ في شَيء قَطُّ إِلَّا زانَهُ، وَلا نُزِعَ مِنْ شَيء قَطُّ إِلَّا شَانَهُ" (٢). * * * باب ما جاء في الهجرة الهجرة: مأخوذة من الهجر وهو ضد الوصل، يقال: هَجَرَ المكان إذا فارقه وخرج منه كما سيأتي (وسكنى البدو) أي: باب في هجرة الوطن الذي هو فيه، وفي حكم السكنى في البدو. والبدو بفتح الباء الموحدة هي البادية، والنسبة إليها بدوي، والبدو خلاف الحضر. [٢٤٧٧] (عن مؤمل بن الفضل) الحراني، قال أبو حاتم (٣): ثقة.

стр. 6894

(قال: حدثنا الوليد بن مسلم) عالم الشام (عن الأوزاعي، عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عطاء بن يزيد) الليثي (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك (أن أعرابيًّا) قدم من البادية (سأل النبي ﷺ ) فيه دليل على شدة اعتناء أعراب البوادي بالدين، وسؤالهم عما يحتاجون إليه، بخلاف عرب هذا الزمان (عن الهجرة) أي: من البادية إلى المدينة النبوية لينتقل من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ولم يستأذنه في التخلف عنه، ولم يعتذر له (١) كما استأذن المنافقون فعصوا بالتخلف. قال العلماء: الهجرة من الأرض التي هو فيها على ستة أقسام: [الأول] (٢) الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام. الثاني: الخروج من أرض تظهر فيها المعاصي ولا يقدر على إزالتها. الثالث: الخروج من أرض غلب فيها أكل (٣) الحرام إلى أرض فيها الحلال، فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم. الرابع: الفرار من الإذاية في البدن إذا خاف على نفسه؛ فقد أذن الله بالفرار من المحذور، وأول من فعله إبراهيم ﵇؛ فإنه لما خاف من قومه قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٤)، وقال مخبرًا عن موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٥).

стр. 6895

الخامس؛ خوف المرض في البلاد الوخمة، وقد أذن النبي ﷺ للرعاء حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المرج فيكونوا فيه حتى يصحُّوا، واستثنى بعضهم من ذلك الخروج خوفًا من الطاعون، وقالوا (١): الخروج منه مكروه. السادس: الخروج خوف الإذاية في المال وفي الأهل، فإن حرمة مال المسلم وأهله كحرمة دمه، بل الخروج خوفًا على البضع أولى من الخوف على المال؛ فإنه يجب الدفع عن أهله ولا يجب الدفع عن ماله، بل يجوز الدفع عنه وإن قل. (فقال: ويحك) كلمة ترحم، قال سيبويه: تقال هذِه الكلمة لمن أشرف على الهلكة خوفًا عليه (٢). قال النووي في "شرح مسلم" (٣): خاف عليه النبي ﷺ أن لا يقوى على الهجرة وترك أهله ووطنه وملازمة. المدينة مع النبي ﷺ ، ولا يقدر على القيام بحقوقها وأن ينكص على عقبيه؛ فلذلك قال له: (إن شأن الهجرة) التي سألت عنها (لشديد) عليك فعله، ويجوز أن يكون المعنى: إن شأن الهجرة لعظيم أجره عند الله تعالى، لكنك تضعف عنه. (فهل لك من إبل) أي: في البادية التي أنت مقيم فيها، ويشق عليك الهجرة عنها، أو أخذها معك إلى المدينة؟ (قال: نعم) لي إبل. (قال: فهل تؤدي صدقتها؛ ) أي: زكاتها التي فرضها الله تعالى، وهذا يدل

стр. 6896

على أنه ﷺ علم (١) أنها أكثر من خمس ذود (٢) فليس فيما (٣) دونها صدقة، وإنما سأل عن الإبل دون غيرها؛ لأنها كانت أعز أموال العرب وأنفسها، ومما (٤) يشق خروجهم عنها لتعلق قلوبهم بها (قال: نعم) أؤدي صدقتها (قال: فاعمل) أي: في باديتك بطاعة الله (٥) (من وراء البحار) قال النووي: المراد بالبحار هنا القرى (٦). رواية أبي الهيثم في البخاري ["من وراء التجار"] (٧) بالفوقانية والجيم (٨). أي: اعمل وأجر عملك في باديتك دون أجر التجار الذين فازوا بالهجرة، وإن الله لن يترك من أجرك شيئًا. والعرب تسمي القرى بحارًا، والقرية البحيرة، ومنه قول سعد: لقد كان اصطلح أهل هذِه البحيرة أن يعصبوه قبل قدومك (٩) إليها. يعني: عبد الله بن أبي ابن (١٠) سلول. ويحتمل أن يكون أراد بالبحار بحار الأرض المالحة وهي كثيرة،

стр. 6897

وهي كالخلجان تأخذ من البحر الأعظم المحيط بالدنيا، وحمل اللفظ على حقيقته أولى. وفي الحديث دليل على أن الهجرة قبل الفتح لم تكن فرضًا عليه. (وإن الله لن يترك) أي: ينقصك (١) (من) ثواب (عملك) الذي (٢) تعمله (شيئًا) حيثما كنت في وطنك أو غيره ينفعك به ويثيبك عليه ثوابًا كاملًا ويمدك من فضله ولا يظلمك شيئًا. [٢٤٧٨] (حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: حدثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه: ) شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي (سألت عائشة عن البداوة) بفتح الباء وكسرها، والكسر أظهر وهي الإقامة بالبادية والخروج إليها، وهي خلاف الحاضرة، قال ثعلب: لا أعرف البداوة بالفتح إلا عن أبي زيد وحده، والنسبة إليها بداوي (٣). سميت بذلك لظهورها، من قولهم: بدا لي أن أفعل كذا. أي: ظهر لي رأي غير الرأي الأول. (فقالت: كان رسول الله يبدو) بفتح أوله وسكون الواو في آخره، أي: يخرج إلى البادية إذا اهتم لأمر طرأ له؛ فإن النفس تتروح بالخروج إلى الصحراء وتنشرح برؤيتها وشرح النظر في مسارح الفكر ومطالعة أجزاء (٤) الأرض واستماع التسبيح من الحصا والجمادات

стр. 6898

(إلى هذِه التِّلاع) بكسر التاء جمع تَلعة بفتح التاء، وهي: ما ارتفع من الأرض وغلظ، وكان ما سفل منها مشتملًا لمياهها، وتلع النهار ارتفع، والصعود على التلاع والجبال أبلغ في ترويح (١) القلب واتساعه، ورؤية آيات الله تعالى في الآفاق، قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ (٢) (وإنه أراد البداوة) أي: الخروج إلى البادية (مرّة) على عادته الكريمة كما تقدم، فخرج إليها (فأرسل إلى) منها (ناقة محرمة) بفتح الحاء وتشديد الراء المشددة المفتوحة المهملتين، وهي التي لم تركب ولم تذلل بالحمل، ولم يتم رياضتها بعد كما في غالب إبل البوادي فهي كير وطيئة، يقال: أعرابي محرم إذا كان جلفًا لم يخالط أهل الحضر (٣). (من إبل الصدقة) المأخوذة من زكوات أهل البادية التي كان فيها والتلاع (فقال لي) أي: لما قدم من البادية (يا عائشة، أرفقي) أي: بهذِه الناقة، ولعل النبي ﷺ حين أمرها بالرفق بالدابة كانت راكبة لها، ويدل على ذلك رواية مسلم في "صحيحه" (٤) عن شريح بن هانئ: ركبت عائشة بعيرًا وكانت فيه صعوبة، فجعلت تردده، فقال لها رسول الله ﷺ : "عليك بالرفق .. " الحديث. والمراد بالبعير هنا: الناقة بدليل دخول التاء في الفعل الذي بعده وهو: كانت.

стр. 6899

وقال الجوهري (١): يقال للجمل وللناقة: بعير. والرفق ضد العنف، فعلى هذا يكون في الحديث دليل على الرفق بالدابة في الضرب، ولا يضربها في وجهها ولا رأسها، وفي السير والتحميل فلا يكلفها في سيرها ولا في تحميلها ما لا تطيق. (فإن الرفق) سبب كل خير، ويثيب على الرفق ما لا يثيب على غيره (لم يكن (٢) الرفق في شيء) من الأمور (قط) ولا تخلق به شخص (إلا زانه) أي: زينه وجمله، وسمي من يقص أطراف شعر الآدمي مزينًا لأنه يحسن وجه الآدمي ويجمله (ولا نزع) الرفق (من شيء) من أحوال الآدمي (قط إلا شانه) أي: قبحه وعابه، والشّين ضد الزين، وسيأتي هذا الحديث بتمامه في كتاب الأدب من أواخر (٣) الكتاب (٤). * * *

стр. 6900

٢ - باب في الهِجْرَةِ هَلِ انْقَطَعَتْ ٢٤٧١ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الرّازِيُّ، أَخْبَرَنا عِيسَى، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُعاوِيةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: "لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها" (١). ٢٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: "لا هِجْرَةَ، ولكن جِهادٌ وَنِيَّة وَإِذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا" (٢). ٢٤٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عامِرٌ قالَ: أَتَى رَجُلٌ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو وَعِنْدَهُ القَوْمُ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَهُ فَقالَ: أَخْبِرْنِي بِشَيء سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى اللهُ عَنْهُ" (٣). * * * [٢ - باب في الهِجْرَةِ هَلِ انْقَطَعَتْ] (باب في الهجرة) أي: إلى (٤) مدينة النبي ﷺ (هل انقطعت) بفتح مكة أم هي باقية إلى يوم القيامة.
следующие страницы →