← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

فله أن يعود إلى النوم إذا احتاج إلى ذلك كما في الليل. (فاستيقظ) أي: من نومه مرّة ثانية (وهو يضحك) كما ضحك في المرة الأولى (فقلت: يا رسول الله، ما أضحكك؟ فقال مثل مقالته، فقلت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم) فيه استحباب تكرير طلب الدعاء من أهل الفضل في المجلس الواحد مرتين فأكثر (قال: أنتِ من الأولين) أي: أنت من الذين رأيتهم في المرة الأولى، وفيه: دليل على أن القوم الذين رآهم في المرة الأولى غير الذين رآهم في المرة الثانية وأن القوم الأولين أفضل ممن رآهم في الثانية له. (فتزوجها عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري، كان أحد النقباء، وشهد العقبة الأولى والثانية، ومات بفلسطين، ودفن ببيت المقدس، بباب الرحمة، وقبره ظاهر بها، وقيل: توفي بالرملة. وظاهر هذا أنه تزوجها عبادة بعد ذلك، وسيأتي ما يعارضه، والجمع بينهما. (فغزا في البحر) عبادة بن الصامت. قال القاضي عياض (١): والأظهر أن غزوته كانت في زمن معاوية، أي حين خالف عبادة معاوية في شيء أنكره عبادة من الصرف فأغلظ له معاوية في القول، فقال له عبادة: لا أساكنك (٢) بأرض واحدة أبدًا (فحملها) عبادة (معه) إلى الغزو، وركبت معه البحر. (فلما رجع) من الغزو (قُرِّبت لها بغلة) كانت معه (لتركبها فصرعتها) أي: صرعت أم حرام عن البغلة التي ركبتها (فاندقت عنقها) هناك، أي:

стр. 6932

انكسرت. والدق: الكسر (فماتت) أي: شهيدة. لما روى مسلم (١) من رواية أبي هريرة: "من مات في سبيل الله". وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢). [٢٤٩١] (حدثنا [القعنبي] (٣)، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب إلى) مسجد (قباء) وكان يذهب إليه في كل سبت راكبًا أو ماشيًا فيصلي فيه ركعتين (يدخل على أم حرام بنت ملحان -وكانت تحت عبادة بن الصامت- فدخل عليها يومًا) هذا معارض للرواية المتقدمة (فتزوجها عبادة بعد) فظاهر الرواية الأولى أنه إنما تزوجها بعد ذلك، وظاهر هذِه الرواية أنها كانت زوجة لعبادة حال دخول النبي ﷺ إليها. ويجمع بينهما بأن قوله في الرواية الأولى (فتزوجها) على أنه ماضٍ بمعنى المستقبل كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٤)، ويدل عليه ما جاء في رواية الصحيح: فتزوجها بعد ذلك (٥). فهو أصرح من الأولى (فأطعمته) فيه جواز أكل الضيف عند المرأة المزوجة مما قدمته إليه إذا

стр. 6933

لم يعلم أنه من مال الزوج وتعلم أنه يكره أكله من طعامه (١) أو شك في كراهته (وجعلت تفلي رأسه) هو بفتح التاء وسكون الفاء، أي: تفتشه لتخرج ما فيه من الهوام المؤذية (وساق هذا الحديث) إلخ. فيه: جواز فلي الرجل والأجنبي والمحرم رأسه، وقتل القمل والبراغيث منه ومن غيره بغير حرق النار. وفيه جواز نظر المحرم إلى شعر رأس محرمها ومسه. (قال أبو داود: وماتت أم حرام بقبرس) أي: بجزيرة قبرس -جعلها الله بلاد الإسلام- وهي لا تنصرف للعجمة والتأنيث. [٢٤٩٢] (حدثنا يحيى بن معين، أنا هشام بن يوسف) الصنعاني (عن معمر) بن راشد (عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) الليثي (عن) أم حرام، قيل (أخت أم سليم الرميصاء) بضم الراء مصغرًا (قالت: نام النبي فاستيقظ وكانت) أم حرام (تغسل رأسها) وهو نائم (فاستيقظ) من نومه (وهو يضحك فقالت: يا رسول الله، أتضحك من) رؤيتك لغسل (رأسي؟ ) فيه غسل رأس المحرم بحضرته (قال: لا. وساق هذا الحديث يزيد وينقص). [٢٤٩٣] (حدثنا محمد بن بكار العيشي قال: حدثنا مروان، وحدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الجوبري الدمشقي -المعنى- قال: حدثنا مروان قال: حدثنا هلال بن ميمون الرملي، عن يعلي بن شداد، عن أم حرام: أن رسول الله قال: المائد في البحر -الذي يصيبه القيء-) من

стр. 6934

اضطراب السفينة (له) مثل (أجر شهيد) في سبيل الله. قال المنذري: المائد هو الذي يدوخ رأسه ويميل من ريح البحر (١). قال الله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٢) أي: لئلا تضطرب بكم (والغَرِق له أجر شهيد) فيه: الحث على ركوب البحر للغزو. وروى الطبراني في "الأوسط"، عن واثلة بن الأسقع، قال رسول الله ﷺ : "من فاته الغزو معي فلُيَغْزُ في البحر" (٣). وروى البيهقي: "المائد (٤) في البحر كالمتشحط في دمه" (٥). [٢٤٩٤] ([حدثنا عبد السلام بن عتيق قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثني سليمان ابن حبيب، عن أبي أمامة، (٦) عن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة كلهم) أي: كل واحد منهم (ضامن على الله) أي: مضمون حفظه عليه تفضلًا وتكرمًا، فهو فاعل (٧) بمعنى مفعول. (رجل خرج) من بيته (غازيًا في سبيل الله فهو ضامن) أي: مضمون (على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة،

стр. 6935

ورجل راح إلى المسجد أو غدا فهو ضامن على الله) أي: مضمون (حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده) إلى وطنه (بما نال من أجر أو غنيمة، ورجل دخل بيته بسلام) رواية ابن خزيمة (١) وابن حبان (٢) في صحيحيهما: "من جلس في بيته لم يغتب إنسانًا كان ضامنًا على الله، ومن عاد (٣) مريضا كان ضامنًا على الله ". ورواه أبو يعلى (٤)، وعنده: "أو خرج مع جنازة" بدل: "ومن غدا إلى المسجد"، وأراد بقوله (ودخل بيته بسلام) أي: يلزم بيته طالبًا للسلامة من الفتن ورغبة في العزلة، وقيل: أراد أنه إذا دخل سلم، قال في "النهاية": أوجه (٥). لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية (٦) (فهو ضامن على الله)

стр. 6936

١١ - باب في فَضْلِ مَنْ قَتَلَ كافِرًا ٢٤٩٥ - حَدَّثَنا محَمَّد بْنُ الصَّبّاحِ البَزّازُ، حَدَّثَنا إِسْماعِيل -يَعْني: ابن جَعْفَرٍ - عَنِ العَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَجْتَمِعُ في النّارِ كافِرٌ وَقاتِلُهُ أَبَدًا" (١). * * * باب فضل من قتل كافرًا [٢٤٩٥] (حدثنا محمد بن الصباح البزاز قال: حدثنا إسماعيل -يعني ابن جعفر- عن العلاء) بن عبد الرحمن (عن أبيه، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : لا يجتمع في النار كافر وقاتله) لفظ مسلم (٢): "لا يجتمع كافر وقاتله [في النار"] (٣). قيل: معناه: إذا كان الكافر في النار لا يكون قاتله في النار كما لا تتراءى ناراهما في الدنيا (٤). قال القاضي عياض (٥): يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرًا في الجهاد، فيكون ذلك مكفرًا لذنوبه حتى لا يعاقب عليها. (أبدًا) قلت: ويدل عليه (٦) سياق الكلام، فإن المصنف ذكره في كتاب الجهاد،

стр. 6937

وتكون الألف واللام للجنس، أي: لا يجتمعان في نار (١) أبدًا، ويحتمل أن يراد بهذِه النار النار المخصوصة بالكفار؛ فإن النار طبقات وأدراك، فأعلاها: للموحدين (٢)، والثاني: للنصارى، والثالث: لليهود، والرابع: للصابئين، والخامس: للمجوس، والسادس: للمشركين، والسابع: للمنافقين. قال القاضي (٣): ويحتمل أن يكون عقاب القاتل إن عوقب بغير النار كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة. وفي رواية لمسلم (٤): قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "مؤمن (٥) قتل كافرًا ثم سدد". أي: استقام على الطريقة المثلى، ولم يخلط. أي: لأن القتل كفر عنه ما مضى قبله، ولم يقع بعده ما يعذب عليه.

стр. 6938

١٢ - باب في حُرْمَةِ نِساءِ المُجاهدِين عَلَى القاعِدِينَ ٢٤١٦ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصْورٍ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ قَعْنَبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابن بُريْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "حُرْمَةُ نِساءِ المُجاهِدِينَ عَلَى القاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهاتِهِمْ، وَما مِنْ رَجُلٍ مِنَ القاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ المُجاهِدِينَ في أَهْلِهِ إِلَاّ نُصِبَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَقِيلَ لَهُ: هذا قَدْ خَلَفَكَ في أَهْلِكَ فَخُذْ مِنْ حَسَناتِهِ ما شِئْتَ". فالتَفَتَ إِليْنا رَسُولُ اللهِ ﷺ فقالَ: "ما ظَنُّكُمْ" (١). قالَ أَبُو داوُدَ: كانَ قَعْنَبٌ رَجُلًا صالِحًا، وَكانَ ابن أَبي ليْلَى أَرادَ قَعْنَبًا عَلَى القَضاءِ فَأَبَى عَليْهِ، وقالَ: أَنا أُريدُ الحاجَةَ بِدِرْهَمٍ فَأَسْتَعِينُ عَليْها بِرَجُلٍ. قالَ: وَأيُّنا لا يَسْتَعِينُ في حاجَتِهِ. قالَ: أَخْرِجُونِي حَتَّى أنْظُرَ فَأُخْرِجَ فَتَوارى. قالَ سُفْيان: بيْنَما هُوَ مُتَوارٍ إِذْ وَقَعَ عَليْهِ البيْتُ فَماتَ. * * * باب حرمة نساء المجاهدين على القاعدين [٢٤٩٦] (حدثنا سعيد بن منصور) بن سعيد (٢) الخراساني (أنبأنا سفيان) بن عيينة (عن قعنب، عن علقمة بن مرثد، عن) سليمان (بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن حُصيب (٣) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين. أخرج له البخاري وغيره. (قال رسول الله ﷺ : حرمة نساء المجاهدين على القاعدين) عن

стр. 6939

الجهاد (كحرمة أمهاتهم) أي: فكما يحرم على القاعدين التعرض لأمهاتهم بالريبة من لمس ونظر محرمين، كذلك يحرم التعرض (١) لنساء المجاهدين بالتعرض لريبة وغيرها، وكما يجب عليهم بر أمهاتهم والإحسان إليهن (٢) وقضاء حوائجهن التي لا تترتب عليها مفسدة، لكن لا يعطون حكمهن الأمهات في الخلوة بهن، وكذا حكم أولاد المجاهدين في حقوقهم كحكم أولادهم في البر والإحسان إليهم. (وما من رجل من القاعدين يخلُف) بضم اللام، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ (٣)، وفي معنى المجاهدين الحجاج والمرتحلون (٤) لطلب الحديث والعلم (رجلًا من المجاهدين في أهله) زاد في رواية مسلم (٥): "فيخونه فيهم إلا وقف له". انتهى. (إلا نصب له يوم القيامة فقيل له: ) أي: قالت له الملائكة: (هذا قد خلفك في أهلك) فخانك فيهم (فخذ من حسناته ما شئت) رواية مسلم: "فيأخذ من حسناته ما شاء" (فالتفت إلينا رسول الله ﷺ ) لعل سبب التفاته ﷺ أن كلامه أولًا كان لمن يواجهه (فقال: ما ظنكم) ورواه النسائي وزاد (٦): "أترون يدع له من حسناته شيئًا؟ " وعلى هذا ففيه التفات

стр. 6940

العالم بالخطاب لمن لم يكن تلقاء وجهه يمينًا وشمالًا؛ لأنه أبلغ في السماع. وفيه استئناس لهم لكن قالوا في الخطيب: لا يلتفت، وقوله: (ما ظنكم؟ ) معناه: ما تظنون في رغبته في أخذ حسناته والاستكثار منها في ذلك المقام، أي: لا يبقي منها شيئًا إن أمكنه (ما ظنكم) ما استفهامية أي: هل تشكون في هذِه المجازاة. (فقال أبو داود: كان (١) قعنب) التميمي (٢) الكوفي (رجلاً صالحًا) أخرج له مسلم وحده متابعة (وكان ابن أبي (٣) ليلى) عبدُ الرحمن قاضي الكوفة (أراد) أن يكره (قعنبًا على القضاء) أي: على ولايته (فأبى عليه) أن يقبل منه القضاء (وقال قعنب: أنا أريد الحاجة) أن اشتريها (بدرهم) من السوق (فأستعين بها برجل! ) فيه: استعانة أهل العلم بغيرهم في قضاء حوائجهم، وأن ذلك لا ينقص شيئًا من أجرهم إن شاء الله، فقد استعان النبي ﷺ بكثير من الصحابة في حوائجه. (قال: وأيُّنا لا يستعين) بالغير (في قضاء حاجته. قال) قعنب: (فأخرجوني حتى انظر في أمري) أوهمهم بذلك أنه يرجع إليهم (فأُخرج) من عند ابن أبي ليلى (فتوارى) عنهم (قال سفيان) بن عيينة الراوي عنه (بينما هو متوارٍ إذ وقع عليه [البيت] (٤) فمات) رحمه الله تعالى.

стр. 6941

١٣ - باب في السَّرِيَّةِ تُخْفقُ ٢٤٩٧ - حَدَّثَنا عُبيْدُ اللهِ بْن عُمَرَ بْنِ ميْسَرَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن يَزِيدَ، حَدَّثَنا حيْوَةُ وابْنُ لَهِيعَةَ قالا: حَدَّثَنا أَبُو هانِئٍ الَخوْلانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُول: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ما مِنْ غازِيَةٍ تَغْزُو في سَبِيلِ اللهِ فيصِيبُونَ غَنِيمَةً إِلَاّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَى أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ ويَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ" (١). * * * باب ثواب السرية تُخفِق بضم التاء، وإسكان الخاء المعجمة، وكسر الفاء. وقال الجوهري (٢): يقال: أخفق الغازي إذا غزا فلم يغنم، وأخفق الصائد إذا رجع ولم يصطد. [٢٤٩٧] (حدثنا [عبيد الله بن عمر] (٣) بن ميسرة) القواريري (قال: حدثنا عبد الله بن يزيد) القصير (أنا حيوة) بن شريح (و) عبد الله (ابن لهيعة قالا: أنبأنا أبو هانئ الخولاني، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُليَّ يقول: سمعت عبد الله بن عمرو قال رسول الله ﷺ : ما من غازية تغزو في سبيل الله) وزاد مسلم: "أو سرية تغزو في سبيل الله فيَسْلمون"

стр. 6942

(فيصيبون غنيمة) من الغزو (إلا تعجلوا ثلثي أجرهم) وفي رواية لمسلم (١): "ثلثي أجورهم" (من الآخرة) قال النووي (٢): الصواب الذي لا يجوز غيره أن معناه أن الغزاة إذا سلموا وغنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يَسْلم أو سلم ولم يغنم، فإن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم (٣)، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجورهم المرتبة على الغزو (ويبقى لهم الثلث) وتكون الغنيمة في مقابلة الثلث، وهذا موافق لقوله: منا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها (٤). أي: يجتنيها. ومن الأقوال الفاسدة قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولا يجوز أن تنقص ثوابهم الغنيمة. (فإن لم يصيبوا غنيمة تم (٥) لهم أجرهم) ولم ينقص منه شيئًا.

стр. 6943

١٤ - باب في تَضْعِيفِ الذِّكْرِ في سَبيلِ الله تَعالَى ٢٤٩٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أيُّوبَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبي أيُّوبَ، عَنْ زَبّانَ بْنِ فائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الصَّلاةَ والصِّيامَ والذِّكْرَ تُضاعَفُ عَلَى النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ" (١). * * * باب تضعيف الذكر في سبيل الله [٢٤٩٨] ([أنبأنا أحمد بن عمرو بن السرح) المصري (قال: أنبأنا) عبد الله (ابن وهب) المصري (عن يحيى بن أيوب) الغافقي (وسعيد بن أبي أيوب، عن زبّان) بالزاي والموحدة (بن فاند) بالفاء والنون (٢) (عن سهل بن معاذ) وهما ضعيفان، قاله ابن الأثير. (عن أبيه) معاذ] (٣) ابن أنس الجهني ﷺ . (قال رسول الله ﷺ : إن الصلاة) الفرض والنفل (والصيام) الفرض كالكفارة والنذر وغيرهما (والذكر) من التكبير والتهليل والتسبيح والتلاوة والاعتكاف في المساجد في أيام الجهاد (تضاعف على) ثواب (النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف) وفي "مسند الإمام

стр. 6944

أحمد" (١): عن بريدة، عن النبي ﷺ قال: "النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف". وأخرجه الطبراني (٢) من حديث أنس عن النبي ﷺ : "النفقة [في الحج مثل النفقة] (٣) في سبيل الله: الدرهم بسبعمائة". وروى البزار (٤) من رواية أبي هريرة: "المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف". وهذا يعم جميع أنواع البر.

стр. 6945

١٥ - باب فِيمَنْ ماتَ غازِيًا ٢٤٩٩ - حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ بْن الوَلِيدِ، عَنِ ابن ثَوْبانَ، عَنْ أَبِيهِ يَرُدُّ إِلى مَكْحُولٍ إِلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ أَبا مالِكٍ الأَشْعَرِيَّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَصَلَ في سَبِيلِ اللهِ فَماتَ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدَغَتْهُ هامَّةٌ أَوْ ماتَ عَلَى فِراشِهِ أَوْ بِأيِّ حَتْفٍ شاءَ اللهُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ وَإِنَّ لَهُ الجَنَّةَ" (١). * * * باب من مات غازيًا [٢٤٩٩] [(حدثنا عبد الوهاب بن نجدة) الحوطي (أنبأنا بقية بن الوليد، عن) عبد الرحمن (ابن ثوبان، عن أبيه) ثوبان (يَرُدُّ إلى مكحول إلى عبد الرحمن بن غَنْم) بفتح المعجمة وسكون النون (الأشعري) (٢)، عن أبي مالك الأشعري) قيل: اسمه الحارث بن الحارث. (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من فَصَل) بفتح الفاء والصاد المهملة المخففة (في سبيل الله) أي: خرج للجهاد من منزله في سبيل الله، سُمي بذلك لأنه فصل بين إيمانه وكفره كما يقال: فصل الحاكم بين الخصمين (فمات) قبل أن يرجع إلى أهله (أو قُتل في سبيل الله) وهو الجهاد (فهو شهيد أو وقصه) بفتح القاف والصاد المهملة (فرسه) أي: رماه فكسر

стр. 6946

عنقه، ومنه الأوقص وهو القصير العنق، كأنه لما رمي دخل عنقه في جوفه، والوقص كسر العنق، يقال: وقصه وأوقصه لغتان، ولم يذكر صاحب "الأفعال" إلا وقصه (١) (أو بعيره) سواء كان في القتال أو في الطريق. (أو لدغته) بفتح الدال والغين المعجمة، أي: ضربته بفيها أوذنبها (هامَّة) بتشديد الميم والمد، وهي كل ذي سم يقتل، وجمعها هوام كالحية، ولا تطلق الهامة إلا على ما يقتل، فأما ما لا يقتل ويسم فهي السوام كالزنبور والنحلة (أو مات على فراشه) في طريق الغزو، لعل المراد به أنه مرض على فراشه وهو في سبيل الله الذي خرج له (أو بأي حَتْف) بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة فوق هو الموت (شاء الله فهو شهيد) له أجر شهيد في الآخرة، لكن الذي وقصته الدابة إن كان سقوطه عنها بسبب جماح الدابة أو بسبب من أسباب القتال فلا يغسل ولا يصلى عليه، وأما غير ذلك فيغسل ويصلى عليه، ويكون شهيدًا في الآخرة لا في الدنيا (فإن له) على الله (الجنة).

стр. 6947

١٦ - باب في فَضْلِ الرِّباطِ ٢٥٠٠ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَني أَبُو هانِئٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مالِكٍ، عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "كُلُّ الميِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَاّ المُرابِطَ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ ويُؤَمَّنُ مِنْ فَتّانِ القَبْرِ" (١). * * * باب فضل الرباط أصله من الربط للخيل، ثم سمي ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطًا فارسًا كان أو راجلًا. قال الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها: الرباط ملازمة الثغور ومواظبة الصلاة (٢). وهذا يدل على أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة كما قال النبي ﷺ (٣)، لكن رباط الخيل في سبيل الله أهم كما نص عليه في التنزيل في قوله: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٤). [٢٥٠٠] (حدثنا سعيد بن منصور) الخراساني (قال: حدثنا) عبد الله (ابن وهب) المصري قال (حدثني أبو هانئ) حميد بن هانئ (عن عمرو ابن

стр. 6948

مالك) النكري (١). (عن فضالة) بفتح (٢) الفاء (ابن عبيد) مصغر الأنصاري، أول مشاهده الخندق، ثم شهد المشاهد كلها، كان قاضيًا بالشام (٣) لمعاوية، ومات بها، وقبره بها معروف، يرفعه فضالة إلى النبي ﷺ . (أن رسول الله ﷺ قال: كل الميت) أي: كل من مات من المسلمين فإنه ينقطع ثوابه و (يختم على عمله) فلا يزاد عليه ولا ينقص منه (إلا المرابط) بالنصب على الاستثناء، المرابطة عند العرب العقد على الشيء حتى لا ينحل، وأفضله رباط الخيل في الثغر كما تقدم، ويدخل فيه مواظبة (٤) الصلاة لما تقدم عن الخليل بن أحمد، ويدل عليه ما قاله أبو عمرو الشيباني (٥): يقال: ماء رابط أي: دائم لا ينزح. وأما المرابط في سبيل الله عند الفقهاء فهو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة، فأما سكان الثغور دائمًا بأهليهم (٦) الذين يعمرون ما يسكنون فيه ويكتسبون هنالك، فهم (٧) وان كانوا حماة فليسوا مرابطين، قاله ابن عطية (٨).

стр. 6949

قال ابن خواز منداد: إذا كان الثغر مأمونًا ممتنعًا فيجوز سكناه بالأهل والولد، وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه، إن كان من أهل القتال، ولا ينقل إليه الأهل والولد؛ لئلا يظهر العدو فيسترق ويسبى (١). وقيل لأبي عبد الله ابن حنبل: فيخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الإثم؟ فقال: كيف لا يخاف الإثم وهو يعرض ذريته للمشركين؟ وقال: كنت آمر بالتحول بالأهل والعيال إلى الشام قبل اليوم، فأنا أنهى عنه الآن؛ لأن الأمر قد اقترب، وقال: لابد لهؤلاء القوم من يوم. قيل: فذلك في آخر الزمان، قال: وهذا آخر الزمان (٢). قال ابن قدامة: وهذا محمول على نقلة الأهل إلى ثغر مخوف، فأما أهل الثغر فلابد لهم من السكنى بأهليهم لولا ذلك لخربت الثغور وتعطلت. قال: وبلغني عن الأوزاعي أنه قال في المساجد التي بالثغر: لو أن لي عليها ولاية لسمرت أبوابها -ولم يقل: لخربتها- حتى تكون صلاتهم في موضع واحد إذا جاء النفير، وقال: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط، ومن رابط أربعين يوما (٣) فقد استكمل الرباط، روي ذلك [عن أبي هريرة، وابن عمر، وقد ذكرنا خبر أبي هريرة] (٤).

стр. 6950

وروى أبو الشيخ في كتاب "اليواقيت" بإسناده عن النبي ﷺ : "تمام الرباط أربعون يومًا" (١). وروى نافع عن ابن عمر أنه قدم على عمر بن الخطاب من الرباط، فقال له: كم رابطت؟ قال: ثلاثين يومًا. قال: عزمت عليك إلا رجعت حتى تتمها أربعين يومًا (٢). وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفًا، وفضل الرباط في ثغر عسقلان؛ لما روى الدارقطني في كتابه المخرج على الصحيحين بإسناده عن ابن عمر: أن النبي ﷺ صلى على مقبرة فقيل: يا رسول الله، أي مقبرة هي؟ قال: "مقبرة بأرض العدو، يقال لها: عسقلان يفتتحها ناس من أمتي، يبعث الله منها سبعين ألف شهيد، فيشفع الرجل في مثل ربيعة ومضر، ولكل مكان عروس، وعروس الجنة عسقلان" (٣). وبإسناده عن ابن عباس أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إني أريد أن أغزو. فقال: "عليك بالشام وأهله، ثم الزم من الشام عسقلان فإنها إذا

стр. 6951

دارت الرحى (١) في أمتي كان أهلها في راحة وعافية" (٢). وعن عطاء الخراساني قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "رحم (٣) الله أهل المقبرة". ثلاث مرات، فسئل عن ذلك فقال: "مقبرة تكون بعسقلان". فكان عطاء يرابط بها كل عام أربعين يومًا حتى مات (٤). (فإنه ينمو) قال الزمخشري (٥): نميت الحديث ونميته مخففًا ومشددًا؛ فالمخفف في الإصلاح، والمشدد في الإفساد. أي: يضاعف (له) أجر (عمله يوم القيامة) لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة للأجر، وهي غير موقوفة على سبب، فينقطع بانقطاعه كما في حديث: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، انفرد به مسلم في "صحيحه" (٦)؛ فإن الصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به والولد الصالح الذي يدعو لوالديه (٧) ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم وموت الولد بخلاف الرباط؛ فانه فضله دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة.

стр. 6952

قال القرطبي: وهذا لأن أعمال البر كلها لا متمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منهم بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام (١). (ويُؤَمَّن) بضم الياء، وتشديد الميم المفتوحة، ويجوز تخفيفها، أي: يرزقه الله الأمن (من فَتَّاني (٢) القبر) تثنية فتان بفتح الفاء وتشديد المثناة مبالغة في الفاتن، والمراد بهما هنا منكر ونكير سميا بذلك؛ لأنه يفتتن بهما، أي: يختبر بسؤالهما الميت ليظهر الكافر من المؤمن للملائكة، فيثبت الله المؤمن ويلقنه كلمة الحق عند السؤال في القبر، ويضل الكافر عن كلمة الحق فيقول: لا أدري. فنسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وفي هذا الحديث دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، لكن هذا العمل الذي يجري عليه ثوابه إلى يوم القيامة هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة، لما رواه ابن ماجه (٣) بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من مات مرابطًا في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع". ورواه الطبراني في "الأوسط" (٤) وزاد فيه: "وقيل له: قف اشفع إلى أن يفرغ من الحساب".

стр. 6953

قال المنذري (١): لكن إسناده مقارب. فعلى هذا يكون العمل الذي ينمو للمرابط مقيد بقيد (٢) العمل الصالح. وله قيد ثانٍ وهو أن يموت في الرباط، لكن من مات مرابطًا في شهر رمضان حصل له الثواب الدائم، وإن لم يمت في الرباط؛ لما روى ابن ماجه (٣) عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرًا". أراه قال: "أفضل من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها، فإن رده الله إلى أهله سالمًا لم يكتب عليه سيئة ألف سنة، وبجري عليه أجر الرباط إلى يوم القيامة". لكن في سنده عمر بن صبح الخراساني، قال المنذري: ولولا أنه من الأصول لما ذكرته (٤).

стр. 6954

١٧ - باب في فَضْلِ الحَرْسِ في سَبيلِ الله تعالى ٢٥٠١ - حَدَّثَنا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنا مُعاوَيةُ -يَعْني: ابن سَلامٍّ- عَنْ زيْدٍ -يَعْني: ابن سَلَّامٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبا سَلَّامٍ، قالَ: حَدَّثَني السَّلُولِيُّ أَبُو كَبْشَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ سَهْلُ ابن الحَنْظَلِيَّةِ أَنَّهُمْ سارُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنيْنٍ فَأَطْنَبُوا السّيْرَ حَتَّى كانَتْ عَشِيَّةً فَحَضَرْتُ الصَّلاةَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فجاءَ رَجُلٌ فارِسٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي انْطَلَقْتُ بيْنَ أيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذا وَكَذا، فَإِذا أَنا بِهَوازِنَ عَلَى بَكْرَةِ آبائِهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشائِهِمُ اجْتَمَعُوا إِلى حُنيْنٍ. فَتَبَسَّمَ رَسُول اللهِ ﷺ وقالَ: "تِلْكَ غَنِيمَةُ المُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شاءَ اللهُ". ثُمَّ قالَ: "مَنْ يَحْرُسُنا اللّيْلَةَ؟ ". قالَ أَنَسُ ابْنُ أَبي مَرْثَدٍ الغَنَوِيُّ: أَنا يا رَسُولَ اللهِ. قالَ: "فارْكَبْ". فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ فَجاءَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اسْتَقْبِلْ هذا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ في أَعْلاهُ، وَلا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللّيْلَةَ". فَلَمّا أَصْبَحْنا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى مُصَلَّاهُ فَرَكَعَ رَكْعَتيْنِ ثُمَّ قالَ: "هَلْ أَحْسَسْتُمْ فارِسَكُمْ؟ ". قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ ما أَحْسَسْناهُ. فَثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذا قَضَى صَلاتَهُ وَسَلَّمَ قالَ: "أَبْشِرُوا فَقَدْ جاءَكُمْ فارِسُكُمْ". فَجَعَلْنا نَنْظُرُ إِلى خِلالِ الشَّجَرِ في الشِّعْبِ فَإِذا هُوَ قَدْ جاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ فَقالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ في أَعْلَى هذا الشِّعْبِ حيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبيْنِ كِليْهِما، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ نَزَلْتَ اللّيْلَةَ؟ ". قالَ: لا إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قاضِيًا حاجَةً. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قَدْ أَوْجَبْتَ فَلا عَليْكَ أَنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَها" (١).

стр. 6955

باب فضل الحرس في سبيل الله تعالى [٢٥٠١] (حدثنا أبو توبة، [حدثنا معاوية -يعني: ابن سلام- عن زيد -يعني: ابن سلام- أنه سمع أبا سلام قال: حدثنى السلولى أبو كبشة] (١)، عن سهل ابن الحنظلية) الحنظلية أمه، وقيل: أم جده، وهو سهل بن الربيع بن عمر، ويقال: سهل بن عمرو (أنهم) أي: أنه ومن كان مع النبي ﷺ من الصحابة (ساروا مع رسول الله ﷺ ) أي: أمامه وهو آخرهم، وهكذا ينبغي أن يكون أمير الجيش في آخرهم؛ لينظر في مصلحة من اعتل بعيره ومن مرض أو ضعف عن المشي أو أثقله حمل الزاد. (يوم) أي: في يوم قربوا من (حنين) وهو وادٍ قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا (فأطنبوا) بفتح النون، والباء الموحدة (السير) أي: أطالوا في السير ذلك اليوم، والأطناب الطوال من حبال الفسطاط والأصر القصار (حتى كان عشية) بالرفع والنصب؛ لأن (كان) تامة، أي: حتى حضر وقت العشية، حكى النووي عن أهل اللغة أن العشي ما بين زوال الشمس وغروبها (٢). (فحضرت الصلاة مع رسول الله) كما في رواية: حضرت صلاة الظهر، وهي مبينة للرواية الأولى (فجاء رجل فارس) كان قد تقدم على الجيش كالطليعة لهم (فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين

стр. 6956

أيديكم) مسرعًا (حتى طلِعتُ) بكسر اللام، قال الجوهري (١) وغيره (٢): طلِعت الجبل بالكسر، أي: علوته. (جبل كذا وكذا) كناية عن جبل يعرفونه. (فإذا) للمفاجأة (أنا بهوازن) وهي قبيلة من قيس (على بكرة) بفتح الباء الموحدة، وإسكان الكاف (أبيهم) (٣) قال الجوهري (٤): هذِه الكلمة يراد بها الجماعة إذا جاؤوا معًا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة (بظعنهم) بفتح الظاء والعين، وسكون العين لغتان جمع ظعينة، وهي المرأة ما دامت في الهودج، مأخوذ من الظعن، وهو السير، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ (٥)، وأصل الظعينة الراحلة لا تسير. (ونعمهم) وهي الإبل والبقر (وشائهم) بالمد جمع كثرة، واحدها شاة، والشياه جمع شاة، وكان جماع أمر هوازن إلى مالك بن عوف النصري، فلما أجمع السير إلى رسول الله ﷺ حط معهم نساءهم وأموالهم وأبناءهم، فلما نزلوا بأوطاس اجتمع الناس إلى [مالك ابن] (٦) عوف وفيهم دريد بن الصمة، شيخ كبير ليس فيه إلا التيمن برأيه، فقال له (٧): يا مالك، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير

стр. 6957

وبكاء الصغير؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فقال راعي ضأن (١) والله، وهل يرد المنهزم [شيء، إنها] (٢) إن كانت النصرة لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك (٣). (اجتمعوا إلى حنين) للقتال (فتبسم رسول الله) وسبب تبسمه أن الفارس لما ذكر له أمر هوازن واجتماعهم وأن معهم النساء والأبناء والإبل والبقر والغنم سر رسول الله ﷺ وتبسم لما أطلعه الله تعالى عليه في كونهم سيصيرون في غد غنيمة للمسلمين ينتفعون بهم. (وقال) للفارس (تلك) أي: هذِه الظعائن والنعم والشاء (٤) سيصير جميعها (غنيمة المسلمين (٥) غدًا) وهذا من معجزاته ﷺ بإخباره بالمغيبات قبل أن تقع (إن شاء الله تعالى) إن قيل: إذا كان الله قد أعلمه أنها في غد غنيمة للمسلمين، وعلم الله تعالى لا يبدل ولا يغير، فلم علق ذلك بمشيئة الله تعالى؟ فالجواب: يحتمل أن تكون (إن) بمعنى إذ شاء الله. أي: حيث شاء الله تعالى، ويحتمل أن الله تعالى لما أعلمه ذلك أخبر به لكنه استثنى على ما أمره الله تعالى في

стр. 6958

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، فأتى بالاستثناء تبركًا بالآية لا تعليقًا للمشيئة. (ثم قال: من يحرسنا) من العدو في هذِه (الليلة) الآتية جميعها. فيه: جواز الاحتراس من العدو، والأخذ بالحزم، وترك الإهمال في وقت الحاجة إلى الاحتياط، وفي معناه حراسة البيوت في الإقامة، وأخذ الأجرة عليه، يحتمل أن يكون هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فإنه كان يحرس قبل نزول الآية، وكان أبو طالب يرسل (٢) معه كل يوم مع رسول الله رجالًا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣)، فقال النبي ﷺ : "يا عماه، إن الله قد عصمني من الجن والإنس، ولا احتاج من يحرسني" (٤). ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية وهو الظاهر، فإن طلب هذِه الحراسة كان في غزاة حنين بعد فتح مكة، وعلى هذا فهو غير محتاج للحراسة، وطلب الحراسة إنما كان لحراسة من معه من الجيش. (قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا) أحرسكم (يا رسول الله) يحتمل

стр. 6959

أن النبي ﷺ دعا لأنس لما قال هذا الكلام كما دعا في مقدمه المدينة لسعد بن أبي وقاص حين قال له: جئت أحرسك هذِه الليلة (١). وكان رسول الله ﷺ يدعو لمن صنع إليه معروفًا أو إلى الناس ويثني عليه. (قال: فاركب) أي: فرسك لتحرس الجيش هذِه الليلة (فركب فرسًا له) امتثالًا لأمر النبي ﷺ ، أتى بفاء التعقيب؛ لتدل على سرعة امتثاله الأمر (وجاء إلى النبي ﷺ ) ذكر المجيء بعد أن كان عند النبي ﷺ حاضرًا يدل على أنه لما ركب الفرس ذهب للحراسة فتذكر كثرة جماعة هوازن وشدة بأسهم، ورجع إلى النبي ﷺ ليؤكد عليه المقال الأول، وليسمع البشارة من النبي ﷺ ثانيًا، ويزداد يقينًا، ويثبت قلبه عند الحراسة من العدو، قال له: إن هوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا على حنين فأعاد له النبي ﷺ القول (وقال: تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله) كما تقدم (ثم قال) النبي ﷺ حين رآه رجع (من يحرسنا الليلة؟ ) لينظر هل هو باقْ على ما قال أولًا أو جبن عن الحراسة. (قال أنس بن أبي مرثد) في المرة الثانية (أنا يا رسول الله) أمتثل ما تأمرني به والله تعالى يحرسكم ويحفظكم، وفيه جواز قول الإنسان لأستاذه وشيخه: أنا أفعل لك كذا. والرد على من منع من ذلك؛ لأن أنا من قول الشيطان، ولأن النبي كرهه ممن استأذن فقال: من أنت؟ فقال: أنا؟ فخرج النبي وهو يقول: من أنا من أنا. كالكاره له (٢). وإن

стр. 6960

كان الأولى أن يقول لمن يخاطب شيخه: الفقير أو العبد يفعل كذا. (قال: فاركب) فيه دليل على أن الأولى أن يكون الحارس راكبًا على فرس إن وجد، وإلا فغيره (فركب) في الحال (فرسًا له) فيه: أنه (١) ينبغي أن يكون فرس من يحرس ملكًا له لا عارية، ولا من بيت المال (وجاء) بعدما ركب (إلى رسول الله) يتمثل ما يأمره به، وإن كان قد علم أنه أمره بالحراسة؛ لكنه جاء إليه ليذكر أن يقف للحراسة وليوصيه (٢) بشيء غير ذلك وليدعو له. (فقال له رسول الله: استقبل) بوجهك (هذا الشِّعب) بكسر الشين المعجمة هو ما انفرج بين الجبلين، وقيل: الطريق في الجبل (حتى تكون) فيه حذف، تقديره: سر (٣) على فرسك إلى هذا الشعب حتى تكون (في أعلاه) فيه: أنه يستحب للحارس أن يكون في مضيق الطرق، وأن يكون في أعلاه؛ ليتمكن ويظفر بالعدو. (ولا تَغُرَّن) بفتح التاء وضم الغين وتشديد الراء ونون التأكيد، وبضم النون وفتح الغين والراء المشددة أو المخففة. أي: لا تغفلن عن مراقبة هذا الشعب وحفظه من العدو بنعاس أو نظر إلى غيره، بل يكون النظر (مَن) بفتح الميم (قِبَلك) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي: من جهتك التي أمرتك بحفظها وهي جهة الشعب. فيه: وصية الإمام للحارس على اعتنائه بالحراسة وترك غفلته، ويستحب الدعاء له بالإعانة على ما هو

стр. 6961

بصدده (الليلة) أي: لا تغفل في جميع هذِه الليلة. (فلما أصبحنا من تلك الليلة خرج رسول الله ﷺ ) من المكان الذي بات فيه بعد الطهارة ماشيًا (إلى مصلاه) الذي اتخذه مسجدًا للصلاة فيه. فيه: أنه يستحب للإنسان إذا قام في مكان بنية الجهاد أو الرباط أو غير ذلك أن يتخذ مكانًا يصلي فيه هو وغيره (١)، كما أنه يستحب للمقيم (٢) أن يعزل مكانًا في بيته يعده للصلاة رجلًا كان أو امرأة، ولهذا جاء الخلاف في صحة الاعتكاف، والصحيح أنه لا يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو المعين المهيأ للصلاة، وحينئذٍ فالظاهر أن الصلاة فيه وإن لم يكن مسجدًا أفضل من غيره. (فركع ركعتين) من غير الفريضة، الظاهر أن هاتين الركعتين ركعتا الفجر لما سبق في أبي داود: "لا تصلوا بعد الفجر إلا ركعتين" (٣)، وفي لفظ: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتان" رواه الدارقطني (٤). وهاتان الركعتان ركعهما النبي ﷺ بعد الفجر لقوله أولًا: فلما أصبحنا. (ثم قال: هل أحسستم) أي: علمتم أو عرفتم أمر (فارسكم؟ ) وأصل ذلك من الإحساس وهو وجود الشيء بالحاسة.

стр. 6962

وفيه: دليل على تفقد الأمير أمر عامته والسؤال عن حال من أرسله في مهم وعمن غاب من جماعته. (قال رجل: ) من القوم (يا رسول الله، ما أحسسنا) من أمره شيئًا. فيه: جواز الإخبار عن رفقته بما غلب على ظنه من حالهم (فثوب) بضم المثلثة وكسر الواو المشددة (بالصلاة) أي: أقيمت صلاة الصبح المفروضة، ويطلق التثويب على الأذان، وكل داعٍ مثوب، وقد ثوب فلان بالصلاة إذا دعا إليها، والأصل فيه: الرجل يجيء مستصرخًا فيلوح بثوبه، فسمي الدعاء تثويبًا لذلك، فإن حملنا التثويب على الإقامة أو الأذان ففيه دليل على أن الأذان أو الإقامة تسن للمسافر والغازي ولا تختص بالمقيم. (فجعل رسول الله يصلي وهو يلتفت) (١) أي: في حال صلاته وهو في أثنائها (إلى الشعب) يعني: الذي (٢) أمر الفارس باستقباله وحفظه، وقد استدل كثير من العلماء بهذا الحديث على جواز الالتفات في الصلاة بوجهه من غير تحويل قدميه إذا دعت إليه حاجة كالتفاته ﷺ إلى جهة الشعب الذي من جهة العدو لمعرفة أمر الفارس الذي اشتغل قلب الغزاة من جهته، فإن كان الالتفات لغير حاجة فيكره؛ لما رواه أبو داود عن أبي ذر: "لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت" (٣).

стр. 6963

وروى الترمذي (١) من حديث أنس: "إياك والالتفات في الصلاة، فإن كان ولابد ففي التطوع"، وقال: حديث صحيح. وفي بعض نسخ أبي داود المعتمدة: فجعل رسول الله يتلفت، بتقديم التاء على اللام وتشديد الفاء، وهو يدل على كثرة التلفت. (حتى إذا قضى صلاته) وهي صلاة الصبح (وسلم) أي: تسليمتين يمينًا وشمالًا كما هو غالب أحواله، ويحتمل أن تكون التسليمة الأولى فقط، فإن الفعل إذا أطلق يحمل على الأقل (قال: أبشروا) بفتح الهمزة كما قال تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ (٢). فيه: استحباب البشارة والتهنئة كما بشر النبي ﷺ كعب بن مالك بتوبة الله عليه بقوله: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك". متفق عليه (٣). (فقد جاءكم فارسكم) الذي ذهب إلى الشعب، وفيه: مدح للفارس (فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر) أي: إلى ما بين الأشجار التي (في الشعب) وواحد الخلال خلل، وأصله الفرجة بين الشيئين، وليس نظرهم (٤) إلى خلال الشجر شكًّا في إخبار النبي ﷺ ، فإن خبره يفيد العلم، لكن أرادوا أن يجمعوا بين العلم الخبري والعلم الضروري بحاسة البصر، وهذا على أن العلوم تتفاوت ويكون بعضها أقوى من بعض كما قال إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٥).

стр. 6964

(فإذا هو) يعني: الفارس (قد جاء) مسرعًا (حتى وقف على رسول الله ﷺ ) أي: وقف بفرسه على رسول الله ﷺ . وفيه: دليل على أن من أرسله الأمير إلى جهة وقدم منها أن يبدأ في قدومه بالاجتماع بالأمير قبل (١) غيره، وظاهر اللفظ أنه استمر راكبًا حتى وقف على النبي ﷺ ولم ينزل عن الدابة قبل أن يصل إليه كما هو الأدب، ولعله استمر راكبًا حرصًا على سرعة وصوله إلى النبي ﷺ إن الفرس أسرع مشيًا من مشيه. (فسلم) على النبي ﷺ ، فيه: تسليم القادم من السفر على المقيم، ويسلم الراكب على الماشي [والواقف والجالس، وتسليم الصغير على الكبير، كما في الصحيحين (٢): "ويسلم الراكب على الماشي] (٣) والماشي على القاعد"، وفي البخاري: "يسلم الصغير على الكبير" (٤). (فقال) يا رسول الله (إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب (٥) حيث أمرني رسول الله ﷺ ) فبت أرقبه هذِه الليلة حتى أصبحت (فلما أصبحت اطَّلعت) بتشديد الطاء من قوله: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ (٦)، وفي نسخة: طَلَعَت. بفتح اللام كما تقدم (الشعبين) أي: علَوْتهما. يعني: الشعبين الذين في وجه العدو [(كليهما) بإسكان

стр. 6965

المثناة قبل هاء الضمير، قلبت الألف ياء كما قلبت في: عليهما ولديهما. (فنظرت) من الشعبين إلى جهة العدو] (١) (فلم أر أحدًا منهم. فقال لي رسول الله ﷺ : هل نزلت) في هذِه (الليلة؟ ) عن فرسك؟ (قال: لا) أي: لم أنزل عنها (إلا مُصَلِّيًا) منصوب على المفعول له أي: إلا لأجل الصلاة (أو قاضيًا) بنصب الياء (حاجة) فيه دليل على شدة اعتنائهم بأمر رسول الله ﷺ واحتراصهم على أفعال الخير. (فقال له رسول الله ﷺ : قد أوجبت) بإسكان الباء الموحدة، أي: أتيت بفعلٍ أوجب الله لك به الجنة (فلا) حرج (عليك) في (أن لا تعمل) عملًا من أعمال البر (بعدها) أي: بعد حراستك الشعب في هذِه الليلة، والظاهر أن المراد بترك العمل العملُ الموجب لدخول الجنة وارتفاع الدرجات، وأما ما فرضه الله عليه من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك فلا يجوز له تركه بعد تلك الليلة بهذِه الحراسة، وهذا فيه حث عظيم وتفضيل جسيم للحراسة في سبيل الله تعالى.

стр. 6966

١٨ - باب كَراهِيَةِ تَرْكِ الغَزْوِ ٢٥٠٢ - حَدَّثَنا عَبْدَةُ بْن سُليْمانَ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنا ابن المُبارَكِ، أَخْبَرَنا وُهيْبٌ - قالَ عَبْدَةُ: يَعْني: ابن الوَرْدِ -أَخْبَرَني عُمَرُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ سُميٍّ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ ماتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ ماتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفاقٍ" (١). ٢٥٠٣ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْن عُثْمانَ وَقَرَأْتُهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الجُرْجُسِيِّ، قالا: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الحارِثِ، عَنِ القاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ لَمْ يَغْزُ أَوْ يُجَهِّزْ غازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غازِيًا في أَهْلِهِ بِخيْرٍ أَصابَهُ اللهُ بِقارِعَةٍ". قالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ في حَدِيثِهِ: "قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ" (٢). ٢٥٠٤ - حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ حميْدٍ، عَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "جاهِدُوا المُشْرِكينَ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ" (٣). * * * باب كراهة ترك الغزو [٢٥٠٢] (حدثنا عبدة بن سليمان) الصبي (٤) (المروزي، أنبأنا) عبد الله

стр. 6967

(ابن المبارك) المصري (١) (أنبأنا وهب (٢) بن الورد) بفتح الواو القرشي (أخبرنا عمر بن محمد [بن] (٣) المنكدر) أبي عبد الله (عن سمي) مصغر مولى أبي بكر (عن أبي صالح) السمان. (عن أبي هريرة (٤)، عن النبي ﷺ قال: من مات ولم يغز) أي: قيل إن الغزو ببدنه في سبيل الله (ولم يحدث نفسه بالغزو) أي: ولم ينو الغزو (مات) وهو (على شعبة) بضم الشين، وروي: شعبة من نفاق (٥). أي: خصلة من خصال (نفاق) وأصل الشعبة القطعة من الشيء، قال عبد الله ابن المبارك: نُرى ذلك -أي: نظن ذلك- كان على عهد النبي ﷺ (٦). يعني حيث كان الجهاد واجبًا، وحمله على النفاق الحقيقي، قال النووي: وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل. وقال غيره: إنه عام في جميع الأزمان، والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف. قال: ترك الجهاد أحد شعب النفاق (٧). وفي هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، وأن من لم يتمكن من فعل الخير فينبغي له أن يعزم على فعله إذا تمكن من فعله وأن ينويه (٨) لتكون نيته بد، من فعله في ذلك الوقت. وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها فأخرها

стр. 6968

بنية أن يفعلها في أثنائه فمات قبل فعلها أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى فمات قبل فعله فهل يأثم أم لا؟ والأصح عندهم أنه يأثم في الحج دون الصلاة؛ لأن مدة الصلاة وقتها محدود فلا ينسب إلى تفريط بالتأخير، بخلاف تأخير الحج، فإن وقته العمر وهو غير محدود (١). [٢٥٠٣] (حدثنا عمرو بن عثمان) بن كثير (وقرأته على يزيد بن عبد ربه الجُرجُسي) بضم الجيمين ومهملة (قالا: حدثنا الوليد بن مسلم) الدمشقي (عن يحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي: من لم يغز) بنفسه (أو يجهز غازيًا) بما يحتاج إليه في غزوه من العدة والسلاح والحمل والنفقة وغير ذلك، ويحصل هذا الأجر لكل جهاز قليله وكثيره (أو يَخْلُف) بفتح أوله وسكون الخاء وضم اللام (غازيًا) بالقيام (في أهله) من النساء والبنين، وعلى أمواله وخدمته (٢)، ويدخل فيه كل من خلف الغازي (بخير) من قضاء حاجة لهم أو ذب عنهم (أصابه الله) تعالى (بقارعة) أي: داهية من شدائد الدهر تقرع قلبه بالخوف، والهاء فيه للمبالغة، وتكون في البدن والمال، يقال: قرع الفناء إذا خلا من الماشية، ونعوذ بالله من قَرَعِ الفِناءِ وصَفَرِ الإناء (٣). (قال يزيد بن عبد ربه) الجرجي (٤) بفتح (٥) الجيمين وبينهما مهملة

стр. 6969

(في حديثه: قبل يوم القيامة) أي: تصيبه القارعة في الدنيا قبل موته، قال أحمد بن حنبل (١): يقول: لا إله إلا الله ما كان أثبته! ما كان فيهم - يعني: في أهل حمص- مثله! أي: مثل أبي الفضل يزيد بن عبد ربه. فيما رواه اللؤلؤي عنه. [٢٥٠٤] (أنبأنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (أنبأنا حماد) بن سلمة (عن حميد) بن عبد الرحمن (٢) (عن أنس: أن النبي ﷺ قال: جاهدوا المشركين بأموالكم) في كل ما يحتاجه المجاهد من دواب وسلاح وزاد، وغير ذلك (وأنفسكم) أي: بالقتال بالسلاح، وقال الله (٣) تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤)، وقد تقدم أول الباب أن الجهاد يكون بالقلب واللسان واليد والسيف (وألسنتكم) كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ (٥) أي: لا تداهنهم بالقول، وجادلهم بالقرآن، وبمخالفتك لهم، واغلظ كما قال تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٦).

стр. 6970

١٩ - باب في نَسْخِ نَفِيرِ العامَّةِ بِالخاصَّةِ ٢٥٠٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ الحُسيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١) وَ ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (٢) نَسَخَتْها الآيَةُ التي تَلِيها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٣) (٤). ٢٥٠٦ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ، حَدَّثَنا زيْدُ بْنُ الحُبابِ، عَنْ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ خالِدٍ الحَنَفي، حَدَّثَنِي نَجْدَة بْنُ نُفيعٍ قالَ: سَأَلْتُ ابن عَبّاسٍ عَنْ هذِه الآيَةِ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥) قالَ: فَأُمْسِكَ عَنْهُمُ المَطَرُ وَكانَ عَذابَهُمْ (٦). * * * باب نسخ نفير العامة بالخاصة أي: خروج الناس عامة، أي: نسخ فرض الجهاد على جميع الناس حين كان فرض عين (بالخاصة) أي: يفرضه على خاصة من الناس، أي: نسخ فرض العين بفرض الكفاية المقصود حصوله من غير جماعة معينين.
следующие страницы →