← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

١٨ - باب كَراهِيَةِ تَرْكِ الغَزْوِ ٢٥٠٢ - حَدَّثَنا عَبْدَةُ بْن سُليْمانَ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنا ابن المُبارَكِ، أَخْبَرَنا وُهيْبٌ - قالَ عَبْدَةُ: يَعْني: ابن الوَرْدِ -أَخْبَرَني عُمَرُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ سُميٍّ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ ماتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ ماتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفاقٍ" (١). ٢٥٠٣ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْن عُثْمانَ وَقَرَأْتُهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الجُرْجُسِيِّ، قالا: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الحارِثِ، عَنِ القاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ لَمْ يَغْزُ أَوْ يُجَهِّزْ غازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غازِيًا في أَهْلِهِ بِخيْرٍ أَصابَهُ اللهُ بِقارِعَةٍ". قالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ في حَدِيثِهِ: "قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ" (٢). ٢٥٠٤ - حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ حميْدٍ، عَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "جاهِدُوا المُشْرِكينَ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ" (٣). * * * باب كراهة ترك الغزو [٢٥٠٢] (حدثنا عبدة بن سليمان) الصبي (٤) (المروزي، أنبأنا) عبد الله

стр. 6967

(ابن المبارك) المصري (١) (أنبأنا وهب (٢) بن الورد) بفتح الواو القرشي (أخبرنا عمر بن محمد [بن] (٣) المنكدر) أبي عبد الله (عن سمي) مصغر مولى أبي بكر (عن أبي صالح) السمان. (عن أبي هريرة (٤)، عن النبي ﷺ قال: من مات ولم يغز) أي: قيل إن الغزو ببدنه في سبيل الله (ولم يحدث نفسه بالغزو) أي: ولم ينو الغزو (مات) وهو (على شعبة) بضم الشين، وروي: شعبة من نفاق (٥). أي: خصلة من خصال (نفاق) وأصل الشعبة القطعة من الشيء، قال عبد الله ابن المبارك: نُرى ذلك -أي: نظن ذلك- كان على عهد النبي ﷺ (٦). يعني حيث كان الجهاد واجبًا، وحمله على النفاق الحقيقي، قال النووي: وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل. وقال غيره: إنه عام في جميع الأزمان، والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف. قال: ترك الجهاد أحد شعب النفاق (٧). وفي هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، وأن من لم يتمكن من فعل الخير فينبغي له أن يعزم على فعله إذا تمكن من فعله وأن ينويه (٨) لتكون نيته بد، من فعله في ذلك الوقت. وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها فأخرها

стр. 6968

بنية أن يفعلها في أثنائه فمات قبل فعلها أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى فمات قبل فعله فهل يأثم أم لا؟ والأصح عندهم أنه يأثم في الحج دون الصلاة؛ لأن مدة الصلاة وقتها محدود فلا ينسب إلى تفريط بالتأخير، بخلاف تأخير الحج، فإن وقته العمر وهو غير محدود (١). [٢٥٠٣] (حدثنا عمرو بن عثمان) بن كثير (وقرأته على يزيد بن عبد ربه الجُرجُسي) بضم الجيمين ومهملة (قالا: حدثنا الوليد بن مسلم) الدمشقي (عن يحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي: من لم يغز) بنفسه (أو يجهز غازيًا) بما يحتاج إليه في غزوه من العدة والسلاح والحمل والنفقة وغير ذلك، ويحصل هذا الأجر لكل جهاز قليله وكثيره (أو يَخْلُف) بفتح أوله وسكون الخاء وضم اللام (غازيًا) بالقيام (في أهله) من النساء والبنين، وعلى أمواله وخدمته (٢)، ويدخل فيه كل من خلف الغازي (بخير) من قضاء حاجة لهم أو ذب عنهم (أصابه الله) تعالى (بقارعة) أي: داهية من شدائد الدهر تقرع قلبه بالخوف، والهاء فيه للمبالغة، وتكون في البدن والمال، يقال: قرع الفناء إذا خلا من الماشية، ونعوذ بالله من قَرَعِ الفِناءِ وصَفَرِ الإناء (٣). (قال يزيد بن عبد ربه) الجرجي (٤) بفتح (٥) الجيمين وبينهما مهملة

стр. 6969

(في حديثه: قبل يوم القيامة) أي: تصيبه القارعة في الدنيا قبل موته، قال أحمد بن حنبل (١): يقول: لا إله إلا الله ما كان أثبته! ما كان فيهم - يعني: في أهل حمص- مثله! أي: مثل أبي الفضل يزيد بن عبد ربه. فيما رواه اللؤلؤي عنه. [٢٥٠٤] (أنبأنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (أنبأنا حماد) بن سلمة (عن حميد) بن عبد الرحمن (٢) (عن أنس: أن النبي ﷺ قال: جاهدوا المشركين بأموالكم) في كل ما يحتاجه المجاهد من دواب وسلاح وزاد، وغير ذلك (وأنفسكم) أي: بالقتال بالسلاح، وقال الله (٣) تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤)، وقد تقدم أول الباب أن الجهاد يكون بالقلب واللسان واليد والسيف (وألسنتكم) كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ (٥) أي: لا تداهنهم بالقول، وجادلهم بالقرآن، وبمخالفتك لهم، واغلظ كما قال تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٦).

стр. 6970

١٩ - باب في نَسْخِ نَفِيرِ العامَّةِ بِالخاصَّةِ ٢٥٠٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ الحُسيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١) وَ ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (٢) نَسَخَتْها الآيَةُ التي تَلِيها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٣) (٤). ٢٥٠٦ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شيْبَةَ، حَدَّثَنا زيْدُ بْنُ الحُبابِ، عَنْ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ خالِدٍ الحَنَفي، حَدَّثَنِي نَجْدَة بْنُ نُفيعٍ قالَ: سَأَلْتُ ابن عَبّاسٍ عَنْ هذِه الآيَةِ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥) قالَ: فَأُمْسِكَ عَنْهُمُ المَطَرُ وَكانَ عَذابَهُمْ (٦). * * * باب نسخ نفير العامة بالخاصة أي: خروج الناس عامة، أي: نسخ فرض الجهاد على جميع الناس حين كان فرض عين (بالخاصة) أي: يفرضه على خاصة من الناس، أي: نسخ فرض العين بفرض الكفاية المقصود حصوله من غير جماعة معينين.

стр. 6971

[٢٥٠٥] (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين) ابن واقد [بن أبي سعيد] (١) (عن أبيه) الحسين بن واقد (عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ أي: إن لم تخرجوا جميعكم مع نبيكم إلى الجهاد (﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾) قال الزجاج (٢): هذا وعيد شديد في التخلف عن الجهاد. (و) قال تعالى: (﴿مَا كَانَ﴾) ينبغي (﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾) النبوية؛ وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم (﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾) في غزوة يغزوها (إلى قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾) [من الجهاد] (٣) (نسختها) أي: نسخت هذِه الآية والتي قبلها (الآية التي تليها) في التلاوة وهي قوله تعالى: (﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾) هذا نفي، ومعناه النهي عن أن ينفروا (﴿لِيَنْفِرُوا﴾) أي يخرجوا إلى العدو (﴿كَافَّةً﴾) أي: جميعًا. وسبب النهي أن الله لما عاتب الثلاثة الذي تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله ﷺ [أبدًا، فلما أمر رسول الله ﷺ ] (٤) بعد ذلك بالخروج إلى الجهاد نفر المسلمون جميعًا إلى الجهاد وتركوا رسول الله ﷺ بالمدينة وحده، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ

стр. 6972

فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (١)، وتبقى مع النبي ﷺ طائفة ليتفقه القاعدون في الدين ويعلموا الخارجين إذا رجعوا إليهم. [٢٥٠٦] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أنا يزيد بن الحباب) بضم المهملة (عن عبد المؤمن بن خالد) المروزي (الحنفي) قال: (حدثني نجدة بن نفيع) مصغر (سألت ابن عباس عن هذِه الآية) التي في براءة (﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًارٌ﴾ قال: ) إن رسول الله ﷺ استنفر حيًّا من أحياء العرب فتثاقلوا عن النفير (فأمسك) الله (عنهم المطر) فماتوا بالجوع (وكان) ذلك (عذابهم) بالنصب مفعول و (﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله ﴿يَعْمَلُونَ﴾ نسختها الآية التي تليها: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾) الذي ذكره الله، وفيه أن ترك الخروج للجهاد والرباط والتشاغل عنه بالحراثة والزروع سبب لحبس المطر.

стр. 6973

٢٠ - باب في الرُّخْصَةِ في القُعُودِ منَ العُذْرِ ٢٥٠٧ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصْورٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زيْدٍ، عَنْ زيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: كُنْت إِلى جَنْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذي فَما وَجَدْتُ ثِقَلَ شَيء أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثمَّ سُرّيَ عَنْهُ فَقالَ: "اكْتُبْ". فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ: لا يَسْتَوي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ. إِلى آخِرِ الآيَةِ فَقامَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ -وَكانَ رَجُلاً أَعْمَى- لَمّا سَمِعَ فَضِيلَةَ المُجاهِدِينَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ فَكيْفَ بِمَنْ لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَمّا قَضَى كَلامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذي وَوَجَدْي الضتُ مِنْ ثِقَلِها في المَرَّةِ الثّانِيَةِ كَما وَجَدْتُ في المَرَّةِ الأُولَى ثُمَّ سُرّيَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "اقْرَأْ يا زيْدُ". فَقَرَأْتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَقالَ رَسُول اللهِ ﷺ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٦] الآيَةَ كُلَّها. قالَ زيْدٌ: فَأَنْزَلها اللهُ وَحْدَها فَأَلْحَقْتُها، والَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إِلى مُلْحَقِها عِنْدَ صَدْعٍ في كَتِفٍ (١). ٢٥٠٨ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ حُميْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالمَدِينَةِ أَقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ وَلا قَطَعْتُمْ مِنْ وادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ". قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ وَكيْفَ يَكُونُونَ مَعَنا وَهُمْ بِالَمدِينَةِ؟ فَقالَ: "حَبَسَهُمُ العُذْرُ" (٢). * * * باب في الرخصة في القعود من الغزو من عذر [٢٥٠٧] (حدثنا سعيد بن منصور) الخراساني (حدثنا عبد الرحمن بن

стр. 6974

أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد) [بن ثابت ثقة عابد] (١) واستشهد به البخاري (عن أبيه زيد بن ثابت) بن الضحاك، وكان ممن يكتب الوحي لرسول الله ﷺ (كنت إلى جنب رسول الله) يقال: قعدت إلى جنب فلان وإلى جانبه بمعنى، وفيه كثرة تواضع النبي ﷺ ، واختلاطه بهم، والجلوس إلى جانبهم حيث ما انتهى به المجلس، هذا إذا جلس إليهم، وأما إذا جلس الصحابي عنده يبادر بين يديه (فغشيته) أي: جللته حين نزلت عليه (السكينة) فعيلة، من السكون، أي: الطمأنينة التي تغشاه حين ينزل عليه الوحي الثقيل من ربه. (فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي) يحتمل أن النبي ﷺ كان محتبيًا رافعًا ساقيه وزيد متربعًا، فلما نزلت عليه السكينة انحلت حبوته فوقعت فخذه، وفي رواية: حتى خشيت أن ترضها (٢). وكان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي يحمر وجهه بكدرة، وينكس رأسه وينكس أصحابه رؤوسهم، فإذا جلي عنه الوحي (٣) رفع رأسه، وكان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقًا (فما وجدت ثقل شيء) علي أبدًا (أثقل من فخذ رسول الله) حين نزلت عليه السكينة؛ لشدة الوحي الذي ينزل عليه وهوله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ (٤) لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق (٥) ونفس مزينة

стр. 6975

بالتوحيد، قال ابن زيد: هو والله [مبارك كما يثقل] (١) في الدنيا يثقل في الميزان (٢) (٣). (ثم سري) بضم السين وتشديد الراء أي: كشف (عنه) ما أصابه من الثقل، وفي رواية للبخاري: ثم انجلى عنه (٤). ورفع رأسه. (فقال: اكتب) فيه دليل على كتابة القرآن والحديث والعلم، وعلى إملاء الكاتب ما يكتبه (فكتبت في كتف) أي: من العظام. فيه: جواز كتابة القرآن والحديث في أكتاف العظام وفي الألواح والورق، وطهارة العظم المذكى وإن (٥) لم يغسل، وجواز الانتفاع به في الآلات والأواني وغير ذلك (﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦) وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقام) عبد الله (بن أم مكتوم) واسم أمه أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة (وكان رجلاً أعمى لما سمع فضيلة) ما أنزل الله في فضيلة (المجاهدين) في سبيل الله، وفي قوله: (قام) فضيلة القيام

стр. 6976

عند مخاطبة المشايخ (١) والعلماء والأكابر تأدبًا معهم وتعظيمًا لهم؛ لأن قوله (فقام) يدل على أنه كان جالسًا. (فقال: يا رسول الله، فكيف) يفعل (بمن لا يستطيع الجهاد) ولا الخروج معهم (من المؤمنين؟ ) لأنه أعمى (فلما قضى) ابن أم مكتوم (كلامه) وبيان عذره، وفيه دليل على أن الإنسان إذا كلمه أحد بكلام لا يقطع عليه كلامه بل يستمع له إلى أن ينقضي كلامه كما كان يصنع رسول الله ﷺ . (غشيت رسول الله السكينة) ثانيًا (فوقعت فخذه على فخذي) كما وقعت أولًا (ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت) من ثقلها (في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله) ما وجده من ثقل الوحي، فرفع رأسه إلى (فقال: اقرأ يا زيد) علي ما كتبته في الكتف. فيه: دليل على أن المعلم إذا أملى على الصبي أو غيره ما يكتبه في اللوح يستحب له أن يأمره بقراءته عليه ليصححه له لئلا يكون فيما كتبه نقص أو تحريف. (قرأت) عليه ما كتبته وهو قوله تعالى (﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) وفي "صحيح البخاري" (٢) عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول: لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر. (فقال رسول الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾) فيه: دليل على أن الكاتب إذا قرأ على المعلم ما كتبه يقرأ عليه ما بعده ولا يقول له: اكتب بعده كذا

стр. 6977

وكذا من كلام الله تعالى لئلا يدخل بين كلامي الله كلام الآدميين، ولا يحتاج إلى أن يعيد الاستعاذة ولا التسمية. قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار الذين أضرت بهم ومنعتهم الجهاد كالعمى والعرج والمرض، فأما الأعمى فلا جهاد عليه للآية، لكن على الأعور والأعشى، وأما الأعرج البين عرجه ولو في إحدى رجليه وإن وجد مركوبًا وأمكنه الركوب، وأما المريض فالمراد به المانع من القتال والركوب إلا بمشقة شديدة ومثلة ابن الصباغ بالحمى المطبقة ولا عبرة بصداع ووجع ضرس وحمى خفيفة. (الآية كلها) إلى آخرها. وفيها: أن الجهاد فرض كفاية [ليس بفرض عين. وفيه: رد على من يقول إنه كان في زمن رسول الله ﷺ فرض عين وبعده فرض كفاية] (١)، والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شرع، وهذِه الآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله تعالى [في ذلك، (٢): ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٣) (قال زيد) ابن ثابت: هذِه الآية (أنزلها الله وحدها) يعني: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ (فألحقتها) ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٤). (والذي نفسي بيده) فيه جواز الحلف بها، وجواز الحلف من غير استحلاف (لكأني) هذِه اللام جواب القسم (انظر) الآن (إلى مُلحَقها) بضم الميم موضع الإلحاق ويجوز فتحها، وهو أرجح؛ لأن ماضيه

стр. 6978

رباعي، وهو ألحق كما تقدم، والتقدير: لكأني أنظر الآن إلى ما ألحقتها فيه من المكان الذي ألحقتها به، وسمي الذي يلحق بالأول لَحَقًا بفتح اللام والحاء، فإن أهل الحديث والكتابة يسمون ما سقط من الكتاب فألحق بالحاشية أو بين السطور اللحق واشتقاقه من الإلحاق، ولو سماه المحدثون ملحقًا كما سماه زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله ﷺ ودل عليه الاشتقاق كان أولى، ولعلهم أرادوا أن يفرقوا بين جبر النقص الذي سقط من الابتداء وهو اللحق، وبين ما كان زائدًا على أصل صحيح وهو الملحق بزيادة الميم (عند صدع) بفتح الصاد المهملة وإسكان الدال أي شق كان (في الكتف) الكتف والكتف مثل كذب وكذب، هو عظم (١) عريض يكون في أصل [كتف] (٢) الحيوان، وفيه دليل على طهارة ما ذكي [لحمه وطهارة عظمه] (٣) الذي كتب فيه، وفي هذا دليل على أن الشاهد إذا احتاج إلى أداء الشهادة ويذكر كيفية الواقعة كما يذكر زيد كيفية نزول هذِه الآية، فإن تذكر بعض الواقعة كما إذا تذكر مكان الملحق عند شق الكتف فقط هل يشهد أم لا. [٢٥٠٨] (أنبأنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (أنبأنا حماد) بن سلمة. (عن حميد، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه) أنس (٤) (أن رسول الله قال: لقد تركتم بالمدينة أقوامًا) (٥) قال ذلك لما دنا من

стр. 6979

المدينة مرجعه من غزوة تبوك (ما سرتم مسيرًا) بفتح الميم وكسر السين أي في ليل ولا نهار (ولا أنفقتم من نفقة) صغيرة ولا كبيرة ولو سهمًا أو عقالًا (ولا قطعتم واديًا) أي أرض في ذهابهم ومجيئهم، فالوادي كل منفرج بين جبال أو آكام يجري فيه السيل (إلا وهم معكم فيه) بالنية، وفيه فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو أو غيره من الطاعات فحصل له عذر فمنعه، حصل له ثواب (١) النية، وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة أو الحجاج أو غيرهم كثر ثوابه. (قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا) في الغزو (وهم) مقيمون (بالمدينة؟ ) سبب تعجبهم كونهم حملوا اللفظ على حقيقته (قال: حبسهم) عن الحضور معكم (العذر) وفي رواية لمسلم (٢): "إلا حبسهم المرض"، وفي رواية: "إلا شركوكم في الأجر". وشركوكم بكسر الراء أي: شاركوكم، فيكتب لهم الأجر كما يكتب لكم أجر عملكم. وهذا الحديث يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي، فيحتمل أن يكون مساويًا، وفي فضل الله متسع للاستحقاق فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل، وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، ويعطى الغازي أجره بالتضعيف للمباشرة، كما قيل في قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات، يعطى أجر من قرأ القرآن بلا تضعيف،

стр. 6980

ومن قرأه كاملًا يعطى أجره مضاعفًا، قال القرطبي (١): القول الأول أصح إن شاء الله للحديث المذكور، قال: ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر: "إذا مرض العبد [قال الله] (٢): اكتبوا لعبدي ما كان يعمل في الصحة" (٣).

стр. 6981

٢١ - باب ما يُجْزِئُ مِنَ الغزْوِ ٢٥٠٩ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن عَمْرِو بْنِ أَبي الحَجّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، حَدَّثَنا الحُسيْنُ، حَدَّثَني يَحْيَى، حَدَّثَني أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَني بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَني زيْدُ بْن خالِدٍ الجُهَنيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنْ جَهَّزَ غازيًا في سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزا وَمَنْ خَلَفَهُ في أَهْلِهِ بِخيْرٍ فَقَدْ غَزا" (١). ٢٥١٠ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَني عَمْرُو بْن الحارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي حَبِيبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي سَعِيدٍ مَوْلَى المَهْريِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَثَ إِلى بَني لِحْيانَ وقالَ: "لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُليْنِ رَجُلٌ". ثُمَّ قالَ لِلْقاعِدِينَ: "أيُّكُمْ خَلَفَ الخارِجِ في أَهْلِهِ وَمالِهِ بِخيْرٍ كانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الخارِجِ" (٢). * * * باب ما يجزئ من الغزو [٢٥٠٩] (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي (٣) الحجاج أبو معمر) بفتح الميمين المقعد (أنبأنا عبد الوارث) بن سعيد التميمي (أنبأنا الحسين) المعلم (أخبرني يحيى) بن سعيد الأنصاري قال (حدثني أبو سلمة) عبد الله. (قال: حدثني بُسْر) بضم الموحدة وسكون المهملة (بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، أن رسول الله ﷺ قال: من جهز غازيًا في سبيل الله)

стр. 6982

جهاز الغازي ما يحتاج إليه في غزوه من العدة والسلاح والمركوب والنفقة وغير ذلك قليلًا كان أو كثيرًا. (فقد غزا) أي: كتب له أجر من غزا في سبيل الله (ومن خَلَفه) بتخفيف اللام، مضارعه بضمها، كما قال تعالى: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (١) في أهله) نسائه وأولاده وخدمه ودوابه وغير ذلك (بخير) أي: بنوع من أنواع الخير كمن ذب عنهم أو ساعدهم في أمرهم (فقد غزا) أي: أجره كأجر من غزا كما أن من فطر صائمًا كان له مثل أجره كما رواه النسائي (٢) في حديث: "وأجر من جهز غازيًا أو جهز حاجًّا أو خلفه في أهله أو فطر صائمًا كان له مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء". لكن روى الطبراني (٣) عن سلمان: "من فطر صائمًا على طعام أو شراب من حلال". فلعل جهاز الغازي (٤) شرطه أن يكون من حلال ويتضاعف الثواب بكثرة الإحسان ويقل بقلته. [٢٥١٠] ([حدثنا سعيد بن منصور، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يزيد بن أبي سعيد] (٥) عن أبي سعيد مولى المهري) هو بالراء، واسمه سالم بن عبد الله.

стр. 6983

(عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ بعث إلى بني لِحْيان) بكسر اللام على الأفصح من بني هذيل، وقد اتفق العلماء على أن بني لحيان كانوا في ذلك الوقت كفارًا فبعث إليهم بعثًا يغزوهم (وقال) لذلك البعث اليخرج من كل رجلين رجل) رواية مسلم (١): ليخرج من كل قبيلة نصف عددها وهو المراد بقوله: "من كل رجلين رجل". (ثم قال: للقاعد) منهم (: أيكم خَلَف الخارج) إلى الغزو في أهله وماله) من قضاء حاجة لهم وفي الحفظ للمال (٢) (بخير: كان له) من الأجر (مثل نصف (٣) أجر الخارج) وأما كون الأجر بينهما ولا يلزم أن يكون ثوابهما سواء، والقائم على أهل الغازي أو ماله نائب عن الغازي في عمل لا يتأتى معه الغزو، فليس مقتصرًا على النية فقط، بل هو عامل في الغزو، ولما كان كذلك كان له مثل أجر الغازي كاملًا موفورًا (٤) مضاعفًا. * * *

стр. 6984

٢٢ - باب في الجُرْأَةِ والجُبْنِ ٢٥١١ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الجَرّاحِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَى ابْنِ رَباحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوانَ قالَ: سَمِعْتُ أَبا هُريْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " شَرُّ ما في رَجُلٍ: شُحٌّ هالِعٌ وَجُبْنٌ خالِعٌ " (١). * * * باب في الجرأة والجبن الجرأة بضم الجيم مثال الجرعة، هي الشجاعة، وقد يترك همزه فيقال: الجرة بفتح الراء المخففة، مثل كرة، كما قالوا للمرأة: مرة. [٢٥١١] (حدثنا عبد الله بن الجراح، عن عبد الله بن يزيد) بفتح الياء (عن موسى بن علي) مصغر (بن رباح) بفتح الراء ([عن أبيه] (٢) عن عبد العزيز بن مروان، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: شر ما في رجل (٣) شح) قال الجوهري (٤): الشح البخل مع حرص. قال القرطبي (٥): الشح في كل أحد، فإن الإنسان لابد [أن] (٦) يشح بحكم خلقته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره.

стр. 6985

(هالع) قال الجوهري (١): الهلع أفحش الجزع. قال الله تعالى: ﴿* إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ (٢)، وقد هلع بالكسر هو هالع، والهالع الذي يجزع فيه العبد ويحزن، كما يقال ليل نائم، أي: ينام فيه، ومعنى الحديث: وشر (٣) ما في الرجل الشح الذي يمنع صاحبه من إخراج الحق الواجب عليه، وإذا استخرج منه هلع وجزع. (وجبن) بإسكان الباء الموحدة (خالع) والجبن الخالع هو الشديد الذي يكاد يخلع فؤاد صاحبه من شدته، وقد استعاذ النبي ﷺ من الجبن والبخل؛ (٤) لما فيهما من التقصير عن (٥) أداء الواجبات، والقيام بحقوق الله تعالى، والنهي عن المنكر، والإغلاظ على العصاة، وبالشجاعة يقوم الإنسان بنصر المظلوم والجهاد، وبالسلامة من الشح يقوم بحقوق المال ومكارم الأخلاق. * * *

стр. 6986

٢٣ - باب في قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٢٥١٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ حيْوَةَ بْنِ شريْحٍ وابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرانَ قالَ: غَزَوْنا مِنَ المَدِينَةِ نُرِيدُ القُسْطَنْطِينِيَّةَ وَعَلَى الجَماعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ والرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحائِطِ المدِينَةِ فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى العَدُوِّ فَقالَ النّاسُ: مَهْ مَهْ لا إله إِلا اللهُ يُلْقي بِيَديْهِ إِلى التَّهْلكَةِ. فَقالَ أَبُو أيُّوبَ: إِنَّما نَزَلَتْ هذه الآيَةُ فِينا مَعْشَرَ الأَنْصارِ لَمّا نَصَرَ اللهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ الإِسْلامَ. قُلْنا: هَلُمَّ نُقِيمُ في أَمْوالِنا وَنُصْلِحُها، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فالإِلْقاء بِالأيْدي إِلى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ في أَمْوالِنا وَنُصْلِحَها وَنَدَعَ الجِهادَ. قالَ أَبُو عِمْرانَ: فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أيُّوبَ مُجاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ حَتَّى دُفِنَ بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ (١). * * * باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [٢٥١٢] (أنبأنا أحمد بن عمرو بن السرح) المصري (أنبأنا) عبد الله (ابن وهب) المصري (٢) (عن حيوة بن شريح و) عبد الله (ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حَبيب (٣)، عن أسلم) كنيته (أبي عمران) التجيبي مولاهم تابعي، يعد من البصريين (٤).

стр. 6987

(قال: غزونا من (١) المدينة) لم يعينها رواة الحديث، وفسرها أبو داود فقال: وفي بعض النسخ بنون المتكلم (٢) ومن معه. أي (٣): قاصدين القسطنطينية (نريد القسطنطينية) بضم القاف والطاء الأولى وزيادة ياء مشددة بعد النون، ويقال: قسطنطينة بحذف الياء المشددة، والأول أكثر. مدينة عظيمة هي الآن في يد الإفرنج من الروم، وسيأتي في الملاحم أن فتحها علامة خروج الدجال وقيام الساعة (٤). (وعلى الجماعة) يحتمل أن يكون عريفًا عليهم؛ لما سيأتي (عبد الرحمن بن خالد بن الوليد) القرشي المخزومي، قال ابن عبد البر (٥): أدرك النبي ولم يحفظ عنه ولا سمع منه، وكان عبد الرحمن من شجعان قريش وفرسانهم، وكان أبوه خالد بن الوليد البطل المعروف من كبار الصحابة، وقتل عبد الرحمن بصفين مع معاوية ﵁. هكذا في أبي داود: (وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد). وأما رواية الترمذي (٦) فقال فيه: وعلى الجماعة فضالة بن عبيد. والظاهر أنه هو أمير الجيش، فإنه سمع من النبي ﷺ وشهد المشاهد كلها، قال في "الاستيعاب" (٧): أمره معاوية على الجيش فغزا الروم في

стр. 6988

البحر وثبتنا بأرضهم (والروم) عند القتال (ملصقوا ظهورهم) بالجر على الإضافة، ولهذا حذفت نون جمع المذكر (بحائط المدينة) يعني القسطنطينية. أي: يقاتلون من وراء الجدار، كما قال تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (١) أي: يقاتلون متحصنين بالجدار (٢)؛ لما أوقع الله في قلوبهم من الخوف (فحمل رجل) من جماعة المسلمين وحده (على العدو) ورواية الترمذي: حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم (فقال) رواية الترمذي: فصاح (الناس) خوفًا عليه وإنكارًا لما فعله، وقالوا له: (مه مه) كلمتا زجر مكررة، قال ابن السراج: وهما حرفان مبنيان على السكون سمي بهما الفعل، ومعناهما اكفف اكفف عن إهلاك نفسك (لا إله إلا الله) فيه التعجب بقول: لا إله إلا الله، وسبحان الله، وما في معناهما، وفي رواية الترمذي (٣): سبحان الله. بدل: لا إله إلا الله، واستعمال سبحان الله للتعجب أكثر (يلقي بيديه) والباء في بيديه زائدة. التقدير: يلقي يديه، ونظيره ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٤) قال المبرد: بيديه أي: بنفسه، فعبر بالبعض عن الكل كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٥) وقيل: معناه استسلم؛ لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه (إلى التهلكة) بضم اللام مصدر هلك يهلك هلاكًا.

стр. 6989

وتهلكة أي: أخذ في فعل يهلكه. وقد اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، على الجيش العظيم، على وجهين: أحدهما: يلزمه الفرار، ولا يجوز الدخول فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ولهذا الحديث. والثاني: لا يلزم الفرار ولا بأس بالثبوت، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (١) ولما روي: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت لو انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت دخلت (٢) الجنة؟ قال: "نعم"، فانغمس في صف المشركين وقاتل حتى قتل (٣). وحكى الرافعي عن الإمام أنه إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية في الكفار لزم الفرار، وإن كان في الثبات نكاية فيهم ففي جواز المصابرة الوجهان (٤). قال محمد بن الحسين: لو حمل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نكاية العدو، وإلا فمكروه؛ لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة المسلمين، فإن كان قصده (٥) تجرئة المسلمين عليهم حتى يفعلوا مثل فعله فلا يبعد

стр. 6990

جوازه، وإن كان في ذلك نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدحه الله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) الآية. (فقال أبو أيوب) رواية الترمذي: فقام أبو أيوب فقال: يا أيها الناس إنكم لتأولون هذِه الآية هذا التأويل (إنما أنزلت هذِه الآية) الكريمة فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه) رواية الترمذي: لما أعز الله الإسلام (وأظهر) الله (الإسلام) وكثرنا (قلنا: هلم نقيم) رواية الترمذي: فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله ﷺ : فلو أقمنا في أموالنا ونصلحها) أي: نصلح منها ما ضاع منها (فأنزل الله) على نبيه يرد علينا ما قلنا (﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾) [وقرأ الخليل (٢): التهلكة بكسر اللام، تفعلة من هلَّك بتشديد اللام، أي: أهلك. قال أبو أيوب: (فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة)] (٣). وفي "مختصر المنذري" (٤): والإلقاء بأيدينا إلى التهلكة معناه المراد به (أن نقيم) أي: نتخلف للإقامة (في أموالنا) أي: وأهلينا وأولادنا (ونصلحها) بالحفظ والتصرف فيها بالبيع والشراء وغير ذلك (وندع) أي: نترك (الجهاد) في سبيل الله، وفي رواية الترمذي: فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلناه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فكانت

стр. 6991

التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وترك الغزو. (قال) أسلم (أبو عمران) الراوي (: فلم يزل أبو أيوب) الأنصاري (يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية) من أرض الروم، وقبره هناك معروف. وفي الآيات أقوال كثيرة أقواها ما ذكره البخاري في كتاب الحج من "صحيحه" (١) عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون فيقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس. [ ... ] (٢) عن حذيفة ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: نزلت في النفقة (٣). أي: بأن يتركوا النفقة في سبيل الله ويخافوا العيلة. * * *

стр. 6992

٢٤ - باب في الرَّمْى ٢٥١٣ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبارَكِ، حَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ، حَدَّثَني أَبُو سَلَاّمٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ زيْدٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "إِنَّ اللهَ لدْخِلُ بِالسَّهْمِ الواحِدِ ثَلاثَةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ: صانِعَة يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخْيرَ والرّاميَ بِهِ وَمُنْبِلَهُ وارْمُوا وارْكَبُوا وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلى مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا ليْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلا ثَلاثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ وَمُلاعَبَتُهُ أَهْلَهُ وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْى بَعْدَ ما عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّها نِعْمَةٌ تَرَكَها". أَوْ قالَ: "كَفَرَها" (١). ٢٥١٤ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْن مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، أَخْبَرَني عَمْرُو بْنُ الحارِثِ، عَنْ أَبي عَليٍّ: ثُمامَةَ بْنِ شُفَى الهَمْدانيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ الجُهَنيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وهُوَ عَلَى الِمنْبَرِ يَقُولُ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْى أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْى أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْى" (٢). * * * باب في الرمي (٣) روى سعيد في "سننه" (٤) عن خالد بن زيد قال: كنت راميًا، وكان عقبة بن خالد الجهني [يمر بي] (٥) فيقول: اخرج بنا يا خالد نرمي،

стр. 6993

فلما كان ذات يوم (١) أبطأت عنه فقال: هلم أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله. [٢٥١٣] (حدثنا سعيد بن منصور) الخراساني (أنبأنا عبد الله بن المبارك) الهُنَائِيّ (٢) (حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني أبو سلام) ممطور الحبشي (عن خالد بن زيد) الجهني، تفرد بهذا الحديث (عن عقبة بن عامر) بن عبس بإسكان الباء الموحدة الجهني، سكن مصر وكان واليًا عليها (٣)، وتوفي في آخر خلافة معاوية. (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يدخل بالسهم الواحد) فكيف بالكثير منها، وقوله (بالسهم) أي: بسبب السهم (ثلاثة نفر الجنة) أي: مع السابقين من غير مؤاخذة، فإن من قال: لا إله إلا الله. يدخل الجنة وإن لم يرم بسهم (صانعه) الواحد إذا انفرد بعمله، فإن صنع السهم الواحد جماعة فهل يكون سببًا لدخولهم جميعهم الجنة؟ كرم الله أوسع من ذلك (يحتسب) أي: يطلب في صنعته) أي: يطلب به وجه الله تعالى وما عنده في عمله من (٤) (الخير) والثواب، يقال: فلان يحتسب الأخبار، أي: يطلبها (والرامي به) في سبيل الله، وإطلاقه يقتضي حصول الثواب لمن أصاب في رميه أو أخطأ، ومن بلغ به العدو أو لم يبلغ بل قصر عنه، والرامي منصوب

стр. 6994

بالعطف على ما قبله، لفظ ابن ماجه: "والممد به" (١). (ومنبله) قال المنذري (٢): هو بضم الميم وفتح النون وتشديد الباء الموحدة وكسرها، والظاهر أن الضمير في منبله عائد إلى الرامي، يقال: نبلته وأنبلته: ناولته النبل إذا رمى به العدو. قال البغوي (٣): هو الذي يناول الرامي النبل، وهو يكون على وجهين: أحدهما: يقوم بجنب الرامي أو خلفه فيناوله النبل واحدًا بعد واحد. والثاني: أن يرد عليه النبل المرمي به. قال المنذري (٤): ويحتمل أن يكون المراد بقوله: منبله. أي: الذي يعطيه للمجاهد ويجهزه به من ماله إمدادًا له وتقوية، ويدل على هذا ما في رواية البيهقي (٥): سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهز به (٦) في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله ". وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: "كنت أنبل على عمومتي (٧) يوم الفجار" (٨).

стр. 6995

قال أبو عبيدة: أي كنت أجمع لهم النبل (١). قال الأصمعي: نَبَّلْت الرجل بالتشديد، أي: ناولته النبل (٢). قلت: وعلى هذا فيجوز أن يقرأ مُنَبِّله بتشديد الباء الموحدة بعد النون المفتوحة. والحديث يؤخذ منه أن الذي يناول النبل يكون ممن ضعف عن القتال كالصبيان (٣) الذين لم يبلغوا الحلم والنساء وغيرهم. (وارموا) (٤) أي: بالسهام من النشاب مسابقة أو إلى غرض -بفتح الغين المعجمة والراء- وهي العلامة التي يرمي إليها من قرطاس أو دائرة مما رفع على الأرض أو نصب في الهواء، والأمر هنا للإباحة أو الاستحباب، والمقصود به الرياضة والتمرين على الرمي قبل لقاء العدو (واركبوا) بفتح الكاف: الخيل وغيرها من الدواب التي تركب للجهاد لتأديبها وليروضها للقتال، وليعتاد ركوبها والكر بها على العدو، ويدل على ذلك ما روى الطبراني في "الكبير" بإسناد جيد -كما قال المنذري- (٥) عن عطاء بن أبي رباح، قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير (٦) الأنصاري يرتميان (٧)، فمل أحدهما،

стр. 6996

فجلس، فقال له الآخر: كسلت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو [أو سهو] (١) إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله وتعليم السباحة" (٢). (وأن ترموا) (أن) بفتح الهمزة مصدرية تقدر هي وما بعدها بالمصدر، أي: والرمي بالسهام (أحب) خبر المبتدأ المقدر بالمصدر، كقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣). (إلى من أن تركبوا) أي: من ركوبكم الخيل لتأديبها كما تقدم (ليس) أي: ليس يباح لكم (من اللهو إلا ثلاثة) أشياء، وفي بعض الروايات: "ليس من اللهو ثلاثة"، ولفظ ابن ماجه (٤): "وكل ما يلهو به المسلم إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنه من الحق" (تأديب الرجل فرسه) تعليمه فرسه الركض والجولان على نية الغزو بالركوب عليها والمسابقة بها وتعليمها ما تحتاج إليه من الأمور المستحبة في أمثالها، وفي معنى الفرس كل ما يقاتل عليه من الإبل والفيل والبغل، وفي معناه تعليم الكلب للصيد والحراسة، وتعلم سباحة (وملاعبته أهله) (٥) ومزاحه معها بالنزول إلى درجات عقولهن لتطيب قلوبهن

стр. 6997

وتحسن العشرة معهن، وقد قال النبي ﷺ لجابر: " هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" (١). وقال لقمان (٢): ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي، فإذا كان في القوم وجد رجلًا. ويدخل في الأهل الزوجة والولد والخادم، لكن لا ينبسط في الدعابة (٣) معهم وموافقتهم باتباع هواهم إلى حد يفسد خلقهم ويسقط بالكلية هيبته عندهم، بل يراعي الاعتدال فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى منكرًا. (ورميه بقوسه) يدخل في عموم القوس العجمية، وهي الفارسية: وهي التي يرمى بها النشاب. والعربية: وهي التي يرمى بها النبل كما قاله الأزهري وغيره، كما يدخل النشاب والنبل في عموم قوله ﷺ : " أو نصل " (٤)، لكن روى ابن ماجه (٥) وأبو داود في "المراسيل" (٦) واللفظ له عن عبد الرحمن بن عدي البهراني عن أخيه عبد الأعلى، عن رسول الله ﷺ أنه بعث عليًّا يوم غدير خم فرأى رجلًا معه قوس فارسية، فقال له رسول الله ﷺ : "يا صاحب القوس ألقها فإنها ملعونة ملعون حاملها، وعليكم بهذِه القسي (٧) العربية -وأشار بقوسه-

стр. 6998

وأشباهها والرماح والقنا (١) بهاتين يسدد الله دينكم، وبها يمكن الله لكم في البلاد". قال أبو داود (٢): قد أسند هذا الحديث وليس بصحيح؛ لأن عبد الله بن بشر الراوي عن عبد الرحمن ليس بالقوي، كان يحيى بن سعيد يضعفه. وهل الرمي بالقسي العربية والفارسية متساويان في الاستحباب أو العربية أولى؟ وجهان في كلام الماوردي (٣) والظاهر: أن العربية أولى لهذا الحديث المتقدم؛ وإن كان ضعيفًا (ونبله) إن قلنا: إن الضمير في (نبله) عائد على القوس فالمراد به: القوس العربي، فإن النبل مختص به، كما تقدم عن الأزهري، وعلى هذا ففيه ترجيح للعربي، وإن قلنا: الضمير في (نبله) عائد على الرجل، فيكون المراد بالقوس: الفارسي، والنبل: العربي، وعلى هذا فهما متساويان في استحباب الرمي بهما. (ومن ترك الرمي) بالسهام (بعد ما علمه) يدل على أن معرفة الرمي من العلوم الشرعية (رغبة عنه) أي: لم يرده زهدًا فيه لا لعذر من مرض ونحوه (فإنها) أي: خصلة الرمي كانت (نعمة) أنعم الله تعالى عليه بها فلا يتركها تركًا يؤدي إلى نسيانها (تركها) أي: ترك العمل بها والشكر عليها (أو قال) الراوي (كفرها) وهذا شك من بعض الرواة، ورواية الحاكم (٤): "فهي نعمة كفرها"، وقال: صحيح الإسناد.

стр. 6999

وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على ذم من علم الرمي ثم تركه. قال النووي (١): ونسيان الرمي بعد علمه مكروه كراهة شديدة. وسبب هذِه الكراهة أن هذا الذي تعلم الرمي حصلت له أهلية الدفاع عن دين الله ونكاية العدو وتأهل لوظيفة الجهاد، فإذا تركه فقد فرط في القيام بما تعين عليه، هذا (٢) إذا قصد بتعليمه الجهاد، فإن قصد غيره قال الماوردي: فهو مباح إذا لم يقصد به محرمًا، فلو قصد تعلمه ليقطع به الطريق أو ما في معناه صار حرامًا. [٢٥١٤] (أنبأنا سعيد بن منصور) الخراساني (أنبأنا عبد الله بن وهب) المصري (أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري (عن أبي علي ثُمَامة بن شُفي) بضم المعجمة، الهمْداني (٣) بسكون الميم (أنه سمع عقبة ابن عامر الجهني يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر) المرتفع ليكون أبلغ في سماع ذلك، ولعل ذلك كان في خطبة الجمعة أو في غيرها من الخطب المشروعة، وفي هذا حث على العمل بذلك. (يقول) في قوله تعالى: (﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾) أي: هيئوا لقتالهم قبل مجيئهم (﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾) أي: ما أمكنكم أن تهيئوه وقدرتم عليه (﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾) قال الزمخشري (٤): من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها من القسي والسهام والرماح والسيوف والدروع والمجان وسائر

стр. 7000

آلات الحرب والخيل، وما في معنى ذلك ومما يعد من القوة: اجتماع القلوب واتفاق الكلمة، فإن التنازع واختلاف الكلمة تذهب القوة كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا﴾ (١) أي: ليصبر بعضكم على ما يقع من بعضكم (٢) (ألا إن القوة) المذكورة في الآية هي (الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) بالسهام، وهذا من تفسير الكتاب بالسنة الصحيحة والمطلق بالمقيد. قال القرطبي (٣): لفظ الآية عام لسائر آلات الحرب إلا أنه لما كان الرمي أنكاها للعدو وأنفعها فسرها الشارع وخصها بالذكر وأكدها بقوله ثلاث مرات. قلت: ومن التأكيد ذكره لذلك على المنبر -كما تقدم- وإن كان في خطبة الجمعة فهو آكد. قال: ولم يُرد الشارع أنها جميع العدة، بل أنفعها، ولما علم عقبة بن عامر راوي الحديث أن الرمي بالقسي أنفعها أعد للجهاد سبعين قوسًا في سبيل الله. قال النووي: في الحديث فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد، وكذلك المثاقفة (٤) وسائر أنواع استعمال السلاح، وكذا

стр. 7001

المسابقة بالخيل، والمراد بهذا كله التمرن على القتال والتدريب والتحذق فيه ورياضة الأعضاء بذلك (١). انتهى. ومن القوة التي يحتاج إليها للجهاد توفير الأظفار، كما حكى الإمام أحمد عن عمر ﵁، قال: وفروا الأظفار في أرض العدو فإنه سلاح يحتاج إليها. ألا ترى أنه إذا (٢) أراد أن يحل الحبل أو الشيء فإذا لم يكن له أظفار لم يستطع. وقال أحمد عن الحكم بن عمرو: أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نحفي الأظفار في الجهاد، وأن القوة الأظفار (٣). قلت: ومما يعد من القوة الإفطار في الأيام التي يسن صيامها وأكل المأكولات الدسمة كاللحم والسمن وما في معنى ذلك، كما في الحديث: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" (٤). وهذا لمن لا يعتاد الصوم، أما من اعتاده ولا يضعف بالصوم فلا. * * *

стр. 7002

٢٥ - باب في مَنْ يَغْزُو ويَلْتَمِسُ الدُّنْيا ٢٥١٥ - حَدَّثَنا حيْوَة بْن شريْح الحَضْرَميُّ، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ، حَدَّثَني بَحِيرٌ، عَنْ خالِدِ ابْنِ مَعْدانَ، عَنْ أَبي بَحْرِيَّةَ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "الغَزْوُ غَزْوان فَأَمّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللهِ وَأَطاعَ الإِمامَ وَأَنْفَقَ الكَرِيمَةَ وياسَرَ الشَّرِيكَ واجْتَنَبَ الفَسادَ فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنَبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّهُ وَأَمّا مَنْ غَزا فَخْرًا وَرِياءً وَسُمْعَةً وَعَصَى الإِمامَ وَأَفْسَدَ في الأَرْضِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالكَفافِ" (١). ٢٥١٦ - حَدَّثَنا أَبُو تَوْبَةَ: الرَّبِيغِ بْنُ نافِعٍ، عَنِ ابن المُبارَكِ، عَنِ ابن أَبي ذِئْبٍ، عَنِ القاسِمِ، عَنْ بُكيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنِ ابن مِكْرَزٍ -رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشّامِ-، عَنْ أَبي هُريْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً قالَ: يا رَسُولَ اللهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الجِهادَ في سَبِيلِ اللهِ وَهُوَ يَبْتَغي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيا فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا أَجْرَ لَهُ". فَأَعْظمَ ذَلِكَ النّاسُ وَقالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَعَلَّكَ لَمْ تُفَهِّمْهُ. فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الجِهادَ في سَبِيلِ اللهِ وَهُوَ يَبْتَغي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيا، فَقالَ: "لا أَجْرَ لَهُ". فَقالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقالَ لَهُ الثّالِثَةَ فَقالَ لَهُ: "لا أَجْرَ لَهُ" (٢). * * * باب فيمن يغزو يلتمس الدنيا يعني بغزوه. [٢٥١٥] (حدثنا حيوة بن شريح) بن يزيد (الحضرمي، ثنا بقية) بن الوليد الشامي (حدثني بَحِير) بفتح الموحدة وكسر المهملة (عن خالد بن

стр. 7003

معدان) الكلاعي (عن أبي بَحْريَّة) بفتح الموحدة وسكون المهملة، اسمه عبد الله بن قيس. (عن معاذ بن جبل، عن رسول الله قال: الغزو) في الظاهر (غزوان) فيه دليل على جواز التقسيم قبل التفسير، كقوله تعالى: ﴿آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ (١)، وقد يأتي التفسير بلا تقسيم، كقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (٢)، ولم يقل: لثمانية، ثم فسرها (فأما من) غزا و (ابتغى) أي: طلب بغزوه (وجه الله) خالصًا فهذا هو أعلى الغزو النافع (و) مع إخلاص النية (أطاع الإمام) فيما يراه مما أدى إليه اجتهاده، فإن طاعة الإمام لازمة للرعية (وأنفق) في غزوه (الكريمة) من أمواله -يعني: النفيسة- التي هي خيار ماله وأحبها إليه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣) كما فعل زيد بن حارثة ﵁ أنه كان له فرس يقال له: سَبَل، وكان أحب أمواله إليه وأنفس خيله، فجاء به إلى النبي ﷺ وقال: هذا في سبيل الله، فقال لأسامة بن زيد: "اقبضه" فكأن زيدًا وجد من ذلك في نفسه لكونه وصل إلى ابنه وخاف من نقصان أجره، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قبلها منك" ذكره أسد بن موسى (٤) (٥). ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فإن المشهور أن المراد بالطيب: الجيد النفيس الذي يستطاب أكله دون الخسيس.

стр. 7004

(وياسَرَ الشريك) أي: عامل من بينه وبينه شركة في المركوب والزاد وغير ذلك باليسر والسماحة والإيثار، ومنه الحديث "ياسروا في الصداق" (١). أي: ارضوا منه بما استيسر ولا تغالوا فيه. وفيه دليل على أن يشترك الرجلان في فرس يشتريانه (٢) يغزوان عليه، يركب هذا عقبة، وهذا عقبة، وعلى الاشتراك في الزاد، بل موافقة جماعة في الطعام يتعاونون عليه أولى من انفراده؛ لأنه لا يمكنه الانفراد بالطعام وحده، وفي الانفراد بالطبخ مشقة، ولا بأس بالتناهد فقد تناهد الصالحون وكان الحسن إذا سافر مع رفقته أنهد. والنهد (٣): بكسر النون، وهو: أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئًا من النفقة يدفعونه إلى رجل منهم ينفق عليهم ويأكلون جميعًا، وكان الحسن البصري يدفع إلى وكيلهم مثل واحد منهم ثم يعود فيأتي سرًّا ويدفع إليه مثل ذلك، وعلى صحة شركة الأبدان وإن لم يحصل من فعل أحدهما شيء؛ لما سيأتي عن عبد الله: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء (٤). وبصحتها قال مالك (٥) ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..

стр. 7005

وأحمد (١) وجوزها أبو حنيفة؛ (٢) وإن اختلفت صنعتاهما وافترق موضعاهما، ومذهب الشافعي أنها باطلة (٣). (واجتنب الفساد) وهو ضد الصلاح وحقيقته العدول عن الاستقامة والمعنى: ترك المعاصي وأهلها (فإن نومه ونَبهه) بفتح النون ضبطه المنذري (٤) بفتح النون (٥) وإسكان الباء الموحدة، أي: انتباهه من نومه واستيقاظه يعني: وأكله وشربه ومشيه وسائر أفعاله وأقواله المباحة في غير الغزو يكتب له (أجر كله) في صحائف حسناته ويجده يوم القيامة موفورًا نوى (٦) به العبادة أو لم ينو، وما ذاك إلا للأصل المتقدم وهو كونه ابتغى به وجه الله تعالى، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين، ولو أنها -يعني: الخيل- مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له. (وأما من غزا فخرًا) أي: يفتخر به على غيره (ورياء) بالهمز والمد أي طلبًا للمنزلة في قلوب الناس بإظهار العبادة لهم، وهما منصوبان على المفعول له (وسمعة) أي: وليستمع الناس بغزوه فتعظم منزلته في قلوبهم (وعصى الإمام) أو أمير السرية فيما يراه (وأفسد) أي: أظهر
следующие страницы →