← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

على أنه ﷺ علم (١) أنها أكثر من خمس ذود (٢) فليس فيما (٣) دونها صدقة، وإنما سأل عن الإبل دون غيرها؛ لأنها كانت أعز أموال العرب وأنفسها، ومما (٤) يشق خروجهم عنها لتعلق قلوبهم بها (قال: نعم) أؤدي صدقتها (قال: فاعمل) أي: في باديتك بطاعة الله (٥) (من وراء البحار) قال النووي: المراد بالبحار هنا القرى (٦). رواية أبي الهيثم في البخاري ["من وراء التجار"] (٧) بالفوقانية والجيم (٨). أي: اعمل وأجر عملك في باديتك دون أجر التجار الذين فازوا بالهجرة، وإن الله لن يترك من أجرك شيئًا. والعرب تسمي القرى بحارًا، والقرية البحيرة، ومنه قول سعد: لقد كان اصطلح أهل هذِه البحيرة أن يعصبوه قبل قدومك (٩) إليها. يعني: عبد الله بن أبي ابن (١٠) سلول. ويحتمل أن يكون أراد بالبحار بحار الأرض المالحة وهي كثيرة،

стр. 6897

وهي كالخلجان تأخذ من البحر الأعظم المحيط بالدنيا، وحمل اللفظ على حقيقته أولى. وفي الحديث دليل على أن الهجرة قبل الفتح لم تكن فرضًا عليه. (وإن الله لن يترك) أي: ينقصك (١) (من) ثواب (عملك) الذي (٢) تعمله (شيئًا) حيثما كنت في وطنك أو غيره ينفعك به ويثيبك عليه ثوابًا كاملًا ويمدك من فضله ولا يظلمك شيئًا. [٢٤٧٨] (حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: حدثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه: ) شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي (سألت عائشة عن البداوة) بفتح الباء وكسرها، والكسر أظهر وهي الإقامة بالبادية والخروج إليها، وهي خلاف الحاضرة، قال ثعلب: لا أعرف البداوة بالفتح إلا عن أبي زيد وحده، والنسبة إليها بداوي (٣). سميت بذلك لظهورها، من قولهم: بدا لي أن أفعل كذا. أي: ظهر لي رأي غير الرأي الأول. (فقالت: كان رسول الله يبدو) بفتح أوله وسكون الواو في آخره، أي: يخرج إلى البادية إذا اهتم لأمر طرأ له؛ فإن النفس تتروح بالخروج إلى الصحراء وتنشرح برؤيتها وشرح النظر في مسارح الفكر ومطالعة أجزاء (٤) الأرض واستماع التسبيح من الحصا والجمادات

стр. 6898

(إلى هذِه التِّلاع) بكسر التاء جمع تَلعة بفتح التاء، وهي: ما ارتفع من الأرض وغلظ، وكان ما سفل منها مشتملًا لمياهها، وتلع النهار ارتفع، والصعود على التلاع والجبال أبلغ في ترويح (١) القلب واتساعه، ورؤية آيات الله تعالى في الآفاق، قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ (٢) (وإنه أراد البداوة) أي: الخروج إلى البادية (مرّة) على عادته الكريمة كما تقدم، فخرج إليها (فأرسل إلى) منها (ناقة محرمة) بفتح الحاء وتشديد الراء المشددة المفتوحة المهملتين، وهي التي لم تركب ولم تذلل بالحمل، ولم يتم رياضتها بعد كما في غالب إبل البوادي فهي كير وطيئة، يقال: أعرابي محرم إذا كان جلفًا لم يخالط أهل الحضر (٣). (من إبل الصدقة) المأخوذة من زكوات أهل البادية التي كان فيها والتلاع (فقال لي) أي: لما قدم من البادية (يا عائشة، أرفقي) أي: بهذِه الناقة، ولعل النبي ﷺ حين أمرها بالرفق بالدابة كانت راكبة لها، ويدل على ذلك رواية مسلم في "صحيحه" (٤) عن شريح بن هانئ: ركبت عائشة بعيرًا وكانت فيه صعوبة، فجعلت تردده، فقال لها رسول الله ﷺ : "عليك بالرفق .. " الحديث. والمراد بالبعير هنا: الناقة بدليل دخول التاء في الفعل الذي بعده وهو: كانت.

стр. 6899

وقال الجوهري (١): يقال للجمل وللناقة: بعير. والرفق ضد العنف، فعلى هذا يكون في الحديث دليل على الرفق بالدابة في الضرب، ولا يضربها في وجهها ولا رأسها، وفي السير والتحميل فلا يكلفها في سيرها ولا في تحميلها ما لا تطيق. (فإن الرفق) سبب كل خير، ويثيب على الرفق ما لا يثيب على غيره (لم يكن (٢) الرفق في شيء) من الأمور (قط) ولا تخلق به شخص (إلا زانه) أي: زينه وجمله، وسمي من يقص أطراف شعر الآدمي مزينًا لأنه يحسن وجه الآدمي ويجمله (ولا نزع) الرفق (من شيء) من أحوال الآدمي (قط إلا شانه) أي: قبحه وعابه، والشّين ضد الزين، وسيأتي هذا الحديث بتمامه في كتاب الأدب من أواخر (٣) الكتاب (٤). * * *

стр. 6900

٢ - باب في الهِجْرَةِ هَلِ انْقَطَعَتْ ٢٤٧١ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الرّازِيُّ، أَخْبَرَنا عِيسَى، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُعاوِيةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: "لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها" (١). ٢٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: "لا هِجْرَةَ، ولكن جِهادٌ وَنِيَّة وَإِذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا" (٢). ٢٤٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عامِرٌ قالَ: أَتَى رَجُلٌ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو وَعِنْدَهُ القَوْمُ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَهُ فَقالَ: أَخْبِرْنِي بِشَيء سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى اللهُ عَنْهُ" (٣). * * * [٢ - باب في الهِجْرَةِ هَلِ انْقَطَعَتْ] (باب في الهجرة) أي: إلى (٤) مدينة النبي ﷺ (هل انقطعت) بفتح مكة أم هي باقية إلى يوم القيامة.

стр. 6901

[٢٤٧٩] (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي) الفراء المعروف بالصغير (أنا عيسى) بن يونس (عن حريز) بالحاء المهملة المفتوحة وزاي آخره (ابن عثمان) الرحبي (عن عبد الرحمن بن أبي عوف) الجرشي. قال أبو داود (١): شيوخ الرحبي ثقات (عن أبي هند) البجلي، أخرج له النسائي (عن معاوية قال: سمعت رسول الله يقول: لا تنقطع الهجرة) المستحبة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وروى هذا الحديث الإمام أحمد في مسند عبد الرحمن بن عوف (٢)، وأوله أن الهجرة خصلتان: إحداهما: [أن] (٣) يهجروا السيئات، والأخرى: أن يهاجروا إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة (حتى تنقطع التوبة) أي: المقبولة، ولفظ رواية أحمد: "لا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة" (٤). [وفي رواية أحمد والنسائي] (٥) "لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو (٦) ". [(ولا تنقطع التوبة)] (٧) المقبولة (حتى تطلع الشمس من مغربها) قال العلماء: طلوع الشمس من مغربها حد يعرف به [امتناع] (٨) قبول التوبة،

стр. 6902

وقد روى الترمذي (١) في حديث حسن صحيح، والبيهقي (٢) واللفظ له عن صفوان بن عسال ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إن من قبل المغرب لبابًا مسيرة عرضه أربعون عامًا - أو سبعون سنة - فتحه الله تعالى للتوبة يوم خلق السماوات والأرض، فلا يغلقه حتى تطلع الشمس منه". وعن ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : "للجنة ثمانية أبواب: سبعة مغلقة وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه". رواه أبو يعلى، والطبراني بإسناد جيد (٣). [٢٤٨٠] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي (حدثنا جرير، عن منصور) بن المعتمر (عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس) ﵄ (قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح) يعني (فتح مكة) شرفها الله تعالى (لا هجرة) أي: لا تجب الهجرة من مكة إلى المدينة بعد فتح مكة؛ لأن الله تعالى لما فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، وبقي وجوب الهجرة من المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين كما تقدم [(ولكن جهاد ونية) أي: لن بقي فرض الجهاد والنية الصالحة على

стр. 6903

من عجز عن الجهاد، وقيل: "ولكن جهاد ونيته" فإن الجهاد لا يكون بغير (١) نية مدى الدهر على من قام بفرضه أو نزل به عدو من الكفار (وإذا استنفرتم فانفروا)] (٢) بضم التاء وكسر الفاء، أي: إذا استغيث بكم أو دعيتم للجهاد فبادروا بالخروج ولا تقعدوا؛ لأن الجهاد كان على الصحابة في عهد رسول الله ﷺ فرض كفاية، وقيل: فرض عين على كل قادر. قال الخطابي (٣): هما هجرتان، فالمنقطعة منهما هي: الفرض، والثانية هي: الندب، وهذا وجه الجمع بين الحديثين. قال الماوردي (٤): الصحيح عندي أن ابتداء فرضه كان على الأعيان في المهاجرين وعلى الكفاية في غيرهم؛ لأن المهاجرين انقطعوا إلى رسول الله ﷺ لنصرته، وأما بعده فإن كان الكفار ببلادهم ففرض كفاية، وإن دخلوا بلدة لنا أو أطلوا علينا قاصدين تعين الجهاد على القادر. [٢٤٨١] (قال: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى) [بن سعيد القطان] (٥) (عن إسماعيل بن أبي خالد) [الأحمس مولاهم الكوفي التابعين] (٦) (حدثنا عامر قال: أتى رجل عبد الله بن عمرو وعنده القوم فقال:

стр. 6904

أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ . قال: سمعت رسول الله يقول: المسلم) أي: الكامل، وليس المراد نفي أصل الإسلام عمن لم يكن بهذِه الصفة، بل هذا كما يقال: العلم ما نفع. أي: العلم المحبوب ما نفع، ويدل على ذلك ما جاء في رواية لمسلم في أول الحديث (١): أي المسلمين خير؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده". ثم اعلم [أن كمال الإسلام متعلق به خصال أخر. (من سلم المسلمون) أي: لم يؤذ أحدًا] (٢) من المسلمين: بل سلموا (من لسانه ويده) أي من قوله باللسان ومن فعله، وخصت اليد بالذكر؛ لأن معظم الأفعال بها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٣)، وخص اللسان واليد بالذكر؛ لأن ضررهما أكثر من القلب (والمهاجر) الكامل (من هجر ما نهى الله عنه) ولا يتكل على هجرته، ويحتمل أنه قال ذلك لما شق فوات الهجرة على بعضهم فأعلمهم أن هذا هو المهاجر المطلوب تحصيله الكامل فضله، وهذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ وفصيحه كما يقال: المال الإبل والناس [العرب] (٤) إذا أريد الفضيلة لا أنه يراد به الحصر وإخراج ما سواها، ويدخل فيما نهى الله عنه الحرام والمكروه وخلاف الأولى. * * *

стр. 6905

٣ - باب في سُكْنَى الشَّامِ ٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا عُبيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيارُ أَهْلِ الأَرْضِ ألْزَمُهُمْ مُهاجَرَ إِبْراهِيمَ، ويَبْقَى فِي الأرْضِ شِرارُ أَهْلِها تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللهِ، وَتَحْشُرُهُمُ النّارُ مَعَ القِرَدَةِ والخَنَازِيرِ" (١). ٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا حيْوَةُ بْنُ شُريْحٍ الحَضْرَميُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَني بَحِيرٌ، عَنْ خالِدٍ -يَعْنِي: ابن مَعْدانَ-، عَنْ أَبِي قُتَيلَةَ، عَنِ ابن حَوالَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سيَصِيرُ الأمْرُ إِلى أَنْ تَكُوُنُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً جُنْدٌ بِالشَّامٍ، وَجُنْدٌ بِاليَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالعِراقِ". قالَ ابن حَوالَةَ خِرْ لي يا رَسُولَ اللهِ إِنْ أدْرَكْتُ ذَلِكَ. فَقالَ: "عَليْكَ بِالشّام فَإِنَّها خِيَرَةُ اللهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِليْها خِيَرَتَهُ مِنْ عِبادِهِ، فَأَمّا إِنْ أَبيْتُمْ فَعَليْكمْ بِيَمَنِكُمْ واسْقُوا مِنْ غُدَرِكُمْ فَإِنَّ اللهَ تَوَكَّلَ لي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ" (٢). * * * باب في سكنى الشأم بهمزة ساكنة مثل رأس، ويجوز تخفيفه بحذفها كما في راس، وفيه لغة أخرى: شآم [بمد الهمزة] (٣).

стр. 6906

[٢٤٨٢] ([حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنى أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب] (١)، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله يقول: ستكون) أي: في آخر الزمان (هجرة) ثانية إلى الشام (بعد هجرة) إبراهيم ﵇ إلى الشام أولًا كما سيأتي، فإذا ظهر في الأرض الفساد، وانتشرت الفتن في جميع البلاد هجر الناس أوطانهم وتفرقوا في الأرض شذر مذر. (فخيار أهل الأرض) حينئذٍ (ألزمهم) أي: أكثرهم ملازمة وسكنى لأرض الشام التي هي (مُهاجَرَ) بضم الميم وفتح الجيم (إبراهيم ﵇) أي: هاجر من دار الكفر بعد الخروج من النار إلى الشام كما قال الله تعالى حكاية عنه: (٢) أي: إلى حيث أمرني ربي بالهجرة إليه وهو الشام، وهاجر معه إلى الشام لوط، ثم أرسل الله لوطًا إلى الغور من الشام، وأقام إبراهيم ببيت المقدس. (ويبقى في (٣) الأرض) التي هي غير الشام (شرارها) أي: شرار أهل الأرض (تَلفِظُهم) بفتح التاء وكسر الفاء، أي: تلقيهم وتخرجهم (أرضوهم) بفتح الراء، وربما سكنت، جمع أرض، وهو جمع شاذ؛ لأن المؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصًا مثل: سنون جمع سنة، وسبب إخراجهم وإزعاجهم من على (٤) ظهرها أنهم لما

стр. 6907

كثر منهم العصيان والفساد (تَقَذَّرهم) بفتح التاء والقاف والذال المشددة، أي: تتقذرهم ثم حذفت التاء الأولى ويجوز: (تَقْذَرهم) بسكون القاف وفتح الذال: أي: تكرههم، وفي "شرح الخطابي" (١): تأويله أن الله يكره خروجهم إليها، ومقامهم بها، فلا يوفقهم، فصاروا بالصد وترك القبول في معنى الشيء الذي تقذره (٢) نفس الإنسان. (نفس الله) أي: يكره الله خروجهم إلى الشام، ومقامهم بها؛ فلا يوفقهم إلى المهاجرة إليها، بل إلى غيرها، فصاروا بترك الخروج إليها في معنى الشيء الذي تقذره نفس الإنسان، أي: ذاته، فلا تقبله، والنفس هنا ذات الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٣) كما تقول: قتل فلان نفسه، أي: ذاته كلها، ويحتمل أن تكون النفس هنا أهل شريعة الله القائمين على الحق الذين لا يضرهم من ناوأهم، كما قال تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ (٤) أي: بأهل شريعتهم، ولما كره الله خروجهم إلى الشام أزال رغبتهم عنها (٥) فارتحلوا إلى غيرها، فكأن الأرض لفظتهم عنها بفعل الله، وفي الكلام مجاز واتساع نظيره قوله تعالى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ (٦) أي: عن الخروج إلى الغزو، ووجهه أن الله لما كره

стр. 6908

خروجهم وانبعاثهم ضعف رغبة الانبعاث وأزالها (١) من قلوبهم فحصل منهم التثبط والقعود عن الغزو. والحديث شبيه بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ وفي هذا حث عظيم، وترغيب شديد في سكنى الشام والإقامة بها عند كثرة الفتن وشدة المحن، وروى البزار (٢)، عن أبي الدرداء، قال رسول الله ﷺ : "ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن - بالشام". قال الحافظ عبد الحق: هذا صحيح، ولعل هذِه الفتن هي التي تكون عند خروج الدجال. والله أعلم. (وتحشرهم النار) كما روى ابن عمر عن رسول الله ﷺ : "ستخرج نار من حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؛ قال: عليكم بالشام". رواه الترمذي (٣). (مع القردة والخنازير) التي يمسخون، كما روى الحافظ رزين بن معاوية في "تجريد صحاح أصول الدين" (٤) عن أنس: أن رسول الله

стр. 6909

- ﷺ قال: "إن الناس يمصرون أمصارًا، وإن مصرًا منها تسمى البصرة فإن أنت مررت بها فإياك وسباخها وسوقها وأبواب أمرائها، وعليك بضواحيها فإنه يكون بها خسف ورجف وقوم يبيتون فيصبحون قردة وخنازير" (١). [٢٤٨٣] (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، أنا بقية) بن الوليد (حدثني بَحِير) بفتح الموحدة وكسر المهملة بن سعد (عن خالد - يعني: ابن معدان - عن أبي قُبيلة) بضم القاف وفتح الموحدة (٢) واسمه مرثد، ومن قال: ابن أبي قتيلة. فالكنية لأبيه (عن ابن حَوَالة) بفتح الحاء المهملة واسمه عبد الله بن حوالة بفتح الحاء أيضًا الأزدي، نزل الشام، وروى عنه من أهلها أبو قبيلة (٣) مرثد بن وداعة له ثلاثة أحاديث. (قال: قال سمعت رسول الله ﷺ : سيصير الأمر) إلى (أن تكونوا جنودًا) قال الجوهري (٤): الجند في اللغة هم الأنصار والأعوان. وكل صنف من الناس جند، وجمع القلة أجناد، وجمع الكثرة جنود. (مجندة: ) بتشديد النون، أي: كثيرة مجمعة، كما يقال: ألوف

стр. 6910

مؤلفة، والمراد والله أعلم: أنكم ستفترقون في أقطار متفرقة (جند) تكون (بالشام) وحدُّه طولًا من العريش إلى الفرات، وأما عرضه فمن جبلي طيء إلى بحر الروم (وجند باليمن) وهو الإقليم المعروف، قال صاحب "المطالع" (١) (٢): اليمن: كل ما كان عن يمين الكعبة من بلاد العرب. (وجند بالعراق) بكسر العين مذكر على المشهور، سمي عراقًا لاستواء أرضه، وخلوها عن جبال تعلو أو أودية تنخفض، وقيل: سميت عراقًا لقربها من البحر. (فقال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله) أي: اختر لي الإقامة في واحد منها (إن أدركتُ ذلك، فقال: عليك بالشام) ولازم الإقامة بها، قال الزمخشري: أجناد الشام خمسة: دمشق، وحمص، وفلسطين، وقنسرين، والأردن (٣). (وعن مكحول) (٤) أن رسول الله ﷺ قال: "دمشق من خير مدائن الشام" (٥). ذكره رزين (٦). (فإنها) يعني: الشام (خيرة الله من) جميع (أرضه) كما أنه سبحانه (يجتبي إليه) أي: يختار لسكنى الشام وحفظ دينه بها (٧) (خيرته) أي:

стр. 6911

من يختاره (من عباده) أضافهم إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، وروى الترمذي (١)، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ قال: "طوبى للشام". قلت: لم يا رسول الله؟ قال: "لأن الملائكة باسطة أجنحتها عليه". (فأما إن أبيتم) إلا الإقامة بغيرها أو لم يتيسر لكم سكناها (فعليكم بيمنكم) أي: بسكنى اليمن وهي بلاد العرب - كما قال الجوهري (٢) - فإن الإقامة بها ترقق القلب. (واسقوا من غُدركم) بضم الغين المعجمة، وفتح الدال المهملة، ويجوز إسكانها جمع غدير ككثيب وكثب، وهو القطعة من الماء يسمى بذلك؛ لأن ماء السيل يغادره، أي: يتركه في المنخفض في الأرض. وفيه: الحث على الشرب من ماء الغدران الذي ببلاد الشام؛ لأنه اجتمع فيه بركة ماء السماء الذي قال الله فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ (٣) وبركة أرض الشام كما جمع رسول الله للمريض حين دعا له بالشفاء بين الريق وتراب الأرض فيأخذ من ريق نفسه على السبابة ثم يضعها على التراب فيتعلق بها منه شيء فيمسح به العليل (٤) ويقول: "باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا" (٥). ولهذا قيل: ينبغي للمسافر أن يستصحب معه تراب أرضه حتى إذا ورد على غير الماء المعتاد جعل منه في سقائه حتى يختلط بذلك

стр. 6912

الماء ويشرب منه؛ فإنه يعين على حفظ صحته. (فإن الله توكل لي) أي: تكفل لي (بالشام) أي: بحفظ الشام (و) حفظ (أهله) المقيمين به تفضلًا منه سبحانه وتفضلًا (١)، وكان أبو إدريس إذا روى هذا الحديث قال: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه (٢). وهذا وعد من الله تعالى لرسوله بحفظ هذِه المملكة وحفظ أهلها، ولن يخلف الله وعده، لكن سياق الكلام يدل على أن المراد بالحفظ عند كثرة الفتن ومهاجرة الناس إليها، وسيأتي في كلام رواية أبي داود الطيالسي (٣) حفظ بيت المقدس من الدجال من رواية سفينة أن الدجال يسير حتى يأتي الشام فيهلكه الله تعالى عند عقبة أفيق. وروى أبو بكر ابن أبي شيبة (٤)، عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس. ويحتمل أن يراد عموم الحفظ في جميع الأزمان، والله أعلم. * * *

стр. 6913

٤ - باب في دَوامِ الجِهادِ ٢٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي يُقاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ، ظاهِرِينَ عَلَى مَنْ ناوَأَهُمْ حَتَّى يُقاتِلَ آخِرُهُمُ المَسِيحَ الدَّجّالَ" (١). * * * باب في دوام الجهاد حتى يأتي أمر الله. [٢٤٨٤] (حدثنا موسى بن إسماعيل، أنا حماد، عن قتادة، عن مطرف، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزال طائفة من أمتي) قال البخاري (٢): هم أهل العلم. وقال أحمد (٣): إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. قال النووي (٤): يحتمل أن تكون هذِه الطائفة مفرقة (٥) من أنواع المؤمنين؛ فمنهم شجعان يقاتلون، ومنهم فقهاء محدثون، ومنهم زهاد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.

стр. 6914

(يقاتلون) أي: يجاهدون في سبيل الله (على) أن تكون كلمة الله (الحق) هي العليا، وهذا يدل على ما قاله النووي أن الطائفة مفرقة، ومنهم شجعان يقاتلون (ظاهرين) أي: منتصرين (على من ناوأهم) بهمزة بعد الواو. أي: عاداهم وهو مأخوذ من ناء إليهم [إذا نهض للقتال] (١)، قاله النووي (٢)، وإنما استعمل ذلك في المعاداة؛ لأن كلا المتعاديين ينهض إلى قتال صاحبه (حتى يقاتل آخرُهُم المسيح الدجال) وفي رواية في الصحيحين (٣): حتى تقوم الساعة. أي: تقرب الساعة. * * *

стр. 6915

٥ - باب في ثَواب الجِهَادِ ٢٤٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ الطّيالِسِيُّ، حَدَّثَنَا سُليْمان بْن كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ: أيّ المُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمانًا؟ قالَ: "رَجُلٌ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ بنَفْسِهِ وَمالِهِ، وَرَجُلٌ يَعْبُدُ اللهَ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعابِ قَدْ كُفي النّاسُ شَرَّهُ" (١). * * * باب في ثواب الجهاد [٢٤٨٥] [(حدثنا أبو الوليد) هشام (الطيالسي) (٢) بن عبد الملك] (٣) (أنا سليمان بن كثير) العبدي (أنا) محمد بن شهاب (الزهري، عن عطاء ابن يزيد الليثي، عن أبي سعيد) الخدري (عن النبي ﷺ : أنه سئل: أي المؤمنين أكمل إيمانًا؟ ) أي: أكملهم إيمانًا بالله (قال: رجل يجاهد في سبيل الله) هذا عام مخصوص بمن هو أفضل في حقه، وتقديره: من أكملهم رجل [يجاهد وإلا فالعلماء بالله تعالى والصديقون أفضل. (بماله ونفسه) وفي رواية في الصحيح (٤): "مجاهد بنفسه وماله"، بتقديم النفس على المال، وهو أولى. (ورجل يعبد الله) وفي رواية في الصحيحين (٥): "رجل] (٦) معتزل

стр. 6916

يعبد ربه"، وفي رواية في البخاري: "رجل يتقي ربه" (في شِعْب من الشعاب) الشعب بكسر الشين ما انفرج بين جبلين، وليس المراد العبادة في الشعب خصوصًا؛ بل كل عابد لله منفرد عن الناس في مكان، وذكر الشعب مثالًا لمن (قَد كُفِي الناس شره) فإن الشعب خال عن الناس غالبًا، وفي هذا الحديث دلالة لما يقوله الصوفية أن الإنسان (١) إذا انعزل عن الناس ينوي به أنه مؤذ لهم بيده ولسانه وأنه يعتزلهم ليسلموا من شره لا ليسلم هو من شرور الناس فإن فيه سوء ظن بهم (٢). وفيه دليل لمن يقول بتفضيل العزلة على الاختلاط (٣)، وفي ذلك خلاف مشهور، ومذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن. وأجابوا عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن والحروب وكثرة المظالم، وهو ممن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم. * * *

стр. 6917

٦ - باب في النَّهْى عَنِ السِّياحَةِ ٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا محَمَّد بْن عُثْمانَ التَّنُوخِيّ أَبُو الجَماهِرِ، حَدَّثَنَا الهيْثَمْ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي العَلاءُ بْن الحارِثِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي أمامَةَ أَنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي في السِّياحَةِ. قالَ النَّبِيَّ ﷺ : "إِنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ تَعالَى" (١). * * * باب النهي عن السياحة [٢٤٨٦] (حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر التَّنوخي) أخرج له ابن ماجة (أنا الهيثم بن حميد) (٢) الغساني (أخبرني العلاء بن الحارث) التميمي (عن القاسم بن (٣) عبد الرحمن، عن أبي أمامة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة) بالياء المثناة من تحت، وفي الحديث: "لا سياحة في الإسلام" (٤). أراد مفارقة الوطن (٥) والذهاب

стр. 6918

في الأرض أصله من السيح وهو الماء الجاري على وجه الأرض منبسطًا، وكان هذا السائل استأذن النبي ﷺ في الذهاب في الأرض قهرًا لنفسه بمفارقة (١) المألوفات والمباحات واللذات (٢) وترك الجمعة والجماعات، فرد عليه ذلك كما رد على عثمان بن مظعون التبتل وهو الانقطاع عن النساء (٣) وترك النكاح لعبادة الله تعالى، و (قال: ) لهذا السائل: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى) ولعل هذا محمول على أن السؤال كان في زمن تعين فيه الجهاد وكان السائل شجاعًا، أما السياحة في الفلوات، والانسلاخ مما في نفسه من الرعونات، إلى ملاحظة ذوي الهمم العليات، وتجرع مرارة فرقة الأوطان والأهل والقرابات، وعلم من نفسه الصبر على ذلك محتسبًا قاطعًا من قلبه العلائق الشاغلات، محتسبًا بصدق الطويات من غير تضييع من يعوله من أولاد وزوجات، ففيها (٤) فضيلة، بل هي من المأمورات. * * *

стр. 6919

٧ - باب في فَضْلِ القَفْلِ في سَبيلِ اللِّه تَعَالَى ٢٤٨٧ - حَدَّثَنَا محَمَّد بْن المُصَفَّى، حَدَّثَنَا عَليُّ بْن عيّاشٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا حيْوَةُ، عَنِ ابن شُفيٍّ، عَنْ شُفَى بْنِ ماتِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - هُوَ ابن عَمْرٍو - عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ" (١). * * * باب في فضل القفل في سبيل الله القفل والقفول أصله الرجوع من السفر (٢). [٢٤٨٧] (حدثنا محمد بن المصفى) الحمصي (أنا علي بن عياش) بالمثناة، الألهاني (عن الليث بن سعد) المصري (عن حيوة بن شُريح) بضم المعجمة، المصري (عن) حسين (ابن شُفي) بضم المعجمة وفتح الفاء (عن شفي بن ماتع) بالفوقانية، المصري (عن عبد الله هو ابن عمرو) بن العاص. (عن النبي ﷺ قال: قفْلة كغزوة) القَفْلة بفتح القاف وإسكان الفاء الرجعة من الغزو، والمراد أن أجر الغازي في رجوعه إلى وطنه بنية السعي على عياله في النفقة يبتغي بها وجه الله وإدخال السرور عليهم وعلى إخوانه المعذورين كأجره في الذهاب إلى الجهاد، كما أن الراجع من المسجد أجره كأجر الذاهب على ما روى الإمام أحمد (٣)

стр. 6920

عن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : "من راح إلى مسجد الجماعة (١) فخطوة تكتب حسنة، وخطوة تمحو سيئة ذاهبًا وراجعًا". وإسناده حسن. ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٢). * * *

стр. 6921

٨ - باب فَضْل قِتَالِ الرُّومِ عَلَى غيْرِهمْ مِنَ الأُمَمِ ٢٤٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ محَمَّدٍ، عَنْ فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عَبْدِ الخَبِيرِ بْنِ ثابِتِ بْنِ قيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: جاءَتِ امْرَأَةٌ إِلى النَّبِيِّ ﷺ يقال لَها: أُمِّ خَلَّادٍ وَهيَ مُنْتَقِبَةٌ تَسْأَلُ عَنِ ابْنَهَا وَهُوَ مَقْتولٌ، فَقالَ لَها بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيّ ﷺ : جِئْتِ تَسْأَلِينَ عَنِ ابنكِ وَأَنْتِ مُنْتَقِبَةٌ. فَقالَتْ: إِنْ أُرزَأِ ابني فَلَنْ أُرْزَأَ حيائِي. فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "ابْنُكِ لَهُ أَجْرُ شَهِيديْنِ". قالَتْ: وَلَمِ ذاكَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "لأنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الكِتَابِ" (١). * * * باب فضل قتال الروم وهم أولاد الروم بن عيصو بن إسحاق ﵇، فمنهم مسلمون كسكان مُلْكِ ابن عثمان وسكان القسطنطينية وقبرس (٢). [٢٤٨٨] (حدثنا عبد الرحمن بن سلَّام) بفتح المهملة وتشديد اللام (أنا حجاج بن محمد) الأعور (عن فرج بن فضالة) ضعيف (عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شمَّاس) بتشديد الميم (عن أبيه، عن جده) ثابت بن قيس. (قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ) (٣) وهي منتقبة) بإسكان النون وفتح المثناة بعدها، يقال: انتقبت المرأة بالنقاب بكسر النون.

стр. 6922

قال أبو عبيد (١): النقاب عند العرب الذي يبدو منه محجر العين. قوله (وهي منتقبة) جملة منصوبة على الحال من (جاءت) أي: جاءت في حال كونها منتقبة، وهذا يدل على ما حكى الإمام اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات؛ لأنهن لو جاز لهن كشف الوجه لكن كالمرد، وهذا عند خوف الفتنة، أما مع الأمن فعلى الصحيح عند النووي يحرم، والثاني لا يحرم، ونسبه الرافعي للأكثرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢)، وفسر بالوجه واليدين، وما حكاه الإمام من الاتفاق معارض بما حكى القاضي عياض أنه لا يلزمها لمشر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية (٣). وإذا قلنا بتحريم خروجهن سافرات الوجوه فيتعين عليها ستر وجهها وعينيها، فلو كانت منتقبة بنقاب صفيق يستر البشرة كما هو ظاهر الحديث إلا أنه يظهر منها محاجر عينيها، وعيناها من الوجه، فالظاهر كما صرح به بعضهم المنع؛ لأن ما حرم رؤيته حرم رؤية بعضه، وقد قيل: وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر (٤) وظاهر الحديث الجواز، فلو كان النقاب تشف منه البشرة كما هو

стр. 6923

الغالب في هذا الزمان فينبغي أن يجيء فيه الخلاف في الاكتفاء به في الشهادة عليها، وقضية كلام الرافعي في النكاح الاكتفاء (تسأل عن ابنها) إن كان في الجَنَّة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء (وهو مقتول) في قتال الروم كما بوب عليه المصنف مع الفرس. (فقال لها بعض أزواج النبي ﷺ : جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة) لعله أُنكر عليها ستر وجهها من النبي ﷺ في حال سؤالها، والوجه لا يستر بالنقاب إلا لخوف الفتنة، فكان الأولى كشف وجهها عند مخاطبته فيقع نظر النبي ﷺ على وجهها فتشمله البركة. (فقالت: إن أُرزأ ابني) بضم الهمزة وهمزة في الآخر تكسر في الوصل لالتقاء الساكنين، أي: إن أُصَبْ" (١) بمصيبة موت ابني الذي (٢) هو بضعة مني (فلن: أرزأ حيائي) بمد وهمزة قبل الياء الأخيرة، أي: فلا أضم إليها مصيبة أخرى وهي ترك الحياء الذي هو من الإيمان، ولعلها إنما تركت النقاب على وجهها حياء ممن كان حاضرًا عند النبي ﷺ . (فقال رسول الله ﷺ : إن ابنك له أجر شهيدين) ممن قتل في سبيل الله، يبشرها بما له من النعيم المقيم والكرامة عند الله ليهون صبرها على ابنها، وابنها اسمه خلاد الأنصاري قتل في بني قريظة (قالت: ولم ذاك؟ ) أي: ما سبب تضاعف أجره حتى يرغب غيره في ذلك (قال: لأنه قتله أهل الكتاب) فيه الحث على جهاد أهل الكتاب وفضله

стр. 6924

على غيرهم، والظاهر أن من قتل كافرًا من أهل الكتاب في الحرب له أجر من قتل كافرين كما أن مقتولهم له أجران، ولعل سبب المضاعفة أنهم لما علموا ما في كتبهم من صفة محمد وكذبوا به وبالقرآن فكفر أتباعهم، فكان عليهم إثمهم وإثم أتباعهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (١). * * *

стр. 6925

٩ - باب في رُكُوبِ البَحْرِ في الغَزْوِ ٢٤٨١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيل بْن زَكَرِّيا، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ بِشْرٍ أَبي عَبْدِ اللهِ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَرْكَبِ البَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ في سبِيلِ اللهِ، فَإِنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا وَتَحْتَ النّارِ بَحْرًا" (١). * * * باب ركوب البحر في الغزو وفضله على الغزو في البر [٢٤٨٩] (أنبأنا سعيد بن منصور) الخراساني (أنبأنا إسماعيل بن زكريا) بن مرّة الخلقاني (عن مطرف، عن بشر أبي عبد الله) الكندي مجهول (عن بَشِير) مكبر (بن مسلم) الكندي مجهول، وذكر البخاري في "تاريخه" (٢): بشير. فذكر له هذا الحديث، وذكر اضطرابه. (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵄ (قال رسول الله ﷺ : لا تركب) بفتح تاء الخطاب على النهي، وبالتحتانية على الخبر هو بمعنى النهي، و (حاج) بالرفع (البحر إلا حاجًّا أو معتمرًا أو غازيًا) أخذ بظاهره جماعة منهم عمر بن الخطاب وعمر بن العزيز، فمنعوا الركوب فيه إلا لهذِه الثلاثة وما في معناها من الطاعات، فلا يركب لتجارة، ولا لطلب دنيا، وروي عنهما منع ركوبه مطلقًا، والجمهور

стр. 6926

على جواز ركوبه للرجال والنساء، وكره مالك ركوبه للنساء كما سيأتي، وأما ركوبه للحاج والمعتمر والغازي، فإن غلبت السلامة وجب ركوبه، وإن خيف الهلاك في ركوبه أو استوى فلا. (فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا) يحتمل أن يحمل الحديث على ظاهره فيكون: تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا، فإن الله على كل شيء قدير. قال الخطابي (١): هذا تفخيم لأمر البحر وتهويل شأنه؛ لأن راكبه لا يؤمن الهلاك عليه كما لا يؤمن الهلاك في ملابسة النار والدنو منها، انتهى. ولهذا ندب الشارع إلى إطفاء المصباح عند النوم (٢). ويحتمل أن يحمل الحديث على ظاهره؛ إذ لا مانع من ذلك، فقد ذكر المفسرون (٣) في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ (٥) أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار (٦) كلها نارا فتسجر بها نار جهنم، وأن في الحديث: البحر نار في نار (٧). * * *

стр. 6927

١٠ - باب فَضْلِ الغزْوِ في البَحْرِ ٢٤٩٠ - حَدَّثَنَا سُليْمان بْن داوُدَ العَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْني: ابن زيْدٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ محَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرامٍ بِنْتُ مِلْحانَ أُخْتُ أُمِّ سُليْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ عِنْدَهُمْ فاسْتيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما أَضْحَكَكَ؟ قالَ: "رَأيْتُ قَوْمًا مِمَّنْ يَرْكَبُ ظَهْرَ هذا البَحْرِ كالمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". قالَتْ: قُلْت: يا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قالَ: "فَإِنَّكِ مِنْهُمْ". قالَتْ: ثُمَّ نَامَ فاسْتيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَك. قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ما أَضْحَكَكَ؟ فَقالَ مِثْلَ مَقالَتِهِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ". قالَ: فَتَزَوَّجَها عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، فَغَزَا في البَحْرِ، فَحَمَلَها مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قُرِّبَتْ لَها بَغْلَةٌ لِتَرْكَبَها فَصَرَعَتْها فانْدَقَّتْ عُنُقُها فَماتَتْ (١). ٢٤١١ - حَدَّثَنَا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذا ذَهَبَ إِلى قُباءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرامٍ بِنْتِ مِلْحانَ - وَكانَتْ تَحْتَ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - فَدَخَلَ عَليْها يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ. وَساقَ هذا الحَدِيثَ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَماتَتْ بِنْتُ مِلْحانَ بِقُبْرُصَ (٢). ٢٤١٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ زيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أُخْتِ أُمِّ سُليْمٍ الرُّميْصاءِ قالَتْ: نامَ النَّبيَّ ﷺ فاسْتيْقَظَ - وَكانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَها - فاسْتيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ أَتَضْحَكُ مِنْ رَأْسِي؟ قالَ: "لا".

стр. 6928

وَساقَ هذا الخَبَرَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ (١). ٢٤١٣ - حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ العيْشِيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوان ح، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهّابِ ابْن عَبْدِ الرَّحِيمِ الجَوْبَرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ -المَعْنَى- قالَ: حَدَّثَنَا مَرْوان، أَخْبَرَنَا هِلال بْن ميْمُونٍ الرَّمْليُّ، عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدّادٍ، عَنْ أُمِّ حَرامٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "المائِدُ في البَحْرِ - الَّذِي يُصِيبُهُ القيْءُ - لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، والغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيديْنِ" (٢). ٢٤١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ عَتِيقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْن عَبْدِ اللهِ - يَعْنِي: ابن سَماعَةَ - حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي سُليْمانُ بْن حَبِيبٍ، عَنْ أَبي أُمامَةَ الباهِلِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: "ثَلاثَةٌ كلُّهُمْ ضامِنٌ عَلَى اللهِ : رَجُلٌ خَرَجَ غازيًا في سَبِيلِ اللِّه فَهُوَ ضامِنٌ عَلَى اللِّه حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فيدْخِلَهُ الجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِما نالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ راحَ إِلى المَسْجِدِ فَهُوَ ضامِنٌ عَلَى اللِّه حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فيدْخِلَهُ الجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بيتَهُ بِسَلامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللِّه " (٣). * * * [٢٤٩٠] (أنبأنا سليمان بن داود) أبو (٤) الربيع (العتكي، أنا حماد بن زيد) بن درهم (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن يحيى ابن

стр. 6929

حَبَّان) بفتح المهملة والموحدة (عن أنس بن مالك قال: حدثتني أم حرام) بفتح الحاء (بنت ملحان) بكسر الميم (أخت أم سليم) من النسب (أن رسول الله ﷺ قال (١) عندهم) من القيلولة وهو النوم في الظهيرة. فيه جواز الدخول على المحرم والنوم عندها، قال ابن عبد البر (٢) وغيره: كانت إحدى خالاته ﷺ من الرضاعة. (فاستيقظ) أي: من تلقاء نفسه؛ لأنه كان إذا نام لا يوقظ (وهو يضحك) فرحًا وسرورًا بكون أمته تبقى بعده متظاهرة على أمور الإسلام وإقامة شعائره حتى الجهاد في البحر، والمراد بالضحك التبسم على عادته الكريمة. وفيه: استحباب الضحك عند السرور بأمر من أمور الدين ترغيمًا للشيطان. (قلت: يا رسول الله ما أضحكك؟ ) أي: ما سبب سرورك حتى أسر لسرورك؟ (قال: رأيت قومًا) من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، والقوم -كما قال الجوهري وغيره- يطلق على الرجال دون النساء كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ (٣)، وقد يدخل النساء على سبيل التبع (٤). فعلى (٥) هذا لا يركب البحر للغزو إلا الرجال، وإن ركبه بعض النساء للقيام على الرجال، حيث لا

стр. 6930

مفسدة، فلا بأس، وهذِه الرؤيا رؤيا منام، ورؤيا الأنبياء حق (ممن يركب) على (ظهر هذا البحر) ووسطه (كالملوك على الأسرة) قيل: هو صفة لهم في الجَنَّة، قال النووي (١): والأصح أنه صفة لهم في الدنيا. أي: يركبون مراكب الملوك (٢) لسعة حالهم، واستقامة أمرهم، وكثرة عددهم وعُدَدهم. وفيه دليل على أن راكب البحر يستكثر من آلة الحرب، ويستعمل ما (٣) فيه إرهاب للعدو، ويلبس الديباج الذي لا يقوم غيره مقامه، وله تحلية آلة الحرب بفضة كسيف. وفيه: دليل على أن أمير القوم الراكب في البحر يجلس على سرير مرتفع، وكذا الملوك [في] (٤) البر في حال الأمن الجلوس على السرير ليتميز به على غيره، وعلى هذا للمدرس أن يتميز على المشتغلين عليه بالجلوس على سجادة ونحوها. (قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم) فيه: دليل على استحباب طلب الدعاء من أهل الفضل، وليعين ما يدعى به له. (قال: إنك منهم) فيه معجزة ظاهرة في إخباره بأن أم حرام تعيش إلى زمن ذلك الغزو، وأنها تكون معهم، وقد وجد بحمد الله كما سيأتي (ثم نام) أي: مرّة ثانية، وفيه دليل على أن من استيقظ من نومة القيلولة

стр. 6931

فله أن يعود إلى النوم إذا احتاج إلى ذلك كما في الليل. (فاستيقظ) أي: من نومه مرّة ثانية (وهو يضحك) كما ضحك في المرة الأولى (فقلت: يا رسول الله، ما أضحكك؟ فقال مثل مقالته، فقلت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم) فيه استحباب تكرير طلب الدعاء من أهل الفضل في المجلس الواحد مرتين فأكثر (قال: أنتِ من الأولين) أي: أنت من الذين رأيتهم في المرة الأولى، وفيه: دليل على أن القوم الذين رآهم في المرة الأولى غير الذين رآهم في المرة الثانية وأن القوم الأولين أفضل ممن رآهم في الثانية له. (فتزوجها عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري، كان أحد النقباء، وشهد العقبة الأولى والثانية، ومات بفلسطين، ودفن ببيت المقدس، بباب الرحمة، وقبره ظاهر بها، وقيل: توفي بالرملة. وظاهر هذا أنه تزوجها عبادة بعد ذلك، وسيأتي ما يعارضه، والجمع بينهما. (فغزا في البحر) عبادة بن الصامت. قال القاضي عياض (١): والأظهر أن غزوته كانت في زمن معاوية، أي حين خالف عبادة معاوية في شيء أنكره عبادة من الصرف فأغلظ له معاوية في القول، فقال له عبادة: لا أساكنك (٢) بأرض واحدة أبدًا (فحملها) عبادة (معه) إلى الغزو، وركبت معه البحر. (فلما رجع) من الغزو (قُرِّبت لها بغلة) كانت معه (لتركبها فصرعتها) أي: صرعت أم حرام عن البغلة التي ركبتها (فاندقت عنقها) هناك، أي:

стр. 6932

انكسرت. والدق: الكسر (فماتت) أي: شهيدة. لما روى مسلم (١) من رواية أبي هريرة: "من مات في سبيل الله". وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢). [٢٤٩١] (حدثنا [القعنبي] (٣)، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب إلى) مسجد (قباء) وكان يذهب إليه في كل سبت راكبًا أو ماشيًا فيصلي فيه ركعتين (يدخل على أم حرام بنت ملحان -وكانت تحت عبادة بن الصامت- فدخل عليها يومًا) هذا معارض للرواية المتقدمة (فتزوجها عبادة بعد) فظاهر الرواية الأولى أنه إنما تزوجها بعد ذلك، وظاهر هذِه الرواية أنها كانت زوجة لعبادة حال دخول النبي ﷺ إليها. ويجمع بينهما بأن قوله في الرواية الأولى (فتزوجها) على أنه ماضٍ بمعنى المستقبل كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٤)، ويدل عليه ما جاء في رواية الصحيح: فتزوجها بعد ذلك (٥). فهو أصرح من الأولى (فأطعمته) فيه جواز أكل الضيف عند المرأة المزوجة مما قدمته إليه إذا

стр. 6933

لم يعلم أنه من مال الزوج وتعلم أنه يكره أكله من طعامه (١) أو شك في كراهته (وجعلت تفلي رأسه) هو بفتح التاء وسكون الفاء، أي: تفتشه لتخرج ما فيه من الهوام المؤذية (وساق هذا الحديث) إلخ. فيه: جواز فلي الرجل والأجنبي والمحرم رأسه، وقتل القمل والبراغيث منه ومن غيره بغير حرق النار. وفيه جواز نظر المحرم إلى شعر رأس محرمها ومسه. (قال أبو داود: وماتت أم حرام بقبرس) أي: بجزيرة قبرس -جعلها الله بلاد الإسلام- وهي لا تنصرف للعجمة والتأنيث. [٢٤٩٢] (حدثنا يحيى بن معين، أنا هشام بن يوسف) الصنعاني (عن معمر) بن راشد (عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) الليثي (عن) أم حرام، قيل (أخت أم سليم الرميصاء) بضم الراء مصغرًا (قالت: نام النبي فاستيقظ وكانت) أم حرام (تغسل رأسها) وهو نائم (فاستيقظ) من نومه (وهو يضحك فقالت: يا رسول الله، أتضحك من) رؤيتك لغسل (رأسي؟ ) فيه غسل رأس المحرم بحضرته (قال: لا. وساق هذا الحديث يزيد وينقص). [٢٤٩٣] (حدثنا محمد بن بكار العيشي قال: حدثنا مروان، وحدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الجوبري الدمشقي -المعنى- قال: حدثنا مروان قال: حدثنا هلال بن ميمون الرملي، عن يعلي بن شداد، عن أم حرام: أن رسول الله قال: المائد في البحر -الذي يصيبه القيء-) من

стр. 6934

اضطراب السفينة (له) مثل (أجر شهيد) في سبيل الله. قال المنذري: المائد هو الذي يدوخ رأسه ويميل من ريح البحر (١). قال الله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٢) أي: لئلا تضطرب بكم (والغَرِق له أجر شهيد) فيه: الحث على ركوب البحر للغزو. وروى الطبراني في "الأوسط"، عن واثلة بن الأسقع، قال رسول الله ﷺ : "من فاته الغزو معي فلُيَغْزُ في البحر" (٣). وروى البيهقي: "المائد (٤) في البحر كالمتشحط في دمه" (٥). [٢٤٩٤] ([حدثنا عبد السلام بن عتيق قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثني سليمان ابن حبيب، عن أبي أمامة، (٦) عن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة كلهم) أي: كل واحد منهم (ضامن على الله) أي: مضمون حفظه عليه تفضلًا وتكرمًا، فهو فاعل (٧) بمعنى مفعول. (رجل خرج) من بيته (غازيًا في سبيل الله فهو ضامن) أي: مضمون (على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة،

стр. 6935

ورجل راح إلى المسجد أو غدا فهو ضامن على الله) أي: مضمون (حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده) إلى وطنه (بما نال من أجر أو غنيمة، ورجل دخل بيته بسلام) رواية ابن خزيمة (١) وابن حبان (٢) في صحيحيهما: "من جلس في بيته لم يغتب إنسانًا كان ضامنًا على الله، ومن عاد (٣) مريضا كان ضامنًا على الله ". ورواه أبو يعلى (٤)، وعنده: "أو خرج مع جنازة" بدل: "ومن غدا إلى المسجد"، وأراد بقوله (ودخل بيته بسلام) أي: يلزم بيته طالبًا للسلامة من الفتن ورغبة في العزلة، وقيل: أراد أنه إذا دخل سلم، قال في "النهاية": أوجه (٥). لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية (٦) (فهو ضامن على الله)
следующие страницы →